المدونة

  • جمانة حداد _ بلادُكِ هذا الليل الحارق

    جمانة حداد _ بلادُكِ هذا الليل الحارق

    من تكونين أيتها الغريبة ؟
    أقنعتك الماحيةُ قسماتِ الهجس هي النافذةُ العمياء
    بنهم البرق تسرقين النوم
    ومن مجون أحلامك تفور الرعشات
    مرصودة أنتِ لجهنّم الجسد
    وصدعُكِ يتفتّح في الإناء
    فكيف لوحدتك أن تتوسّد القلب
    رغم النهارات المكتظة
    وكيف لحزنكِ أن يرتدي الجفون
    ولمساءاتك الشديدة الانحدار
    أن تنتشل الوجه من الهاوية ؟

    من تكونين يا غربة الذكرى عن الملمس
    وغربة الجذور عن الفرار
    أيها الانحلال الغامض ككثافة الغيم
    والاندثار الشبيه بالذات ؟

    العطشانُ جسدٌك ترويه شهوته
    كصحراء تنتشي من ظمأ رمالها
    أرضك الضيقة أرحب من صدر العاشق
    ونقطة من عريكِ فينهمر القمر.

    قولي كيف يؤتمن خيالك على الجوهر
    كيف تلتئم رغباتك عند الفجر
    وتلهب توقك إلى التعرّي ؟
    كيف يكون لكل شروقٍ سكّينه أيتها الغريبة
    كيف تستطيعين !

    غريبةٌ أنت أيتها الغريبة
    تتأبطين وحدتك
    التي تركض في السهول
    باحثةً عن عصافير للغابة
    وحدتك الخفيفة
    كنهدٍ لم يجتز عتبة الخيال.

    ترى أين تسندين نجمتك عندما تمسك العتمة ؟
    أين تلمعين أيتها النجمة الغريبة ؟

    من تكونين أيتها الغريبةُ يا نفسي
    يحسبونك المتمردة
    وما أنت إلاّ شبقٌ يخترق ذاته
    وذاك الذي يحسبونه رفضاً
    ما هو إلاّ دوار التيه.

    ومن فرط الأقنعة يمّحي وجهك.

    by William paiva

  • احمد عبد الرحمن – حتى داسني الصدى بقدميه.

     

    Asaad Ferzat – Syrian Artist

     

    أغربلُ زجاج المسافة بروحي

    وابحثُ عنكِ

    بين أكوام الجروح

    اخنقُ اصابع قلبي

    وانا اشيرُ بها

    إلى أكثر الاتجاهات عمقاً بالغياب

    أحشو الفراغ

    بأحشاءِ صبري

    ومازال ينقصه عظاما

    تدللُ نباح كلاب وحدتي

    “رحيلك “

    لم أصدق انه يقلبني كجثة

    حتى غادرتِني كطعنة

    “النداء عليكِ وانتِ تتقمصين كل هذا البعد”

    لم أكن أعلم أنه أكثر الأشياء إهانة

    حتى داسني الصدى بقدميه

    ؛

    وها انا

    اضحك

    لكون قماش البكاء

    أقصر من أن يستر عورة حزني

    اضحك لأني تحت كل شيء

    وفوق لا شيء

    أسقط كرامتي

    وانتظر أن تدوسها خطوات عودتك .

  • رامة _ طفو

    رامة _ طفو

    يَومَها..
    كَان الليلُ غَارقا في تجلياته
    خلعتُ قميصَ صمتي
    وَفتحتُ أَزرار صوتكَ
    ارتميتُ عَارية، لا جدوى تَلفّني
    خَمشتُ صَدرَ أحاديثكَ المكررة
    ليستَ هي سَببَ بكائي..

    خيبة عَالقة، بحنجرتي
    خيبة أنكَ لستَ أنت!!
    وَأنني لا أعرفك

    يَومهَا… رَكَلَت القطةُ، فُنجاني العاشر
    لَم أكن أشرب شيئا!!
    كُنت أُدرّبُ شفاهي عَلى أعمال أُخرى
    غَيرَ الكَلام
    كُسِرَ الفنجان.. جُرحَ جَسدُ الغرفة
    نزفتُ أنا..
    وَأنتَ لَم تكن موجودا…
    فَكانَ غائبا، البُكاء
    وَكان مُريحا فوقَ صدر البلاطِ، الارتماء
    وَكان جميلا الاختِناق، الذي خلقهُ الهواء..

  • السعيد عبد الغني – لن أسجن عدمى

    لن أسجن روحى أبدا فى المتاهة
    إلا إن كانت قبرا يمضغه الحب
    ولن أسجن عقلى أبدا فى السماء
    إلا إن كانت عصابة الأبدية
    ولن أسجن جسدى أبدا فى العهر
    إلا إن كان طريقا لصوفية الأورجازم
    ولن أسجن يدى أبدا فى هوة اللغة
    إلا إن كانت مقدسا للغموض
    ولن أسجن عدمى أبدا فى الوجود
    إلا إن كان مقشة للصراخ
    ولن أسجن غيابى أبدا فى الحضور
    إلا إن كان ترسانة الهزيمة
    ولن أسجن أبدا تأملى فى عيونى
    إلا إن كان أرضا للكرز
    ولن أسجن أبدا صورتى فى المرآة
    إلا إن كانت فحما للحدس
    ولن أسجن أبدا عزلتى فى الكون
    إلا إن كانت قبلة لحنطة الظلام
    ولن أسجن ضياعى أبدا فى المخاض
    إلا إن كان قراءة لثقوب الآخر
    ولن أسجن أبدا حساسيتى فى لامبالاتى
    إلا إن كانت رمزا يمتشقه الدخان
    ولن أسجن أبدا خرابى فى الذعر
    إلا إن كان كيانا لفاكهة الكتابة
    ولن أسجن أبدا دربى فى الحزن
    إلا إن كان مجردا من التمزق
    ولن أسجن طينى أبدا فى الشفق
    إلا إن كان حربا للطفولة والكهولة
    ولن أسجن عريي أبدا فى زخم الأمكنة
    إلا إن كان الفناء برأس مقطوعة
    ولن أسجن ظلى أبدا فى الضوء
    إلا إن كان يعجز عن الارتعاش
    ولن أسجن زرقتى أبدا فى البحر
    إلا إن اكتشفت كرحالة الألوان فى مخيلة الطبيعة
    ولن أسجن أبدا شكى فى اليقين
    إلا إن كان يكسو لواطة المعرفة
    ولن أسجن أبدا ادراكى فى مستعمرة الحواس
    إلا إن كان حنقا على التجربة
    ولن أسجن أبدا دموعى فى العيون
    إلا إن كانت قربانا للمجانين
    ولن أسجن أبدا بولى فى مثانتى
    إلا إن كان هدية للعالم
    ولن أسجن أبدا هويتى فى الوطن
    إلا إن كان سفينة الخواء
    ولن أسجن أبدا إلهى فى سماء
    إلا إن كان ملحا للمسوخ
    ولن أسجن أبدا قدرى فى الصدفة
    إلا إن كان يبحث عن تضاريس الوصول
    لن أسجن أبدا دياثة النهر فى الأغنية
    إلا لكى أطرد أوفيليا من عورة الانتحار
    لن أسجن أبدا اللسان فى ثوب اللعنة
    إلا لكى تترقب الأنوثة رقص الدماء
    لن أسجن أبدا دوارق الصحو فى النسيان
    إلا لكى يطمئن اللاوعي على القصيدة
    لن أسجن أبدا الولادة فى صعلكة الإيقاع
    إلا لكى ين الخوف عجينة الرحم
    لن أسجن ابدا سلام البياض فى سرد السواد
    إلا لكى تفرح الهواجس بمعراج الأفول
    لن أسجن أبدا صلابة الجذور فى الرياح
    إلا لكى يختمر سفر الأطياف الذى يمتد فى رقعة الهزيع
    لن أسجن أبدا الغيم فى ضلوع الرياح
    إلا إن أمطرت على السرو فقط
    لن أسجن أبدا نفسى فى السنونو
    إلا إن كان صديقا للحرية
    لن أسجن أبدا وحدتى فى الأفلاك
    إلا إن كانت تجند الردى
    لن أسجن أبدا قدماي فى الرحلة
    إلا إن كانت مهدا للامعانى الحبلى
    لن أسجن أبدا خيبتى فى مجد القبور
    إلا إن كانت صفراء كالسكوت
    لن أسجن أبدا الشمس فى الفراغ
    إلا إن كانت تنزف بطاعون اللامحدود .

  • يجلس داخل ظهره – سلطان عمر.

     

    1-
    في وقت متأخر من الليل، إستطاع سلفادور أن يعرف ما الذي يكدره، إنها الريح، تساءل في سره عن إمكانية أن يكون اعتقاده صحيحاً، وحضرت الإجابة مباشرة، أحدهم في الخارج صرخ: الريح تحاول قتلنا، هرع لكي يتبين ذلك، وعندما فتح النافذة، جال ببصره وسمع أحدهم يهمس له: كم مرّةً علينا أن نموت بسبب الريح يا سلفادور؟ أغلق النافذة خائفاً من أن يكون ما يفكر به قد حدث بالفعل، لقد خرج الكابوس من رأسه

    2-
    كنت أعتقد قديماً أن الشخص الذي يحب أن يستمع الى الموسيقى سوف يختار أن ترافقه الى القبر، حيث ستخرج بين الوقت والأخر شياطين صغيرة ومضحكة لتخبره بأنه لولاه لكانت تشعر الأن بملل فظيع: الأموات كما تعلم نادراً ما يحضرون معهم الموسيقى، وكثيراً ما يفضلون عليها الذكريات..

    3-
    كنت أشعر بالغرابة تجاه أمي، إنها لا تفعل أي شيء دون أن تستخدم يديّها، حتى عندما يتعلق الأمر بحزني، تطّويه وتضعه على أحد الرفوف وتذكرني بأن الإله لا ينسى أحدًا، كانت إِلَهًا بطريقة ما..

    4-
    عندما سئل الضابط خوسيه عن عدد الطلقات الّتي يحتاجها لكي يقتل رجلًا قويًّا، أجاب بعد أن ضحك: الرجال الحقيقيون لا تقتلهم البنادق، بل يفعل ذلك الندم
    5-
    لقد دخنت سيجارة أمام أبي، كان هذا أعظم شيء فعلته منذ مدة طويلة، لم يكن ينظر إلي، ولم يتحرك أو يصرخ، لقد كان ميتاً، ومع ذلك، بقيت أشعر برهبة أن ينهض في أي وقت..

    6-
    لقد دمّرت القراءة وعيك، أو هو بالأحرى وعي أجدادك، تلك الحماقات التي كانوا يطلقون عليها فضائل..

    7-

    لا شيء تغير منذ أحببنا العالم حتى كرهناه، لا يزال الإنسان هو القاتل والضحية..

    8-

    كان ثمة شيء عالقٌ في روحي، وقد كانت يداً..

    9-
    في الأعياد، يغلق نافذته، ولا يسمح لصيحات الفرح أن تحطّم هشاشته..
    10 –

    أتساءل أحياناً عما يمكن أن يحدث لو توقفنا جميعنا عن الركض وإلتفتنا إلى الخلف وكانت الحياة التي نركض نحوها موجودة هناك..
    11-
    بعد منتصف كل ليلة، يفتح النافذة، ويخرج رأسه على مهل ثم يسمح للطبيعة أن تثأر منه..

