النمط: واقعية
النوع: صورة شخصية

أنا أنشودة الرّوح المُعْتَمة،
أبدًا تُطوّف بِك
في حناياها، بتكرارٍ مٌلّح،
إلى فَجرِ سِحرٍ سرمدي،
يشْتَعِلُ آسرًا بالنّماءِ والإزهار.
في هذا النّشيد؛
أدغمتك نسيجًا حي في لحى الأشجار،
وفى قطرات الماء،
وفي لهيب النّار.
ربما تعني الحياة…
شارعٌ ممتد … تَعْبِرَه كل صباحٍ،
ودونما انقطاع،
امرأة ما،
تَحْمْلُ خُبْزَها وبيتها في سلَّة.
ربما تعني الحياة:
حبل مِشْنَقةٍ،
يكفي لانتحار رجل ما،
من على غُصنٍ نَدي يتدلّى.
ربما تعني الحياة،
خطو تلميذٍ صغير، يعودُ متعبًا للدّارِ في المساء.
ربما تعني الحياة، إشعال سيجارة،
ساعة الخدر اللّذيذ، فيما بين ذروتين،
من الحب الشَّبِق.
أو ربما نظرة غائمة بين عابرين،
وابتسامة لا معنى لها،
تتبعها تحية مقتضبة.
ربما تعني الحياة،
تلك النّظرة الخاطفة المُحْتَبَسة،
عندما تُفنى نظرتي المتيّمة،
في إنسان عينك بغتةً.
أو ربما أيضًا تكون،
ثمّة إحساس دفين،
أودِعَه، خِلْسة، في وعي القمر،
وجوف الظّلمة الحالكة.
في غرفةٍ باتساع وحدتي الهائلة،
يرنو قلبي،
مُفعمٌ بكلِ هذا الحب لك،
إلى ذرائعِ السّعادة البسيطة البريئة:
سحرُ زهرٍ يزوي في إنائه؛
شُجَيرة زرعتها ذات حبٍ في الحديقة،
وشدو كناري ملئه الأسى،
بقدر ما تتيحه نافذتي الصّغيرة.
آه … هكذا يكون قدري!
هكذا:
سماءٌ تتواري بغتةً خلف ستارة،
هذا نصيبي.
خطو متردّد على دَرَجٍ مهجورة،
لاستعادة شيء ما،
من بين ركام الحنين والشّجن…
آه … نصيبي:
نزهة حزينة … وحيدة في حديقة الذّكرى،
وفناء في الأسى،
لصوت يقول هامسًا….. أعشق راحتيك!
سأبذر كفى في حديقة الذّكرى،
وأنمو…
أعرف جيدًا أنّي سأنمو،
حتى تضع العصافير الملوّنة الصّغيرة بيضها
في راحتي الملطّخة بالكتابة.
سأرتدي توأم كرزتين،
قرطين يتدلّيان على جيدي،
وتزهو بزهرات الأضاليا أظافري.
هنالك، في الشّارع الضّيق الممتد، عبر الجّرح،
بشعرهم الأشعث المُغبّر،
وأعناقهم الرّقيقة وسيقانهم النّحيلة،
ما زال صبية الحي الصّغير،
يهيمون عشقًا فيّ،
ويهمسون شوقًا إلىّ….
طفلة الابتسامات البريئة…
بعيدًا …. بعيدًا قد غيّبتها الرّيح،
ذات ليلة.
هنالك شارع ضيق ممتد،
قد امتلكته بقلبي الصّغير خِلسةً،
من بين شوارع الجّوار،
في طفولتي البعيدة.
رحلة الشّكل في مسار الزّمان،
تبذر نطفة الشّكل في رحمه.
شكلٌ يستبطن صورة،
عائدة من وليمة المرايا.
وهكذا يُفنى أحدهم،
ويستمد الآخر معنى للحياة.
أبدًا لن يعثر الغوّاص على لؤلؤةٍ ثمينة
في قاع جدول صغير،
تفضي مياهه إلى بركة موّحلة!
أعرف ساحرةً صغيرةً حزينة،
على شواطئ البحر الكبير،
برقةٍ بالغة التّناهي،
تعزف قلبها الصّغير نايًا.
ساحرة صغيرة حزينة،
تموت كل ليلة بقبلةٍ واحدةٍ،
وتولد من جديد عند الفجر،
بقبلة مفردة حنينه!
