“هذه الحياةُ محزنةٌ جدا، ولهذا فلقد قررت أن أقضيها بالتأمل فيها.”
** ** ** **
“الحقيقة الكاملة تَمرُّ خلالِ ثلاث مراحلِ.
أولاً، أنها ستبعث على السُخرية.
الثانية، أنها ستُعارض بعُنْف.
الثالثة، أنها ستُقبل باعتبارها فرضت ذاتها.الشّفَقة أساسُ كُلّ المبادىء الأخلاقية.”
** ** ** **
“ كُلّ أمة تَسْخرُ من الأممِ أخرى، وكُلهم على حقّ. “
** ** ** **
“كل شخص يأخذُ الحدودَ التي يراها في الأفقِ باعتبارها حدود العالم بأكمله. إذا فقدنا الاهتمامَ الزائد بأنفسنا، لن تثير الحياة حينها شيئاً فينا، ولن يقوى على تحملها أحد. “
** ** ** **
“الضوضاء الأكثر وقاحة في كُلّ أشكال الازعاج، وهي ليست مجرّد ازعاج، لكنها أيضاً ارباك الفكرِ. “
** ** ** **
“كمية الضوضاءِ التي يملكها أي واحد بطريقة غير ملموسة؛ تتناسب عكسياً مع قدرتِه العقليةِ. “
** ** ** **
“الموهبة تصيبُ هدفاً لا يُمْكِن لأحدٍ أَنْ يصيبه؛
العبقرية تصيبُ هدفاً لا يُمْكِنُ لأحدٍ أَنْ يراه. “
** ** ** **
“الموْتُ والألمُ شرّان مُتميزان. “
** ** ** **
“يَجِبُ أَنْ تُصقل الذاكرة خاصةً في عمر الشباب، كَوْنها ذلك الحين الأقوى والأكثر عِناداً، و لكن في إخْتياَر الأشياءِ التي تُودع في الذاكرة يلزم أن يُمارس العناية القصوى والنظرة المتروية؛ ذلك أن دروسَ الشبابِ لن تُنسى مطلقاً.”
** ** ** **
“العالم كإرادة ووهم. نَخْسرُ ثلاثة أرباع أنفسنا لكي نَكُونَ مثل الناسِ الآخرينِ.”
المدونة
-

أرتور شوبنهاور – الموْتُ والألم شرّان مُتميزان
-

آرثر رامبو – أوفيليا
I
فوق موجة السكون الليلي
وحيث تفغو النجوم
تعومُ الزنبقة البيضاء ـ أوفيليا
ببطء شديد تعوم غافيةً في غلالاتها الطويلةـ ونسمع التهاويلَ من غابات بعيدة
أكثرمن ألف عامٍ
وأوفيليا الحزينة
ماتزال كالشبح الأبيض
تطفو على نهر الليل الطويل
أكثر من ألف عام
وجنونهااللذيذ مايزال بأغنيته
يهدهدُ نسيم المساء
ها الريح تقبل نهديها
تنشرفي التويج بتلاتها التي
هدهدتها الماء برخاوة
صفصاف على كتفيها يبكي مرتجفاً
ورود تميل على جبينها الشاسع الحلم
يلوفر تجعد حولها متمتماً
أحياناً
تستيقظ في شجر الماء
بعض الأعشاش
لتفرمنها رفَّةُ جنحٍ
ويسَّاقطُ من ذهب الكواكب
سحر الغناء
II
الشاحبة أوفيليا
جميلةٌ أنتِ كالثلج
نعم، جرفكِ نهرالنزق أيتها الطفلة
فالرياح المنحدرةُ من أعالي جبال النرويج
حدثتكِ هامسةً عن مرارة الحرية ؛
أن النسمة التي تضفرُ خصلات شعرك الطويل
إلى روحك الحالمة ، تخبِّىءُ ضجيجاً غريباً
أن قلبكِ يستمع إلى نشيد الطبيعة
في أنين الأشجار وتنهيدات الليالي
أن صوت البحار الصاخبة ، حشرجةٌ هائلة
تقبِّلُ طفولةَ صدرك الأكثرإنسانيةً ووداعة
وأن ذات صباح نيسانيّ ، سيجثو أمامكِ صامتاً
فارس النور، عاطفيٌّ ومسكين
ياللسماء، يا للحب، يا للحرية
يا لحلم الطفلة العفوية
تمتزجين به كما الثلج بالنار
فيخونكِ الكلام أمام الخيال الواسع
وزرقة عينيكِ سجذبها اللامتناهي المدهش
III
والشاعر يقول؛ أنه مع إشعاعات النجوم
ستأتين لالتماس الليل والورود التي قطفتيها
وأنه على سطح الماء شاهد
أوفيليا البيضاء
زنبقةٌ
غافيةٌ
تطفو بغلالاتها الطويلة
ترجمة نضال نجار -
آنا أخماتوفا – 18 قصيدة مختارة
ـ1ـلا تُقصّف رسالتي يا صديقبل اقرأها حتى النهايةلقد مللتُ أن أكونَ مجهولةًلا تنظرُ هكذا، عابساً مُتجِّهاً.فأنا حبيبتك، أنا لكلستُ راعيةً، ولا أميرةوما أنا راهبة.رُبّما ما زلتُ في ردائي الرمادي المُعتادوعلى كعبينِ عتيقينولكنني كسابق عهدي، حارة في العناقوالرعبُ يملأُ عينيَّ الكبيرتين.لا تقصّف رسالتي يا صديقيولا تبكِ كذبةً محبوبةًضع الرسالة في حقيبةِ سفركَ الفقيرة.في قعرها العميق نفسه.1912__________________ـ2ـوأظلَمَ في السماء الطلاء الأزرقوتعالت أغنية النايلكنّهُ ليسَ إلا قصبة..لا سببَ يجعله يشكو هكذافمن يا تُرى حَدّثَهُ عن ذنوبي؟ولأي شيء يغفر لي؟أم أنّ هذا الصوت يُرجِّعُعلى مسامعي آخر أشعارك.1912__________________ـ3 ـمَرحباً! أتسمَعُ حفيفاً خفيفاًإلى اليمين من طاولتك؟لن تتمكّن من كتابة هذهِ الأسطر الباقية ـفقد أتيتُ إليك.أتُراكَ تغضبُنيكما فعلتَ في المَرّةِ الماضية ـفتقول إنكَ لا ترى يديّ!لا ترى يديّ أو عينيَّ؟عندكَ المكانُ وضيءٌ وبسيط؛فلا تطردني..إلى حيث تتجمّد المياهُ الآسنةتحتَ قنطرةِ الجسر الخانقة.1913__________________4 ـ صوت الذاكرةإلى أولغا أفانا سيفناغليبوفاما الذي تَريَنهُ وأنتِ تنظرينَ حزينةً إلى الجدارفي ساعةٍ، تحلُّ فيها لحظاتُ الشفق الأخيرة؟أنورساً فوقَ بساطِ الماء الأزرق؟!أم حدائق فلورنسيّة؟!أم لعلّكِ ترينَ منتزهَ الضاحيّة القيصريّة الكبيرحيثُ اعترضَ القلق طريقكِ؟!أم ترينَ عند ركبتيك ذلك الشابالذي هَجَر أسرَكِ إلى موتِهِ الأبيض.لا. أنا لا أرى إلا الحائط ـ وعليهِتنعكسُ نيرانُ السماء المنطفئة لتوّها.18 حزيران 1913__________________ـ5ـكُلّ يومٍ مُقلقٌ ـ بطريقةٍ جديدة.رائحةُ الجوادر الناضج تزدادوما دمتَ تجلسُ متكئاً على ركبتيَّأيّها الحلو، فاضطجع!طيورُ الصفّار تصرُخُ في شجرةِ القيقب الكبيرة،ولن تصمتَ حتى يحل الظلام.كم يروقُ لي أن أطردَ عن عينيك الخضراوينتلك النحلات المرحة.في الطريقِ رنينُ أجراس:مألوف هذا النغم الرقيقسأغنّي لك كي لا تبكيأغنيةً عن أمسية الفراق.1913__________________ـ6ـثقيلةٌ أنت يا ذاكرةَ الحُب!في دخانك أُغنّي وأحترق.أمّا الآخرونَ فلا يرونَ فيكِ إلا لهباًيُدفئُ أرواحهم الباردة.تلزمهم دموعيكي يبعثوا الحرارةَ في أجسادهم المنطفئة..ألأجلِ هذا غنّيتُ أيّها الرب؟!ألأجلِ هذا تقّربتُ إليك بالحُب!دعني أشربُ سُمّاًيجعلُني بكماء،واغسلْ بالنسيان المضيءمجديَ المذموم.18 تموز 1914__________________ـ7ـكيفَ تستطيع أن تنظر إلى النيفا،بل كيفَ تجرؤ أن تمرَّ فوقَ جسوره؟لم أشتهر بحزني عبثاًمنذُ تلكَ اللحظة التي ظهرتَ فيها.حادةٌ أجنحةُ الملائكة السود؛وقريباً ستبدأ المُحاكمة الأخيرة.شُعلات توت العلّيق القرمزّيةستزهِرُ في الثلجِ؛ كالورود1914__________________ـ8ـدونَ ضجيجٍ اختفوا في أرجاء البيت،ما عادوا ينتظرونَ شيئاً.كانوا قد قادوني إلى المريض،لكنني لم أعرفه.قالَ: “الحمد لله. الآن ـوغابَ في أفكاره ـكانَ عليّ أن أغادر منذُ زمنٍ بعيدوما أخّرني إلا انتظارك.كم تُقلقينني في نوباتِ هذياني؛كلماتك كلها لا تفارق ذاكرتيأخبريني: “أليسَ بإمكانك أن تغفري؟”قلتُ: “بإمكاني!”تراءى لي أن الجدران تتوهّجمن الأرض حتى السقف.وعلى ملاءةٍ حريرّيةانطرحتْ يدٌ جافة.أصبحَ البروفيل الوحشي المُلقى جانباًأكثر ثقلاً وخشونةًوما عادَ صوتُ الأنفاس يُسْمَععند شفتيهِ القاتمتين المجعّدتين.وفجأةً انبعثتْ في عينيهِ الزرقاوينقوّة أخيرة:“حسنٌ، أنكِ أطلقتنيما كنتِ دائماً بمثلِ هذه الطيبة”وعادَ وجهُهُ شاباًفعرفتُهُ من جديد.وقلتُ: ” يا ربيّهوذا عبدُك فتقبّلهُ”حزيران 1914__________________ـ9ـكانَ غيوراً، قلقاً ورقيقاًوقد أحبّني كأنني شمسُ الرب،أحبّني؛ فقتلَ طيريَ الأبيضكي لا يغنّي عن الماضي.مع الغروب راحَ يُردد، وهو يدخُلُ غُرفتي:“أحبّيني، اضحكي، اكتبي الشعر!”؛بينما كنتُ أدفنُ طيريَ الفَرِحخلفَ البئر الدائريّة، تحت الحورة العتيقة.وعدتُهُ أنني لن أبكيلكن قلبيَ تحوّلَ إلى حجروأصبحتُ أسمَعُ ترجيعَ طيريَ العذبفي كل مكانٍ، وكل زمان.1914_____________________ـ10ـقبلَ الربيع تمرُّ أيامٌ كهذه:تحتَ الثلج الكثيف يرتاحُ المرجوالأشجار الجافة تحفحفُ بفرحوالريحُ الدافئة رقيقة وحانية.جسدُكَ تدهِشُهُ خفّته،وبيتُكُ تنسى مكانَهُوتلكَ الأغنية التي كنتَ قد مللتَهاستغنّيها بانفعال، كما لو كانت جديدةربيع 1915سليبنيفو_____________________ـ11ـومن جديدٍ تُهدى إليَّ في وسنيجنّتُنا السماويّة الأخيرة ـمدينةُ النوافير النقيّة،“باختشيساري” الذهبيّة.هناك خلفَ السياج المُرقّشعند حافةِ المياه الشاردةتذكرنا بفرححدائق الضاحية القيصريّةولاحظنا فجأةًنسرَ كاترينا ـ هناك تماماً؛كان يطيرُ قريباً من قاع الوادي،بعدَ أن انفصلَ عن البّوابة البرونزّية العظيمة!ولكي تعيش أغنيةُ ألم الوداعِطويلاً في ذاكرتيحَمَلَ إليّ الخريفُ الأسمرأوراقاً حمراء في طرفِ ثوبه.ونثرها فوقَ الدرجاتِ الحجرّية.حيث كانَ وداعُناحيث من هُناك غادرتَ ـ يا سلوتي ـإلى مملكةِ الظل.1916سيفاستوبل__________________ـ12ـالنهرُ يجري هادئاً في الواديوالبيتُ ذو النوافذ الكبيرة يفترشُ الرابية.أمّا نحن فنعيشُ كما لو أننا في عهد كاترينا:نقيمُ الصلوات، وننتظرُ الغِلال.الضيفُ الذي يتحمّلُ فراقَ يومينيجيءُ مسافِراً على طولِ الحقل الذهبييُقبّلُ يدَ جَدّتي في غرفة الضيافةوشفتيَّ على السُلّم!صيف 1917__________________ـ13ـوكان هُناكَ صوتٌ، دعاني مُهدئاً..قالَ: “تعالي إلى هنادعي تلكَ البلاد الموحشة الخاطئة.اهجري روسيا إلى الأبدأنا سأنظّفُ الدماءَ عن كفيّكِوأخرجُ من قلبك العارَ الأسود،سأستُركِ باسمٍ جديد،وأنزعُ عنكِ ألمَ الهزيمة والحزن.ولكنني بهدوءٍ ولا مبالاةغطّيتُ أذنيَّ بكفَّيَكي لا يُدنِّسَ هذا الكلام الوضيعروحيَ الكئيب.خريف 1917.__________________ـ14ـوها أنتذا من جديد. لا فتىً مُتيّماًولكن زوجاً عنيداً سليطاً وحاداًتدخُلُ هذا البيت، وتنظر إلي؛فيرعُبني هدوء ما قبل العاصفة.تسأل ما الذي فعلتُهُ لك،وقد ربطكَ بي إلى الأبد الحُبّ والقدر.خدعتُك. ويتكرّر ذلك! ـآه، ليتكَ تتعب ولو مَرّةً واحدة!فما تقولُهُ شبيهٌ بكلام المقتول؛ يُقلقُ به نومَ القاتل!شبيهٌ بانتظار ملاك الموت قُربَ المخدع الرهيب.فلتسامحني الآن؛ الربُّ علّمَنا التسامُحإن جسدي ينطفئ في مرضي الكئيب،وروحي الحُرّة هجعت تطلب الاطمئنان!ولا أتذكّرُ إلا تلكَ الحديقةَ الخريفيّة الرقيقةوصراخ طيور الكراكي، والحقولَ السمراء..آه كم كانت الدُنيا حلوةً معك!تموز 1916سليبنيفو__________________ـ15ـرّبةُ الإلهامعندما أنتظر قدوَمها في الليلتبدو الحياةُ معلّقة بشعرة.ما الشرف، ما الشباب، ما الحريّة؟أمامَ ضيفةٍ غاليةٍ تحمل المزمار في يدهاهاهي ذي تدخل. تنظر إليّ باهتماموقد كشفت النقابَ عن وجهها،أقولُ لها: “ألستِ أنتِ من أملى على دانتيصفحات الجحيم؟، فتجيبني: “أنا”.1924__________________16 ـ إلى الشِعركم قُدتني في الطرق الوعرة،كنجمٍ يسقطُ في الظلاموكنتَ لي حُرقةً، وكذباًأمّا عزاءً ـ فما كنتَ أبداً!1961__________________ــ17ــأحدهم يمشي إلى الأمام،وآخر يسيرُ بشكلٍ دائريهذا ينتظرُ العودة إلى بيتِ أبيه،وذاك ينتظرُ صديقته القديمة.أمّا أنا فأسيرُ ـ وخلفي المصيبة،لا في طريقٍ مستقيمٍ، ولا منحنٍ،إنمّا إلى اللامكان.. إلى اللاوجهةكقطارٍ خارجٍ عن سكّته!1940__________________ـ18ـ إلى الموتستجيءُ بالرغم من كل شيء ـ فلماذا لا تجيءُ الآن؟أنا أنتظرك ـ وحالتي صعبةلقد أطفأتُ الضوء، وفتحتُ البابلكَ، أيّها البسيطُ والرائع.فالبس لأجل ذلك الوجه الذي تُريد ـاقتحم رصاصةً مسموَمةً،أو تسلّل حاملاً أداةً ثقيلة؛ كأي مجرمٍ ذي خبرة.أو سممني بحُمى التيفوئيد.أو اقتُلني بخرافةٍ تختلقها،وكل أحداثها معروفة حتّى الاستفراغ ـكي أرى ذروة القبّة الزرقاءووجهَ مدير العمارة المُصفَر من الذُعر.سيّان عندي الآن. نجم القطبِ يَرتفع..يتصاعد “ينيسيه”.ويبدّدُ البريقُ الأزرق للعيون التي أحبُّهاالرُعبَ الأخير.19 آب 1939__________________ترجمة .د.ثائر زين الدينالمصدر: موقع المسيرة الالكتروني -
اليزابيث بيشوب – فن واحد
فنّ الفقدان ليس صعباً إتقانه؛
بالرغم من أن أشياء كثيرة تمتلئ بالمعاني
غير أن خسارتها لن تشكّل كارثة.ولتفقد… كل يوماً شيئاً ما.