  • المرأة النمر –  أندريس نيومان – ترجمة: أحمد عبداللطيف

    المرأة النمر – أندريس نيومان – ترجمة: أحمد عبداللطيف

    شمّتْ رائحتي كلما اقتربتُ، والتفتتْ. أحاول أن أنبهها إلى أنني لا أهتم بها، غير أني دائماً أبله ومتصنع. هي تلعق رسغيها وساعديها، وتراقبني بحيطة. تستوي في مجلسها فجأة، وتفرد ظهرها، وتتجول في دائرة حولي. أريد أن أستغل حركاتها لألتقط لها صورة أو لأكتب عنها عدة أسطر، أي شيء يجعلني فاعلاً في هذا المشهد. وفي الحال تضجر من محاصرتي وتسير عدة خطوات صوب الحافة. تهرب من الصفحة. مضطربة. ما من شيء ألمع من البقعات بلون المشمش في عنقها، الذي يتمدد وينكمش كلما راقبت مؤخرتها. منذ فترة وأنا أدرسها، وحتى الآن لم أتحقق إلا من شيء وحيد، أنها تنام آخر النهار، تتوه في الليل، وتتطلع من هذا الجانب ظهراً، حينما تشتد الشمس بحرارتها على ظهرها وتحرق حدقتيها الملونتين. ومنذ اليوم الذي عثرت عليها فيه، شاردة، ضاغطةً بنابها في رقة على شفتها، لم أتوقف عن تخيل صيد الحيوانات. من يصطاد من؟ فمها بالطبع يعد بدوران، بدم، بطقس موت رشيق. وسلاحي قلمي: الكافي، على الأقل، للاستسلام بكرامة. رجفة المضطجع، وخطوط بطنه عند التنفس، تغرق نظري، تثير هواجسي. وهديرها العذب لشلال صغير يطاردني عندما أحلم. وعند اليقظة، في المقابل، أحلم بمطاردته. تتمتع بحاسة شمّ حادة، حتى إنها تستسلم للدهشة فوق الصفحة. قد يحتاج الأمر إلى رواية، وربما إلى عدة روايات، للإحاطة بالأمل الذي ينز منها ويُحفظ في لحظة بوسط فقرة ما. لكن لفعل ذلك قد أحتاج إلى دراستها خلال سنوات. وفي نهاية المطاف، كل شيء يكمن في أن تتمكن من خداع النمر. يجبرها الجوع، أحياناً، على الاقتراب بتلصص ساحر ولعق نفسها. وإن كانت لم تهاجمني إلى الآن فذلك لأنها، مؤقتاً، يروقها ما أكتبه، أو على الأقل يداعب مرحها. ومن جانبي، أنا مستعد للتضحية: البقاء في الحياة محض تفاهة… وأعرف جيداً أنني لا أهمها كثيراً، وأنني بالنسبة إليها، بالأساس، لست إلا قطعة لحم. غير أنني أعرف أيضاً أنه إذا مر يومان دون أن نلتقي، تبحث عن أي ذريعة لتعود وتدور في قصتي. حتى إنها أحياناً تمنحني الشرف وتقلم أظافرها أمام عينيّ، وتفركها ببطء متقن في شجرة. وأحياناً ألاحظ كيف تتأخر في ساعة الانصراف، بينما كانت ترسم موجات مغناطيسية بذيلها المنقط. وأكثر من ذلك، أنا على يقين أنها في دورها كحيوان شرس وصامد، تشعر بالوحدة في ليالي القمر المكتمل. وأنها أحياناً، أيضاً، تبذل جهداً وتتذكرني.


    *نص: أندريس نيومان
    *ترجمة: أحمد عبداللطيف

  • عامود الإنارة الذي لا يأكل – أحمد صالح.

    سعاد مردم بيك – سوريا

     

    عشر دقائق انتظار كانت كفيلة بأن يترك جسده ويخرج بوجهه من الباب الزجاجي، في الخارج يبدو كل شيء لا يعرف الانتظار، العربات تسير في طريقها، الفتيات يتراقصن بخفةٍ على الرصيف، الأكياس كذلك تمسك باليد وتخاف أن تفلت أمعائها، عواميد الانارة وحدها التي لا تتحرك، تصطف في تتابع منظم، لكن ضوءها الساقط عامودياً ينذر باليأس . تواردت لديه الخاطرة النموذجية التي تشبه انتظاره، ربما كنت عامود انارة في حياة سابقة، فأنا وحيد.. مثله، وكوني أعمل في صيانة كهرباء الشوارع فأنا أضيئها .. مثله، طولي متر وخمسة وتسعين سنتميتر فأنا طويل .. مثله، أحب النظر الى تحت قدميّ لا لشيء الا لأن رأسي لا تعرف كيف تنهض الى أعلى .. مثله. توالت الصفات المتشابهة بينه وبين عامود الانارة فيما أنتبه إلى صوت النادل الذي أخبره بأن طاولته أصبحت جاهزة، تحول وجهه من جهة الشارع إلى ملامح النادل ذات الابتسامة المستعارة من فيلم تافه، وقال : لم أعد بحاجة الى تناول الطعام، فعواميد الإنارة لا تأكل.

  • نهارات قصيرة .. ليال طويلة – تشارلز سيميك – ترجمة أحمد شافعي

    نهارات قصيرة .. ليال طويلة – تشارلز سيميك – ترجمة أحمد شافعي

    تلفزيونٌ قديمٌ في بيتٍ خاوٍ، يقولُ لنفسه: “يبدو أنه مكتوبٌ عليّ، أو مقسومٌ لي، أو أنني ملعونٌ بأن أعيش وسطَ أشياء لن أسمعها يومًا تنتهي”.

    ***
    ليلةٌ باردةٌ من ديسمبر. متشردةٌ منكمشةٌ على نفسها في مدخلِ بنايةٍ في الشارع الشرقي الثالث من نيويورك، تكلم الربَّ، وهو كالعادةِ ملجومَ اللسان.
    ***
    ثورٌ له رأسُ مفكرٍ عميق التفكير، يقف وحيدا في حقلٍ تكسوه طبقةٌ خفيفةٌ من الجليد، غير راضٍ مطلقًا عما يراه.
    ***
    يحكي لي أخي: “رأيت ستة أو سبعة، آسيويين، يسيرون في الشارع باتجاهي، لاحظت أن أحدهم يحمل كيس بقالة يضمه إلى صدره وفيه كلب عجوز. وأنا أنظر إليهم، أدركت أنهم ذاهبون إلى جمعية الرفق بالحيوان، وكانت على بعد بنايات قلائل، ليسلموه لهم. كان وداعا مؤثرا ورائعا للكلب الحبيب، العائلة كلها، بالجدود، بالجميع”.
    ***
    يظلُّ أحَبُّ أدواتِ الكتابة إليَّ هو عُقبُ قلمِ الرصاص، وأَحَبُّ سطوح الكتابة هو ظهرُ فاتورة الكهرباء. أُحبُّ أن أجلسَ إلى مائدة المطبخ التي تقطّع عليها زوجتي البصل وتذرف الدموع، فكلما ارتبكت أو عجزت عن التفكير في ما يلي، ينفتح باب الثلاجة ويأتي طبق الباستا الباردة أو قطعة اللحم المشوي الضخمة لتكون عونًا لي على القصيدة.
    ***
    شاشة المراقبة
    كلب على ساقين
    يتضرع على باب السوبر ماركت.
    ***
    هل كان قدماء المصريين يصفّرون إذ يمرون بالهرم ليلا؟ هل كان ناثانيل هاوثورن يصفّر وهو يجرجر ساقيه في شوارع “سالم” المعتمة؟ أنا شخصيا أفعل هذا دائما إذ أمر بإحدى المقابر العائلية الصغيرة العديدة في طريقي. لا أعرف اسم النغمة القصيرة المرحة التي أصفرها، ولكنها إلى الآن تقوم بالواجب على أتم نحو: تبعد عني الأشباح.
    ***
    “أكثر ما أحبه في الطبيعة لامبالاتها بالإنسان والمعاناة الإنسانية. ففيما نحن هنا بمآسينا الصغيرة أو الهائلة، تهب الرياح، ويخشخش الورق في الشجر، ويتفتح الزهر، ويموت ـ ثمة ارتياح كثير في اللامبالاة”. الشاعرة فالزينا مورت في حوار لـ نيو ليترز. وأنا موافق.
    ***
    كانوا ليتجسسوا على البراغيث في جسم كلب مهجن لو استطاعوا ـ أو لعلهم يفعلونها أصلا.
    ***
    الظاهر أن الغربان تبدأ يومها بمشاجرات زوجية ومع تقدم الوقت يقل ويقل ما يمكن أن يقال.
    ***
    يحلو للمحاورين وطلبة الأدب أن يسألوا الشعراء أن يكشفوا لهم عن أسرار صنعتهم، وكأنهم طهاة مشاهير يتوقون إلى إشراك الآخرين في وصفاتهم من خلال برامج الطبخ التليفزيونية، ويمكن أن يقولوا شيئا من قبيل: اشتر ولكن من مكتبة مضمونة قاموس أوكسفورد فيه ستمائة ألف كلمة وثلاثة ملايين مقتطفا، واطلب من الجزار أن يقطع لك منه ما بين 4 إلى 5 أرطال للشوي وضعها على الشواية، ويصيبهم الإحباط ويبدو على وجوههم الضيق حينما يقول لهم الشاعر إنه لا يعرف على الإطلاق كيف كتبت قصيدته أو لماذا.
    ***
    أقول لكم الحق، أنا دائما أكتب شيئا ما في السر. ضبطتني زوجتي مرة وأنا أعض طرف قلمي الرصاص فقالت لي “ليتك لا تكتب المزيد من اللغو الممل الذي تسميه شعرا”. فقلت “لا يا حبيبتي. أنا فقط أحاول أن أضبط ميزانيتنا لأتفرغ بعد ذلك لأكتب لك رسالة غرامية”.
    ***
    ندمي الصيفي: عاريان حديثا الزواج يجوبان الغابة على ظهر نمر في لوحة لمقلد بائس لـ دونييه روسو كان يمكن أن أشتريها بخمسين دولار من مزاد في بئر السلم، لكنني كنت مغفلا ولم أفعل.
    ***
    “ليس لدي ما أخفيه” عبارة لم يسأم من ترديدها طوال القرن الماضي المواطنون في الدول البوليسية، واليوم نسمع الأمريكيين يقولونها. كيف يمكن أن تكون حرا وبلا أسرار معا، هذا ما لا يبدو أنه يدخل في عقولهم.
    ***
    جدته، التي تعيش وحدها، تجوب البيت بالساعات كل ليلة، تحاضر المرايا.
    ***
    القصيدة منبه، منبه غريب يريد له صانعه أن يتوقف بعد عدد معين من التكتكات.
    ***
    “كأنما مكتبة الرجل حريمه. ألاحظ أن لديهم عزوفا شديدا عن عرض كتبهم على غريب” كذلك كتب إمرسون في يومياته سنة 1848. مع الكتاب الإلكتروني والإنترنت، حتى القراءة لم تعد سرية. نهوضي من السرير في الليلة الماضية لأحضر شعر أوفيد الإيروتكي جعلني أشعر أنني أقوم بعمل طائش هدام سوف يؤخذ يوما ما عليّ.
    ***
    حينما كنا شعراء شبابا، كنت أنا وجيم تيت مفتونين بـ جيمي رودجرز وأغنياته الجهورية. كنا نسكر، ونشغِّل تسجيلاته لساعات، ونبقى نغني معه مراوحين بين الطبقات الصوتية الطبيعية والجهورية، رامين إلى أن نتعلم مثله الغناء بهذه الطريقة، بحيث إذا جاءت الأمسية الشعرية التالية أذهلنا الجمهور المتكلف بغناء كغناء رعاة البقر إثر كل مقطع من قصيدة، فإما أن نثير الضحك والسخرية، أو نصبح لدى الطليعيين في مصاف العباقرة. ولكننا لم نفلح فط في التعلم.
    ***
    عزيزتي الأبدية،
    هل تلملمين الساحرات العجائز الموتى ثم تبرقشين بحُلِيِّهم ذات البريق الذاوي سماء الليل؟
    ***
    أظل أفكر في تلك المرأة الجميلة التي مررت بها في الشارع الليلة الماضية والتي من المؤكد أنني لن أراها من جديد. ويقولون عني “الذي ضاعت منه رأسه فقضى آخر أيامه يبحث عنها”.
    ***
    عرافة غجرية جالسة إلى منضدة صغيرة مدورة في صالة شقتها في جنح ليلة ما محملقة باهتمام في الآيفون إلى أن يأتي زبونها التالي.
    ***
    حزينة كانت، قصة حبه، حتى أن كل من كان يسمعها كان ينفجر في الضحك.
    ***
    لكل شاعر أو شاعرة طريقة في البكاء على الزمن المنسرب. قد يكون في هذا سر انجذاب الكثيرين للشعر.
    ***
    “أوثر الإنصات لشجرة على الإنصات لفيلسوف” كذلك كان يقول صديقي القديم توني برنشيارو، ولكن الشجر الآن خلا من الورق فلم يعد لديه ما يقوله وقد بدأ الجليد يهطل.
    ***
    “كلنا نتحسس طريقنا في العتمة” هكذا أهمس في جنح الليل، لا لشيء غير أن أسمع صوتي.