ملحوظة :
___________
*نص: فروغ فرخزاد
** ترجمها عن الإنجليزية: مصطفى آدم
التّرجمة من نص مترجم، تبتعد كثيرًا من النّص المترجم منه، وفي هذه الحالة، النّص الإنجليزي. وفي بعدها ربما اقتربت كثيرًا من النّص الأصلي، إذا ما كانت المخيّلة والوجدان تشترك في شيء ما. هذا المشترك هو باختصار القهر والإذلال والثّورة المشروعة عليهما! إضافة إلى التّاريخ المتداخل بين الإنجاز الفارسي الثّقافي، والذي ساهم في رفد ثقافة اللغة العربية بالكثير. ولا يخفى على ذوي البصيرة النّافذة، أن الكثير ممّا ينسب لمنجزات الحضارة الإسلامية هو في الأصل فارسي! أهدتني زميلتي د. فاريبا خُدامي، وهي إيرانية، تُدّرس الأدب واللغة الإنجليزية، معرفة الشّاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد. ومع تلك الهدية، كتاب لها يحتوي على قصائد مختارة مترجمة إلى اللغة الإنجليزية، يحمل عنوان هذه القصيدة بالذّات: ميلاد آخر؛ وتكتب بالفارسية (تولدى ديكر). يحتوي الكتاب على النّصوص الأصلية بالفارسية، والتي ساعدت في التّحايل على إشكالية التّرجمة من نص مترجم، فقد عمدت إلى مقاربة المفردات ذات الدّلالات المجردة مثل إدراك وشعور، مع الأصل الفارسي، متى ما كانت الكلمات الفارسية قريبة من المفردة العربية. ولا يخفى عليكم/ن تشابه الكثير من المفردات والتّراكيب بين الفارسية والعربية. ثمّة شيء آخر، أمتعني غاية الإمتاع، وهو اللّجوء إلى زميلتي الإيرانية، والتي تعشق الأدب، والشّاعرة فروغ بالذّات، متى ما أحسست أن النّص باللغة الإنجليزية يعلن صراحة عن فقره عن الإمساك بالمعنى! فقد كنت أتجوّل طليقًا بين ثلاث لغات والثّالثة منها عبر أديبة تقرأ وتكتب الشّعر بها!

لا أحد يفهم
عطر زهرة الماغنوليا الداكنة في أحشائك
ولا أحد يعرف
كم عصفوراً عاشقا تُعذّبُ بين أسنانك.
ألف مهرة فارسية تنام
في ساحة جبينك المقمرة
بينما أعانق لأربع ليال متتالية حزامك:
حزامك، عدوّ الثلج.
بين الجبس والياسمين
نظرتك غصن بذور شاحب،
وطويلاً نقّبتُ في صدري
عن حروف العاج التي تقول “الى الأبد”
كي أعطيكها.
“الى الأبد، إلى الأبد”: بستان احتضاري
هو جسدك الهارب أبداً
خذ دماء عروقك التي في فمي
واعطني فمك الذي بلا ضوء
من اجل موتي.
أشتهي قلبك الحار فقط
ولا شيء آخر.
جنّتي حقل بلا عندليب ولا كنّارة
بنهر كتوم ونبع صغير
بلا مهماز الريح على الأوراق
ولا النجمة التي تحلم أن تصير وريقة.
ضوءٌ هائل جنّتي
في حقل من النظرات المتكسّرة
سكونٌ صاف حيث قبلاتنا
مثل شامات الصدى الرنّانة
قد تتفتّح بعيداً بعيداً.
قلبك الحارّ
أشتهي
ولا شيء آخر.
ألفظ اسمك في الليالي المعتمة
عندما تجيء الكواكب لترتوي من القمر
وتنام أغصان الأوراق الخفيّة.
ألفظ اسمك وأشعر أني خالٍ
من الشغف والموسيقى:
ساعة مجنونة تغنّي
أوقاتاً قديمة ميتة.
ألفظ اسمك في هذه الليلة المعتمة
ويرنّ اسمك فيّ أبعد مما كان يوماً:
أبعد من كل النجمات
وأوجع من مطر خفيف.
أتراني إذاً لم أزل أحبّك
مثلما ذات يوم احببتكَ؟
أي ذنب اقترفه قلبي
وأي هوى آخر ينتظرني حين ينقشع الضباب؟
أتراه يكون هادئاً ونقيّا؟
آه لو كان في وسع أصابعي
قطف بتلات القمر! .
ترجمة جمانة حدّاد

خارج الطقس ،
أو داخل الغابة الواسعة
وطني.
هل تحسّ العصافير أنّي
لها
وطن … أو سفر ؟
إنّني أنتظر …
في خريف الغصون القصير
أو ربيع الجذور الطويل
زمني.
هل تحسّ الغزالة أنّي
لها
جسد … أو ثمر ؟
إنّني أنتظر …
في المساء الذي يتنزّه بين العيون
أزرقا ، أخضرا ، أو ذهب
بدني
هل يحسّ المحبّون أنّي
لهم
شرفة … أو قمر ؟
إنّني أنتظر …
في الجفاف الذي يكسر الريح
هل يعرف الفقراء
أنّني
منبع الريح ؟ هل يشعرون بأنّي
لهم
خنجر … أو مطر ؟
أنّني أنتظر …
خارج الطقس ،
أو داخل الغابة الواسعة
كان يهملني من أحب
و لكنّني
لن أودّع أغصاني الضائعة
في رخام الشجر
أنّني انتظر..
كقطرات مطرٍ في ديسمبر
أنت لاتزال تسيلُ
على زجاجي وبلا خدوش
منذ قبلة طفولتينا
واكتشافنا العبثي
للّذة والحب
*
بشفاهٍ جافة تمسك بنصف مظلة
تحفر شوقها رغم المسيل
في غبار الذاكرة
وعشب التفاصيل
وأشجارٍ مافتئ اخضرارها
يعكس ظله بسرمديّةٍ في
الركن الشماليّ من رفوف الماضي
الدّسمة
المفرَغةِ من الزوايا
*
تحكي لقاءً كان ولم يعد
أو عاد ولن يكون
بهسيسٍ من بياض الحبِّ
وثلج اللقاء
وضبابٍ من وعدٍ بحتميةٍ مجهولة
لغموضٍ قد يستحيل
حقيقةً تعصر الماضي
أو تَرشحُ من مساماته
أو حتى تؤول إلى التفاف الساق بالساق !