ولتسلِّم وترضى بفوضى مفاتيح الأبواب الضائعة،
وتمضية ساعة رتيبة.
فنّ الفقدان ليس صعباً إتقانه.من ثم تمرَّن على فقدان أبعد، فقدان أسرع:
لأماكن، وأسماء، وحيث كنت تنوي
أن تسافر.
كل ذلك لن يجلب الكارثة.لقد فقدتُ يقظةَ أمّي وسهَرها.
وانظر! حتى المنزل الأخير
و ماقبله، من بين ثلاثة منازل أحببتها،
فقدته،
فنّ الفقدان ليس صعباً إتقانه.لقد فقدتُ مدينتَين جميلتَين،
لطالما أحببتهما.
وأكثر اتّساعاً من ذلك،
فقدت عوالمَ كنت أمتلكها،
قارّةً ونهرَين،
كم اشتقتُ إلى ذلك كلّه،
لكن… لم تقع الكارثة.حتّى وإن فقدتَ ذاتك
(بحّة ضحكتك، وإيماءتك
المحبّبة عندما تكذب).
من الواضح،
أن فن الفقدان ليس من الصعب أبداً إتقانه،
رغم أنه ظهوره (ولتكتب ذلك) في مظهر الكارثة.———————
Elizabeth Bishop, Complete Poems 1926-1979. Copyright © 1979, 1983 by Alice Helen Methfesselاليزابيث بيشوب (1911- 1979) شاعرة وكاتبة قصة أمريكية. حصلت على جائزة الولايات المتحدة، كما حصلت على جائزة بوليتزير للشعر.
المصدر: مدونة د. شريف بقنه
ترجمة: د. شويف بقنه
-

والت ويتمان – عنكبوت صبورة و هادئة
عنكبوتٌ صبورةٌ و هادئةٌ،
لاحظتُ أين تقِفُ على صخرةٍ صغيرةٍ منعزلةٍ قُربَ الشاطئِ،
لاحظتُ كيف تستكشفُ الفراغَ الشاسعَ المحيطَ بها ،
إنها تُطلِقُ خيوطًا، خيوطًا، خيوطًا، مِن تلقاءِ نفسِها،
تفكُّ بَكرَتها الأبديةَ مسرعةً بلا تعبٍ.وأنتِ يا رُوحي حيثُ تقفين،
منفصلةً، محاطةً بمحيطاتٍ مِن فضاءٍ لا يُمكن قياسُه،
تتأملينَ، تُجازفينَ ، تبحثينَ و تُطْلِقين خيوطَكِ صَوْبَ النُّجوم لتصليها ببعضٍ،
حتَّى تصنعي الجسرَ الذي تنشُدينَ، وترمِي المرساةَ حيثُ تُريدينَ،
حتى يتشبّثَ خيطُك الهُلامي الرقيقُ بمكانٍ مَا، آهٍ يا رُوحي.ترجمة: د. شريف بقنة.
——
*والت ويتمان ( 1819-1848) شاعرٌ وكاتبٌ و ناشطٌ أمريكيٌّ، يُعتبَرُ رائدَ القصيدةِ الحديثةِ في أمريكا. -

إينانة الصالح تكتب – نصفُ خيالٍ .. نصفُ أمنياتٍ
للطريق بيدين تلمّان اللهفة كالحصى
لهطول الوقت بقلبي الحنطة
للصمتِ قبالة الحرب والشفاه المقصلة
للارتجاف الطويل يلمُّ خطاي المتعبة كالجبال
للبلاد التي يسيل كحلها:
لا وقتَ بعدُ للوقتِ
لا ماءَ بعدُ في الماء
لا أرضَ بعدُ في الأرضِ
لا رصاصةَ بعدُ يمكن أن تقشِّرني عن الحياةِ
أمدّ كفي لأسكنَ
يجيء أهلي وأهلكِ أهلُ الأرض
كفّي يصيرُ كوكباً للمتعبين
وحلمي غمّازة الموت
أيها النّرد
يا نردنا
يا ماءنا المصقول بالوجوه
هب لنا من لدنك خيبتنا
تلك الموشومة بالحزن الجليل
بنا، ونحن نستر عاهات الأماكن بذاكرتنا الشفافة
هناك، حيث لم تكن تلك امتدادي
ولم يكن لثوبها المسكون بالفقد رائحتي
كنتُ أرقبها وهي تهدهدُ للغائبين حتى تنامَ دمعتها
وتزرع قلبها في الصباح كي ينبت الضوء
شربتُ الحياة من صوتها
فتّشتُ في أوجاعها عن مسكنٍ للماء
عن حجرٍ يذكرني بألعاب الطفولة
وما رأيتُ
أيتها البلاد كيف تكونين بلادي؟!
وأنا الغريب ابن الحربِ
أخبّئ رأسي في كفّها
أبتر ساقاً لأغافلَ الموتَ
وأترك الأخرى لأركلها
أيتها البلاد، كيف يمكن أن ترهنَ امرأةٌ قلبها للريح؟!
أن تجعل من ضحكتها أرصفةً للمسافاتِ؟!
أن تُقامر بالحلمِ
وتصنع من صوتها شالاً للحزنِ؟!
وطريقُها ناحلٌ بالفرحِ
موغلٌ بالغائبين
موحلٌ بالجَوعى
جافلٌ ظلُّها على جدار الخوف
كيف لها وهي نصف خيالٍ ونصف أمنيات
أن تصرخ في وجهكِ بعد أن شربتكِ الحرب:
شاهقٌ وجهُ من أحب
ساقطٌ وجه العالمِ في قلبي.. -

زاهر الغافري – المسألة الشعرية عند شاعر جوال
تجربة الشاعر العُماني زاهر الغافري (1956)، كانت موضوعاً لندوة في مسقط جاءت تحت عنوان “الحداثة الشعرية عند زاهر الغافري” أول أمس الإثنين.
الندوة التي نظمتها “الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء”، بالتعاون مع “كلية الآداب والعلوم الاجتماعية”، وشارك فيها كل من محمد الغزي بورقة “مدوّنة زاهر الغافري الشعرية وسؤال اللغة”، فيما كانت ورقة فاطمة الشيدي بعنوان “الشعر بوصفه حياة: الحداثة والنص الرقمي”، أما الشاعر عوض اللويهي فتأمل “شعرية الفضاء” عند الغافري، فيما قدم الباحث مبارك الجابري ورقة بعنوان “اللهجة الاجتماعية واشتغال بنى الخطاب”.
الشاعر، نفسه، قدّم خلال الندوة ما يشبه شهادة شعرية صغيرة بعنوان “في المسألة الشعرية”، يرى فيها أن الشعر بالنسبة له “خلاصة لمفهوم الكينونة ضد القبح والرعب تجاه حياة الإنسان في هذه الدنيا القصيرة”، مختصراً في هذه الشهادة مغامرته نحو الشعر التي قادته إلى الترحال والمعرفة و”بوثبة نمر” من قرى عُمان إلى بغداد على حد تعبيره.
يقول صاحب “الصمت يأتي للاعتراف”: “كنت أريد أن أدخل إلى العالم بقوة المعرفة والجمال ولأنني رجل بسيط عشت حياتي بحرية وليس الشعر بالفهم الهايدغري سوى إقامة في الأرض” مضيفاً، وهو يلتفت صوب البدايات: “بدأت تجربتي من الكتاتيب أو مدارس القرآن مبكراً في عُمان في قريتي سرور ونفعا. وتتلمذتُ على معارف الشعر القديم، شعر ما قبل الاسلام الذي يطلق عليه الشعر الجاهلي -وهذا في اعتقادي خطأ معرفي- وكتبت الشعر الكلاسيكي”.
“يقول الغافري: كنت أريد أن أدخل إلى العالم بقوة المعرفة والجمال”
أما ما سماها بالنقلة التي شبّهها بـ “وثبة النمر” فتلك التي حدثت في العراق: “كانت -أي النقلة- في بغداد الستينيات حينها تعرفت على بدر شاكر السياب ومحمود البريكان شعرياً، وعشت النقاشات المهمة على الصعيد الثقافي حتى جيل الستينيات والسبعينيات وكتبت قصيدة التفعيلة ثم مزقت بعض ما كتبت كما لو كنت ماموثاً يخرج من حياته ليكتب في ما بعد قصيدة النثر”.وعن الشغف الذي قاده للمعرفة يصف صاحب “أزهار في بئر” حياته في شهادته: “في حياة الترحال كان الشغف يقودني للمعرفة شعراً وفلسفة ومسرحاً وتشكيلاً وسينما وموسيقى ثم الرقص آه من هذه الدوخة التي ذكرها نيتشه وقدمتها إيزادورا دونكان ثم مارثا غرام ثم الألمانية بينا باوش. هكذا خرجت من القرية الصغيرة في عُمان لأعانق العالم وأتعرّف على الكتاب والشعراء والفنانين”.
وضمن الأوراق الأخرى، اعتبر الغزي بأن “مدونة زاهر الغافري من المدونات الشعرية الحديثة التي تشدّ القارئ إليها قبل أن تشدّه إلى ما هو خارج عنها”. تطرح ورقة الغزي أسئلة من قبيل: ما هي خصائص اللغة في شعر الغافري؟ وما هو مفهومه لفعل الكتابة؟ وأيّة وظيفة ينهض بها الشاعر في قصائده الواصفة؟ ثم يذهب إلى أن “قصائد الغافري على اختلاف مراحلها وتقاذف المسافات بينها، تهجس بسؤال واحد هو سؤال الكتابة. هذا السؤال قد تجلّى في أشكال عديدة وأساليب كثيرة لكنه بقي مع ذلك واحداً في تعدد أشكاله وتكاثر أساليبه. فقصائد زاهر ليست إلا إعلاناً عن تصوّر مخصوص لفعل الكتابة، لوظيفتها الأنطولوجية والكيانية. الكتابة من حيث هي نشدان للمعنى وبحث ممضّ من أجل الظفر به”.
أما فاطمة الشيدي، فترى بأن الشاعر “كتب القصيدة عبر وعي شعري جديد ومتجدّد، وعي حداثي وغير نمطي، فكثيراً ما خالف السائد، وتمرّد عليه بقصد وموضوعية تحتفي بالذات وتؤمن بالمغايرة والاختلاف كأساس شعري جاد وحاد، ولذا لم يقف عند لغة ما، ولا عند مدرسة، ولا عند أب شعري بل كان ينتخب لنفسه أبداً روح شاعر جوال عبر الزمان والمكان”.
وتستطرد موضّحة بأن “قصيدته متمردة على ذاتها كلما حلا لها التمرّد، فلا نقطة ثابته تقف عندها، ولا زمن تحتكم إليه، منوّعة في أساليبها اللغوية والأسلوبية، ومستمدة قدرتها من الحياة كحكاية” وتحيل هذا التمرّد إلى “السفر والوعي والقراءة في تشكيل المعمار الفني المضاميني والشكلي الحداثي لدى الشاعر”.
وترى في المُجمل “أن قصيدة النثر التي بدأ بها زاهر طريقه الشعري وانتهى إليها، متخذاً منها معراجاً نحو الشعرية الجديدة بمتاهاتها الفكرية واشتغالاتها المتجددة أبداً بفعل الزمن؛ اتسمت بحداثة راسخة، محلقة في أفق الجديد عبر الانفتاح على الشعر الكوني، ومنتمية لجذور القديم بأفقه اللغوي، وبعمقه واتساعه وهذه هي أبرز سمات الحداثة الحقيقية”.
عوض اللويهي، من جهته، اعتبر أن “الفضاء الشعري مكوّن رئيس داخل نصوص زاهر الغافري، فلا يكاد يخلو نص شعري إلا ونجد أن الفضاء من أبرز المكونات البنائية”، مشيراً إلى أنه “في ذات الوقت نجد أن الفضاء لا يشتغل في معزل عن بقية السياقات، الفضاء كبنية لغوية متخيّلة وليست بنية جغرافية لها مرجعية واقعية، يلعب دوراً رئيساً في ربط المنظومة المكانية التي تضيء بقية مكونات القصيدة وتتشكل حولها العناصر اللامكانية للنص الأدبي بحسب عبارة يوري لوتمان”.
ومن خلال اختياره لمجموعة الشاعر الأخيرة “حياة واحدة.. سلالم كثيرة” (2017)، تناول مبارك الجابري “التوازن بين المقاربات الشكلانية والمقاربات المضمونية في مقاربات الخطابات الأدبية”، حيث درس جملة المدخلات التي شكّلت وضعه الاجتماعيّ- اللغويّ، سواء في جانبه التراكمي، أم في جانبه النوعي الذي أسهمت مدخلات ثقافية متنوعة في تشكيله.
يذكر أن زاهر الغافري قد أقام في عدد من البلدان العربية والأجنبية منها العراق، والمغرب، وفرنسا، وأميركا، وأقام سنوات طويلة في السويد، وهو يقيم حالياً في عُمان، وقد ترجمت بعض أعماله إلى لغات عديدة منها الإسبانية والإنكليزية والألمانية والسويدية والفارسية والهندية. صدر له: “أظلاف بيضاء” (1983)، و”الصمت يأتي للاعتراف” (1991)، و”عزلة تفيض عن الليل” (1993)، و”أزهار في بئر” (2000)، و”ظلال بلون المياه” (2006)، و”كلما ظهر ملاك في القلعة” (2008)، و”المجموعات الخمس” (2013)، و”حياة واحدة، سلالم كثيرة” (2017) وقريباً ستصدر له مجموعة شعرية تحت عنوان “في كل أرض بئر تحلم بالحديقة”.
-
عبدالله الجبور – إشكالية الترجمة في الثقافة العربية
■ تلعب الترجمة دورا ثقافيا تاريخيا هاما وحيويا في نقل المعرفة بين الشعوب عبر الزمن، كذلك ما حققه اكتشاف الطابعة من ثورة في الثقافة كان له بعد اقتصادي سياسي إعلامي هام جدا في أوروبا.
هنا نسلّط الضوء أكثر على دور الترجمة وأهميتها المعرفية، وهي أي الترجمة، كأداة لا تقل أهمية عن الثورة التي حققتها الطابعة، حيث أن العلوم الإنسانية المختلفة بقدر معرفي كبير جاءت إلى الشرق عبر الترجمة، كذلك وصول الدين الإسلامي والمسيحي بين الشرق والغرب كان من خلال وسيلة (الترجمة) التي لابد من التوقف قليلا على جزئية هامة وهي معالجة النصوص وأهمية ذلك خصوصا من وإلى لغة كاللغة العربية التي يتغير مفهوم الكلمة وتعبيرها بمجرد تغير مكان الكلمة في النص، وإضافة الحركات للحروف أو إزالتها، كلنا يتذكر إشكالية الترجمة في الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي حول كلمة (أراضي) و(الأراضي) والخسائر الفادحة نتيجة قلة الاهتمام بتفاصيل الترجمة وما قد تؤثر به في سياق الاتفاقيات الدولية.