    نصوص: تشارلز سيميك. ترجمة: أحمد شافعي

  • مطر – تركي علي.

    مطر – تركي علي.

    Louay Kayali (1934–1978 (aged 44) Aleppo, Syria) was a Syrian modern artist.

     

     

    يخيّم الجفاف اليوم على أرضنا، جفاف لا يرضيه ينع الثمر. يجرّ يد ثمرة متشبثة بشجرة كدراء، يحركها بهوائه ذات اليمين وذات الشمال. تفتتن الثمرة بعنفوان ريحه. تقتلعُ ورقة أولى، ثانية، تتعرى من ثيابها. تقطعُ حبلها السري المرتبط بمشيمة الشجرة. تسقطُ الثمرة، فيتلقفها أتباع الجفاف. ينزعون قشرتها الخارجية ويمتصون بألسنتهم الهوائية كل ما دب فيها من حياة. يتركونها وراءهم بمائها المسكوب وجسدها الذابل.
    سقطتْ الثمرة ولم تسقطِ الشجرة. بكتْ واقفةً، تمنّتْ أن تسقط، أن تسقط لتجنح بأوراقها على جسد ابنتها العاري. أراقبُ هذا المشهد المسرحي التراجيدي ماشيًا. مرّتْ ريح تسير في حركة دائرية وألقت ثوب الأرض الترابيّ على عينيّ, فذهب بصري، ذهب وأصبحت أعمى.

    صرخ صوت في سريرتي قائلاً:

    – اصرخ، اصرخ يا رجل، آه يا لك مسكين.. فقد أصبحت أعمى.

    هممت بالصراخ، لكن الصوت قاطع رغبتي قائلاً بيأس:

    -اصرخ، اصرخ يا رجل، لكن لن يسمعك أحد. الكل جف ويبس، سواك أنت والشجرة.

    فركتُ عينيّ، لكنّي لم أرَ شيئاً، ليلٌ حالك، ليلٌ لا قمر فيه ولا نجوم.

    انكببتُ على الأرض أبحث عن جذعٍ أغين، جذعٌ يسندني لأمشي، وألتهمه إن جعتُ. اصطدم بي شيءٌ مختبئ في التراب. تلمستُ الأرض، كان جذع شجرة قاس اللحاء. قالت الشجرة التي سقطت منها الثمرة بصوت أجش:
    – قطعتُ يدي لك، إنه جذعٌ قويّ، لكنه لا يزال يخضب بدمي الأبيض. هو دَيْنٌ عليك, دين مقداره وزن يدي ذهباً يا أعمى، لكنّي أطلبك بدله إرجاع ابنتي، أرجعها لي أرجوك.

    ضحكتُ من سخف قولها وقلت:

    – أنا أعمى أيتها الشجرة الخَرِفَة، كيف لي أن أجد ابنتك وأنا لا أجد للنور سبيلاً.

    تحشرج صوتها، أخرجته بحنق لتقول:

    – يا لمصيبتي.. بليتُ بشاب صعلوك أبله. تلمّس الأرض، أو تتبع رائحة دماء ابنتي بأنفك. يا لحظي التعيس، هلك أهالي المدينة جميعهم و تركوا لي أعمى أبله.

    ضرب صوت الجوع بقدمه جدار معدتي. ابتسمتُ وأنا أقلّبُ الجذع بين يديّ، وصحت بفرح:

    – سأهرب، سأركض حتى أصطدم بواحة أو طعام، الحقيني إن استطعتِ.

    قالتْ بنفاد صبر:
    – اهرب يا أبله، أهرب لتتحول إلى عظام، عظام ثم رماد تذروه الرياح، فطعام المدينة كله قد هلك.

    قلت بتهكم:

    – وما نفعي بكِ يا خرفة؟

    سمعت صوت شيء يسقط، أمرتني أن أرى ما أسقطَتْ، فصحتُ بها:

    – أنا اعمى، أعمى، ألا تفهمين!

    قهقهتْ واهتزّ ظلها وما تحته من تراب وقالت:

    -هذه إحدى ثمار جارتي الميتة التي ائتمنتني عليها، أرجع لي ابنتي وخذها طعاماً لك.

    أكملتْ تحيك الوقائع لصالحها قائلةً:

    – إن جذوري تُقبّل الماء في أعماق الأرض، وأنت حيّ بفضل ظلي.

    اكتشفت أن لا مندوحة لي عن نفعها، فغرزت الجذع بالتراب وجثوت على ركبتي أبحث عن ابنتها الشبه ميته. لمست بمقدمة أصابعي نتوءًا على الرمل، تحسست هذا الشيء الغريب، يبدو أنه مجعد ومتشابك, فصرختْ الشجرة:
    – هذه هي، ابنتي حبيبتي، هذه هي يا أعمى، أرجوك ضعها بين أغصاني، أرجوك، أرجوك يا أعمى.
    قلت باستغراب:

    – أهذه الكهلة ابنتك؟

    قالت بصوت باكٍ:

    – إنه الجفاف، الجفاف و أتباعه الطغاة، راقصوها وأغروها، ثم…

    قاطعتها قائلا:

    – أعرف بقية القصة، كنت أراقبكم.

    قالت بنفاد صبر:

    – الوقت يحرق حياة ابنتي, قربها مني قبل أن تتحول رمادًا.
    حملت الثمرة بين يدي. وقفت وأمسكت جذع الشجرة، تلمست طريقي به، سمعت صوت ارتطامه بجسدها. صرختْ بتألم:

    يا أبله، ألا ترى!

    صحتُ بها:

    – أنا أعمى، أعمى، ألا تفهمين!

    كتمتْ غيظها وزفرتْ. وضعتُ يديّ على جانبيّ جسدها ورفعتُ قدمي اليمنى، ثبتّها جيدًا ثم أتبعتها باليسرى. قلتُ لها وأنا أتلمّس لحاءها:

    – أي خطيئة ارتكبتِ ليجازيك الرب بالشوك على جسدك!

    تنهّدت وقالتْ:

    – كانت جذوري في صغري غضة لينة، أتحرك كيفما أشاء.
    أكملت وقد كسى الحزن وريقاتها:
    – وذات يوم تعيس، سمعت صوت لهاث شديد. ظهر شيخ أخطم يرتدي خميصة واسعة، أخصفُ الشعر، يحمل فأساً يلمع حدّهُ تحت أشعة الشمس. اهتزتْ أضلاعي خوفَ أن يقطعني فتتيتم صغيراتي. صرختُ لكنّ صوتي اختنقْ، صرختُ لكنْ لم يسمعني أحد، بما فيهم أنا. اقترب الكهل وتلَى بضع آياتْ، تعوذ من فجوري ونفث عن يسارهِ ثلاثاً ثمّ قال:
    – يا مذنبة، لئن خضعتِ و قرّيتِ عيناً، قطعتكِ بفأسي هذا بغمضة عين، أمّا إن تمايلتِ وهممتِ بالهروب، تالله لأنهشنَّ جذعكِ بأسناني، ثم أتسوّك بقلبكِ قبل وبعد كل صلاة.

    سكتتْ لبرهة تم أكملتْ:
    – بكيتْ، بكيتُ كثيراً حتى نبت في مجرى دمعي بضع وريقات خضراء. صرختُ مرة أخرى، سمعتُ صدى صوتي يتكرر، لم أكن متأكدةً أصرختُ حقًا أم هو مجرد صوت إرضاءٍ داخليّ لا تسمعه سوى أحشائي الخشبية. اقتربَ الكهل. حركتُ جذوري لأحيد عن فأسه. ابتعدتُ لخمس سنتيمترات، فهذه حدود حريتي، خمس سنتيمترات فقط. صاحَ بصوتٍ مرعب:

    – لقد حَكَمَتْ حريّتكِ عليكِ بالألم، سأقتلع لحاءكِ لتنزفي، ثم يذهب سمعكِ من شدة نواحكِ ألماً.

    أخذً يركضُ الكهل ملوحاً بفأسه. تعالى صوت نعيق من بعيد. شخصتُ ببصري للسماء, فإذا بسرب زيغان ينعقون حاملين بمخالبهم وردًا ماجنتي. اقتربوا وبان ما يحملون بأقدامهم، إنه شوك العاقول. اقتربتْ الكتيبة الأولى ورمَوا الشوك على الكهل، صرخ متألماً:

    – إني شيخ نجيد، لن أهابكم أيتها الغربان المستحدثة.
    توالت الهجمات بينهم، وكان الشيخ بين الفينة والأخرى يرمي عليّ الشوك، صرختُ ونزفتُ دماً، ودمعاً في أحيان أخرى. نكصَ الكهل على عقبيه منهزماً، وذهب سرب الزيغان بعد أن أتمم واجبه العسكري، رحلوا زاهدين بشكري لهم. وهكذا نُحِتَ على جلدي أثر من المعركة، أثر شوك العاقول الماجنتي.

    مسحتُ على شوكها الخشن وقلتُ:

    – يا لك من مسكينة أيتها الشجرة، كل ما أردتِهِ هو العيش بحريّة، أن تراقصي الرياح، لكنك جوزيتي بحرب هوجاء وشوكٍ أهلكَ نضارة لحاءكِ.