1
أحب السفر بالمركب. فالمركب في هذا الزمن، زمن السرعة وازدحام الأجواء، يعد ترفا يستغرق السفر فيه وقتا كافيا. إنه مناسبة لعدم التفكير في شيء، ولإعداد النفس لدخول إيقاع جديد. الوقت صيف وأنا كنت على المركب المسمى “مراكش”، الذي يصل بين سيت وطنجة. بالكاد أصبحت على متن المركب حتى قدم نحوي رجل قصير القامة، خمسيني، فاتحا ذراعيه. حياني وعانقني. لم أكد قد رأيت هذا الرجل قط. اضطربت قليلا ولم أقل شيئا ظاهريا، يفترض أن يكون هذا احتقارا، خطأ، أو تشوشا يعود للشبه بيني وبني أحد يعرفه. لا. طمأنني الرجل أن الموضوع ليس شيئا من ذلك.
– أدعى الحاج عبدالكريم. ولدت في مراكش في يوم حار بشكل استثنائي. متزوج من إمرأة صقلية. وأب لثلاثة أطفال يعرفونك ويحبونك. أنا للأسف لا أقرأ. زوجتي هي التي تقرأ لي. لا أقرأ، لكن لدي خبرة في الحياة، فيما هو مرئي، وما ليس كذلك. مهنتي؟ جعل الأجانب يحبون بلدي، تقديمه لهم بجماله وتعقيده. لكن ما أتى بي اليك (اللحظة التي انتظرتها طويلا)، هو الرغبة بأن أحكي لك قصة. قصة حقيقية. أنت كاتب، ألست كذلك ؟ استمع الي إذن. القصة هي قصة ابراهيم، الرجل الهاديء، الطيب، الذي يحاول أن يعول أسرته، إنها قصة مصير شخص، وجد نفسه على طريق الشر، اسمع…
كان الحاج عبدالكريم وسط صالون، وكان المسافرون قد هرعوا للاستماع اليه:
كان قد مضى وقت طويل منذ كف السياح عن الوقوف أمام ابراهيم وثعابينه. فلم تعد الثعابين، وقد تعبت وتقدمت في العمر كثيرا، وفقدت اليقين، تستجيب لموسيقى حاويها.
عبثا غير الناي، وغير اللحن. بقيت الثعابين بالكاد تخرج رأسها، إما لأنها مذعورة أو نائمة. والحل الوحيد لجعل الاستعراض جذابا من جديد، هو تغيير الحيوانات بدلا من تغيير الآلة الموسيقية. قرر ابراهيم أن يضحي ويشتري أفعى لامعة، فتية وحيوية. جلبت اليه الأفعى من قرية مشهورة بزواحفها. لاطفها، ضايقها، ثم عزف لها قطعة موسيقية من تأليفه. كانت موهوبة جدا، ترقص بشكل غير اعتيادي. كانت تتثنى وفق المراد مشبعة الايقاع بصورة دقيقة، مادة لسانها كي تضبط الترنيمة. استعاد ابراهيم ثقته بنفسه. فتنت الثعابين بالأفعى الزرقاء الجميلة.
في الليلة التالية رأى ابراهيم حلما غريبا. كانت الساحة الكبيرة مقفرة ينيرها بدر تام. كان جالسا في الوسط، مصالبا رجليه. لم يكن يستطيع الحراك، حتى ليقال إنه كان مثبتا الى الأرض بواسطة لاصق خاص. مقابله ظهرت الأفعى بملامح شابة زرقاء اللون، لم يستطع أن يعرف إن كانت ترتدي شالا أزرق، أم أن ذلك كان لون جلدها. كان لها جسد امرأة ورأس أفعى. راحت تكلمه وهي تدور حوله: “مساء هذا اليوم لعبت اللعبة، وأريتك ما أنا قادرة على فعله. لست تلك التي تظن. لن تحكم علي بالتثني في سبيل نيل إعجاب سياحك. أستحق شيئا أفضل. أنا شابة أرغب أن أعيش وأركض في الحقول وأحس بالانفعال. أرغب أن أختزن المتع والذكريات لأيام شيخوختي. إذ كان سياحك ينشدون الانفعالات القوية، فليس أمامهم سوى الذهاب الى الامازون، أو الى بلد الأحجار التي تملك ذاكرة. أنذرك إن قدمتني في استعراضك، ستندم… مع أني لست واثقة إن كنت ستجد الوقت كي تندم على أي شيء…”.
كانت وهي تكلمه، تدور حوله، ملامسة يده أو وركه. حاول الاجابة، لم يستطع اخراج صوته من حنجرته. كان مخدرا. وكانت، هي الواثقة من نفسها، تتابع حديثها: “لا تحاول أن تشرح لي مشكلتك وتستدر شفقتي. تخل عني تسلم. لدي الكثير لأفعله. هذا فصل جني المحاصيل، وعلي أن أعود لأقبع تحت الأحجار. أحب طراوة أيدي الفتيات اللواتي ينحنين لجمع القمح. سياحك يسببون لي التقزز. إنهم ليسوا جميلين. وأنت تكتفي بإكراميتهم الزهيدة. ليكن عندك قليل من الكرامة. الآن بامكانك الانسحاب. الساحة ستمتليء. الشمس ستشرق. وأنت ستفكر. إذا أردت أن تحظي بالسلام، أعد لي حريتي.”