سنتناول اثنين من نماذج ترجمة أحدثت وما زالت إشكالية معرفية للثقافة العربية، أيديولوجيا، إعلاميا، دينيا، على الرغم من أن النماذج كثيرة، إلا أن النماذج التالية تم اختيارها بسبب تداولها بشكل أكبر في مجتمع المثقفين، وهي:مصطلح الأصولية (Fundamentalism)
اليوم، عندما نتهم شخصا بالتراجع الثقافي، أو التطرف الديني، نقول له: أنت شخص «أصولي»، كذلك المجموعات المتخلفة في أي فكر موجود حاليا، نطلق عليهم: «أصوليين»، بالرغم من جمالية الكلمة في جذرها الثلاثي (أصل) أي أصل الأشياء، على سبيل المثال: أصول النحو، أصول التاريخ، أصول المنطق، أصول الدين، إلا أنها تستخدم للتعبير السلبي عن الأشياء، وهنا الخلط المفاهيمي، حيث أن الأصولية بمعنى أنها تشدّد سياسي وديني وتكفيري هي مصطلح أوروبي وليس شرقيا أو عربيا. ظهرت مفردة (الأصولية – Fundamentalism) لأول مرة في المعاجم والقواميس الأوروبية في القرن السادس عشر مع المتطرّفين البروتستانت، بالنسبة للشرق فإن أكثر الأماكن استخداما لهذا المصطلح اليوم هي في الفكر الديني، حيث يطلق الباحثون – وهنا إشكالية النسخ – مصطلح «الأصولية» على الفكر الرجعي المتطرف للجماعات الدينية المسلحة – خصوصا الإسلامية منها – التي حسب تعريفهم تعود لأصول الدين في تنفيذ معتقداتهم، في الحقيقة أن هذه الجماعات تعود لأصول الدين في الاجتهادات الإنسانية ولا تعود للأصل هنا، حيث أن أصل الأشياء هو مصدرها المجرد (الثابت) وهنا أصل الفكر الديني الإسلامي هو رسالته الأصلية، وهي كلام الله للإنسان، أي القرآن الكريم، إذا كان إطلاق مصطلح «أصولي» على شخص إسلامي يعود لمصدره الأصلي وهو القرآن؛ فأنا هنا شخص أصولي، وأعتقد أني سأبقى كذلك.
مصطلح صحافة المواطن
(Citizen journalism)يرتبط هذا المصطلح حاليا بنشاط الأشخاص الصحافيين وغير الصحافيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في المعنى (صحافة المواطن) الذي أطلقته «كليمينسيا رودريجز – Clemencia Rodriguez» وهي إعلامية أمريكية، قد يكون مناسبا في وقت ما، لمجتمع ما، لكن هل هو صالح لكل مجتمع يستخدم هذا المصطلح؟ تكمن الإجابة في الرجوع للمصطلح نفسه، حيث يتكون الجزء الأول من التعريف من (صحافة) وهي الممارسة المعروفة التي أصبح أي شخص عبر نشاطه الإعلامي عبر المنصات، يصنّف كصحفي، لأنه فعليا يقوم بهذا الدور، إلا أن الإشكالية تكمن في الجزء الثاني المترجم (المواطن)، من هو المواطن؟ هذا التعريف سيكون منصفا بتغير المكان؟ على سبيل المثال: المواطن في أمريكا هو ذاته المواطن في الأردن؟ حسنا، وماذا عن البقية؟ سأقوم بإيصال الصورة بطريقة بطريقة أكثر وضوحا عبر مثال واقعي: في الأردن (دولة نامية)، يمكن دعوة الشباب المهتم بالحصول على تدريب متخصص في صحافة المواطن – Citizen journalism، سنجد المتقدمين بالإضافة للأردني المواطن هم: لاجىء سوري، فلسطيني، عراقي، ليبي، يمني، سيقول أحدهم للمدرب: عذرا، أنا لست مواطنا، وهذا التدريب مخصص للمواطنين فقط.
الخلاصة: يثبت هذا المثال أن المصطلحات في العالم المتقدم، قد لا تكون صالحة في العالم النامي خصوصا العربي منها، الذي يشهد حركات تغيير اجتماعي جذرية نتيجة الحروب التي تعصف بالمنطقة، ويمكن إحداث تغيير بسيط على الترجمة لتصبح (الصحافة الاجتماعية – Social journalism) هنا سيكون المصطلح تعدديا ولا يقصي الآخر، ويساعد مكونات المجتمع الواحد على التفاعل فيما بينها.النتيجة
تتغير المصطلحات بتغير الزمان والمكان، كذلك الترجمة لا يجب أن تكون حرفية، إذا ما أردنا الاستمرار في بناء معرفي منطقي، علينا تجديد الترجمة تماما كما هي عملية تجديد الفكر ودورها في التقدم والتدافع، تكمن إشكالية الترجمة في الثقافة العربية، خصوصا المستوردة منها، في أنها قد تكون منتهية الصلاحية، وتناولها بالقصد الصحي قدي يكون سلبيا للجسم الثقافي، كذلك حرفية الترجمة للمصطلحات التي يتغير مفهومها بتغير الزمان والمكان.
٭ باحث اجتماعي أردني
(القدس العربي)
-
وسام علي – أبجدية الولاعات في تشذيب أوصافنا
بحربتين أتسلقُ هذا العمر،
مقابضهما شُدَّتْ بأيادٍ أصابها ملل التربيت على كتفي،
لستُ جبانا ولست جيدا بالتسلّق .
استراحتي وأنا مُدلى بحبل مربوط بمعالم وجهكِ،
أطمئنُّ على حالي وأنتِ توزعين الوسائد تحت احتمالات سقوطي.
كلُّ ليلةٍ تغمضين عينيَّ كجثّةِ،
وكل صباحٍ أحُسّس وجهكِ بوجهي المشذّب بنارِ الولاعات التي تُفتح في المرة الأقرب لموضع القبل حينما كنا نتذوق بعضنا.
لستُ جبانا على أمل أن أكون أقوى من تعبيرات الوجوه التي تحتفل بنفخ الغبار عن ملامحها .
لستُ جبانا على أمل بزفر الهواء في العبارات التي تبرّر مدى سوء حظ القواميس في التعبير عن صلابتي .
لستُ جبانا
فلا خدع في تفسير الألم
أو الحاجة لتغيير الوجه
فاللامبالاة ما زالت تنمو في رأسي.
-
رشا الحمزة – مجرد غرفة
لطالما كانت الأمور الصغيرة
تكبر ليلا
لطالما بدوت قوية للآخرين
ولم يكن لدي خيار آخر
كي لا ابدو ..
ولطالما اردت اخبارك ان القلوب ..
تغادر اقفاصها مع من تحب
وان هناك يوما فارقا لأجلك سيجيء
يتنصر فيه الالم على كل الوان الورد والطبيعة
على الادعاءات والنفس البشرية
على قلبي الحائر مثل ذيل قطة
وها انا الان .. عليك اتمزق
ها انا اقول بعمي كامل
لا احد مثلي في حبك
لا احد مثلك يجعلني اسيء لنفسي
حين ارفعك مثل فضيحة على اكتاف الشعر
فتشتهيك الاناث والاخبار
بينما نوازعي تحاول الاّ تكون لها
محطة للبلل والايمان بغير الذات
الايمان بانكسار كل الذوات على حافة اللسان
وانا انطق اسمك
أو اتيقنك خطيئة مغرية
لايمكنني بأي شكل تجنبها
لطالما لم ارد اخبارك
ان ماتهجره عيناك .. لاشيء يحيه
وان العالم بعدهما
مجرد غرفة . -

أسعد الجبوري: الملفات السرية للشعراء الموتى، فرناندو بيسوا
أجرى هذا اللقاء الافتراضي مع فرناندو بيسوا، الشاعر أسعد الجبوري.
في تلك الساعة من الزمن السماوي الهادئ، لم تَدُل أعراضهُ على وجود حُمَّىَ في جسمه النحيل . وجدناه على ظهر مركبه البخاري،وهو يحاول الانطلاق نحو أمكنة لم نعرف عنها في الكتب ولا في الأساطير شيئاً من قبل.وعندما بادرناه بالسؤال عن اتجاه رحلته،ابتسمَ وقال:
سنغادر هذه النقطة إلى منطقة إطلاق النيازك والمذنبات.
أصبنا بالذهول من فكرة الرحلة،إلا إن المامُوث الذي كان مضطجعاً على متن المركب،سرعان ما تحرك غاضباً من أسباب تأخير المدّ المائي.لكن الأمور لم تستمر على ذلك المنوال. فقد تحسنت في نهاية المطاف،عندما ضغط الشاعر فرناندو بيسوا على الزر،لينطلق المحركُ ،شاقاً تلك المياه الدافئة،فيما كانت الأفواه ممتلئة بأغانٍ مُلتهبة بالغربة والاغتراب والحنين إلى الأم القديمة: الأرض.
■ كيف يمكن لمؤلف مختنق بالهواء الأعمى،أن يفكر بإنقاذ كلماته من الهلاك بغاز أو بدخان أو بانبعاث الثاليوم إلى اللغة التي هي على قيده؟
ـــ في مسائل الموت وما يخص الهلاك،لم أُجر تحقيقات بذلك الشأن.لقد كان الموت عندي الفعلُ المُضارع الاستمراري.
■ربطتهُ مع الكتابة ببراغي العدم؟!!
ـــ أجل.استغنيتُ عن كَيّ ملابس اللغة بذلك القدر من الحرارة والبخار،وأجهزتُ عليها بمخلفات حرائقي النفسية على مراحل.وكما قلت سابقاً فأنا ((أحسدُ الناس جميعا لكونهم ليسوا أنا.)).
■هل كان سببُ أمراضك المتراكمة، هو الفشل العاطفي أم الانحراف الغامض في الحواس أو العقل على سبيل المثال؟
ـــ لا أعرفُ لمَ تُسمي الماكينات العاملة بباطني بأمراض وانحرافات وشذوذ عقلي و الخ..أنا أرى الإنسانَ غير المحموم بمنتجات داخله ، ليس غير حبلٍ مربوطٍ بيد منقذ ينتظرهُ في أعلى البئر. وثقافتي السوداء ،تمنعني من أن أكون منتظراً ،أو متلهفاً لظهور فرقة إنقاذ ،تقوم بانتشالي من غرق أو تحطم أو خطر عارض لي وللغة التي انتمي إليها.
■ تعني أن النساءَ جزءٌ من تلك المخاطر التي تحطم بيسووا من أجلها ؟
ـــ لم أكن كسير قلب في يوم من الأيام.لأنني لم أملك تحت أضلعي غير بالون ملئ بالأسمنت. النساءُ لا يتحمل شخصاً بهذا القدر من الأنانية التي جعلتني مندمجاً بالكتابة إلى حدود نسيان عالم الآخرين .
■ وقولك :”إن أفضل صديقاتي فتاة حلوة، أنا اخترعتها.”هل كنت تعني الفتاة (أوفيليا كيروس) على وجه الخصوص؟
ـــ أوفيليا كيروس حاملة السلالّم بالعرض وبالطول.أوفيليا كيروس ملخص العواطف الجبارة والضائعة. أوفيليا كيروس لا تقَنطُ بسلاسة النهر أو سرعة البرق. كانت خليلةً رائعة.فبعد أن اخترعتُ لها العديد من المسرحيات لصيدها،ونجحتُ،أفسدتُ تلك العلاقة بفكرة الزواج .أرادتْ أن تصبح رحماً لإنجاب الأطفال. آنذاك فشل المشروع
■ ولكن في كتاب «رسائل حبّ فرناندو بيسُّووا» للباحثة البرتغالية «مَانوِيلا باريرَا دَاسِيلبَا»،ثمة تعلق ميلودرامي بتلك الفتاة ينتهي بنفورها منكَ،ومن بعد ذلك تحدث القطيعة يا بيسووا.
ـــ لم تتم القطيعة الكاملة.كنا نعوضها بالرسائل السخيفة التي ندمتُ على كتابة كل حرف من حروفها.ليس من اللائق أن يكتب شاعرٌ شيئاً لامرأة هاربة منه.بل عليه أن يدفع لها بالبريد الوردَ المشتعلَ ،لعل الحرائق تلعبُ بالحب.
■كأن الفتاة أوفيليا كيروس ليست سوى لحم على مائدة شاعر اسمه فرناندو بيسّووا فقط؟!!
ـــالمهم أنها قطعةُ لحم مُشبّعة بحشيشة الملاك. تركتني وحصلتْ على الميدالية ،تخليداً لجنازة العاشق المرمية على الطريق ،هدية للفئران والكلاب الضالّة والذباب الأزرق.
■ولم تجد حباً بعد أوفيليا ؟
ـــ بل وجدت:البراندي .
■وجدت أنتَ البراندي من أجل تفعيل مخيّلة الحبّ ،كما يمكن أن يُفهم من وراء ذلك القصد الذي أشرتَ إليه؟
ـــ أجل يا صديقي.فعندما يواجه الحبُ تهديداً من هذا النوع أو ذاك، عليه مجابهتهِ بالمَوْكِب التاريخيّ للكحول.وهجر أوفيليا لي كان عنواناً لكتابٍ عدمي، أول ما ظفرّ بدمي ،ليجفّ وأنتهي على طاولة الوجود ،كشخصٍ بمجموعة خردوات يملؤها الصدأ .
■ وهل كان مشروب البراندي ،يؤلفُ تحت سقف رأسكَ غيوماً حمراء على سبيل المثال؟
ـــ أنا ،ومثلما جعلت من البراندي في كتاباتي شخصاً طويلاً ونحيلاً يعيش فوق طاولة النصوص ، مثلما كنت أتعايش مع طاقة الكحول ،وهي تحوّل عويل اللغة ومراثيها إلى مخلوقات لا يمكنها التعايش مع طقوس الأكواريوم .هكذا حدثت القطيعة التامة مع أوفيليا في أواخر عام 1929.
■ هل ثمة سباق ما بين الكحول والشعر؟
ـــ أجل. فكلاهما في المضمار المؤدي إلى التيه ،على حدّ التعبير الفلسفي الدارّج تحت قبة أحلام الشعراء الذين يحاولون إعادة إنتاج العالم ،والتعبير عنه من خلال النفس برموزها وطقوسها وملاعبها وتشظياتها في الشعورية ونقيضها.
الآن.. دعني أرتدي معطفي وأولي هارباً إلى غرفتي الصغيرة في أطراف المدينة التي يحتلني ظلام كآبته.هل تعرف بأنني لم أنم منذ يومين.كنت أبحث عن مومس سبق وأن تعلقت بها،وسرعان ما فقدت أثرها .أجل.فقد سبق لي وأن وجدت في تلك المرأة غطاء محترماً لمجمل أفكاري.كنت أنام في حضنها وأقرأ لها قصائد لم تثر فيها غير الشفقة على حياتي البائسة.وذلك ما كان ينقصني بالضبط.
والأغرب والأكثر مرارةً من غياب تلك المومس،كان حضور دائن قديم له بذمتي الكثير من الأموال.أجل فقد صادفني ذات ليلة في الشارع العام .
تصور أن يوقفك رجل في منتصف الشارع ويسألك غاضباً:هل تعرفني ؟!
حاولت التدقيق بوجهه مليّاً،وأدركتُ أنه كان شخصاً يعمل في مستودع لتجارة الألبسة المستعملة ((الباله)) منذ أكثر من عشرين عاماً.
أرجو أن لا تكون قد نسيت وجهي يا فرناندو بيسوا مع الدين الذي كان بذمتك أيضاً ؟
لم يكن أمامي إلا معانقة التاجر أو الصديق القديم للالتفاف على غضبه .فهو ما يزال يحتفظ بعضلات ذراعيه وصدره الضخم .إلا أنه سرعان ما دفعني إلى نحو متر إلى الخلف،قائلاً: أريد معانقة فلوسي أولاً أيها الهارب،وإلا ستكون كيساً ستحتفلُ بكَ هذه القبضة احتفالاً يليقُ بك.
قلت له ضاحكاً:لا أملك الآن مالاً.
فضحك وهو يستجرني من ياقة سترتي وجسمه يبدأ بأولى فورات الغضب قائلاً :ستدفع يعني ستدفع.وإذا كان ينقصك المال، فستشتغل أجيراً عند صديقي في مرفأ السفن. تعال لأعرفك على الشخص،ليرتب لك عملاً بتنزيل حمولات البضائع .لا تخف .لن أخذ منك إلا ثلاثة أرباع الأجر،وأترك لك الباقي من الراتب،حتى تنتهي من سداد الدين .