    بكتْ الشجرة، لكنها بكتْ أكثر حين وضعتُ ابنتها المحتضرة بين يديها. جلستُ على ذراعها اليسرى. وقلت في سريرتي:

    – لربما من الخير أنني أعمى، فكل ما سأراه مقبرة عامة متوسعة، وقاتل هوائيّ وحشيّ يمشي في حركة دائرية، ويتبعه حشد من الصعاليك.

    قالت الشجرة وهي تنتحبْ:

    – أرجوك.. أرجو.. أرجوك يا أعمى، احمل حذاءكَ واملأه من دم يدي اليمنى التي قطعتها لك، لعله يحيي ابنتي المسكينة.
    انتهى كلامها وأحاط المكان صمت مرعب باستثناء صوت من بعيد، صوت فالس الموت. تمدّ الرياح على أنغام هذا الفالس يدها اليمنى، تضعها على ظهر جثة طفلة، تمسك الرياح بيدها اليسرى يد الطفلة اليسرى، يرقصون، يرقصون ببطء، في دائرة من الألم السرمديّ. هكذا تخيلتُ المكان، ولربما كانت الصورة التي تخيلتها أرحم للطفلة الميتة من واقعها.
    وافقتُ على مضض. تلمّستُ جسد الشجرة. تشبّثتُ به وتسلقت إلى الجهة الأخرى. وضعت رجلي موضع جرحها، انبعثت رائحة الخشب العصاريّ، كان مكانا لزجاً دافئاً. صرختْ الشجرة صرخة مكتومة. مددتُ يدي بصعوبة نحو حذائي الأيسر، نزعتهُ وقرّبتهُ من عَصِبِهَا النباتيّ المُفْرِزْ للمادة اللزجة. ملأتُ الحذاء بدمها ورجعتُ لغصنها الأيسر. جلستُ عليه وتلمّست حضنها الدافئ بحثًا عن ابنتها. وجدتُها بعد فترة قصيرة من البحث. سكبتُ الدم عليها فشهقتْ الثمرة، شهقتْ شهقتها الأخيرة، وماتت. ناحتْ الشجرة وخالط نواحها الحشرجة الأخيرة.

    تلمّستُ دمعها لأمسحه، نبتَ تحت محجر عينيها، في مجرى الدمع تمامًا, وريقات خضراء. قلتُ مواسيًا إياها:

    – لا تجزعي يا شجرة، سيأتي المطر بالتأكيد ويقتصّ لكِ من الجفاف وأتباعه.

    واستأنفتُ بتردد قائلاً:

    – نعم، يجب أن يأتي، يجب… يجب أن يأتي.
    جفّ دمع الشجرة. هزّت ثمار جارتها الهالكة ورمت بين يديّ إحدى بناتها. أمسكتُها، تحسستُ قشرتها الناعمة وجسدها الغض اللين، ثم مددتُ يدي للشجرة مرجعًا الثمرة لها, فقالتْ:

    – لا ترجعها، كُلْهَا، كُلْهَا يا أعمى، إنك جائع، إن لم…

    قاطعتها قائلاً:

    – لن أفعل هذا يا شجرة. أرجعيها لأخواتها، فموت الأم لا يبرر قتل بناتها.

    مدّتْ الشجرة أغصانها وأرجعت الفاكهة الصغيرة لأخواتها. أسقطتُ قدميّ في الفراغ, أو ربما في الثقل الهوائي الجاف القاسِ. سمعتُ صوت أقدام تقترب مفتِتَةً الجافّ من النبات. صرختْ الشجرة:

    – اهرب، اهرب يا أعمى، إنه الكهل ذو الفأس.
    رجفت الشجرة، لكني لم أتحرك من مكاني، ليست شجاعة رجل، بل عجز أعمى.

    وضعتُ يدي على جذع الشجرة، سمعتُ صراخها المكتوم، أو تحسست ذبذباته من جسدها. أرخيتُ يدي بيأس. تقدّم الكهل يسبقه ظهره المُحْدَوْدِبْ جاراً فأسه. صرخَ بصوتٍ قد سرق الوهن منه قوته:
    – من سيحميكِ مني الآن أيتها الشجرة القبيحة ؟

    وأكمل يهدد وهو يتبسم:

    – سأقطّعك لأعواد خشبية كثيرة، ثم أشعل في أحشائك النار، لأشوي جيفة الثور العفن في حوش بيتي.

    ارتعدتْ الشجرة، ارتعشتْ، وصرختْ حياتها وخوفها حتى كادت أذناي تصم.
    أسرعَ الكهل متكئًا على فأسه، وكان هذا ما يوحي به صوت تحطم الأوراق الجافة. رفعتُ يديّ بيأسٍ لعلّي أشعر بقدوم كتيبة سرب الزيغان. صاحتْ الشجرة بألم:

    – يا لي من تعيسة، يا لي من أم تعيسة، لقد غرزَ الكهل النتن فأسه في خاصرتي، لن أستطيع حماية صغيراتي.

    ثم أكملتْ وهي تعتصر الألم اعتصاراً:

    – يا أعمى، يا طيّب، اعتنِ بصغيراتي وصغار جارتي. علّمهم مد جذورهم للماء. علّمهم مراقصة الرياح, وحذرهم، حذرهم من الانسياب معها. علمهم مخالفة تيّار النهر إن كان الحق عكس التيّار. علمهم أن.. أن..
    صوت ضرب الفأس يعلو, وينخفض معه صوت الشجرة. أرادتْ الشجرة إكمال وصاياها، لكنّ الموت أسكتها. اعتلى صوت ضرب مكتوم، صوت ضرب لنواة الشجرة، لقلبها. نَعَقَ طير من بعيد، أو ربما فردٌ من كتيبة الزيغان العسكرية. سمعت صراخ الكهل، ثم تلاه صوت ارتطام جسد بالأرض, فسقوط فأس.

    نعيق السرب قريب، لكنه انخفض، انخفض ثم اختفى.

    سقطت قطرة، تلتها أخرى، ثم ثالثة. مددتُ كفي لأتلمّس خديّ، لم تكن تلك القطرات دموع.

    مددت كفيّ في الفراغ. تعالى صوت السقوط. حطّت قطرة على يدي. صرختُ:

    – مطر، مطر، انهضي، انهضي أيتها الأم الطيبة.

    وضعتُ يدي على جذعها الشائك وأكملتُ:

    – مطر، كان يجب عليه أن ينهمر، لينعشكم، أنتِ وابنتكِ.

    لكن جذعها قد بَرَد، وشوكها ذبل. أكملتُ بيأس:

    – مطر, أرجوك يا شجرة، ارتوي منه، لا تتركيني وحيدًا، إن الأمانة ثقيلة.

    صمتٌ موحش. سقط المطر، وكنت أنا الناجي، الناجي الوحيد، الناجي الميّت.

  • الأشياء التي لا نفعلها – أندريس نيومان – ترجمة: أحمد عبداللطيف.

    الأشياء التي لا نفعلها – أندريس نيومان – ترجمة: أحمد عبداللطيف.

     

    أحب ألا نفعل الأشياء التي لا نفعلها. أحب خططنا الصباحية، عندما يصعد اليوم إلى السرير مثل قط مضيء، خططنا التي لا ننفذها لأننا نصحو متأخرين بعد أن تخيلناها كثيراً. أحب الدغدغة في عضلاتنا، إذ تلمّح إلى التمارين التي نعددها دون أن نمارسها، ولصالات الجيم التي لا نمر بها أبداً، والعادات الصحية التي نستدعيها كأن بريقها، بالرغبة فيه، يصل إلينا. أحب دليل الرحلات الذي تتصفحه بذاك التركيز الذي أقدره جداً، ويضم آثاراً، شوارع ومتاحف لا نصل لوطئها، منبهرين بها فحسب ونحن نتناول قهوة باللبن. أحب المطاعم التي لا نرتادها، أضواء شموعها، طعم أطباقها المتوقع. أحب كيف يصير بيتنا عندما نكتشفه بالتصليحات، بأثاثه الملفت، بغياب حوائطه، بألوانه الجريئة. أحب اللغات التي نتمنى أن نتعلمها ونحلم بتعلمها في العام المقبل، بينما نبتسم تحت الدش. أسمع من شفتيك تلك اللغات العذبة المفترضة، وكلماتك تملؤني بالإقناع. أحب كل الأهداف، المعلنة والسرية، التي لا ننفذها معاً. هذا ما أفضّل أن أقتسمه معك من الحياة. العجيبة المفتوحة في مكان آخر. الأشياء التي لا نفعلها.

     

  • الكلب الزجاجي – ليمان فرانك بوم – ترجمة: بثينة الإبراهيم.

     