استيقظ ابراهيم مذعورا، مرتجفا ومحموما. فتش في الصندوق الذي تنام فيه الثعابين. كانت الأفعى هناك، مطمئنة وغارقة في نوم عميق. توضأ بعد أن اطمأن، ثم صلى صلاة الصبح. رفع يديه وسأل الله العون والحماية: “يا الله، أنت الكبير والرحيم. احمني من السوء ومن عديمي الضمير. أنا انسان ضعيف أكسب لقمتي بفضل الحيوانات. ليس لدي ما أحارب به الشر، ولا ما يمكنني من تغيير مهنتي. الزمن صعب. نحن حواة أبا عن جد. ولدت ونشأت وسط الزواحف. لم أشعر بثقة تامة بها قط. إنه غدارة. أنا مسلم صالح، لا أؤمن بالتقمص، ولكني ألتقي بأشخاص قلوبهم وأرواحهم هي قلوب وأرواح أفاع عتيقة، غرقت في الرياء والخبث.
لم يكن من عادته أن يصلي وأن يبرر نفسه. منذ سنين طويلة وهو يمارس هذه المهنة دون أن يطرح على نفسه الأسئلة، هزه حلم الأمس فقد كان فيه شيء ما حقيقي. شعر ابراهيم بالخوف. خوف من حادث ما. خوف من العين الحاسدة.
كان عليه ذلك اليوم أن يرقص ثعابينه في فندق كبير أمام جمع من السياح الذين دفعوا مبالغ اضافية ليشهدوا ذلك العرض ذي الغرائبية المضمونة: رؤية أفعى ترقص على وقع موسيقى انسان جبلي. استذكر ابراهيم أحد الأ دعية قبل مغادرة البيت. تجنب أن يركب دراجته، وعلق حول رقبته يدا فضية. لقد تم من حيث المبدأ، طرد الخوف. وصل الى الفندق في الساعة المقررة. كان السياح قد انتهوا للتو، من تناول أكلة محلية وشربوا نبيذا أو بيرة. كانوا سينين، يخالطهم النعاس قليلا. قدم المذيع ابراهيم “سيداتي سادتي نقدم لكم الآن، ما طالما سمعتم عنه دون أن تروه قط. ستشاهدون ما يصنع الفرق بين الشمال والجنوب. ستشاهدون ما ليس من السحر بل من الشعر: أشهر حاو في الساحة. الرجل الذي يخاطر بحياته لكي يمنحكم المتعة. نقدم لكم، ابراهيم وثعابينه..”
كانت آلات التصوير مهيأة. بعض السياح لم تظهر عليهم الاثارة كانوا يشربون الشاي بالنعناع مع الكعك. ظهر ابراهيم واهيا ومترددا، حيا الجمهور بانحناءة خيل له أثناء انحنائه، أن لمح امرأة الحلم الزرقاء. رأسها رأس عصفور وترتدي جلابية زرقاء تشد جسدها، كانت بدون ثديين تقريبا. وتجلس على غصن شجرة، تؤرجح ساقيها مثل طفلة. عزف ابراهيم على الناي مؤخرا لحظة فتح صندوق الثعابين. طار النعاس من أعين السياح. ثبت الجميع انظارهم على الصندوق. دفع ابراهيم الغطاء وغار بيده في جو في الصندوق. أمسك بالأفعى. في الواقع، هي التي تشبثت بمعصمه. في اللحظة التي كاد أن يداعب رأسها فيها، لدغته. كانت ما تزال تحتفظ بسمها، رغم أنها أفرغت منه أمام عينيه حين اشتراها. سقط جثة هامدة. امتلأ فمه بالدم والزبد الأبيض. كان هذا الزبد سما. ظن السياح أنهم أمام مزاح ثقيل. احتج بعضهم، وقد شعر بالاحباط، وتقيأ آخرون غداءهم وقد هزهم هذا الموت. التقطت الصور كذكرى لموت فجائي. ذكرى للفنان الذي مات على الخشبة.
نقلت جثة ابراهيم الى المشرحة الرئيسية وضعت في الدرج رقم 31.