ذلك ما حدث لي فعلاً.أوقفني التاجر القديم (بدلو فريد) في الشارع ،ثم حاكمني على تهربي من الدفع،بل ولم يتوان عن جرّ جسمي إلى الميناء،ليقوم بتسليمي لصاحبه الذي قام بتسليمي ملابس العمل ورقماً يمثل اسمس الشخصي على الفور،وقادني إلى العنابر التي يقوم بها العمال بترتيب الحمولات من البضائع.
اية كارثة حلّت بك يا بيسوا ؟!!
هكذا سألت نفسي وأنا أحمل دموعي على ظهري قبل أن أرفع عليه أول وجبة من صناديق الأعتدة العسكرية التي كانت تأتي بها بواخر من بلاد البلغار والأمريكان وبولونيا وأوكرانيا.
اعتبرت نفسي أنني وقعت بكمين قذر،بعد أن نجح التاجر الذي أخبرني عن صداقته لي منذ قديم الزمان.
بعد مضي أسبوع على الأشغال الشاقة التي تعرضت لها في المرفأ، أطلقت ذات ليلة صرخة مدوّية: تقرصنت !!
هكذا صحتُ بالفعل.فيما تجمهر من حولي العمالُ فاغري الأفواه من الصدمة،في مكان كان ممتلئاً بالأسلحة والأعتدة ،حيث لا بد من الفرار من رائحة الموت.
هكذا وجدت نفسي تتقمص شخصية سبارتاكوس لتحرير العبيد. صرختي تلك سرعان ما استدعت الكثير من عمال المرفأ،ليأخذوا بزمام المبادرة ،فيقوموا بالاستيلاء على أكبر بواخر ،وإجبار القبطان بالتوجه بها في عرض البحر.
آنذاك ..وما أن تمت عملية اختطاف ذلك الحيوان الحديدي الضخم ،حتى خرجتُ من عنبر الباخرة إلى السطح. أخذتُ كرسياً من القش ،وبدأت بتدخين الغليون واحتساء البيرة ،ثم التوجه إلى كتابة قصيدة إلى رئيس دائرة البوليس ،نخبرهُ ببدء مراحل العصيان، ولم يكن في أذهاننا غير تلك الرغبة بتدمير بقية السفن التي كانت تحمل الأسلحة من عرض البحر إلى مستنقعات الدم البشري.
آنذاك ،وقبل أن يجري الخمر في دم بيسوا سريعاً فيثمل وتضيع الطاسة ،قلت له سنذهب في رحلة إلى الخليج العربي.نزور البحرين .
عندما سمع بيسوا كلماتي نهض مقهقهاً وهو يقول:وماذا نفعل هناك يا صديقي؟
قلت له:أريد أن أطلعك على جريمة قام بها أسلافك بحق جدي الملك الشهيد مقرن بن زامل.ألا تعرف قصته بحق ؟
أجاب بيسوا مبتسماً وهو يدلق كاس البيرة في جوفه:هل تريد أن تأخذ ثأرك يا أسعد من قتلة جدك السابع عشر؟ ثم ما علاقتي أنا بالأسطول البرتغالي الذي قتلك جدك الملك في القرن الخامس عشر من قديم الزمان ؟
أسمعني جيداً وكن منصفاً بالحكم على القصة كاملةً يا فرنالدو بيسوا :
مقرن بن زامل (ت. 2 أغسطس 1521) هو حاكم شرق جزيرة العرب, بما فيها الحسا والقطيف والبحرين وآخر حاكم الجبور للبحرين. وقد هـُزم في معركة، في 27 يوليو 1521، أمام البرتغاليين الغزاة الذين أخضعوا جزر البحرين في 1521. ولما كان قد اُسـِر في المعركة, فقد مات ربما متأثراً بجروحه بعد بضعة أيام. القائد البرتغالي, أنطونيو كورّيا, لاحقاً رسم رأس الملك مقرن النازفة على درع أسرته.
لقد فعل القائد البرتغالي, أنطونيو كورّيا بجدي قديماً،ما يفعله الدواعش بالبشر اليوم .قطع له رأسه وكان أسيراً .
“ أثناء رحلات البرتغاليين في تلك البحار, الإحساء كانت مقر ملك, تخضع له جزر البحرين وميناء القطيف; وهناك قصة في التاريخ البرتغالي عن ذلك الوقت, وتحكي القصة عن تجريدة من هرمز ضد البحرين, وعن مـُكـْرِم Mocrim [الملك مقرن], ملك الأحساء Lahsa, الذي رفض دفع الجزية للتجريدة. ولذلك استولى على البحرين جيش مشترك من البرتغاليين والفرس; وقد قام أنطونيو كورّيا, قائد البرتغاليين, بإضافة لقب البحرين لاسمه. وخلال المعارك, كان الريس خرافو Reis Xarafo, (الشيخ شرف الدين), قائد الأسطول الفارسي, يتابع الأحداث كمتفرج غير مهتم; ولكن بعد هزيمة الملك مقرن واصابته بطلق ناري في فخذه ثم أسره ثم وفاته بعد ستة أيام وبعدها أخذه البرتغاليين ليـُدفن في الأحساء. عندئذ فقط قام هذا المشاهد الجبان ذو الدم البارد بالذهاب إلى البلدة, وقطع رأس الملك مقرن, وأرسلها إلى هرمز. ما بدى على نفس القدر من الخسة كان, قيام كورّيا, القائد البرتغالي, لتخليد نصيبه من هذا الحدث, فقد حصل على إذن ليحمل رأس الملك النازف على درعه, والذي ما زال يحمله حتى اليوم, كما يخبرنا مؤرخ بلاده, المولود من نسله [4]. ”
مقرن ارتقى سدة الحكم بعد وفاة أحد أقوى الحكام الجبريين, أجود بن زامل, الذي يحتمل أن يكون جد مقرن. مقرن كان أحد ثلاثة أشقاء جبوريين حكموا فيما بينهم إمارة بني جبر التي ضمت الساحل الشمالي لعُمان ومنطقة البحرين-القطيف; مقرن حكم المنطقة الأخيرة من عاصمته في الحسا. وقد رفض أن يدفع الجزية للتحالف البرتغالي-الهرمزي المتوسع والآتي ليسيطر على كل الطرق البحرية, مما دفع الحليفين لإرسال قوة غزو لإخضاع البحرين [2].
وقد أشار المؤرخ المصري العربي ابن إياس إلى مصرع الشيخ مقرن في سرده لأحداث عام 928 هـ (1521 م) في كتابه “بدائع الزهور في وقائع الدهور” إذ كتب يقول:
“ وأشيع قتل الأمير مقرن أمير عرب بني جبر متملك جزيرة البحرين … وكان أميراً جليل القدر، معظماً مبجلاً، في سعة من المال، مالكيّ المذهب، سيد عربان المشرق على الإطلاق، وكان قد أتى إلى مكة وحج في العام الماضي، وكان يجلب إلى مكة اللؤلؤ والمعادن الفاخرة من المسك والعنبر والعود والقمارى والحرير الملون وغير ذلك من أنواع التحف، وقيل أنه لما دخل مكة والمدينة تصدق على أهلها بنحو خمسين ألف دينار، فلما حج ورجع إلى بلاده لاقته الفرنج في الطريق وتحاربت معه فانكسر الأمير مقرن وقبضوا عليه باليد وأسروه فسألهم أن يشتري نفسه منهم بألف ألف دينار فأبى الفرنج ذلك وقتلوه بين أيديهم ولم يغن عنه ماله شيئاً، وملكوا قلعته التي كانت هناك، واستولوا على أموال الأمير مقرن وبلاده، وكان ذلك من أشد الحوادث في الإسلام وأعظمها، وقد تزايد شر الفرنج على شواطئ البحر وسواحل المحيط الهندي [3]. ”
والواضح أن ابن إياس لم يعرف بتفاصيل المعركة التي دارت. فالمصادر البرتغالية تشيد بشجاعته وتذكر أنه مات متأثراً بجراحه التي أصيب بها في المعركة. وربما كان الشيخ مقرن قد عرض دفع ما في ذمته لملك هرمز من ديون العوائد المنقطعة والتي كانت السبب المعلن لتجريد الحملة. غير أن هذه المفاوضات فشلت، وعلى إثر ذلك اشتدت المعارك التي أصيب فيها الأمير العربي. وقد يكون قد عرض الفدية بعد أسره. [1]
الرحالة الإنجليزي من القرن التاسع عشر, جيمس سيلك بكنگهام في سرده لأحداث الغزو انتقد بشدة المعاملة “المهينة” لجثمان مقرن:
الرأس المقطوع ما زال أحد مكونات درع كونت لوسا Lousã, سليل كورّيا في البرتغال [5].
ويعتبر الشيخ مقرن بن زامل أول حاكم في المشرق الإسلامي يستشهد في معركة ضد المستعمرين البرتغاليين. وهزيمة مقرن بدأت نحو ثمانين عاماً من الحكم البرتغالي للبحرين.
مثل سابقيه, فقد تمتع مقرن بنفوذ واسع في نجد. وفي عهده, ما نسمية اليوم بمدينة الرياض كانت تـُعرف باسم مـِقرن, والتي يعتقد بعض العلماء بأن الاسم الحالي هو اختصار رياض مـِقرن (أي “حدائق مـِقرن”), التي صارت لاحقاً “الرياض.”
يا لتاريخنا الأسود.لقد فعل أجدادنا القدامى الأسوأ من هذ وذاك في أكثر من مكان على سطح الأرض.ولكن ماذا تريد مني أن أفعل. هل يمكنك تقبل الاعتذار أم ترغب بقطع رأسي،فتنتصر لثأر جدك الملك المغدور يا أسعد؟
لا يا سيد بيسوا .نحن لا نريد شيئاً سوى استعادة عرشنا المفقود في البحرين.أي نأمل بجعل تلك البلاد بحرين:واحد للحرية والآخر حبراً للكتابة.
وإذا لم يتحقق حلمك ذلك ،فما الذي ستفعله بي؟
أن تذهب من هنا إلى الخليج سباحةً ،فقد يُكتب لك في التاريخ، أن شاعراً يدعى فرناندو بيسوا حاول نقد جرائم أجداده ولو بشكل شفهي،ومن ثم قدم دعماً للشاعر أسعد الجبوري على استعادة عرش جده من ملك البحرين الحالي حمد بن عيسى آل حليفة.
فما قولك يا بيسوا ؟
لا لا .لن أفعل ذلك .أخاف لو تأكلُ التماسيحُ وأسماك القرش لحمي مع قصائدي وذكرياتي البائسة.لذلك لن أرمي بجسمي إلى البحر تخلصاً من ذلك العار.
المصادر
1.a b علي بن إبراهيم الدرورة (2001). تاريخ الاحتلال البرتغالي للقطيف. أبو ظبي: منشورات المجمع الثقافي.
2.Juan Cole, Sacred Space and Holy War, IB Tauris, 2007 p37
3.ابن إياس. بدائع الزهور في وقائع الدهور.
4.James Silk Buckingham Travels in Assyria, Media, and Persia, Oxford University Press, 1829, p459
5.Charles Belgrave, The Pirate Coast, G. Bell & Sons, 1966 p8
-

علي ماجد: ليت بُكائي يُصاغ خاتماً
1
في عُتمتي المكتظة بجنونِ الوهمِ.
ثمةَ صُراخ ينزف ولقاء لا يُفارق مخيلتي
مكتويةً هي الاطيافَ التي تعُج بيومي.
جنود حرب يدخنون الموت في صدري.
لا أعلم كم من الموتِ أمكِث كي أحيا في سماءِ قلبِها لسنين.
لأحلق دمعي بإصبعي ،
كي أنفض عيني.
لا أُريد سواء حلم عالق في بساتينِ الضياءِ يُغلق مايصيب رأسي بالخرابِ ويسرجُ أيامي بمسراتِ الأكوانِ السبع .
اللهم اني رددتُ مناجاة الوجع فلا تصيبني بالرماد أكثر .
أنا لا استطيع ان افتش في بقايا روحي التي غالباً ما تسافر الى سماء البعد.
2
هارباً على حافةِ النهرِ أغسل بصماتِ الحقد العاثر
وألعن العيش بحرارة حب مفقود ،
أخاطب النهر بشموع ٍباكيةٍ وأودع النهار بصرخةِ أم ملقاة على عربات دار العجزة ،
هكذا أمكث أوقاتي في عزلتي أنظرُ الى يسار صدري أمنيةً تغنى وتعزفُ بعطش روحي الذي مازال يرتوي كلما نطقتُ باسمها ، لحنها الماضي الذي خط سماء قلبي ببياض وجهها ورشاقة عيناها ، عيناها المسافات التي تشق ولم يصلها الجميع .إلا أنا فأنا احبك الدعاء الذي يوقظ العالم من أسره، أحبك الدعاء الذي يهمسُ لمناجاة طفل عالق في ولادتهِ. أحبك الصباح الذي يوقظ الجميع . أحبك الظهيرةِ التي ترخي الجميع، أحبك الليل و القمر والنجوم أذا تواعدوا فلا تقلقِ فأنا أحبكِ كل يوم
3
سمكةً في الماء تحلم كثيراً وتشق الماء بأنفاسها الأنيقة تعلم ما بين الماء وخارجه متسع للموت تتأمل كثيراً رغم أنها تعلم ما بين الأمل والواقع مصيدة كهربائية
4
ما ضاجعتنا رصاصات الغرب وسط شمس حارقة!!
باستثناء بساطيل الجنود وبدلات الحرب الممزقة، الحرب كانت تائهة بنا .
أخيراً جميعنا نُكوى بأخطاء الباعة المتجولين في بلدي المكفوف.
هذه الذكرى الثانية لمرسى الوجعِ.
5
يغتالني ظلام الليل وكوابيس الأحلام تتشظى في داخلي وجعاً، حامِلاً على كتفيِ ذاكرتي التي ربما تتلاش من زحمةِ أوجاعي لا أُريد أن ترحلِ كما رحل عني ضياء القمرِ وتركني في فمِ الظلام المرعب. فلم يتبقَ لي سوى ذاكرتي التي أصبحت مستقراً لهموم الراحلين
كل هذا وأنا ما زلتُ طائراً يتغنى بكلِ سماء الكون
لماذا غنت الأساطيرُ فرحكِ وأنا أتجول في سماءِ المدن العتيقة مكتظاً بذاكرة القبور المنسية وضجيج الموتى .خذِ ما شئت إلى ذاكراتي فهي ملاذي الوحيد والمفصل بيني وبينه ضباب العالقين في ركنِ المشفى.
6
لا تقولي وداعاً
ضعي كل شظايا الوجع على مرساتك الصغيرة
وقفي على حافة الطريق واصرخي :
لماذا يبقى القمر في الماء وهو عطش؟
لماذا تتكور كل حروف اللغة في فمي ،ولا اتكلم؟
لا تدعيني ارحل فوجودك الموت والحياة معاً .
كوني كما كنتِ سابقاً تلعنين الموت بتنهيدة حزينة
وتحرقين الحياة بضحكه رخيصة.
كوني كما عهدتك . أتعلمين كل الذنوب التي لم نرتكبها ،
تنادي باسمك حتى ذلك الطريق يغني باسمك.
لا تحزني يا حبيبتي فلازلتِ حمامة بلا اجنحة
تحلق بذاكرتي .
سنلتقي قريباً وتضعيني زورقاً بين نهديك ،
وسأغرق حتى العطش .
هذه الذكرى الاولى لمرسى الوجع .
-

خالد الريسوني: إرنستو كاردينال.. بمثابة قصيدة وداع
“هكذا في الأرض كما في السماء”، هو الديوان الشعري الأخير للشاعر النيكاراغوي إرنيستو كاردينال (غرناطة، 1925)، وكان الديوان قد قُدّم ضمن فعاليات “المهرجان العالمي للشعر” بغرناطة في نيكاراغوا.
يعتبر الشاعر إرنيستو كاردينال، الأبرز حالياً بين شعراء نيكاراغوا، البلاد التي أسّست منذ بدايات القرن الماضي للحداثة الشعرية في مجموع الشعر المكتوب باللغة الإسبانية، على يد شاعرها الكبير روبين داريو.