    عاش ساحر بارع في الطابق الأعلى من بناية كبيرة، وكان يمضي وقته في الدراسة المتفكرة والتفكير العميق. كان ما لا يعرفه عن السحر شيء ضئيل لا يستحق الذكر، لأنه امتلك كل كتب السحرة الذين عاشوا قبله ووصفاتهم، كما أنه ابتكر عددًا من الوصفات بنفسه.
    كان يمكن لهذا الشخص الرائع أن يحيا سعيدًا تمامًا لولا أن قاطع أبحاثه القوم الذين يأتون لاستشارته في مشاكلهم (التي كان متهمًا بها)، والطرقات العالية لبائع الثلج وبائع الحليب، وصبي الخباز، وصاحب المصبغة وبائعة الفول السوداني. لم يتعامل مع أي من هؤلاء الأشخاص، لكنهم كانوا يقرعون بابه كل يوم لسؤاله عن هذا الأمر أو ذاك أو ليحاولوا بيعه بضاعتهم. وحين يكون مستغرقًا في كتبه أو مشغولًا بمراقبة بقبقة المرجل، كان يسمع طرقًا على الباب. وبعد إبعاد الدخيل يجد دومًا أنه فقد سلسلة أفكاره أو خرب مركّبه.
    أثارت هذه المقاطعات غضبه على المدى الطويل، وقرر أن يقتني كلبًا يبعد الناس عن بابه. لم يعرف من أين يحصل على كلب، لكن في الشقة المجاورة يعيش نافخ زجاج فقير كان يعرفه معرفة ضئيلة. فذهب إلى شقة الرجل وسأله:
    “أين يمكنني العثور على كلب؟”
    “أي نوع من الكلاب؟”، سأل صانع الزجاج.
    “كلب جيد. كلب ينبح على الناس ويبعدهم. كلب لا يسبب الاحتفاظ به أي متاعب ولا يتوقع أن يحصل على طعام. كلب بلا براغيث ونظيف بطبعه. كلب يطيعني حين أتحدث إليه. باختصار، كلب جيد”، قال الساحر.
    “يصعب العثور على كلب كهذا”، أجاب صانع الزجاج الذي كان مشغولًا بصنع مزهرية زجاجية زرقاء وفيها براعم ورد زهري اللون، ولها أوراق خضراء وورود صفراء زجاجية.
    كان الساحر يراقبه بتأمل:
    “لماذا لاتستطيع أن تصنع لي كلبًا من الزجاج؟”، سأل في الحال.
    “أستطيع”، قال صانع الزجاج، “لكنه لن ينبح على الناس كما تعرف”.
    “أوه، يمكنني إصلاح ذلك بسهولة”، أجاب الآخر، “إن لم أستطع جعل كلب زجاجي ينبح فما أنا سوى ساحر مسكين ضعيف القوى”.
    “حسن جدًا، إن كنت تستطيع استخدام كلب زجاجي، فيسرني أن أصنع واحدًا لك. لكن عليك فقط أن تدفع مقابل عملي”.
    “طبعًا”، قال الساحر، “لكنني لا أملك أيًا من هذه الأشياء الفظيعة التي تسمونها نقودًا. عليك أن تأخذ بعضًا من سلعي بالمقابل”.
    فكر صانع الزجاج بالأمر قليلًا.
    “هل يمكنك أن تعطيني شيئًا يشفيني من الروماتيزم؟”، سأل.
    “أوه، نعم، بسهولة”.
    “إذًا هذه صفقة. سأبدأ بصنع الكلب حالًا. أي لون من الزجاج أستخدم؟”
    “الزهري لون جميل”، قال الساحر، “كما أنه ليس مألوفًا بالنسبة للكلاب، أليس كذلك؟”
    “جدًا”، قال صانع الزجاج، “لكنه سيكون زهريًا”.
    وهكذا عاد الساحر إلى دراساته وبدأ صانع الزجاج صنع الكلب.
    دخل في الصباح التالي إلى شقة الساحر والكلب الزجاجي تحت ذراعه ووضعه بحذر على الطاولة. لقد كان لونه زهريًا جميلًا، بمعطف حسن من الزجاج المغزول، وحول عنقه التفت شريطة زجاجية زرقاء. كانت عيناه نقطتين من الزجاج الأسود تلمعان بذكاء، مثلما تلمع العيون الزجاجية التي يضعها الرجال.
    قال الساحر إنه مسرور بمهارة صانع الزجاج وسلمه فورًا زجاجة صغيرة.
    “هذا سيشفيك من الروماتيزم”، قال.
    “لكن الزجاجة فارغة!”، اعترض صانع الزجاج.
    “أوه لا، فيها قطرة واحدة من السائل”، كان جواب الساحر.
    “هل ستشفي قطرة واحدة الروماتيزم؟”، سأل صانع الزجاجة بتعجب.
    “بلا شك. هذا علاج خارق. ستشفي القطرة الوحيدة في الزجاجة سريعًا أي نوع من الأمراض عرفته الإنسانية. ولهذا فهو مناسب بالتحديد للروماتيزم. لكنه احرسها جيدًا، لأنها القطرة الوحيدة من نوعها في العالم، وقد نسيت الوصفة”.
    “شكرًا لك”، قال صانع الزجاج وعاد إلى شقته.
    ثم ألقى الساحر تعويذة جديدة وغمغم عددًا من الكلمات المعروفة في لغة السحرة على الكلب الزجاجي. وحين يهز الحيوان الصغير ذيله أولًا من جانب لآخر، ثم يغمز بعينه اليسرى عامدًا، وينبح أخيرًا بطريقة مرعبة جدًا، عندها تتوقف لتفكر بالضجة التي أطلقها كلب زجاجي زهري. هنالك أمر مدهش في فنون السحر لدى السحرة، إلا إن كنت طبعًا تعرف كيف تفعل تلك الأمور بنفسك، فلا يتوقع منك عندئذٍ أن تندهش لها.
    كان الساحر مبتهجًا مثل معلم مدرسة لنجاح تعويذته، رغم أنه لم يكن مندهشًا. وضع الكلب على الفور خارج منزله، حيث سينبح على أي أحد يجرؤ على قرع بابه ومقاطعة دراسات سيده.
    حين عاد صانع الزجاج إلى شقته، قرر ألا يستخدم دواء كل الأمراض.
    “لقد أصبحت آلام الروماتيزم أقل اليوم”، فكر، “وسأكون حكيمًا إن أبقيت الدواء لوقت أكون فيه عليلًا جدًا، عندها يكون مفيدًا لي جدًا”.
    وهكذا وضع الزجاجة في خزانته وذهب للعمل على نفخ المزيد من الورود من الزجاج. بدأ يفكر الآن أن الدواء لن يستمر، لذا انطلق ليسأل الساحر عنه. ولكن حين وصل الباب نبح الكلب الزجاجي بشراسة حتى إنه لم يجرؤ على على قرع الباب، وعاد بسرعة كبيرة إلى شقته الخاصة. لقد كان الرجل المسكين حقيقة مستاءً جدًا من الاستقبال الفظ من الكلب الذي كان قد صنعه بنفسه بحرص ومهارتين شديدين.
    حين كان يقرأ صحيفته في الصباح التالي، قرأ مقالًا يقول إن الآنسة ميداس -الشابة الأكثر ثراء في المدينة- مريضة جدًا وإن الأطباء يئسوا من شفائها.
    كان صانع الزجاج رجلًا مثقفًا، إلى جانب كونه كادحًا ذا تقاطيع مريحة و شديد الفقر. تذكر فجأة دواءه الثمين، وقرر استخدامه على نحو أفضل، بدلًا من علاج مرضه هو. ارتدى أفضل ثيابه وصفف شعره ومشط شاربه وغسل يديه وعقد ربطة عنقه ولمّع حذاءه ومسح صداره، ثم وضع قارورة علاجه السحري الشافي لكل الأمراض في جيبه. وأغلق بابه ونزل الدرج وقطع الدروب باتجاه القصر الكبير، حيث تقيم الآنسة ميداس.
    فتح كبير الخدم الباب وقال:
    “لا نحتاج صابونًا ولا صورًا مطبوعة ولا خضارًا ولا زيتًا للشعر ولا كتبًا ولا خميرة للخبز. سيدتي تحتضر وقد تحضرنا للجنازة”.
    حزن صانع الزجاج لأنه الخادم ظنه بائعًا متجولًا:
    “يا صديقي”، قال بفخر، لكن الخادم قاطعه قائلًا:
    “ولا نحتاج شاهدة قبر أيضًا، هناك مقبرة عائلية وقد أُعد المدفن”.
    “لن تكون هناك حاجة للمقبرة إن أذنت لي بالكلام”، قال صانع الزجاج.
    “لا نحتاج أطباء يا سيدي، لقد يئسوا من شفاء سيدتي، ويئست هي منهم”، أكمل الخادم بهدوء.
    “لست طبيبًا”، أجاب صانع الزجاج.
    “ولا هم، ولكن ما عملك؟”
    “لقد جئت لعلاج سيدتي بواسطة مركب سحري”.
    “ادخل من فضلك، واجلس في الردهة، سأتحدث إلى مدبرة المنزل”. قال كبير الخدم بلباقة أكثر.
    تحدث إلى المدبرة التي ذكرت الأمر لمدير المنزل، الذي استشار الطاهي، الذي قبّل وصيفة السيدة وأرسلها لرؤية الغريب. هكذا يحيط الأثرياء أنفسهم بالمراسم، حتى وهم يحتضرون!
    سمعت وصيفة السيدة من صانع الزجاج أن لديه دواء سيشفي سيدتها، قالت:
    “سعيدة لأنك أتيت”.
    “لكن”، قال، “إن أعدت لسيدتك عافيتها عليها أن تتزوجني”.
    “سأسأل وأرى إن كانت راغبة”، قالت الوصيفة وذهبت من فورها لسؤال الآنسة ميداس.
    لم تتردد السيدة الشابة للحظة.
    “سأقبل بالزواج من أي رجل عجوز على أن أموت”، صاحت، “أحضريه هنا حالًا!”
    وهكذا دخل صانع الزجاج، وسكب القطرة السحرية في قليل من الماء، وناولها للمريضة، وفي اللحظة التالية أصبحت الآنسة ميداس بصحة جيدة كما لم يسبق لها في حياتها.
    “يا إلهي!”، قالت متعجبة، “أنا مشغولة باستقبال آل ﭭرتر الليلة. أحضري لي الحرير ذا اللون اللؤلؤي يا ميري، وسأبدأ تبرجي حالًا. ولا تنسي أن تلغي الزهور من أجل الجنازة وثوب الحداد خاصتك”.
    “لكن يا آنسة ميداس”، اعترض صانع الزجاج الذي وقف قربها، “أنت وعدتِ بالزواج مني إن شفيتك”.
    “أعرف”، قالت السيدة الشابة، “لكن لا بد أن نحظى بالوقت لنضع إعلانًا مناسبًا في صحف المجتمع وأن نطبع بطاقات الزفاف. تعال غدًا وسنرتب الأمر”.
    لم يعجبها صانع الزجاج كثيرًا بوصفه زوجًا، وقد سرّت لأنها وجدت عذرًا للتخلص منه لبعض الوقت. كما أنها لم ترغب في تفويت الاستقبال لدى آل ﭭرتر.
    ومع ذلك ذهب الرجل إلى المنزل مفعمًا بالسعادة، لأنه ظن أن حيلته نجحت وأنه سيتزوج من امرأة غنية ستجعله يعيش في رفاهية إلى الأبد لاحقًا.
    كان أول ما فعله عند وصوله إلى شقته تحطيم كل أدوات صنع الزجاج ورميها من النافذة.
    ثم جلس ليفكر في الطرق التي سينفق بها مال زوجته.
    ذهب اليوم التالي إلى منزل الآنسة ميداس، التي كانت تقرأ رواية وتأكل حلوى الشوكولاته بسعادة كأنها لم تكن مريضة يومًا.
    “من أين جلبت المركّب السحري الذي عالجني؟”، سألت.
    “من ساحر مشهور”، قال ومن ثم فكر أنه سيثير اهتمامها، فأخبرها كيف صنع الكلب الزجاجي للساحر، وكيف نبح وأبعد الجميع عن إزعاجه.
    “كم ذلك جميل!”، قالت، “كنت أرغب دومًا بكلب زجاجي يمكنه النباح”.
    “لكن هناك واحد في العالم فقط”، أجاب، “وهو يخص الساحر”.
    “عليك أن تشتريه من أجلي”، قالت السيدة.
    “لا يهتم الساحر بالمال مطلقًا”، أجاب صانع الزجاج.
    “عليك أن تسرقه من أجلي إذًا”، أجابت، “لا يمكنني العيش يومًا آخر بسعادة أبدًا ما لم أحصل على الكلب الزجاجي الذي يمكنه النباح”.
    استاء صانع الزجاج كثيرًا لهذا، لكنه قال إنه سيرى ما الذي يستطيع فعله. لأن على الرجل دومًا أن يحاول إسعاد زوجته، وقد وعدت الآنسة ميداس بالزواج منه خلال أسبوع.
    في طريق عودته إلى المنزل اشترى جرابًا متينًا، وحين مر بباب الساحر وأخذ الكلب الزجاجي الوردي ينبح عليه، ألقى الجراب على الكلب وربطه بقطعة من الحبل الرفيع، وحمله إلى شقته.
    في الصباح التالي أرسل الجراب مع ساعٍ إلى الآنسة ميداس، مع تحياته، وذهب إليها شخصيًا في وقت لاحق من بعد الظهر، شاعرًا بالثقة أنه سيستقبل بكثير من الامتنان لسرقته الكلب الذي رغبت به بشدة.
    ولكن حين وصل الباب وفتحه كبير الخدم، دُهش لرؤية الكلب الزجاجي يندفع خارجًا وينبح عليه بضراوة.
    “أبعد كلبك”، قال بخوف.
    “لا أستطيع يا سيدي”، أجاب كبير الخدم، “أمرت سيدتي الشابة أن ينبح الكلب الزجاجي على كل من يأتي هنا. من الأفضل لك أن تحترس يا سيدي”، أضاف، “لأنه إن عضك فلربما أصبت برهاب الزجاج”.
    أخاف هذا صانع الزجاج كثيرًا فهرب بسرعة. لكنه توقف عند صيدلية ووضع آخرعشرة سنتات يملكها في صندوق الهاتف ليستطيع الحديث إلى الآنسة ميداس دون أن يعضه الكلب.
    “أعطني بيلف 6742!”، قال.
    “مرحبًا! من المتكلم؟”، قال صوت.
    “أود الحديث إلى الآنسة ميداس”، قال صانع الزجاج.
    وتحدث بعدها صوت عذب: “أنا الآنسة ميداس، ما الأمر؟”
    “لماذا عاملتِني بقسوة شديدة وأطلقت الكلب الزجاجي عليّ؟” سأل صانع الزجاج المسكين.
    “حسنٌ، لأصدقك القول”، قالت السيدة، “لا أحب مظهرك، ووجنتاك شاحبتان ومنتفختان، وشعرك خشن وطويل، وعيناك صغيرتان حمراوان، ويداك كبيرتان وخشنتان، وأنت منحني الساقين”.
    “لكن لا يمكنني تغيير مظهري!” تذرّع صانع الزجاج، “وقد وعدتني فعلًا بالزواج مني”.
    “لو كان مظهرك أفضل، كنت سأفي بوعدي”، أجابت، “ولكن نظرًا للظروف أنت لا تناسبني، وسأطلق الكلب الزجاجي عليك ما لم تبق بعيدًا عن قصري!”، ثم أغلقت الهاتف ولم يكن لديها شيء آخر لقوله.
    عاد صانع الزجاج البائس إلى منزله بقلب ينفجر يأسًا وأخذ يربط حبلًا حول عمود السرير ليشنق نفسه به.
    قرع أحدهم بابه، وعندما فتحه رأى الساحر.
    “لقد فقدت كلبي”، قال.
    “هل فعلت حقًا؟”، أجاب صانع الزجاج محاولًا ربط عقدة في الحبل.
    “نعم، لقد سرقه أحدهم”.
    “هذا سيء جدًا”، قال صانع الزجاج بلامبالاة.
    “عليك أن تصنع لي واحدًا آخر”، قال الساحر.
    “لكني لا أستطيع، لقد رميت كل أدواتي”.
    “ما الذي أفعله إذًا؟”، سأل الساحر.
    “لا أدري، ما لم تعلن عن جائزة لمن يجد الكلب”.
    “لكني لا أملك المال”، قال الساحر.
    “اعرض واحدًا من مركّباتك إذًا”، اقترح صانع الزجاج، الذي كان يصنع أحبولة ليضعها حول رأسه.
    “الشيء الوحيد الذي يمكنني الاستغناء عنه”، أجاب الساحر بتفكر، “هو مسحوق الجمال”.
    “ماذا!”، صاح صانع الزجاج ملقيًا بالحبل، “هل تملك حقًا شيئًا كهذا؟”
    “نعم، صدقًا. من يأخذ المسحوق سيصبح الشخص الأجمل في العالم”.
    “إن كنت ستعرض هذا بوصفه مكافأة”، قال صانع الزجاج بحماس، “سأحاول العثور على الكلب من أجلك، لأنني أتوق لأكون جميلًا أكثر من أي شيء آخر”.
    “لكني أحذرك أن الجمال سيكون بعمق البشرة”، قال الساحر.
    “لا بأس”، أجاب صانع الزجاج السعيد، “حين أخسر بشرتي لن أكترث بأمر البقاء جميلًا”.
    “أخبرني إذًا أين أعثر على كلبي وستحصل على المسحوق”، وعد الساحر.
    خرج صانع الزجاج وتظاهر بالبحث، وعاد أخيرًا وقال:
    “لقد وجدت الكلب. ستجده في قصر الآنسة ميداس”.
    ذهب الساحر من فوره ليرى إن كان ذلك صحيحًا، وطبعًا خرج الكلب وأخذ ينبح عليه. ثم بسط الساحر يديه وألقى تعويذة سحرية جعلت الكلب يغط في النوم سريعًا، ثم رفعه وحمله إلى شقته في الطابق الأعلى من البناية الكبيرة.
    بعد ذلك حمل مسحوق الجمال إلى صانع الزجاج مكافأة، وابتلعه الرجل فورًا وأصبح الرجل الأكثر وسامة في العالم.
    في المرة التالية التي ذهب فيها إلى الآنسة ميداس لم يكن هناك كلب ينبح عليه، وحين رأته السيدة الشابة وقعت في غرام وسامته على الفور.
    “لو أنك كنت كونتًا أو أميرًا”، تنهدت، “فسأكون راغبة بالزواج منك”.
    “لكني أمير”، قال صانع الزجاج، “أنا أمير صانعي الكلاب”.
    “آه!”، قالت، “إن كنت راغبًا بقبول راتب أسبوعي من نقودنا فسآمر بطباعة بطاقات الزفاف”.
    تردد الرجل، ولكن حين تذكر الحبل المعلق على عمود السرير قبل بالشروط.
    وهكذا تزوجا، وكانت العروس غيورة جدًا من جمال زوجها وجعلته يعيش حياة كلب. لذا نجح في الاستدانة وجعل حياتها بائسة أيضًا.
    ***
    وأما فيما يتعلق بالكلب الزجاجي، فقد أطلقه الساحر بتعويذاته لينبح من جديد، ووضعه خارج المنزل. أظن أنه ما يزال هناك، وأنا آسف بعض الشيء، لأن علي استشارة الساحر حول موعظة هذه القصة.

