التصنيفات
إيروتيك نصوص أدبية

نشوة – ماري محمد

أغمضت عينيها في ومضةٍ بدا معها أن للّذة عمقًا لا يمكن إدراكه إلا بالتسليم التّام لتلك العِتمة. وهناك، بوضوحٍ كامل، رأت الله.


كان ذلك متوقعًا.

فهي أعادت تشكيل هذا المشهد في ذهنها سلفًا مئات المرّات. وبشكل أكثر احتدامًا في كل مرّة.

كانت امرأة. كان رجُلًا.

استطاعت تقليص اختناقات الإثارة التي شعرت بها في كل مرّةٍ تواجدا فيها معًا إلى هذه المعادلة. لم تكن امرأةً عاديّة. إذ لم توشّحها الآلهة -التي لم تؤمن بها يومًا- فقط ذلك التأثير الأنثويّ الذي يتصدّع الرجال أمامه، وتنهار تلقاءه كل مقاومة تحاول أن تقف في سبيل الانقياد إليه. بل كانت لديها، أيضًا، القدرة على تمييز الرّجل الذي سيداعب شعرها بحنانٍ -لا يقل شهوانيّة- بعد أن تذوب بين يديه، والذي لا يهتمّ -وإن أبدى خلاف ذلك- سوى بالفوز برهانٍ عقده مع عُقدة نقصٍ عشّشت في تجاويف هشاشته بأنه سيستطيع في نهاية المطاف، ومهما كلفه الأمر، مباعدة ساقيها.

لا يبدُو أي من أنواع الرّجال الذين اعتادت أن تسمّيهم قرودًا مهمًا الآن. لأنها بين يديه. هو. هذا الرّجل. الذي تذكّرت -بينما أصدرت مواءً متقطّعًا- أول مرةٍ رأته فيها. يظهر بعض الرجال في حياة النساء، اليائسات مثلها، مثل باخِرةٍ شقّت الأفق على نحوٍ غير متوقع لإحداث نقلة هائلةٍ في حبكة هلاك على وشك الحدوث.

أسفر لقاؤها الأوّل به عن صعقةٍ أعادت لما ظنته ميتًا فيها حياته من جديد. وعن تواطؤٍ شهيّ، وقرارٍ، كان لعوبًا، وحاسمًا: ثياب داخليّة حريريّة سوداء، كل يوم. شعرت أسفله بنهديها كعصفورين طليقين. وحين تشبّثت بكتفيه كقارب نجاة، غرزت -بشبقٍ واضح- أظافرها التي لم تكن لتقبل بعد الآن بأي هُدنة. ولعقت شفته العُلويّة التي انسدل عليها شاربُه الذي أثارها إهمالُه منذ الوهلة الأولى.

حفّزها ذلك الوخز الرجوليّ الذي أشعرتها به كثافة شاربه على تعرية جوعِها إليه. فالتحمت شفتاهُما كجُرح آخذ في الالتئام. طافت بها محطّات عذاباتها -أثناء ذلك- كشهاب آفِل. وأدهشها دفق ما يمكن أن يتذكره المرء، ويفكر به، خلال اللهاث المتسارع للحظةٍ حميميّة. لكن أيقظها وجهه من ومض تلك الفكرة. وأثارتها حدّة تحديقِه الذي ظنت أنه قد رأى من خلاله روحها من الدّاخل.

يمكن للنظراتِ أيضًا أن تكون جنسًا.

قادتها تلك الحقيقة الملمُوسة إلى التحديق فيه ملء ألمها، شبقها، وطبيعتها التي لطالما آمنت بانتمائها للقِطط. ظلَّت تلهث. وما انفكّت وتيرته الضاجّة داخلها عن إشعارها بشظاياها عائدةً لتتسق كما كانت يومًا صورةً كاملة. استغرقت رمقها الأخير تلك الصّرخة المحمّلة بكل ما شكّلها كامرأة. فأغمضت عينيها في ومضةٍ بدا معها أن للّذة عمقًا لا يمكن إدراكه إلا بالتسليم التّام لتلك العِتمة. وهناك، بوضوحٍ كامل، رأت الله.