بل إن أسماء شعرية نيكاراغوية كبيرة رحلت عن عالمنا، استطاعت أن تبرز صحبة اسم كاردينال، من أمثال: بابلو أنطونيو كوادرا، وكارلوس مارتينيث ريباس، وكلاربيل أليغرِيا، ولا ننسى طبعاً الشاعرة جيوكندا بيلّي التي شاركت في المهرجان هذه السنة. ويتفق العديد من النقاد أن كاردينال هو الصوت الشعري الذي صاحب الثورة السندينية، فصارت بعض قصائده عنواناً لحالة التمرّد والعصيان المدنيالتي عاشتها البلاد إبان سنوات الثورة على نظام سوموزا، مثل قصيدته الشهيرة “صلاة من أجل مارلين مونرو”، أو قصيدة “سوموزا يزيح الستار عن تمثال سوموزا في ملعب سوموزا”، وغيرها.
متواليات شعرية في شكل ترنيمة تحتفي بالحياة وبالكون
كاردينال الذي احتفل مؤخراً بعيد ميلاده الثالث والتسعين، شاعرٌ أساسي في أميركا اللاتينية، لكنّه عُرف أيضاً باعتباره قسّاً كاثوليكياً متمرّداً ومغضوباً عليه من طرف الفاتيكان، لكونه أحد المحسوبين على ما عُرف بـ”الكنيسة التحرّرية”، التي حاولت التوفيق بين تعاليم المسيحية والماركسية خدمة لشعوبها الفقيرة، ففجرت غضب البابا خوان بابلو الثاني ثم بنيدكت السادس عشر بعده.
ساندت الكنيسة التحرّرية ثورة شعوبها، ودافعت عن المستضعفين الذين يعيشون مختلف أنماط القهر والاستعباد على يد الإقطاع والأوليغارشية المتحالفة مع الكنيسة البابوية والرأسمال. في هذا الصدد يقول كاردينال القسّ الثوري الذي تقلّد زهاء عشر سنوات منصب وزير للثقافة (1979-1987)، في الفترة التي أعقبت الثورة السندينية: “إن ما يسمى بالكنيسة الأم قد خانت الإنجيل وخذلته، فالفاتيكان في ممارساته مختلفٌ تماماً عن الروابط التي أسّسها المسيح مع بعض الصيادين […] إن تجربة “سولينتينامي” كانت تجربة متواضعة، لكنها تحوّلت إلى أسطورة، لقد كنّا في واقع الأمر جماعة صغيرة، أجل، كنا شبه كومونة على طريقة المسيحيين الأوائل، مسيحيون مجدّدون متبنون لنظرية “ثيولوجيا التحرير” بتوجه ماركسي، هكذا أخضعنا الإنجيل لتأويلنا، لقد كانت تجربة متفردة…”.
كان كاردينال قد عاش مضايقات عديدة من طرف النظام الذي يقوده رفيق الأمس دانييل أورتيغا، بعد أن حاول هذا الأخير بأساليب ملتوية الالتفاف على عقار تستغله الجمعية التي يترأسها كاردينال في جزيرة سولينتينامي، مما أثار موجة استنكار، انتهت بتراجع المحكمة عن الحكم بعد استئنافه من طرف دفاع الشاعر، مُنصِفة هذا الأخير وجماعته. هذا المشروع أطلقه الشاعر عام 1980، في الجزيرة الواقعة في بحيرة نيكاراغوا، تعزيزاً لتصوراته اللاهوتية في التحرير والفن والثقافة.
في ما يخصّ الإصدار الأخير، “في الأرض كما في السماء”، والذي يشتمل على قصيدة واحدة تتكوّن من متواليات شعرية، تقول لـ”العربي الجديد” مساعدة كاردينال الشاعرة لوث مارينا أكوستا، أنها تشبه بشكل ما صلاة وترنيمة تحتفي بالحياة وبالكون، بل إنها تعتبرها بمثابة قصيدة وداع لكاردينال، مما فتح الباب أمام العديد من التأويلات، خصوصاً أن الشاعر قد بدا في الآونة الأخيرة متعباً جداً، لكنه من الناحية الذهنية يبدو محتفظاً بكثير من وهجه وإشراقة أفكاره، وإن كان ما يزال يعبّر عن إحباطه من كل ما يحدث حوله في العالم وفي نيكاراغوا بوجه خاص.
ففي مذكراته التي نشرت منذ فترة كما في حواراته، عبَّرَ غير ما مرة عن خيبة أمله، بل وعن يأسه مما يحدث، إذ يقول بصدد الثورة السندينية وإسهامه في قيادتها والتحوّلات التي شهدتها: “هذا الأمر قد تسبّب لي في معاناة وآلام عميقة، لقد سميت تلك التجربة “الثورة الضائعة”، وهو عنوان الجزء الثالث من مذكراتي. ما تعيشه اليوم نيكاراغوا ليس ثورة، إنه دكتاتورية فردية لدانييل أورتيغا وزوجته وأبنائه، فدانييل ليس من اليسار، وهو ليس سندينياً، لقد خان الثورة”.
يمثل الديوان، مواصلة للمرحلة الأخيرة من تجربة شعرية، حاول كاردينال فيها أن يحاور مظاهر في الفضاء الكوني، معتمِداً على المعارف العلمية المستكشفة، وبعض خفايا وأسرار الكون، مع ربطه لها بتصور إيماني صوفي نابع من قناعات الشاعر الدينية، قناعات تتأسس على تصورات متحرّرة، وضمن هذه المرحلة يدخل أيضا عملٌ شعريٌّ آخرُ “نحن غبار النجوم” (2013) ضمن أعمال شعرية أخرى.
هذا ويتمّ حالياً إعداد مبادرة لاقتراح ترشيح الشاعر لـ”جائزة نوبل للآداب” هذه السنة، وتقف خلف هذا الترشيح العديد من المؤسسات الثقافية والشخصيات من عالم الفن والآداب والسياسة وعلى رأسهم الرئيس السابق للأوروغواي، بيبي موخيكا. فضلاً عن تبنّي “مهرجان ميلانو الدولي للشعر” للملف. وتتكوّن اللجنة الداعمة من الطبيب جيوسيبي ماسيرا، والشاعر غيدو أولداني، والصحافية أندريا سيمليتسي، كما تقول لـ”العربي الجديد” مساعدة كاردينال الشاعرة لوث مارينا أكوستا.
كان كاردينال قد اقتُرِح من قبل رسمياً لجائزة نوبل عام 2010، من قبل “الجمعية العامة للمؤلفين والناشرين” في إسبانيا، لكن الشاعر النيكاراغوي في تلك المناسبة أخبر وسائل الإعلام أن الجائزة لا تهمه.
والواقع أن كاردينال ليس من الشعراء الذين يحتفون كثيرا بالجوائز الشعرية أو يترصدونها، ومع ذلك فقد استلم من قبل على الأقل جائزتين شعريتين كبيرتين هما: “جائزة بابلو نيرودا” سنة 2009، و”جائزة الملكة صوفيا للشعر الإيبيروأميركي” سنة 2012.
إبان ترشيحه الأول لجائزة نوبل، كان الشعراء المشاركون في المهرجان الدولي السادس للشعر بغرناطة (2010) على لسان الشاعر الإسباني دانيال رودريغيث مويا، قد اعتبروا كاردينال (الصورة مع جيوكندا بيلّي) واحداً من أهمّ شعراء أميركا اللاتينية. فأميركا اللاتينية عرفت خلال تاريخها الحديث شاعرين أساسين: روبين داريو وبابلو نيرودا، عملا على ترسيخ قالب معياري للقصيدة الحديثة، لم يستطع أي شاعر زحزحته قبل نيكانور بارا وكاردينال.
-
مريم طلحي – “التخلّص من نيتشه”: كيف أحبّ المثقفون هذه القسوة؟
(نيتشه في عمل لـ إدفار مونش)
كتاب “التخلّص من نيتشه” للباحث التونسي المقيم في إيطاليا محمد المزوغي، والصادر مؤخراً عن “إفريقيا الشرق”، يمكن اعتباره بمثابة ترياق وصدمة، إذ إنه يسعى إلى نزع هالة القداسة التي أحاطت الفيلسوف الألماني في ثقافتنا العربية.فالعمل الذي يتّخذ الشكل الشذري، في خطاب مضاد لمنهج نيتشه نفسه في الكتابة، نقدٌ وتمحيص لأفكار معشوق الكثيرين من المثقفين العرب، حيث وضعت أفكاره على مشرحة العقل دون تقديس – مثلما يفعل أغلب المثقفين العرب المهووسين بتقديس بعض الأسماء والتعامل معها بصنمية، أو من الفلاسفة الغربيّين من أمثال (هايدغر، جيل دلوز، فوكو، بول ريكور)، حبّاً للحقيقة التي حاول نيتشه تحطيمها برفعه شعار: “لا حقيقة. كل شيء مباح”.
كيف يمكن تفسير حضور نيتشه كمفكر محبوب في القرن الـ20؟
بعد استقراء واستنطاق مؤلفات نيتشه، سواء المترجمة للعربية أو المكتوبة بالألمانية، مثل “ما وراء الخير والشر”، و”جينيالوجيا الأخلاق”، و”العلم المرح”، و”هكذا تكلّم زرادشت“، انصبّ نقد المزوغي حول نقاط كثيرة، منها نزوع نيتشه للاحتفاء بالعنف والسادية، وهو أمر يتنافى مع جوهر الفلسفة ويتعارض مع رسالتها الفكرية، حيث يثني على القوة ويمدح الحرب ويحرّض صراحة على سحق الضعفاء، وهو ما يعبّر عنه المزوغي بشيء من السخرية السوداء حيث يجد “وكأنّ داعش هي التي تتكلّم في قوله: (إن رؤية الآخر يعاني تُنعشنا وتَعْذيبه يُنعشنا أكثر)”.
يدرس المؤلف أيضاً علاقة نيتشه بالعلوم “الصحيحة”، التي يعتبرها عدوانية إلى حد كبير، ففي “جينيالوجيا الأخلاق” يشير الكتاب إلى أن نيتشه يستاء من تحويل كوبرنيكوس مركزية العالم من الأرض إلى الشمس، مُعتبراً هذه الزحزحة تقهقراً في نظرة الإنسان لنفسه. وهو ما يمثّل تناقضاً مع أفكار مؤلفات أخرى عمل فيها على إهانة البشرية والسخرية من أعمالها وتقزيم فنّها وأدبها وفلسفتها.
الأخطر من ذلك هو النقد اللاذع للحداثة ومكتسباتها الاجتماعية والسياسية، حيث يرفض نيتشه مبادئ المساواة والحرية، ويعتبر تلك المكتسبات السبب الرئيسي للانحطاط والتخلف الذي يعيشه المجتمع الأوروبي. فهي بمثابة مظاهر مَرضيّة تُنبئ بخطر على الإنسان الغربي وحضارته الحديثة.
هكذا قلب نيتشه سلّم القيم، ولكن في اتجاه عدمي ولاأخلاقي، حيث جعل من الفضيلة رذيلة ومن الرذيلة فضيلة، محطّماً بذلك كل الضوابط الأخلاقية. كما أنه يدعو إلى التمرد على القوانين وعلى مؤسسات الدولة، لا لإحلال نظام جديد محلّها أكثر ديمقراطية وأكثر حفظاً لكرامة الإنسان، وإنماً لإحلال نظام حربي يأكل فيه القوي الضعيف.
يدرس المزوغي نظرة نيتشه لشعوب أخرى، مثلاً كرهه للإنكليز كشعب وكمثقفين، حيث يحكم على الإنكليز بأنهم ليسوا عرقاً فلسفياً، ويضيف أنّ فرانسيس بِيكون هو “عنوان الاعتداء على الروح الفلسفية بعامّة”. هنا يتساءل المزوغي: ما دليل نيتشه على حكمه هذا؟ مشيراً إلى أنه لا يحيل على نصوصهم ولا يذكرها. كيف لا نستاء من تداعيات عنصرية من هذا القبيل؟ يتساءل المزوغي، وماذا تفيدنا، على المستوى الفلسفي، وما موقعها من الفكر المنسجم الدقيق؟
لا تفلت من غربال المزوغي مسائل مثل تمجيد العبودية، حيث يذكر نيتشه في كتاب “ما وراء الخير والشرّ”، أن العبودية ليست “حُجّة ضدّ كل حضارة راقية”، بل هي “شرط لكل حضارة راقية ولكلّ سموّ حضاري”. ويذكر أيضاً موقف نيتشه الفظيع والصادم من المرأة، حيث اعتبرها أمَة وحصر وظيفتها أو مهمّتها الأساسية في ترفيه الرجل (السيّد)، والإنجاب بهدف خلق محاربين أشدّاء. أما حبّة السخرية النيتشوية، فهذا النص الذي يلتقطه المزوغي ويقول فيه نيتشه “لا شيء أغرب عن المرأة من الحقيقة. لا شيء تمقته وتعافه أكثر من الحقيقة. فنّها الكبير هو الكذب، غرضها الأعلى هو الظاهر والتجمّل”. وهو بذلك ينافس رؤية من نسميهم اليوم بالسلفيين في نوع من الإشارات المتهكمة التي يقدّمها المزوغي وتخفّف من النزعة النقدية الصارمة للكتاب.
لكن من وراء هذه النقاط السلبية، وبعضها مما لا يخفى على أي قارئ عربي، كيف يمكننا أن نفسّر حضور نيتشه كمفكر “محبوب” طوال القرن العشرين وما بعده؟ إنه سؤال لا تمكن الإجابة عنه بالعودة إلى نصوص نيتشه فحسب، بل ينبغي النظر في مجمل عوامل التقبّل المتوفرة في الثقافات التي احتضنته.
* باحثة من الجزائر((العربي الجديد))
-
أنور الغساني.. عاش في كوستاريكا وقلبه في العراق
لماذا كوستاريكا؟ السؤال الذي تبادر إلى ذهني عندما التقيت بأرملة الشاعر العراقي الراحل أنور الغساني في مدينة هاكو الساحلية في كوستاريكا، السيدة آنا مرسيدس رودريغس أسيفيدو، وقد انتظرت ثلاث سنوات حتى طرحته عليها. حدثتني عن لقائها بالشاعر الراحل أنور الغساني، وكيف كانت الرحلة التي نظمتها جامعة لايبزخ إلى موسكو، هي القدر الذي جمع بين طالب الدكتوراه العراقي وطالبة علم النفس الكوستاريكية، اللذيْن كانا يشقَّان طريقهما في حقل الدراسة في ألمانيا. لقد شدّ انتباهها ذلك الصحفي، المترجم، الشاعر، المثقف، الماركسي، الذي كان مُلمّاً بالشعر والتاريخ والجغرافيا والموسيقى والتصوير والأدب والسياسة وكان يتقن خمس لغات إلى جانب الإسبانية التي أتقنها لاحقا. وخلال مرضه الأخير، كان قد بدأ تعلُّم الإيطالية والعبرية.
ولد الغساني في 12 شباط 1937، في قلعة صالح لواء (محافظة) العمارة في جنوب العراق حيث أمضى السنوات الأولى من طفولته. نشأ وتعلم في كركوك شمال العراق. عمل في حفر آبار النفط في حقل جمبور في كركوك، ومارس التعليم في قرية محمولة وفي مدينة كركوك. عمل في عدة جامعات في مختلف البلاد، لكنه استقر في كوستاريكا وحصل على جنسيتها عام 2001. وهو أحد أهم مؤسسي جماعة كركوك الأدبية.
عام 1978، تزوج الغساني من السيدة آنا وانتقلا بعد ذلك بعامين إلى كوستاريكا. حيث عمل مدرّسا في جامعة إيريديا الوطنية، لكن برلين كانت في انتظار الشاعر مرة أخرى، فانتقل إليها مع زوجته ليعمل مترجما لمدة سنتين، قبل أن يكون ضمن المرشّحين للعمل في جامعة الجزائر عام 1983 في إطار تعريب التعليم الجامعي، إلا أن الزوجين يُقرّران في نهاية الأمر الاستقرار في كوستاريكا وخصوصا بعد ولادة ابنتهم البكر، منيرة كريستيانا.
لقد كانت العودة إلى العراق أمراً مستحيلا وأيا منهما لم يكن يتمتع بالجنسية الألمانية، الأمر الذي دفعهما لاختيار كوستاريكا على اعتبار أن ظروف الحياة فيها ستناسب الوضع العائلي الجديد، بعد فترة قصيرة ولد الابن الثاني مانويل سلام الذي ورث عن والده هواية التصوير الفوتوغرافي.