  • أديداس في منامات الجندي الذي لم يفقد أياً من أطرافه- عبد الله ناصر

    طاف في المتجر فاستوقفه البائع بلطف وسأله عن مواصفات الساق التي يرغب في اقتنائها.
    – هل تريد ساقاً للعدوِ أم للرقص؟
    – للعدو.
    – هل تنوي الهرب؟ أم تنوي اللحاق بأحدهم؟ مازحه البائع.
    في الحالتين، هذه الساق المعلقة تفي بالغرض. السمانة مثالية، والسعر كذلك. يمكنها أن تجري لأكثر من ساعةٍ بلا توقف. ما رأيك؟ أم لعلك تبحث عن ساق عدّاء؟ الساق الأفريقية هي الأسرع في العالم، والأغلى في السوق بطبيعة الحال. لو شاركت بها في الأولمبياد لربما ربحت إحدى الميداليات. انظر ما أروعها، هذه الساق لا تتشنج أبداً حتى في الكوابيس. سبق وجربتها في الحديقة المجاورة. بدت سريعةً جداً، بل أسرع مما يجب. كدت أن أدهس طفلاً لو لم تتدخل أمه في اللحظة الأخيرة، ظللت أعدو فلم تلحقني شتائمها ولم أتوقف حتى اختفت المدينة. إذا لم يناسبك لونها الداكن، يمكننا طلاؤها، سيكلفك هذا قليلاً من المال. لا بأس بهذا اللون، أكد الرجل. هل تريد قدماً أيضاً؟ لن أخفي عليك، إذا كانت قدمك مسطحة فلن تجري ساقك الجديدة كما يجب. أرني قدمك، تبدو جيّدة. على أية حال هناك خصومات كبيرة على الأقدام إن أحببت..

    ينصرف البائع إلى جندي آخر يحلم بدخول المتجر نفسه.

  • نرجسية الجاهل والخوف من التفكير

    نرجسية الجاهل والخوف من التفكير

    السعيد عبد الغني يكتب:

    يخاف الجاهل من التفكير فى معتقداته الوراثية ومن ما هو مختلف عنه، سواء كان مختلفا تماما أم قريبا من معتقداته ومن الأيدلوجيات التى توقر النفس المتمردة ومن الأسئلة الطبيعية الكامنة فى كل إنسان. وهذا الخوف سببه طبيعي جدا لأن القلق الوجودى والميتافيزيقى يفرد قلقا على الإنسان فى كل جوانبه الإنسانية وفى دينه وفى ثقافته ووعيه، فلا توجد لديهم القدرة على الحياة فى قلق، والغريب أن القلق يشكل الهوية بشكل كبير وينتج المعرفة بشتى ألوانها، فالجميع يفضل التخصص فى أى درب علمى كالهندسة وغيرها والإبتعاد عن الفلسفة ويتهمونها أنها تفسد العقل وتذهب الدين، لا كبح للذات فى القلق بل استمرار لغاياته فى الوجود. فالحياة فى القلق ممتعة، فهى تكون فى البداية مخيفة ولكنها فى النهاية ممتعة فالأسئلة ليست مفيدة فقط للعقل بل مفيدة أيضا للروح والحياة النفسية والتأملية والخيالية للإنسان، والحياة فى الذهن لها أسسها ولها معتنقيها وهم – الأفكار- من يمثلون النص المقدس للمخيلة حيث يقول الجاهل واقعي هو كتابى المقدس ولا أريد أن أفكر ولا أن أقلق لأنه يخاف من المعرفة أكثر مما يخاف من الجهل فالخوف إما أن يؤدى إلى السكون والعجز، وإما أن يؤدى إلى البحث.

    ومن المتعارف عليه أن الخوف يؤدى إلى اليقين ولكنه يقين زائف جدا، يبدأ الإنسان فى الشك ويجب علينا أن نكون على وعي بشكنا وتأويلاته، وأن نطلع على شكوك غيرنا، لكى ينشط شكنا أكثر. فالشك يفتعل حركة داخلية ويحرك قنينة الذات، ونحن بحاجة إلى هذه الحركة ومدينين لها بالكثير، فحاجتنا للحركة النفسية والفلسفية أكبر من حاجتنا للسكون والركود النفسى والفلسفى، فلا نمو فكرى إلا بالشك والسؤال، لذلك احرص دائما على أن تسأل فى إجابتك، ولا تنهى السؤال أبدا، ويجب أن تسأل فى ما تؤمن به وما لا تؤمن به، وابحث عن الشك أكثر من بحثك عن اليقين، فالشك إدراك وجودى تلقائى بدون هوى معين، وليس ترفا فكريا ولكنه تحدث مع النص والعقل وجدال مع الحياة ومكوناتها وصعود لسلالم المعرفة حيث يقول ابن رشد

    “الجهل يقود إلى الخوف، الخوف يقود إلى الكراهية، والكراهية تقود إلى العنف، هذه هى المعادلة”

    ويقول أدموند بيرك

    “ليست هناك عاطفة تسلب العقل كل قواه للعمل والتفكير مثل ما يفعل الخوف “

    ويقول برتراند راسل

    “الخوف هو المصدر الرئيسي للخرافة وأحد أهم مصادر القسوة. هزيمة الخوف هي بداية الحكمة”

    ويقول عمرو بن كلثوم فى معلقته الشهيرة

    “ألاَ لاَ يَجْهَلْنَ أَحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجَاهِلِينا”