—-
2
على غلاف كتاب القراءة المدرسي الذي يحمل عنوان (سم2) يبدو الطفلان على وفاطمة، يمسك كل منهما بيد الآخر، على طريق المدرسة. كبر الطفلان. ومنذ الطفولة، وعد كل منهما للآخر. كان بوسعهما أن يؤلفا زوجا من البرجوازيين الصغار ناعمي البال، الذين لا يثيرون المشاكل، العاقلين مثل الصورة التي حلم بها الآلاف من تلامذة المدارس. تزور علي وفاطمة لأنهما متحابان، ولأنه لم يكن بمقدور أحد منع هذا الزواج. رغم المظاهر، كانت هناك أشياء عديدة تفرقهما. فقد درس علي واشتغل في شركة للقطاع الخاص. أما فاطمة فتنتمي لوسط متواضع وبالكاد تعرف القراءة والكتابة. كان يقال عن علي بأن لديه نظرة “تسقط الطير من أعلى سمائه”؛ ويقال أيضا إشارة الى غرامه بالنساء، “عيناه خضراوان”، هو من كانت عيناه سوداوين. كان يحب المشروب، والقيادة بسرعة، وسرقة نساء الآخرين. وفاطمة امرأة معنية ببيتها وبطفليها، تهتم به وتكرس نفسها كليا لزوجها الذي جعلها في حالة انتظار دائم له. امرأة قانعة بمصيرها، ليست ماهرة جدا، لكنها حاضرة دوما. لا تقدم لزوجها أية مفاجأة، ولم يعد في شخصيتها، ما يخفي عليه. امرأة ممتلئة بحسن النية والارادة الطيبة. امرأة بلا دفاع. لطافتها الزائدة أشبه بالبلادة. ومثلما فعلت أمها وجدتها تعايشت فاطمة مع الضعف الهاديء الى اليوم الذي قررت فيه أن تعترض، أن تفعل شيئا ما كي تبقى (علي) بقربها. لكن حياة علي كانت في مكان آخر. وفي الظاهر، لم يعد هناك ما يمكن أن يبقيه في ذلك البيت الذي يثقل عليه الروتين ويجعله كئيبا. عندما تجرؤ فاطمة على الاحتجاج، كان علي يوجه لها صفعتين ثم يمضي صافتا الباب. لم يخف مغامراته المتعددة. كان يغازل الفتيات، ولم ينكر ذلك ويعتبر أنه ليس مطالبا بكشف حساب أمام أحد كان ذلك يؤجج غيرة فاطمة. غيرة مرضية. لم يستطع الأطباء إعادة زوجها لها. نصحوها بالمهدئات. لم تجرؤ فاطمة على مصارحة أهلها. لكن جيرانها أحسوا بتعاستها. قررت يوما استشارة عرافة: “زوجك جميل. إنه يخدعك وسيخدعك على دوام. الأمر أقوى منه. أرى جمهرة من النساء الجميلات يحطن به، ويردن تقبيله. إنه يتمتع بقدرة هائلة، ويستطيع منح النساء ما يعجز آخرون عن منحه لهن. كما لو أنه ولد كي يشبع جميع اللواتي ربط القدر مصيرهن برجال عاجزين، يقوم دوره على معالجة الأضرار. لن تستطيعي فعل شيء. هذا النوع من الرجال لم يصنع للزواج والحياة الأسرية. حتى إن خبأته في سجن، سوف يعثرن عليه ويأخذنه منك. كوني شجاعة ! هذا كل ما أستطيع قوله لك يا ابنتي !”.
شعرت فاطمة باليأس. أسرت لـ(خدوج) جارتها التي تعمل ممرضة في مشفى البلدية. لم يكن بوسع خدوج إلا أن تكون شريكة لفاطمة، فقد حاولت أن تجذب (علي) اليها لكنها فشلت. وهي لم تكن فقط تفهم غيرة واضراب صديقتها، بل كانت تشاركها فيهما. اقترحت عليها الذهاب الى ساحرة عرفت بقدرتها على حل مشاكل الأزواج. لها مكتب في شقة صغيرة وتستقبل الزبائن بناء على موعد. كانت امرأة شابة، عصرية قامت بدراسات نفسية تطبيقية. لم يكن لها هيئة الساحرات العجائز المريبات والكئيبات. طلبت من فاطمة عرض مشكلتها. سجلت ملاحظاتها وطرحت أسئلة محددة.
– تريدين إذن. استعادة زوجك. تريدين أن يكون لك، لك وحدك ؟ أستطيع أن أصف لك حبوبا تذيبينها في قهرته الصباحية، لكن فعاليتها ليست أكيدة. قد أصف لك أيضا، هذه العشبة التي تمزج مع الخبز. لكن هناك خطر التسمم. وأنت تريدينه بصحته، وليس عليلا كما أفترض..
همست فاطمة بشيء ما في أذن خدوج ثم توجعت للخبيرة:
– لا أريده أن يصير عاجزا أو كالخرقة. أنا أريده كما عرفته كما أحبه، قويا، عاشقا، وحنونا.
– في هذه الحالة سأعطيك الوصفة القديمة الجيدة، وصفة أجدادنا. كرة من عجينة الخبز دون خميرة، أبقيت ليلة كاملة في فم ميت. ويفضل أن يكون ميتا طازجا. وليس جثة نسيت في المشرحة. يكفي أن يعض زوجك هذه العجينة. أن يأكلها حتى يتغير ويعود اليك كما تحلمين به. على فكرة، يجب أن تنتقل العجينة من فم الميت الى فمه. يمكن في حال تمكنك من جعله يأكلها، تنفيذ العملية أثناء النوم.
ذكرت فاطمة صعوبة العثور على جثة، لكن خدوج غمزتها. حاسبت السكرتيرة الجالسة الى مكتبها في المدخل، بجوار غرفة الانتظار.
بعد ظهيرة ذلك اليوم بالذات، جهزت العجينة. لفتها خدوج بمنديل وذهبت الى المستشفى. كانت مناوبة تلك الليلة.