تمنّى زيارة العراق
عن عمل الغساني في كوستاريكا قالت السيدة آنا إنه كرس نفسه لعمله ولطلابه في الجامعة التي حاضر فيها في تخصص “التكنولوجيا في الاتصالات”، المجال الذي كان رائدا فيه ما جعل من حوله يستهجن قوله في الثمانينات إن الصحف ستُقرأ لاحقاً عبر الانترنت. أما بقية وقته فقد كان يقضيه في كتابة الشعر والمقالات السياسية.
وبرغم ما عرف عنه من خجل قلّل من علاقاته نوعاً ما مع غيره من الشعراء في كوستاريكا، إلا أنه عَرفَ فنانين وأدباء وسياسيين من العراق، والشرق الأوسط والهند واليابان وبريطانيا وأمريكا وأستراليا والباكستان.
وعن علاقته بأبنائه، تقول السيدة آنا إنهما السبب الرّئيس في اختيارهما العيش في كوستاريكا كما ذكرت سابقاَ، فقد ولدت فتاتهما البكر منيرة كريستيانا في برلين عام 1982، أما مانويل سلام فقد ولد في سان خوسيه عام 1984. وكان أنور الغساني لهما أباً وصديقاً ومعلّماً غير اعتيادي لتلك العائلة التي هي مزيج بين ثقافتين عربية ولاتينية.
لقد كانت أمنيته أن يتمكن مع عائلته من زيارة العراق، وقد كان هو مرجعهم الأول عنها وعن البلاد العربية.
فيما كان قد جلب لولديْه مجموعة كتب لتعليم اللغة العربية من دار نشر فلسطينية وكان يُصر على الحديث معهم بالعربية. كما كان يطبخ بنفسه الأكلات العربية التي ما زالت تُعدها لأبنائها من بامية ودولمة وتشريب وغيرها.
منزل همنغواي
لقد قضّى أنور الغساني معظم حياته مدرّسا في جامعة كوستاريكا منذ العام 1983 حتى العام 2009، فأحبّ هذه المهنة، وكان يباشرها بإحساس الشاعر والإنسان المرهف الذي أثر على من حوله من طلاب وأكاديميين، حتى أن كثيرا من تلامذته لا زالوا يتبعون منهجه في البحث العلمي.
لم يكن غياب ذلك العراقي بالأمر السهل على كثير ممن عاشروه وأحبوه، ولا يكاد يُذكر اسم الغساني أمام أي دارس في الجامعة حتى يحدّثك بنبرة حزن عنه.
لقد أقيم له أكثر من تأبين في معهد الاتصالات، كما صُوِّر فيديو عن حياته، الحياة التي لم يكن ليهتم الغساني بأضوائها وشهرتها، ولذلك وإلى جانب شخصه الخجول، ووجهه المتجهم وانطوائه على ذاته، فإن علاقته بكثير من الشعراء الكوستاريكيين لم تكن بتلك القوة إلا ما ندر.
ولم يكن مهتمّاً بنشر قصائده. ولم يشارك إلا في قليل من الفعاليات منها مهرجان كوستاريكا عام 2005. أما كوبا التي ذهب إليها بصحبة زوجته فقد كان منزل همنغواي هو أول مكان فكّر في زيارته.
كما مثَّل الشعر العربي في كولومبيا وفنزويلا وكان يفضّل اصطحاب أحد أفراد عائلته في تلك الفعاليات.
بعين الشعر
عدا عن الشعر فقد كان الغساني يهوى الرسم والموسيقى والتصوير، وكان متابعاً جيدا لجميع الحركات الفنية في العالم، لآدابها، وفنونها وموسيقاها وظواهرها. فقد قرأ الشعر المكسيكي والتشيلي. وأحب الموسيقيين الفنزويليين والكاريبيين، والفلوكلور الأنديني. أما هوايته المفضّلة فكانت التصوير الفوتوغرافي، حتى أن منزلهما تحول إلى استوديو صغير به أرشيف كبير من الصور التي التقطها الغساني بعين الشاعر تصل إلى حوالي الألف وسبعمئة صورة في أماكن عدة. وعن نشاطاته الثقافية تقول إن حياته كلها كانت نشاطا ثقافيا، فقد كان يقرأ كثيرا في أدب الشعوب القديم والحديث، وكان ينام في ساعة متأخرة من الليل وهو يقرأ؛ ينام قليلا جدا، كي يتسع له الوقت للقراءة.
تلك النفسية الحساسة والمرهفة جعلت منه شخصا مولعا بتربية الحيوانات الأليفة التي أصبحت جزءا من العائلة يرعاها مع أبنائه.
كان دور المرأة اللاتينية في مجتمعها من أهم ما لفت انتباه الشاعر أنور الغساني الذي وصف تلك المجتمعات بالأمومية. فالمرأة تأخذ دورا مزدوجا داخل البيت وخارجه. وهي في النهاية حصيلة تمازج دماء أوروبية وإسبانية وعربية.
لقد أحب بساطة اللاتينيين وقدرتهم على تعميق علاقاتهم الإنسانية بشكل عفوي وانتبه للتناقض القائم بين الصورة المتقدمة لتلك البلاد وفي نفس الوقت التخلف والفقر الذي تخفيه خلفها.
يحن إلى لغته
عن حياته في العراق تقول إنها قضت ألف ليلة وليلة تستمع لحكايا أنور الغساني عن طفولته هناك، عن مدرسته وعائلته، عن أولى وظائفه، وعن الأحوال السياسية التي أدت لاعتقاله مرتين، وعن اتخاذه قرار الدراسة في ألمانيا. تقول إنه عاش في كوستاريكا، لكن قلبه وعقله كانا في العراق.
ولعل قصائده عن العراق المنشورة في لندن خير مثال على ذلك.
تتابع السيدة آنا أنه لم يتقبل أبدا حقيقة عيشه خارج العراق لأكثر من أربعين عاماً، ولم يعود نفسه عليها. لقد عانى حتى آخر يوم في حياته من عدم تمكنه من الرجوع إلى عراقه. كان يفتقد عائلته، وأصدقائه، يهفو لسماع أحد ما يتحدث بلغته.
يحن للموسيقى العربية، للطعام العربي، للتقاليد، لكتبه بالعربية، لحياته في كركوك وبغداد، لدجلة والليالي البغداية، للنساء الجميلات، لكل ما يجعله إنسانا عراقيا. ولم يكن ليسمح ليوم أن يمر دون أن يطالع أخبار العراق من كل المصادر، وهو الحالم بولايات عربية قومية، علمانية، مستقلة، ديمقراطية، تكون ثرواتها موجهة لشعوبها.
نهاية مفاجئة
كانت شواطئ كوستاريكا مكانه المفضل الذي يقضي فيه إجازاته، ويشاء القدر أن يسوقه إليه كي يودعه قبل إجراء العملية بأيام. وتذكر السيدة آنا كيف أن مشهد أطفال أمريكيين يلعبون على الشاطئ ويلاعبون حيوان الإغوانا الزاحف دون موافقة أهلهم، استرعى انتباهه ليقول لها ما اعتبرته خلاصة فلسفته وتجربته : “إننا كبشر متشابهون في الاحتياجات، مختلفون في البيئات”.
كان أنور الغساني في قمة عطائه الأكاديمي والشعري والسياسي، عندما علم من الأطباء بالغزو الذي شنّه السرطان على رئتيه. وكان يخطط للتقاعد والذهاب للعيش في جبال سان خوسيه، فيما بدأ فعليّاُ بكتابة سيرته الذاتية، التي تعمل زوجته آنا على إكمالها حاليّاً لتصدر في كتاب. انتهت رحلته من أقصى الأرض إلى أقصاها بعد خمسة أشهر من الجراحة مع أنه كان متفائلا بالنجاة.
ما زالت السيدة آنا تعيش على نهج زوجها. تشارك في النشاطات التي تتعلق بالأدب والشعر ما استطاعت وقد أسست بالتعاون مع ابنها مانويل سلام، أكاديمية لتعليم الإسبانية لغير الناطقين بها. كما أنها تنازلت عن حقوق ورثة المؤلف فهي تعتبر نصوص الشاعر ملكا للقارئ لا حكرا على عائلته.
-

بينيتو مارينو يكتب عن الجسد في فكر نيتشه
[لذلك كان لا بدَّ من التَّعبير عن روح الطَّبيعة رمزيَّاً؛ وقد احتاج ذلك إلى عالَمٍ جديدٍ من الرُّموز، وقبلَ كلِّ شيءٍ إلى رمزيَّةِ الجسد بأكملها، لا إلى رمزيَّة الفمِ، والوجه، والكلمة فحسب، ولكن إلى الإيماء الكلِّيِّ الذي يحرِّكُ على نحوٍ إيقاعيٍّ جميع الأعضاءِ عبرَ الرَّقص].
التَّصوُّرُ النِّيتشويُّ للجسد في الفلسفة
إنَّ الجسدَ هو أحدُ الخيوطِ المشتركةِ والموضوعاتِ المتكرِّرةِ في أعمال نيتشه. وقد طرحَ نيتشه هذه المسألة في مقدِّمة كتابه العِلم المرِح، “… كثيراً ما سألتُ نفسي إذا ما كانت الفلسفةُ، في المُجمَلِ وحتَّى اليوم، تأويلاً للجسد وفي الوقتِ نفسه سوءَ فهمٍ للجسد”. وهو بذلك إنَّما يُعرِضُ عن المثاليَّةِ ويؤيِّدُ سيادةَ الجسد كمصدَرٍ لكلِّ تأويل.
إنَّه يخالفُ ديكارت، إذْ يختارُ كنقطةِ انطلاقٍ لتأويلاتِهِ الفكرةَ التي هي الجسد، لا الفكرةَ التي هي الرُّوح؛ يختارُ من الإنسان الجزءَ الذي نعرفه جيِّداً. أنا أعرفُ جسدي أفضلَ ممَّا أعرفُ روحي. وإلى جانب ذلك، فإنَّه لا يفصلُ الرُّوحَ عن الجسد، بل يرى أنَّهما وحدةٌ واحدة، جزآن متواشجان لا ينفصلان. ومع ذلك، هذا التَّعارضُ مع ديكارت ليس مطلقاً؛ فكما ديكارت، كذلك نيتشه يرى أنَّه لا يمكننا أن نمتلك معرفةً إلَّا عن عالم مشاعرنا وتمثُّلاتنا. عندَ نيتشه، الجسدُ هو قبلَ كلِّ شيءٍ “جسدٌ متمرِّسٌ بالحياة” بدلاً من كونه “جسداً خاضعاً للمعرفة العلميَّة”. وكما يرى كانط، يرى نيتشه أيضاً أنَّ كلَّ معرفةٍ إنَّما تصدرُ عن الإحساس وتقومُ عليه. ولكن، على عكس كانط، يعتقد نيتشه، مثلما شوبنهاور، أنَّ أشكالَ فهمنا للحياة تصدرُ، أوَّلاً وقبلَ كلِّ شيءٍ، عن منظومتنا الفسيولوجيَّة (وعن وظائفها: التَّغذية، والتَّناسل)، في حين أنَّ الوظائف التي ننظرُ إليها عادةً على أنَّها سامية (وظيفة الفِكر) ليست سوى أشكالٍ مُشتقَّة.
إنَّنا تلقاءَ شكلٍ من الحسِّيَّة، ولكن ما الذي يقصده نيتشه بالحسِّيَّة؟ إنَّه لا يريدُ الانزلاقَ في ذلك التَّضادِّ التقليديِّ: حقيقة/ مظهر. بل إنَّه في الواقع يتخطَّاه ويتفوَّق عليه؛ فوفقاً له، المظهرُ هو الحقيقة. “أنا لا أضعُ “المظهرَ” على تضادٍّ مع “الحقيقة”، بل على العكس، أعتقدُ أنَّ المظهرَ هو الحقيقة”. [شذراتٌ منشورةٌ بعد وفاته (1884-1885)]. لا يوجد كائنٌ يختبئ وراءَ مظهره، كما يحدث في التَّمييز الكانطيِّ نومينُن/ فينومينُن(1). الكينونةُ ظهورٌ، أو بالأحرى هي الظُّهور.
حتَّى إنَّه ليس ثمَّة تفضيلٌ معيَّنٌ لأيٍّ من الحواسِّ الخمس على الأخرى، فجميعها موضوعةٌ على نفس المستوى. لقد كتبَ، على سبيلِ الذِّكر، في هذا هو الإنسان (“لِمَ أنا قدَرٌ”): “عبقريَّتي هي في أنفي”. إنَّه المعنى الإغريقيُّ لكلمةِ “Noein” كما جاء في المقطع الثَّامن من مستهلِّ قصيدة بارمنيدس عن الوجود،(2) المعنى الذي أحسن هانز جورج غادامير تفسيره، فبعد توقُّفِ هذا مليَّاً عندَ المعنى الأكثر ملاءمةً للمصطلَح الذي كان قد ترجمَه ابتداءً وفي أكثر الأحيان إلى “تفكيرٍ” أو “فِكْرٍ” عاد وترجمَه بطريقةٍ أصيلةٍ إلى تعبيرٍ مؤدَّاه “هنا يوجدُ شيءٌ”، والذي يعني قدرة الكائن على التَّجلِّي في لحظةٍ آنيَّةٍ فريدة، كما عندما يتحسَّسُ أحدُهم رائحةَ شيءٍ بفتحتَي الأنف؛ وبالتَّالي، عندما يقول نيتشه إنَّ عبقريَّته هي في أنفه، فكأنَّه يقول إنَّه موجودٌ هنا، في هذه اللحظة، وبطريقةٍ فوريَّةٍ وطبيعيَّةٍ، موجودٌ كإحساسٍ وكإدراكٍ حسِّيٍّ. ومع ذلك، فلدى نيتشه تفضيلٌ شخصيٌّ، تفضيلُهُ لحاسَّةِ السَّمع، فهي الحاسَّةُ التي تسمحُ بولوجِ الموسيقى، ونيتشه يعبدُ الموسيقى. وفي الواقع، الجسدُ كلُّه ينخرطُ على نحوٍ متناغمٍ، فما من حاسَّةٍ تسودُ على أخرى خلافاً لما نقلَه لنا تاريخُ الفلسفة عندما رفعَ، على وجه الخصوص، الرُّؤيةَ امتيازاً على سواها (لاحظْ ذلك عندَ أفلاطون، الفكرة = الرُّؤية، من الجذر اليونانيِّ القديم “id”).
من كلِّ هذا باتَ من الواضح الآن لماذا يقدِّرُ نيتشه فلاسفة ما قبل سقراط: الأمرُ يتعلَّق بثقافةٍ يونانيَّةٍ معاديةٍ جوهريَّاً للمثاليَّةِ وتعترف بأولويَّةِ الجسد. كان قد كتبَ، بنبرةٍ قاسيةٍ للغايةِ، في غسقِ الأوثان (“تسكُّعاتِ رجُلٍ غير موافقٍ للعصر”، 47): “إنَّه لَمن الأهمِّيَّةِ بمكانٍ بالنِّسبة إلى مصير شعبٍ، وإلى مصير الإنسانيَّة أن تبدأ التَّربيةُ الثَّقافيَّةُ من الموقع الصَّحيح؛ – لا من “الرُّوح” (كما كان يفعلُ المعتقَدُ الخرافيُّ للقساوسةِ وأشباه القساوسة): الموقعُ الصَّحيحُ هو الجسد، المظهرُ الجسديُّ، ورعايتُه، وحالته الفسيولوجيَّة، والبقيَّةُ تأتي من تلقاء نفسها… هذا هو السَّببُ الذي لأجله سيظلُّ الإغريق الحدثَ الثَّقافيَّ الأوَّلَ في تاريخ الثَّقافةِ الإنسانيَّة؛ فهم كانوا يعرفون، وكانوا يفعلون ما هو ضروريٌّ؛ أمَّا المسيحيَّةُ التي احتقرَتِ الجسدَ فقد كانت أعظمَ نكبةٍ حلَّتْ بالجنس البشريِّ إلى حدِّ الآن”.
اقتباسٌ لا يحتاجُ إلى تعليقات.