    هناك نوعان من الشك لمؤسس مذهب الشك و هو الفيلسوف ديكارت، شك مذهبى وشك منهجى، الأول هو شك فى كل شىء وآخره ليس اليقين، والثانى هو الشك بحدود للوصول إلى اليقين وهذا الشك موجود فى الأديان السماوية فى بدايتها حيث يبث الدين الشك فى نفوس بيئته، ليهديهم إلى الحقيقة عن وجود إله واحد. وقد فعل ذلك النبي إبراهيم عندما شكك فى قدرة الله على إحياء الموتى حيث قال الله
    “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي”
    فهاهنا نلاحظ أن الشك ابن الدين وآداة من أدواته للوصول إلى الحق، فازدياد الشك يؤدى إلى ازدياد اليقين، ورغم غلو المفسرين أن ابراهيم لم يشك كالطبري، فالآية واضحة، إنهم يحاولوا تأويل الآيات على ما تحتمله الآية.
    للإنسان فطرة شكاكة، فبمجرد أن يسأل يبدأ فى خلق معتقداته بسلاسة، وهذا طبيعى فى فترة المراهقة الفكرية، وهذه المراهقة ليس لها عمر معين فى الإنسان، فهى تبدأ منذ أن يسأل الإنسان، وقد يكون السؤال متأخرا جدا، فغالبية القراء تذهب إلى قراءة ما يفيد معتقداتهم الوراثية، وما يثبتها ولا يقرءوا كتب الشك أو يذهبون لقراءة الروايات والأدب، والأهم من القراءة والكتابة هو التفكير، فلا تجعل أحدا يفكر عنك أو يفكر لك فهذا احتقار كبير لنفسك.
    من مساوىء الشك المشهورة هو أنه يخلف فوضى فكرية وأنطولوجية، ويهدد عقيدة الإنسان ولكن هناك جانبان للإيمان، جانب قلبى وجانب عقلى، فربما يكون المرء مؤمنا قلبيا ولا يعرف شىء عن استخدام العقل فى العقيدة ويستخدم التفكير العاطفي، ولكن نحن لا نستطيع إجبار أحد على الشعور بشعور معين نشعره نحن فلا فكر فى القلب، يعنى لا تستطيع أن تنقل لى يقينك القلبي ولكنك تستطيع نقل يقينك الفكري لى وأنا أمرره على عقلى وعلى سجية الشك واختبره لكى أصل إلى يقينك وأقاربه، وهذا إيمان ضعيف جدا -الايمان القلبي- لأنه لا يعتمد على المنهج العلمى ولكنه موجود ويؤمن به أغلبية العامة، ممن لا يقرءون أو يفكرون، فقد تجد أحدهم متفوق فى فرع من العلوم ولكن فكره الدينى ضحل جدا، وهناك إيمان عقلانى يستند إلى البراهين العقلية التى تريح جدا العقل، وهناك الإيمان بالعقل والقلب وهذا هو المراد.

    إيمان الإنسان فى عصور ما بعد الرسالات أصعب من إيمان الأنبياء أو أبناء زمنهم، فنحن لم نر أنبياء ولم نر أية معجزات فلذلك من المستحيل أن لا يخالط يقيننا شكا، غالبا أشد المتعصبين لأى فكر أو لأي دين يكونون جاهلين به، فالمعرفة تخلق تسامحا رهيبا والحياة فى مجتمعات مختلفة الأطياف الفكرية والدينية والمذهبية أيضا، فالذى يعتقد أنه يدافع ويحرس الفكرة أو الدين بالتعصب والجمود ورفض الشك فيها ونقدها هو من يدمر هذه الفكرة نفسها أو هذا الدين، فالنقد يحرر الفكرة ويجددها ويحيى فضائها وخطاها فى العقل البشرى، فذبول الفكرة وموتها إنما يأتى من الإيمان المتعصب بها فقط فلا حياة للأفكار فى أرض التعصب.
    هناك لذة معينة فى الشك، لذة البحث عن جذور كل شىء فلا تجعل الفكرة يغلبها النعاس فى ذهنك، فالجاهل يخاف من لمس الأفكار ويريد دائما تذهيب كاتبها لكى يستطيع أن يمارس ارهابه، فلا ترهب أي فكرة فى رأسك ولا تخاف منها ولا تبقيها داخلك لأنها سوف تتعفن وإن لم تستطع إيصالها لاى أحد اكتبها حتى لا تموت، فيجب أن تخلق فكرة كل يوم على الأقل أو أن تهيىء لفكرة أو أن تدحض فكرة وأن تؤول كل ما تقرأه وأن تفكر فى النص أكثر من الوقت الذى تقضيه فى قراءته، فالتأويل قراءة ثانية للنص فلا يوجد تأويل صحيح وآخر خاطىء، فكلنا نشد النص لثقافتنا وشكنا، فحتى كاتب النص لا يمتلك التأويل الوحيد للنص والقصد المريح لأن النص ليس ملكا لكاتبه ولكنه ملكا للقراء، وقد يكون كاتبه ملكا له إن كان قارىء لنصه ولكن ليس له سلطوية عليه أكثر من سيطرة أي قارىء آخر، من مميزات الشك أيضا أنه يستنطق الفكرة والمناطق الخطرة بها ومواقع تدفقها وموتها وحياتها وتخاطبها مع العقل وتخاطرها مع الواقع وجرحها فى الثقافة وأنها ضمادة أفكار أخرى سابقة أو درك أسفل لوعود الحدس فلو كنت فكرة -وأنا أتمنى ذلك- لطرت إلى كل العقول الممكنة، لكى أتحرش بها ولا يهم إن آمنوا بى أو لم يؤمنوا، فقط أكون قد حركت رؤوسهم الساكنة الاسنة، فالشك يحدث جلبة رهيبة فى ماء الذهن ويمحى ظلام التفكير الخرافى، فالمتدين له نفس خيال الطفل حيث يقتاد الخرافة من كل مكان فى رأسه ولا يريد أن يعكر صفوه أي شك، فيبكى فكريا بسرعة كما يبكى الطفل.

    من المتعارف عليه أن الدين وبعض أنواع الأدب تخدم الخرافة بشكل كبير، ولا نسعى لعالم ليس به خرافة ولكن لعالم لا تصدق الخرافة فيه، وأخذها على أنها لون أدبى موجود ومنتشر، فالأديان تعطى قوة كبيرة للوهم والخرافة. ومن أهم مميزات التفكير الدينى هو إتاحة القدرة للمخيلة لتصور طاقات الخيال الدينية من تصورات العالم الآخر .. إلخ ، فيبدأ الانسان فى الشك الدينى وهو أول أنواع الشك الموجودة وبعدها يبدأ فى التشكك فى جدوى الحياة وأهميتها.

  • عيسى مخلوف – كائن مخيف هو الكتاب، في كلّ زمان ومكان !

    عام ٢١٣، أمرَ امبراطور الصين بتدمير الكتب المعرفيّة كلّها. وعندما احتجّ بعض المثقفين على هذا القرار – وكان عددهم أربعمئة – أمر الامبراطور بأن يُدفَنوا أحياء.
    قرابة العام ١٠٠٠، دُمِّرَت مكتبة المنصور في قرطبة بإيعاز من علماء الدين. وباسم الدين، تمّ قتل الكثير من الكتّاب والشعراء (بشّار بن برد، الحلاّج، ابن زيدون، السهروردي…)، وحُكمَ بالنفي على ابن رشد، وابن خلدون…
    ومن المعروف أنّ هولاكو أمرَ برمي مكتبة بغداد وكتبها العلميّة الثمينة في دجلة، فتحوَّل ماء النهر حبراً أسود.
    استمرّت كراهية الكتاب في كلّ العصور، من زمن محاكم التفتيش في أسبانيا إلى العصر الحديث مع هتلر وستالين… أمّا في العالم العربي في العصر الحديث، وحيث عين الرقابة ساهرة لا تنام (تارةً باسم الدين، وتارةً أخرى لأسباب سياسية)، فإنّ عدد الكتب التي صودرت، أو أُحرقَت، لا يُحصى، لا سيّما الكتب الفكرية والأدبية والفنية التي تتميّز باختلافها وبحسّها النقدي.
    اللافت أنّ الكتب التي تحرّض على الحقد والعنف وتدعو إلى القتل وتجسّد البشاعة والجهل، تُباع في كلّ مكان، بينما تُصادَر، في الكثير من الدول العربية، بعض كُتب نجيب محفوظ وطه حسين وثروت عكاشة وعلي عبد الرازق وعبدالله العلايلي ونصر حامد أبو زيد وصادق جلال العظم، وغيرهم.
    قبل وصول قبضة داعش إلى المكتبات والمتاحف والمواقع الأثرية، كانت تلك الأمّة قد انقضّت على كُتب يمثّل بعضها جزءاً من الإرث الثقافي الإنساني، ومنها، على سبيل المثال، “الفتوحات المكّية” لابن عربي، و”النبي” لجبران خليل جبران، و”ألف ليلة وليلة”…
    ما حدث للكتاب في العالم العربي، في العقود الأخيرة، هو ما يحدث للإنسان هناك: مصير واحد لكليهما، واستباحة كاملة هي أشبه باقتلاع الكائن من الوجود، اقتلاع تتعاون على تنفيذه قوى الداخل وقوى الخارج معاً.
    الانقضاض على الكتاب، على الفكر والإبداع والفنّ، بشكل عامّ، ليس إلاّ انقضاضاً على الإنسان نفسه، وعلى طاقاته الخلاّقة ومسعاه إلى جعل الحياة جديرة بأن تُعاش.
    الكتاب كائن مخيف ! …

  • أوكتافيو باث – حلم حواء | ترجمة ضي رحمي

    أوكتافيو باث – حلم حواء | ترجمة ضي رحمي

    أغلقت عينيها
    وبالداخل كانت عارية وطفلة،
    عند سفح شجرة.
    في ظلها رقد نمر وثور.
    للنمر قدمت ثلاثة حملان من ضباب،
    وللثور ثلاث حمامات من دم وريش.
    لكن،
    لا رغبة للنمر في قربان من ضباب،
    ولا للثور في الحمام:
    أنتِ من يرغبون.
    طارت الحمامات، وتبعها الثور،
    وهي أيضًا، طارت عبر الطريق اللبنيّ،
    نحو الظلام، إلى عمق السماء.
    خلفها، في الهواء،
    تبعها
    خنجر مسموم، عيون قط
    وأجنحة ذهبية من خيزران.
    حاربت الأفعى وهزمتها
    هزمت النسر،
    وصعدت فوق قرن القمر.

    – II –
    جابت البتول الفضاء.
    تجول بين السحب، والزوابع، والهواء.
    السماء فم يتثاءب،
    فم ذئب،
    حيث النجوم ضحكات
    حادة مضيئة.
    بينما هو نائم،
    في رداء من زنابق بيضاء
    اقتربت منه،
    انتزعت أسنانه ونثرتها في الهواء:
    جزرًا متلألأة، نجوم متهاوية،
    ذرات ملح على مفرش مائدة.
    البلشون الجريح كان مطرًا من ريش،
    كُسر الجيتار. والمرآة، مثلما القمر،
    تحطمت.
    سقط التمثال. وتلوى القضيب في
    التراب، حيًا.

    – III –
    صخور وبحر. تحرق الشمس الصخور
    فيستحيل البحر مُرًا.
    السماء متحجرة. البحر متحجر.
    لا أحد.
    على ركبتيها، أخذت تحفر في الرمال، تنقب في الصخور
    بمخالبها المكسورة.
    لماذا تُخرج التماثيل من التراب؟
    فم الموتى ميت.
    على البساط، كانت تجمع قطع
    أحجيتها الضخمة،
    لكن، دائمًا تنقصها قطعة، قطعة واحدة،
    سر، لا أحد يعرفه.
    الضيوف يتحدثون في غرفة الرسم.
    وفي الحديقة، بين الظلال، تعوي الرياح:
    إنها مدفونة عند سفح الشجرة.
    من؟
    المفتاح، الكلمة، الحلقة..
    لكن تأخر الوقت، وحلّ الظلام
    رحل الزوار، وودعتهم أمها
    قائلة:
    ليلة سعيدة.. ليلة سعيدة.