أحيانا، تصنع المصادفة الأشياء بشكل جيد. نزلت الي المشرحة، فتحت بعض الأدراج باحثة عن آخر ميت وصل، كي تضع العجينة في فمه، كان رقم 031 ما يزال فاترا. وكان فمه نصف مفتوح ومازال فيه زبد أبيض ودم. لم تجد الممرضة أية مشقة في دفع العجينة بين أسنان الميت. وفي الصباح الباكر أحضرتها ملفوفة بنفس المنديل. كان (علي) نائما بعمق. فتحت فاطمة فمه برفق ووضعت العجينة فيه. عضها دون أن يدري. لم يستيقظ علي. لقد مات. كان السم ما يزال فاعلا.
أغمي على فاطمة. عندها ظهرت لها المرأة الزرقاء برأس الأفعى، وأسمعتها الحديث التالي: “السحر غير موجود. أما الحماقة، فبلى. أراد أحدهم أن يحتفظ بي دون إرادتي. مات بسبب ذلك. وحاولت احداهن أن تسير عكس تيار النهر، فخسرت كل شيء. الأول تنقصه الكرامة، والثانية ينقصها الكبرياء. في هذه الحالة أو تلك، أنا من يستخلص العبرة من القصة، يجب الحذر من الأفاعي، خصوصا عندما يلعنهن القمر، في المساء الذي يكون فيه بدرا مليئا بالمرارة والقرف. وداعا يا ابنتي. ستنامين أخيرا بسلام والى الأبد. كما ترين أنا لست شريرة تماما…”.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من مجموعة قصصية للطاهر بن جلون، بعنوان “الحب الاول… الحب الاخير.”
ترجمة: روز مخلوف (مترجمة من سوريا)
الطاهر بن جلون (ولد في 1 ديسمبر 1944، فاس) كاتب مغربي فرنسي. انتقل إلى طنجة مع أسرته سنة 1955 حيث التحق بمدرسة فرنسية. وكان قد اعتقل عام 1966 مع 94 طالب آخر لتنظيمهم ومشاركتهم في مظاهرات 1965 الطلابية، وهي تجربة دفعته بحماس إلى تبني نوع آخر من المقاومة أساسه الكلمة لا الفعل. درس الفلسفة في الرباط ثم بدأ يدرسها إلى غاية 1971 حين إعلان الحكومة المغربية عزمها تعريب تعليم الفلسفة. ورداً على هذه الخطوة، غادر المدرّس الفرنكوفوني المغرب صوب فرنسا حيث حصل على شهادة عليا في علم النفس. وبدأت مسيرته في الكتابة بعد فترة قصيرة من وصوله إلى باريس حيث عمل كاتبا مستقلا لصحيفة لوموند وبدأ ينشر الشعر و الرواية. ويكيبديا
الأفعى الزرقاء (قصة قصيرة) – الطاهر بن جلون

“هذه الحياةُ محزنةٌ جدا، ولهذا فلقد قررت أن أقضيها بالتأمل فيها.”
** ** ** **
“الحقيقة الكاملة تَمرُّ خلالِ ثلاث مراحلِ.
أولاً، أنها ستبعث على السُخرية.
الثانية، أنها ستُعارض بعُنْف.
الثالثة، أنها ستُقبل باعتبارها فرضت ذاتها.الشّفَقة أساسُ كُلّ المبادىء الأخلاقية.”
** ** ** **
“ كُلّ أمة تَسْخرُ من الأممِ أخرى، وكُلهم على حقّ. “
** ** ** **
“كل شخص يأخذُ الحدودَ التي يراها في الأفقِ باعتبارها حدود العالم بأكمله. إذا فقدنا الاهتمامَ الزائد بأنفسنا، لن تثير الحياة حينها شيئاً فينا، ولن يقوى على تحملها أحد. “
** ** ** **
“الضوضاء الأكثر وقاحة في كُلّ أشكال الازعاج، وهي ليست مجرّد ازعاج، لكنها أيضاً ارباك الفكرِ. “
** ** ** **
“كمية الضوضاءِ التي يملكها أي واحد بطريقة غير ملموسة؛ تتناسب عكسياً مع قدرتِه العقليةِ. “
** ** ** **
“الموهبة تصيبُ هدفاً لا يُمْكِن لأحدٍ أَنْ يصيبه؛
العبقرية تصيبُ هدفاً لا يُمْكِنُ لأحدٍ أَنْ يراه. “
** ** ** **
“الموْتُ والألمُ شرّان مُتميزان. “
** ** ** **
“يَجِبُ أَنْ تُصقل الذاكرة خاصةً في عمر الشباب، كَوْنها ذلك الحين الأقوى والأكثر عِناداً، و لكن في إخْتياَر الأشياءِ التي تُودع في الذاكرة يلزم أن يُمارس العناية القصوى والنظرة المتروية؛ ذلك أن دروسَ الشبابِ لن تُنسى مطلقاً.”
** ** ** **
“العالم كإرادة ووهم. نَخْسرُ ثلاثة أرباع أنفسنا لكي نَكُونَ مثل الناسِ الآخرينِ.”