الجسدُ في الأفلاطونيَّةِ وفي المسيحيَّة
هناك الكثير من الآراء لنيتشه في المسيحيَّة. وكما يتبيَّنُ لنا من العبارة الأخيرة من الاقتباس السَّابق، فإنَّ نيتشه وفي كلِّ أعماله يرفض بشدَّةٍ المسيحيَّة التي تقترن في الذِّهن فوراً بالأفلاطونيَّة. “المسيحيَّةُ هي أفلاطونيَّةُ الفقراء”: تعملُ المسيحيَّةُ على تجنيدِ بُسَطاءِ الرُّوح، أولئك الذين حصلوا على القليل من التَّعليم أو لم يحصلوا على شيءٍ منه. إنَّها الفكرةُ المسيطرةُ والقائمةُ على الأغلبيَّة التي تحيقُ بالعالَم وتمنعه من التَّطوُّر، من المضيِّ قدُماً، من الارتقاء. يرفضُ نيتشه ويُنكرُ ثنائيَّةَ التَّضادِّ التَّقليديَّةَ روحٌ/ جسد، ذلك أنَّهما الشَّيءُ نفسُه، دونما أيِّ تمييز. وهو ينتهرُ هذا التَّشويهَ لسُمعةِ الجسد الذي وجدَه في الأديان، والذي يعرفه حقَّ المعرفة.
إنَّه يحتقرُ “مُحتقرِي الجسد”، كما نقرأ في هكذا تكلَّمَ زرادشت. وفي الواقع، زرادشتُ هذا هو الشَّارحُ للانحطاط، لازدراءِ الجسد. بالنِّسبة إلى نيتشه فإنَّ النَّظريَّات الرُّوحانيَّة للماورائيَّاتِ الكلاسِّيكيَّةِ والتَّاريخيَّة لا تفعلُ سوى أنَّها تشوِّهُ وتتجاهلُ ما هو الإنسان. فمفهومُها عن “الوجود” لا ينسجمُ مع ما هو إنسانيٌّ حقَّاً. وهو يريدُ قطعَ كلِّ صلةٍ بهذا التَّشويه. في نقيض المسيح (شذرة 51) قالَ عن المسيحيَّةِ ما يلي: “إنَّ لدينا الحقَّ في أن نحتقرَ ديانةً تعلِّمُنا ازدراءَ الجسد […]، ديانةً أقنعَتْ نفسَها بأنَّه بإمكان المرء أن يحمل “روحاً كاملةً” داخلَ جسدٍ أشبه بالجثَّة”. إنَّ المهتدين، والمؤمنين، والمتديِّنين، كلَّهم مرضى. بالنِّسبة إلى نيتشه، القداسةُ “ليست في حدِّ ذاتها سوى دلالةٍ على جسدٍ عاجزٍ، ومرهَق الأعصاب، وعلى درجةٍ من التَّلَف تستعصي على الشِّفاء”. وهو يصف المسيحيَّة بأنَّها ديانةٌ قائمةٌ على “ضغينةِ المرضى، والغريزةِ الموجَّهَةِ ضدَّ المعافين، ضدَّ العافية”.
فهؤلاء “مفتونون بالعالَم الآخر”: إنَّهم مرضى ومُحتضَرون بتأسيسهم لازدراء الجسد، بابتكارهم عوالمَ ما وراءَ دنيويَّة، وأشباحَ، وأشياءَ سماويَّةً، مثلَ سقراط في غسق الأوثان. ينتقدُ نيتشه بكلماتِ زرادشت انتقاداً شرِساً هذا الفهمَ الخاطئَ وهذا النُّكران للجسد؛ ويسمِّي أولئك الأشخاص الذين يفكِّرون وينشرون مثل تلك الأفكار عن الجسد بـ “المفتونين بالعالَم الآخر”. فالدِّيانات، والمعتقداتُ بوجود الله إنَّما هي فلسفاتُ موتٍ. في حين يقترحُ نيتشه فلسفةَ حياةٍ، يقترحُ الحُبَّ وبهجةَ العيش. حياةٍ تبدأ من الموت، ضدَّ حياةٍ تبدأ من نفسِها. إنَّهم موتى أحياءٌ، يحيَون لأجل الموت، ولذلك يريدون “الخروجَ” من جسدِهم، والتَّحرُّرَ منه، بطرُقٍ ملتوية. يحسبُ هؤلاء المرضى أنَّهم إنَّما يتحرَّرون من أجسادهم، ولكنَّهم مرتبطون بها ارتباطاً وثيقاً، وهم شاؤوا أم أبوا يستخدمون الجسدَ والأرضَ لإنتاجاتهم الوُهاميَّة. إنَّهم غارقون في المادَّة ومثقَلون بها ويشكِّلون خطراً حقيقيَّاً على البشر بإعطائهم الوهمَ بأنَّ “الحياة موجودةٌ في مكانٍ آخر”، بعيدةٌ، ومنفصلةٌ عن الجسد، وخاليةٌ منه.
في “عن الفضيلةِ الواهبةِ”(3) (فقرة 2) يدعو نيتشه البشرَ إلى إعادةِ فضائلهم إلى الأرض، كي تمنحَ الأرضَ معناها، ويطرحُ شراكةً بين الجسد والحياة: لا توجدُ حياةٌ بدون فضيلة، بدون الرُّوح، والعكس بالعكس. الرُّوحُ التي يضعُها البشرُ خارجَ الأرضِ وخارجَ الجسد هي “لا- معنى”، وهنا مكمَنُ ما أطلق عليه نيتشه “الفرصة العظيمة”. هذا يُفضي بنا إلى الاستعارة المجازيَّة للمرض والطَّبيب كموضوعٍ رئيسٍ في الدِّفاع عن الجسد. الرُّوحُ من دون جسدٍ هي روحٌ تحولُ دون الحياة: الرُّوح تحتاجُ إلى جسدٍ لكي ترتبط بأرواحٍ أخرى؛ والجسدُ من دون روحٍ هو جسدٌ بلا معنى، جثَّةٌ. إنَّه ليس “Leib”، وإنَّما “Körper”(4) فحسب. جسدٌ من دون روحٍ، عند نيتشه، هو جسدٌ من دون حياة، جسمٌ خاملٌ. إنَّ مُنكِري الجسد يغتالون الحياة. في هذا هو الإنسان (“لِمَ أنا قدَرٌ”)، سيأتي نيتشه أيضاً ليكتبَ أنَّ المسيحيَّةَ هي “الإجرامُ بامتيازٍ؛ الإجرامُ في حقِّ الحياة”. فالمسيحيَّةُ اخترعَتِ الرُّوحَ والنَّفْسَ، من أجل “سحقِ الجسد”، و”جعلِهِ مريضاً”. من هنا كان قمعُ الجنسانيَّةِ في المسيحيَّة، والنَّظرُ إلى الحبِّ الجسديِّ على أنَّه شيءٌ دَنِس.
“إرادةُ القوَّة” والعلاقةُ مع الجسد
يشكِّلُ مفهومُ “إرادة القوَّة” أحدَ المفاهيم الأساسيَّة في فِكر نيتشه، فهو أداةٌ لوصف العالَم، ولتأويل الظَّواهر البشريَّة كميادين الأخلاق والفنِّ، ولإعادة تقييمٍ للوجود تتوخَّى الحالةَ المستقبليَّةَ للبشريَّة، حالةَ الإنسان المتفوِّق. وهذا هو السَّبب في أنَّه يُستخدَم في كثيرٍ من الأحيان لتوضيح مُجمَلِ فلسفتِه. يجعلُ هايدغر من إرادةِ القوَّة (كما من العَود الأبديِّ) المفهومَ الأساسيَّ لـِ “ميتافيزيقيا نيتشويَّةٍ” تحملُ الميتافيزيقيا الغربيَّةَ إلى الكمال. يحاولُ نيتشه، عبرَ ابتكاره هذا المفهوم، اقتراحَ تفسيرٍ للحقيقةِ بالإجمال. بناءً على هذه الفكرة، تشيرُ إرادةُ القوَّة إلى حاجةٍ داخليَّةٍ لإنماء القوَّة، إلى ناموسٍ باطنيٍّ للإرادة المعبَّرِ عنها بعبارة “أن تكون أبعدَ من ذلك”: هذه الحاجة تقدِّمُ مِن ثمَّ لإرادة القوَّة تخييراً بين أمرين، إمَّا الذَّهاب أبعد وإمَّا الفناء. إنَّ إرادة القوَّة لا تؤسِّسُ الهويَّةَ أو الأحَديَّة، وإنَّما تقعُ في ما هو أبعد؛ إنَّها توتُّرٌ نحوَ الإنسان المتفوِّق. “الاسمُ الدَّقيقُ لهذه الحقيقة هو إرادة القوَّة، كما هو محدَّدٌ في بنيتها الدَّاخليَّة، وليس انطلاقاً من طبيعتها المراوِغةِ والهاربةِ والمائعة” (ما وراء الخير والشَّرِّ، “36”).
حيال هذا المفهوم، يجب علينا أن نفرضَ قوَّتَه، واستعلاءَه، وتجاوزَهُ الحدودَ، وتخطِّيَهُ للمقاومة، بغضِّ النَّظر عن الوسيط (الجسديِّ والعقليِّ). “لا يمكن أن تتجلَّى إرادة القوَّة إلَّا من خلال علاقتها بالمقاومة؛ إنَّها تبحث عمَّا يقاومها”. (شذراتٌ منشورةٌ بعد وفاته). إنَّ فكرة “القوَّة” جوهريَّةٌ لهذا المفهوم، لأنَّه مبنيٌّ على انتصاراتٍ ضدَّ مقاومات. في الشَّذرات المنشورةِ بعد وفاته (1884-1885)، يحوك نيتشه ضرباً من حكايةٍ خرافيَّةٍ، حكايةٍ رمزيَّةٍ لإرادة القوَّة داخلَ الجسد، لكي يشرح آليَّةَ عمل التَّكوين الجسديِّ. وهو لا يقصد بذلك الجسدَ كما هو موصوفٌ تقليديَّاً وعلميَّاً. إنَّ الجسد ليس تجميعاً ميكانيكيَّاً لأجزاء مختلفة وما هو بالشَّيء الغامض والعصيِّ على التَّفسير: إنَّه يفكِّرُ في الجسد على أنَّه لعبةٌ مرنةٌ مكوَّنةٌ من أجزاء قابلةٍ للثَّنيِ والمقارَنة. يطلق نيتشه على هذه الأجزاء الصَّغيرة التي تشكِّلُ الجسدَ وتُديره اسمَ “كينوناتٍ مجهريَّة”، والتي ليست “ذرَّاتٍ روحيَّةً”، وإنَّما “كينوناتٍ تنمو، وتكافحُ، وتَقوى أو تَفنى”. على هذه الكينونات أن تفرض نفسَها، فالتي هي أقوى تزدادُ قوَّةً، وتذهب إلى ما هو أبعد، وأمَّا الأجزاء الأضعف فتُطيعُ أو تَفنى لتترك مجالاً لغيرها. إنَّ إرادات جميع الكينونات هي نفسُها في الظَّاهر فحسب: هناك في الواقع تراتبيَّةٌ هرَميَّةٌ تقع فيها الإرادات القويَّة الفاعلة فوق الإرادات الضَّعيفة الارتكاسيَّة، وهو ما يسمِّيه نيتشه “أرستقراطيَّة”. ليس هناك أحَديَّةٌ للجسد، بل هناك تجمُّعيَّةٌ لمجموعٍ من الكينونات، وكلُّ كينونةٍ حرَّةٌ في فرضِ نفسِها أو الخضوع. يكتبُ نيتشه: “إنَّ الإنسان لَيبدو حشداً من الكينونات”. أمَّا الأحَديَّةُ الظَّاهرة فتنشأ من حقيقة أنَّ الجسدَ واحدٌ. الجسدُ لن يكون مفهوماً كمجموعٍ، ولكن كتراتبيَّةٍ هرَميَّةٍ، تراتبيَّةٍ في الدَّوافع، والقوى، وإرادات القوى.
ولكن يبرزُ لنا هنا وبصورةٍ تلقائيَّةٍ هذا السُّؤال: كيف يمكن أن يكون هناك انسجامٌ في هذه التَّعدُّديَّة غير المتكافئة والتي هي في صراع؟ بالنِّسبة إلى نيتشه، الأمرُ واضحٌ: البعضُ يرضى بالانصياع، يوافق على أن يكون خاضعاً، بشكلٍ لا يواجه معه الآخرون القادرون على القيادة أيَّةَ صعوبةٍ في فرض حُكمِهم على هذه التَّراتبيَّة. من هنا ينبع هذا الانسجامُ بين الإرادات المختلفة. إنَّ لدينا عصياناً واضحاً للأجزاء الأضعف، المسيطَر عليها جميعاً. وطبعاً هذه الأجزاء هي في تضادٍّ مع بعضها، ولكنَّها في النِّهاية تتحدَّث اللُّغةَ نفسَها. ما الذي يدفع نيتشه في هكذا تكلَّم زرادشت إلى النَّظر إلى الجسد على أنَّه “عقلٌ عظيم”؟ إنَّ الجسدَ يتفوَّق على العقل، على مستوى الذَّكاء وليس على مستوى المشاعر وحسب. الجسدُ يكتنفُ العقلَ ويحكُمُه، وليس العكس كما نقلَ لنا تاريخُ الفلسفة. الجسدُ ليس شيئاً وإنَّما حراكاً، لَفيفاً، تعدُّديَّةَ قوى، وإراداتِ قوى. جميعُ القوى ترسلُ معلوماتٍ، ليس آليَّاً، وإنَّما وفقاً لنظامٍ فطريٍّ: أي أنَّ هذه الرَّسائل هي تجلِّياتٌ للإرادة. وبعبارةٍ أخرى، إنَّ منهج التَّواصُل هذا ليس سوى صراعٍ مستمرٍّ، طويلٍ وعنيفٍ، وفي بعض الأحيان شَرِسٍ. واختتاماً لهذه المسألة حول مفهوم إرادة القوَّة وارتباطه الجوهريِّ بالجسد نخلُصُ إلى أنَّ الجسدَ، في نظرِ نيتشه، هو أفضلُ قائدٍ، لأنَّه رمزٌ لإرادة القوَّة. وكما كتبَ باتريك ووتلينغ في كتابه نيتشه ومشكلة الحضارة، الجسد هو “موضعُ تنفيذ” إرادة القوَّة.
علاقةُ نيتشه بجسدِهِ وبالمرض
في عملِهِ يحوِّلُ نيتشه سببَ المرض إلى استعارةٍ مجازيَّة. فهذا المرضُ الجسديُّ، المادِّيُّ، هو بالنِّسبة إليه رمزٌ لثقافةٍ في طورِ انحطاط. هذه الحضارةُ منحلَّةٌ ومريضةٌ بسبب نكرانها الجسد. الجسدُ يمرضُ، يتعذَّبُ، ولذلك فمن الأفضل التَّنازلُ عنه. يستخدم نيتشه كاستعارةٍ الجهازَ الهضميَّ لدعم نظريَّاته. ثمَّة مثالان: مثال أ) يصوِّرُ فيه إرادةَ القوَّة وفقاً لنموذج عمليَّةِ الهضم؛ مثال ب) يرى فيه أنَّ التَّأويلَ السَّلبيَّ للواقع يُحكَمُ عليه من خلال مقارنته بخللٍ هضميٍّ. لقد ندَّدَ بالصِّبغةِ العدميَّةِ للرُّوح الألمانيَّة في هذا هو الإنسان (“لِمَ أنا على هذا القدْر من الذَّكاء” فقرة 1) بقولِهِ: “تمثِّلُ الرُّوح الألمانيَّة حالةَ عسرِ هضمٍ؛ إنَّها لا تستطيع الحسمَ في أيِّ شيء”. وسيقول أيضاً، بمزيدٍ من حسِّ الفُكاهة: “إنَّ اقتراب ألمانيٍّ منِّي قد يؤخِّرُ عندي عمليَّة الهضم”. يريد نيتشه، وفقاً لصيغتِهِ في الشَّذرات، “الفيلسوفَ كطبيبٍ للحضارة”. وهو يسعى، من وراء صورةِ المرضِ هذه، إلى إبراء جمهرةٍ مصابةٍ عميقاً بالسَّرطان من خلال فلسفته. وفقاً له، ليس هناك حاجةٌ لرفضِ أو لتملُّق الصِّحَّة والمرض، فليس هناك حالةٌ طبيعيَّةٌ للصِّحَّة، بل هناك فقط ظروفٌ تبدو لنا جيِّدةً لجسدنا. إنَّه يرفض ثنائيَّةَ الصِّحة/ المرض. وبتعبيرٍ آخر، علينا أن نزيلَ من أذهاننا أنَّنا جميعنا سواسيةً أمام المرض والصِّحَّة. يقولُ في العلم المرِح (فقرة 120): “في الواقع لا توجد صحَّةٌ بذاتها، وكلُّ المحاولات لتعريفها قد باءت بالفشل على نحوٍ ذريعٍ. فما يحدِّدُ ماذا ينبغي أن تعني الصِّحَّة حتَّى بالنِّسبة إلى جسدك إنَّما يعتمدُ على هدفك، وأفقك، وقواك، ودوافعك، وأخطائك، ويعتمد بشكلٍ خاصٍّ على مُثُلِ روحك وخيالاتها. وهكذا فإنَّ هناك حالات صحَّةٍ لا حصر لها للجسد”. المرضُ ليس ببساطةٍ النَّفي المطلَقَ للصِّحَّة. يقول في مقدِّمةِ العلم المرِح: “الفيلسوف الذي اجتاز وما يزال يجتاز حالاتٍ صحِّيَّةً مختلفةً، هو فيلسوفٌ اجتاز العديد من الفلسفات: لم يكن في وُسعه إلَّا أن يحوِّلَ كلَّ قولٍ من أقواله إلى الشَّكل والأفق الأكثر روحانيَّة؛- فنُّ التَّحوُّل هذا، هو الفلسفة”.