    – IV –
    عند سفح الشجرة ثانية،
    لا شيء:
    علب صفيح، زجاجات مكسورة، سكين،
    بقايا يوم أحد عاديّ.
    جريحًا ووحيدًا، كان الثور شمشون
    يصرخ في ظلام الليل،
    الأسد الأصلع والنمر وحيد اللون يجوسان
    في المروج الصفراء.
    أما هي فطافت حول الحديقة المهجورة
    ثم عادت للبيت عبر الطرق المطيرة.
    نادت، ما من مجيب؛
    عبرت الأبواب كلها
    لكن خلف كل باب، لا أحد.
    ومن لا أحد للباب التالي حتى وصلت
    إلى الباب الأخير،
    الباب الذي يغلقه والدها كل ليلة،
    بحثت عن المفتاح، لكنها فقدته، ضربت على الباب بقوة
    ضربت لقرون،
    مع كل قرن يمر، مع كل ضربة،
    كان الباب يزداد طولًا،
    وينغلق بإحكام.
    توقفت عن المحاولة،
    فقط تنتظر.
    جلست على مقعد صغير،
    إلى أن يفتح أحدهم.
    الآن،
    هي امرأة عجوز،
    عجوز مثل التراب النائم في الأركان:

    إلهي، افتح الباب ليمر السحاب،
    افتح ندوب الجروح سيئة الالتئام،
    أمطر على نهداي المجعدان،
    أمطر على عظامي،
    أمطر على الحجارة،
    اسمح للبذرة بأن تشق القشرة،
    القشرة التي تكونت من دمائي المتخثرة.
    عد بي ليلة الخلق الأولى
    ومن ضلعك الحر اجعلني
    كوكبًا معتمًا
    من نورك يستضيء.

  • بسام المسعودي – ساعة العقاب

     

    Asaad Ferzat – Syrian Artist

    للساعة
    عَصِــي صلدة ،
    تقول لنا :
    ” تذكــروا العقاب ! ” ،
    هناك لحظات
    ممتعة لم نعشها ،
    أهدرها الوقت
    و كل لحظة تقضم
    قطعة لذة ممنوحة لنا
    حتىٰ تصل عصي الساعة
    لآخر مخاضات الوقت ،
    العاقبة مولد والحائط من رماد .

    الساعة الواحدة
    تنبئ بركود أجسادنا ،
    للساعة حنجرة صدئة
    و بحة بندولها كحشرة
    تحوم حول شخير مناخيرنا ،
    نحن موتىٰ النوم
    وساعات حوائطنا قداسة ،
    كلما فقع صوتها
    نهضنا كعبيد ملاجئ تطل
    علىٰ ضواحــي العـــدم ..

    الزرقة السماوية
    خيمة كبيرة ،
    أعمدتها أنات أرواحنا ،
    تعذبنا عبودية أجسادنا
    لساعات الندم ،
    يقول لنا الجميع :
    ” أنتم جبناء الوقت ” ،
    الخيمة نصبت ساعة
    كان الله ينظرنا ، يرق لنا
    فيقول أحدنا : ” ربِ أقم الساعة ” ..

  • قمع الجسدالعربي واليوم العالمي لارسال الصور العارية


    أطلقت مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر يوم الأربعاء ١٨ أبريل هاشتاج international send nudes وسيعاودوا إطلاقه العام القادم والأعوام التالية بالتأكيد، وفيه نبعث صورنا ونحن عراة تماماً بما أن العري وسيلة للتواصل والجسد آداة لذلك. وهذا للأصدقاء والاقارب والعائلة والعشاق، وفيه نقوم بتصوير نفسنا عراة تماماً أو نصف عراة، ويُنصح أكثر ببعثه لمن اتصلنا به جنسيا، ذلك أن نظهر جسدنا كله أو مناطق العورات المحرمة.

    وقد لاقى هذا صدى عكسي فى مجتمعنا العربي، حيث الجسد فيه محرم إلا فى الزواج، فالعربي يقمع جسده كما يقمع عقله ومخيلته، لأن القمع يساعد فى طمس الإبداع والقدرة على السيطرة على البشر.

    يقمع العربي جسده لأنه مدعاة للتحريم من قبل أعرافه وثقافته ودينه، فنحن نخاف من جسدنا وجسد غيرنا أكثر مما نخاف من عقلنا ومخيلتنا أحيانا، لكنهم مشتركين، فالعقل والخيال معنا فى التفكير وتخيل كل ما هو محرم من الجنس الآخر. لأن الإنسان ببدائية وتلقائية يخلق ما هو محرم عليه فى مخيلته ويبدأ فى التعامل معه على أنه حقيقة، فالشعور بالجسد أولي جداً قبل الشعور بالافكار. فغالبية الشباب يعتنون بأجسادهم لأن السخرية منها تثير فى كلا الجنسين الضيق الشديد. لذلك تضع النساء المكياج لتجميل نفسها، فبالتالي أي شىء يدعو إلى تحرير جسد المرأة والرجل يلاقى عنفاً مز المجتمع ومن السلطة الدينية (الراعية الرسمية للكبت). ولكن الحالة النفسية للمجتمع متدنية جداً فالعربي مكبوت جنسياً وأدبياً وفلسفياً ودينياً .. إلخ، فكبته هذا لا يجعله يخلق شىء إلا أجساد الجنس الآخر فى عقله. لذلك نجد أن الغرب استطاع أن يتحرر قليلاً من الجسد بعمل نوادى الجنس والمثلية، ولكنه أيضاً أهدر قيمة الجنس وأهميته النفسية بالاباحة المطلقة، فقد كانت عائلتى تدير القناة التلفزيونية عندما يأتى مشهد تقبيل أو رقص فيذهب الولد إلى الاستمناء وتذهب البنت إلى ممارسة العادة السرية.

  • محمد بركات – الطُرقاتُ

    محمد بركات – الطُرقاتُ

     

    Asaad Ferzat – Syrian Artist

    الطُرقاتُ
    تنطوي إلى نفسها
    بعد أن يفرغها السالكون رَويَّتّها .
    وتلعقها اطارات المغادرة .
    مخلّفة …
    للمواربين
    ألف مجالٍ مفتوحٍ ،
    ينفذ منه شروّدُّهم للغرب .
    وأبواقاً ،
    تترك صفيرها يتردد
    عند كل احتمال .
    الاشياءُ الجميلةُ
    عادة ما تترك مسافةً للحيلولة دونها
    بحيث يصبح
    الأفقُ عصيَّاً عن اللمس .
    فتخرج امرأةٌ
    من موسيقاها
    للسهر دون شعور .
    ويحبطُ شاعرٌ
    محاولةً اخرى للكتابة .
    الكَيِّسُ
    الذي يدين نفسه
    ويبدل طورُه
    فيضفي للسقوطِ دركاتٍ
    اكثر عمقاً من مكانته .
    وينزع من الشوكِ ،
    وخزَّته الأولى .
    ويلملم صَبابَتة من هذا التوق .
    فيكتب
    عن بحارٍ
    نجا من الحب
    واستنقذه الغرق .
    ثم يبتكر نسياناً
    يعيد عليه تكرار المشهد .

  • محمود الشويلي – في المتاهة

    محمود الشويلي – في المتاهة

    أمتد على طول ضلي. لأخر وجع في غربتي
    كذكريات شجرة في فم الخريف
    كعرجون يتيم
    ك نزفاً أتخذ طريقه في الجرح سربا
    أمتد محدودبا على أجلي
    كنيسة الزهاد تقيم تراتيلها على ضهري
    ك حبلى من فجور
    ك جرائد صارت مائدة للطعام
    أمتد من طولي لآخر أرجلي
    ينقطع الحراك عن يدي وعن قدمي
    كسكون النون
    وكأخر خيط دخان من لفافة تبغ
    في فم الذبول

  • أشرف الجمَّال – مجاذيب ومجانين

     

    Asaad Ferzat – Syrian Artist

    لا تفلح القصيدةُ في ترويضِ الوحوش

    حَوْل الإناث

    تتصارع ذكورُ الغوريلا دائماً

    لتفوزَ بلقب الذَّكرِ المُسيطر

    كذلك تفعل الأسودُ أيضاً ..

    وُعولُ الجبل

    ثيرانُ الجليد

    الحيتانُ في ظلمةِ المحيط

    أبداً يستمرُّ الصراعُ ولا يتوقفُ

    الإناثُ تقفُ على مقربةٍ من المشهد دائماً

    لا تتدخل .. ولا ترجِّحُ كِفَّةً على أخرى

    تنتظرُ نهايةَ المعركةِ

    ثم تختارُ الفائزَ دائماً

    لا تملكُ الإناثُ قروناً تتعاركُ بها

    مخالبَ قويةً يمكن أن تزودَ بها عن أنفسها

    الإناثُ ترعى الصغارَ ما دامت حَيّةً

    إن تَمُتْ يَمُتْ صِغارُها

    الذكور – قدر ما تسطيع – تقضي شهوتها

    تُقدِّم للعالم أجيالاً من الوحوش تواصلُ مسيرةَ الحياة

    تقتلُ الأضعفَ .. وتحكمُ الغابةَ

    الطبيعةُ لا تكذبُ أبداً

    تختارُ الأنثى الذَّكرَ الأفضلَ دائماً

    الأكثرَ سيطرةً

    والأقوى ناباً

    والأرحبَ نفوذاً

    المحبةً قد تقلبُ المعادلة نادراً

    لكنها في كثيرٍ من الأحيان

    تعجز أن تُغيّرَ خُطّةَ الطبيعة

    أن تُوقِفَ نزيفاَ لجراحِ فريسةٍ

    أن تُمرّرَ نهراً عبر الجنادل

    أن تقفَ طويلاً في وجه الإعصار

    وعميقاً في الغابة

    لا مكانَ للحب

    لا مكانَ للسلام ..

    تقول الفراشةُ : ليس من مهامي

    أن أمنعَ الحطّاب من قَطْعِ الشجرة

    يقول النايُ : كيف أعقدُ صداقةً

    بين ذئبٍ وشاة..

    يقول الصوفيُّ : الذاتُ مؤنثةٌ

    والتوحيدُ مُذكّرٌ

    أباحَ لكَ التحدث في التوحيد

    وحرّمَ عليكَ التحدث في الذات .. ليُعلِمَكَ قداسةَ التأنيث

    مجاذيب .. وطاروا من الدنيا

    والشعراءُ مجانين ..

    يجوبون أرضَ الله

    يكلمون الناس عن الحب

    ويحفرون أنفاقاً سِرّيةً

    إلى الجنة ..

    أيهما يصلُ أولاً .. لِيسُدَّ فوّهةَ البركانِ بوردةٍ

    الشاعرُ

    أم الدرويش !!

    يقول الروميُّ :

    ” أنا مجنون .. وأنت سكران .. فأيُّنا يقودُ أخاه ”

    وأقول لنفسي :

    أيهما يسبقُ الآخرَ

    اليمامةُ

    أم رصاصةُ الصيّاد !!