I
فوق موجة السكون الليلي
وحيث تفغو النجوم
تعومُ الزنبقة البيضاء ـ أوفيليا
ببطء شديد تعوم غافيةً في غلالاتها الطويلة
ـ ونسمع التهاويلَ من غابات بعيدة
أكثرمن ألف عامٍ
وأوفيليا الحزينة
ماتزال كالشبح الأبيض
تطفو على نهر الليل الطويل
أكثر من ألف عام
وجنونهااللذيذ مايزال بأغنيته
يهدهدُ نسيم المساء
ها الريح تقبل نهديها
تنشرفي التويج بتلاتها التي
هدهدتها الماء برخاوة
صفصاف على كتفيها يبكي مرتجفاً
ورود تميل على جبينها الشاسع الحلم
يلوفر تجعد حولها متمتماً
أحياناً
تستيقظ في شجر الماء
بعض الأعشاش
لتفرمنها رفَّةُ جنحٍ
ويسَّاقطُ من ذهب الكواكب
سحر الغناء
II
الشاحبة أوفيليا
جميلةٌ أنتِ كالثلج
نعم، جرفكِ نهرالنزق أيتها الطفلة
فالرياح المنحدرةُ من أعالي جبال النرويج
حدثتكِ هامسةً عن مرارة الحرية ؛
أن النسمة التي تضفرُ خصلات شعرك الطويل
إلى روحك الحالمة ، تخبِّىءُ ضجيجاً غريباً
أن قلبكِ يستمع إلى نشيد الطبيعة
في أنين الأشجار وتنهيدات الليالي
أن صوت البحار الصاخبة ، حشرجةٌ هائلة
تقبِّلُ طفولةَ صدرك الأكثرإنسانيةً ووداعة
وأن ذات صباح نيسانيّ ، سيجثو أمامكِ صامتاً
فارس النور، عاطفيٌّ ومسكين
ياللسماء، يا للحب، يا للحرية
يا لحلم الطفلة العفوية
تمتزجين به كما الثلج بالنار
فيخونكِ الكلام أمام الخيال الواسع
وزرقة عينيكِ سجذبها اللامتناهي المدهش
III
والشاعر يقول؛ أنه مع إشعاعات النجوم
ستأتين لالتماس الليل والورود التي قطفتيها
وأنه على سطح الماء شاهد
أوفيليا البيضاء
زنبقةٌ
غافيةٌ
تطفو بغلالاتها الطويلة
ترجمة نضال نجار
فنّ الفقدان ليس صعباً إتقانه؛
بالرغم من أن أشياء كثيرة تمتلئ بالمعاني
غير أن خسارتها لن تشكّل كارثة.
ولتفقد… كل يوماً شيئاً ما.
ولتسلِّم وترضى بفوضى مفاتيح الأبواب الضائعة،
وتمضية ساعة رتيبة.
فنّ الفقدان ليس صعباً إتقانه.
من ثم تمرَّن على فقدان أبعد، فقدان أسرع:
لأماكن، وأسماء، وحيث كنت تنوي
أن تسافر.
كل ذلك لن يجلب الكارثة.
لقد فقدتُ يقظةَ أمّي وسهَرها.
وانظر! حتى المنزل الأخير
و ماقبله، من بين ثلاثة منازل أحببتها،
فقدته،
فنّ الفقدان ليس صعباً إتقانه.
لقد فقدتُ مدينتَين جميلتَين،
لطالما أحببتهما.
وأكثر اتّساعاً من ذلك،
فقدت عوالمَ كنت أمتلكها،
قارّةً ونهرَين،
كم اشتقتُ إلى ذلك كلّه،
لكن… لم تقع الكارثة.
حتّى وإن فقدتَ ذاتك
(بحّة ضحكتك، وإيماءتك
المحبّبة عندما تكذب).
من الواضح،
أن فن الفقدان ليس من الصعب أبداً إتقانه،
رغم أنه ظهوره (ولتكتب ذلك) في مظهر الكارثة.
———————
Elizabeth Bishop, Complete Poems 1926-1979. Copyright © 1979, 1983 by Alice Helen Methfessel
اليزابيث بيشوب (1911- 1979) شاعرة وكاتبة قصة أمريكية. حصلت على جائزة الولايات المتحدة، كما حصلت على جائزة بوليتزير للشعر.
المصدر: مدونة د. شريف بقنه
ترجمة: د. شويف بقنه

عنكبوتٌ صبورةٌ و هادئةٌ،
لاحظتُ أين تقِفُ على صخرةٍ صغيرةٍ منعزلةٍ قُربَ الشاطئِ،
لاحظتُ كيف تستكشفُ الفراغَ الشاسعَ المحيطَ بها ،
إنها تُطلِقُ خيوطًا، خيوطًا، خيوطًا، مِن تلقاءِ نفسِها،
تفكُّ بَكرَتها الأبديةَ مسرعةً بلا تعبٍ.
وأنتِ يا رُوحي حيثُ تقفين،
منفصلةً، محاطةً بمحيطاتٍ مِن فضاءٍ لا يُمكن قياسُه،
تتأملينَ، تُجازفينَ ، تبحثينَ و تُطْلِقين خيوطَكِ صَوْبَ النُّجوم لتصليها ببعضٍ،
حتَّى تصنعي الجسرَ الذي تنشُدينَ، وترمِي المرساةَ حيثُ تُريدينَ،
حتى يتشبّثَ خيطُك الهُلامي الرقيقُ بمكانٍ مَا، آهٍ يا رُوحي.
ترجمة: د. شريف بقنة.
——
*والت ويتمان ( 1819-1848) شاعرٌ وكاتبٌ و ناشطٌ أمريكيٌّ، يُعتبَرُ رائدَ القصيدةِ الحديثةِ في أمريكا.