هذه بالتَّأكيد ليست عبارةً تعبِّرُ عن سيرة حياة نيتشه الذي كان في أغلب أوقاته مريضاً وفي حالةٍ جسديَّةٍ سريعة التَّدهور. الأمرُ في الواقع هو أنَّ نيتشه، ومن خلال تجربته الخاصَّة، كان يؤسِّسُ فِكْرَه على الجسد والمرض. ثمَّة تواشجٌ شخصيٌّ قويٌّ ما بين حياة نيتشه وفلسفته. وجديرٌ بالذِّكر على نحوٍ خاصٍّ أنَّه، في الفترة التي كان يكتب فيها زرادشت، كتبَ في هذا هو الإنسان (“لماذا كتبتُ كتباً جيِّدةً” المقطع 4): “لقد كانت خفَّة حركة العضلات دائماً أكبر في داخلي عندما كانت القدرة الإبداعيَّة أقوى. الجسدُ مُستثارٌ”. ثمَّ إنَّه يفضِّلُ أن يتحدَّث عن “الانحطاط” كمرضٍ، وهو مصطلحٌ لا يستخدمه بمعناه السَّلبيِّ. فهو ليس شيئاً تجب محاربتُه، بل ينبغي بدلاً من ذلك الاحتراسُ من انتقال العدوى ومن محاولة إلغاء الوجود. المرضُ وفقاً لنيتشه ليس سبباً، وإنَّما انعكاساً للانحطاط.
* * *
الحواشي (كما وضعها المترجِم):
1- نومينُن Noumenon هو مصطلَحٌ فلسفيٌّ يُقصَد به “الشَّيء في ذاته”، وهو يُستخدَم كمصطلَحٍ مضادٍّ مع مصطلح فينومينُن Phenomenon أي الظَّاهرة.
2- مطلعُ النَّصِّ المشار إليه: [يبقى لنا طريقٌ واحدٌ للسَّير: الوجودُ هو موجودٌ. ويوجد حشدٌ من الإشارات التي تؤكِّدُ أنَّ الوجودَ ليس مخلوقاً وليس فانياً، لأنَّه وحدَه الكامل، الثَّابت والأبدي، ليس بإمكاننا أن نقول إنَّه كان أو إنَّه سيكون…]. انظرْ الصَّفحة 194 من كتاب “بداية الفلسفة” لهانز جورج غادامير، ترجمة: علي حاكم صالح وحسن ناظم، دار الكتاب الجديدة المتَّحدة، بيروت، ط1، 2002.
3- من كتاب “هكذا تكلَّمَ زرادشت”.
4- يميِّز هوسرل في كتابه “تأمُّلات ديكارتيَّة” بين Leib أي الجسد الإنسانيِّ بما له من فرادةٍ وبين Körper أي الجسم.
[التَّرجمة عن الإيطاليَّة: أمارجي]
نقلاً عن موقع: جدلية
-

رشا عوالي – لكن الله يعرفك
لم أكن قد تجاوزت العاشرة
حين عرفت أن ثمة شرُ مطلقُ في هذه الحياة
وأن الأشرار يشبهوننا
فهم لا يملكون أنياباً حادة
ولا قروناً مقوسة
وأقدامهم لا تشبه أقدام الماعز الجبلي
وعيونهم قد تكون زرقاء صافية
كنت قد تجاوزت العاشرة بقليل
حين سألتنا المعلمة
أي قُدرة سنختار لو أننا نملك اختيار قُدرةٍ خارقةٍ !
صبي قال إنه سيختار القدرة على التهام الطعام دون توقف
ودون أن يصاب بالسُمنة
آخر اختار الطيران!
قال: سأحلق فوق المدينة كطائرة ورقية
وألوح لكم وأنا متكئ على غيمة كقط كسول
قالت فتاة سأكون لامرئية
سأتسلل للعب خارج المنزل
لن تجبرني أمي على مجالسة الصغار
سأتناول الحلوى المخبأة في خزانة المطبخ
وأرافق والدي للعمل.
حين سألتني
قُلت:
سأختار القُدرة على تمييز الشر
قالت: القُدرة على تمييز الشر محصورة بيد الله
وكأن القدرة على الاختفاء والطيران متاحة للجميع!
قُدرتي الخارقة لم تعجب رفاق الصف
فأصبحت أقل إثارة للاهتمام وأكثر بؤساً
لكنني أدركت عندها أن الله كان يعرف.
في الخامسة عشر
شاهدت وأمي نشرة الأخبار
“اكفِنا الشر” قالت أمي
وهي تبحث عن قناة تجعل تناول الإفطار دون الشعور بالذنب ممكناً
“اكفِنا الشر” أعادتها بعد تقرير على البي بي سي
وددت لو أمتلك من الجُرأة ما يكفي لأقول لها
أنني الشر الذي تخشاه.
وأن الله يعرف!
في العشرين
قال الرجل إن الطلبية للسفارة الأفغانية
ثلاثة كومبو فور اكسترا جارلك تشكن رولز وتوست
بيج ببسي بيج فرايز
طلبت الاسم قال لي: يعقوب خرازادة
قلت له:
خرا شو؟
فضحك كل من في الغرفة
أخبرني الرجل أنه سيغفر لي
فاليوم مدعاة للاحتفال!
ذلك المساء
تحدث الشريط الإخباري عن مجزرة ارتكبتها قوات الناتو في قندهار
48 قتيلاً
هل كان ذلك سبب الاحتفال!
الله يعرف
في الحادية والعشرين
شاهدت سائحا استرالياَ مُسنا
يحاول اقناع فتاة لم تتجاوز العاشرة بمرافقتة في جولة خلف جبال البتراء
كانت الفتاة توشك أن ترافقه
لو لم أجذبها من ياقة قميصها كخروف ضال
أخبرتني أنها لم تكن تعرف!
قلت لها الله يعرف.
وتساءلت هل صرت أملك القدرة على تمييز الشر!
في التاسعة والعشرين
شاهدتهم يكتبون أسماء بلادهم بالطبشور
على أرضية حديقة واشنطن سكوير
كتبت أسماء أربع دول ومدينة واحدة
مع أن اسمك كان الوحيد الذي يبدو منطقياً
لم أكتبه
وتمنيت لو أنك تعرف
لكن الله كان يعرف
في الثلاثين
ضللت الطريق فعرفت وجهتي
صارت الفتاة في المرآة تشبهني
تآلفت مع الضجيج في رأسي
فلم أعد أخيفني
في الثلاثين
عرفت الله جيداً.
-

عبدالكريم العبيدي – أتذكرُ لأنسى!
أمارس لعبة اللجوء الى الذاكرة يوميا. لعبة استذكار فذة. أظنني لا ألعبها لوحدي، ولستُ الوحيد الذي يحتمي بكرمها، ويتلذذ بتلك السهوب، السهوب التي جعلت من ذاكرتي أعجوبة، ثم أحالتها الى مزار!
أراني منصفاً لنفسي في هذا الطقس الباذخ، ربما نادراً ما أشعر بذلك، لكنني على يقين أن هذه اللعبة بالذات سأبدو فيها منصفا.
هو سعيٌ لجذب العالم كله، تدفق حسي من سلالات الخيال الخفيفة، متغيرات تعانق انفعالات صامتة لتوصلني الى النقطة الحرجة، النقطة التي يتماهى فيها النهار مع الليل فيضيع الخيط الفاصل بينهما.
لا تنتمي لعبتي هذه الى يأس، ولن يزعم التشاؤم أنها من عوانسه، على العكس تماما. هي تشبه الموت الحراري، سيناريو هذا الكون المفتوح الذي سيستمر في التوسع إلى اللانهاية حتى تنخفض الحرارة فيه ويغدو أكثر خُلوُّاً وبرودة. هو يموت حرارياً بينما ينخفض في صدري الضيق، وتبتعد عني شظايا الرعب ومنغصات العيش وفساد الأمكنة. أظنني أساويه في المقدار وأعاكسه في الاتجاه، وقد أبدو أفضل منه، وفي ذلك انقلاب في خاصية حواسي التي توجه عملية الخلق وفق رؤية غير تقليدية.
سأباشر من الآن بتذكر “سمكة همنغواي” و”خامسة بيتهوفن” و”تفاحة نيوتن” و”مركب رامبو السكران” ورسالة “فيجنشتين المنطقية” و”مواكب جبران” و”تحول رورتي اللغوي” و”تجليات هولدرين” و”اعدام لوركا” و”صلب الحلاج” و”مادية كارل ماركس التاريخية” و”خيبة صموئيل بكيت بسبب قهقهات الجمهور خلال مشاهدتهم لمسرحيته، شديدة اليأس، بانتظار غودو”!
سأتذكر نهاية “أنّا كارنينا” وسحر “ليلة لشبونه” و”جحيم باربوس” و”موت توماس مان في البندقية” وحوارات “الاخوة كرامازوف” وجريمة “الغريب” الغريبة، ومأساة ” غاتسبي العظيم” و”صخب وعنف فوكنر” و”صرصور كافكا” والذي يحاور نفسه في الطرقات في “ثرثرة فوق النيل” والخنجر الذي يغرسه البطل في رواية “الياطر” وسخرية الرجل الغامض من غرور بطل “موسم الهجرة الى الشمال” العائد تواً من الغرب، وآخر جملة يطلقها بطل فيلم “الفراشة”: ما زلت حراً أيها الـ….!
سأبحر مع “بحة داخل حسن” و”نواح سيد محمد” و”بنفسج ياس خضر” و”الأوله في غرام أم كلثوم” و”جندول عبدالوهاب” و”ربيع الأطرش” و”فاتت جنب عبدالحليم” و”صباحات فيروز” و… سأكتفي أخيراً بـ “غمزة سميرة توفيق”.
ألم أقل لكم أنني منصف في هذا الطقس الباذخ؟
في ظني أن “السياب” كان منصفاً أيضا حين كتبَ ذات مرة إلى صديق له:”لم أعد أخاف من الموت، ليأت متى شاء، أشعر أنني عشت طويلا. لقد رافقت جلجامش في مغامراته، وصاحبت عوليس في ضياعه، وعشت التاريخ العربي كله، ألا يكفي هذا”؟
أظنه يكفي يا بدر.
…………
-

بلقيس الملحم – أحبك حتى تنتهي الحرب
من أين قبلته؟
وكيف سرت في روحي أنفاس غريب
سرق لونًا من السماء
فشحبت حتى بكت الملائكة؟
يبست الفراشات
وانطفأت قناديل بعيدةمن يرعى تلك السماء
غير نجوم دوَّنتْ عدد قبلاته
ثم راح يتشمم رائحة فستاني الأخضر
قبلة تلو قبلة..
حتى نبتت في فمي كل هذه الغابات
فمي الذي يكره الحرب
ويشتهي بيتًا من قصب
ألمس فيه أصابعه
فيتدفق نهر عميق
ركن على ضفته قارب قديمهو الذي نام في كفي كثمرة
فانسكب بيننا طريق من ضوء وعتمة
الصفصاف يعلو والعصافير تعصر حليبها
فكيف يهدأ الهواء في ثيابي؟
.
.الموج يرتفع كلما ملأنا رئتينا
خابزات الرغيف يبتسمن لسائح عابر
لتذكارات من عقود الفضة والعقيق والخرز
رُبطت حول شجرة عقيمة فأنجبت ثمرتين
تُرى.. كيف يُقبض على رائحة المكان؟
يقول الغريب:
إغمضي عينيك كي تريني
فأغمضهما..
لكنني لم أعد أشم رائحة النهر
ولا أسمع طنين الدغل القريب
لا هدنة أنتظرها
ولا أرض تتحرك تحت قدمي
أين القارب؟
كيف اختفى عناق المشاحيف
وغابت وجوههم السمراء
.
.
هنا..
من أمام شاشة مضيئة وملونة
عددت قبلاتك فأمسكت بمفاتيح القصيدة
لست الضاربة على الحروف
ولا على سلم الموسيقى
قلبي يأخذني إليك
كلما تذكرت أني أحببت جنة مفقودة
أنغمس فيها
وحيدة أفتح عينيَّ على اتساعهما
أراقب خيوطًاً بعيدة
وأنادي طائراً مهاجراً
مكرراً معي بصوت عال:
أحبك حتى تنتهي الحرب
حتى تتجمد الأغاني الريفية في فم العشاق
أحبك وهذي الأشجار تتهادى في الماء ما بيننا
خذ مني كل ما أرى
وستشرق شمس بلادك
كما لو أنها تشرق أول مرة على هذه الأرض.. -
سلام حلوم – أخت الرجال
كأنّما ليست هي
لم يكن لها ما يعطّل ابتسامتها النادرة
لاهذه الرفّة في الخدّ الأيسر
ولاخلوّ فمها الخاتميّ من الضواحك
ولا تهدّل جفنين ، كيف سخوا ، مثخنين تحت الكدمات الزرق
لم يكن لها أن توجز في حديث الألفة
فتكتفي باللازم من الكلمات
فيبدو في حوارها تجفاف المجامل
أو صمت غير الآبه بوجع الناس
فغابت عن صباحات قهوتها لمّة النسوان
وغاب أن تزيل عن صدورهن همّ الغيابات وشظف العيش
بنكاتها المعهودة عن ليالي الدخلة
وعمّا يفعله السمك المشويّ بأوصال الرجال
الكلّ صار يصدّق أن للمرأة دمعاتها الجوفية فتنفد عن بكاء طويل او عن فزع لايطاق فتذبل عينها
وإلا لماذا تظلّ مشدوهة هذي الحنون بلا عبرة قدّام الفواجع ؟
وهي التي كانت تنوح إذا انجرحت إصبع أو بكى طفل من لقاح
لم تكن لتنهض على أربع
وهي التي ظلّت تتباهى بأمّ تمسك خطّين في حصاد العدس وتسبق
وبأب مات وهو يعلّق في أعلى التينة فانوس السهرات بلا سلّم
كأنما ليست هي التي ظلت تنقّ على أولادها ” أن ارفعوا رؤوسكم وأنتم تمشون
خوف حدبة في الظهر
أو تجري لكم ألقاب الذلّة على ألسنة العكاريت “
لم ننتظر طويلا لنعرف
أن ما طوى قامتها الباسقة فتوق في فقرات العصعص
فقد كانوا يشدّونها في الزنزانة كي تشقّ بأيديهم ، هم ، نصفين
وأن ارتجافها وهي تحاول ألا تستند على أحد ليس لمن يقوم لتوّه من شلل ولم يكن للزهايمر أن يتجرأعلى أعصاب امرأة كانت تصطاد الواويّات
وتطعم ذئبة حبلى فتات لحمها
ولقّبتها الديرة ” أخت الرجال “
فقد أوصلها عنادها لأن تُحرق رموشها بلهب الشّمع
ثم تسفّ رمادها بلسان ناشف
لم ننتظر طويلا لنعرف
أنها لن تنتظر فرحا يرتّب بهاءها من جديد
وأنها ، إنّما كانت تصرّ على قليل من الكلمات
حتى لا يقال ” خرس الحق ،
فقد مات الشاهد “
وأنها لن تطلب ، وهي تحتضر، إلاممشاها الأبديّ بين التنّور وخلايا النحل
وأنها لم تكن أكثر من سلّة جراح تلوح في نعش .