للطريق بيدين تلمّان اللهفة كالحصى
لهطول الوقت بقلبي الحنطة
للصمتِ قبالة الحرب والشفاه المقصلة
للارتجاف الطويل يلمُّ خطاي المتعبة كالجبال
للبلاد التي يسيل كحلها:
لا وقتَ بعدُ للوقتِ
لا ماءَ بعدُ في الماء
لا أرضَ بعدُ في الأرضِ
لا رصاصةَ بعدُ يمكن أن تقشِّرني عن الحياةِ
أمدّ كفي لأسكنَ
يجيء أهلي وأهلكِ أهلُ الأرض
كفّي يصيرُ كوكباً للمتعبين
وحلمي غمّازة الموت
أيها النّرد
يا نردنا
يا ماءنا المصقول بالوجوه
هب لنا من لدنك خيبتنا
تلك الموشومة بالحزن الجليل
بنا، ونحن نستر عاهات الأماكن بذاكرتنا الشفافة
هناك، حيث لم تكن تلك امتدادي
ولم يكن لثوبها المسكون بالفقد رائحتي
كنتُ أرقبها وهي تهدهدُ للغائبين حتى تنامَ دمعتها
وتزرع قلبها في الصباح كي ينبت الضوء
شربتُ الحياة من صوتها
فتّشتُ في أوجاعها عن مسكنٍ للماء
عن حجرٍ يذكرني بألعاب الطفولة
وما رأيتُ
أيتها البلاد كيف تكونين بلادي؟!
وأنا الغريب ابن الحربِ
أخبّئ رأسي في كفّها
أبتر ساقاً لأغافلَ الموتَ
وأترك الأخرى لأركلها
أيتها البلاد، كيف يمكن أن ترهنَ امرأةٌ قلبها للريح؟!
أن تجعل من ضحكتها أرصفةً للمسافاتِ؟!
أن تُقامر بالحلمِ
وتصنع من صوتها شالاً للحزنِ؟!
وطريقُها ناحلٌ بالفرحِ
موغلٌ بالغائبين
موحلٌ بالجَوعى
جافلٌ ظلُّها على جدار الخوف
كيف لها وهي نصف خيالٍ ونصف أمنيات
أن تصرخ في وجهكِ بعد أن شربتكِ الحرب:
شاهقٌ وجهُ من أحب
ساقطٌ وجه العالمِ في قلبي..

تجربة الشاعر العُماني زاهر الغافري (1956)، كانت موضوعاً لندوة في مسقط جاءت تحت عنوان “الحداثة الشعرية عند زاهر الغافري” أول أمس الإثنين.
الندوة التي نظمتها “الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء”، بالتعاون مع “كلية الآداب والعلوم الاجتماعية”، وشارك فيها كل من محمد الغزي بورقة “مدوّنة زاهر الغافري الشعرية وسؤال اللغة”، فيما كانت ورقة فاطمة الشيدي بعنوان “الشعر بوصفه حياة: الحداثة والنص الرقمي”، أما الشاعر عوض اللويهي فتأمل “شعرية الفضاء” عند الغافري، فيما قدم الباحث مبارك الجابري ورقة بعنوان “اللهجة الاجتماعية واشتغال بنى الخطاب”.
الشاعر، نفسه، قدّم خلال الندوة ما يشبه شهادة شعرية صغيرة بعنوان “في المسألة الشعرية”، يرى فيها أن الشعر بالنسبة له “خلاصة لمفهوم الكينونة ضد القبح والرعب تجاه حياة الإنسان في هذه الدنيا القصيرة”، مختصراً في هذه الشهادة مغامرته نحو الشعر التي قادته إلى الترحال والمعرفة و”بوثبة نمر” من قرى عُمان إلى بغداد على حد تعبيره.
يقول صاحب “الصمت يأتي للاعتراف”: “كنت أريد أن أدخل إلى العالم بقوة المعرفة والجمال ولأنني رجل بسيط عشت حياتي بحرية وليس الشعر بالفهم الهايدغري سوى إقامة في الأرض” مضيفاً، وهو يلتفت صوب البدايات: “بدأت تجربتي من الكتاتيب أو مدارس القرآن مبكراً في عُمان في قريتي سرور ونفعا. وتتلمذتُ على معارف الشعر القديم، شعر ما قبل الاسلام الذي يطلق عليه الشعر الجاهلي -وهذا في اعتقادي خطأ معرفي- وكتبت الشعر الكلاسيكي”.
“يقول الغافري: كنت أريد أن أدخل إلى العالم بقوة المعرفة والجمال”
أما ما سماها بالنقلة التي شبّهها بـ “وثبة النمر” فتلك التي حدثت في العراق: “كانت -أي النقلة- في بغداد الستينيات حينها تعرفت على بدر شاكر السياب ومحمود البريكان شعرياً، وعشت النقاشات المهمة على الصعيد الثقافي حتى جيل الستينيات والسبعينيات وكتبت قصيدة التفعيلة ثم مزقت بعض ما كتبت كما لو كنت ماموثاً يخرج من حياته ليكتب في ما بعد قصيدة النثر”.
وعن الشغف الذي قاده للمعرفة يصف صاحب “أزهار في بئر” حياته في شهادته: “في حياة الترحال كان الشغف يقودني للمعرفة شعراً وفلسفة ومسرحاً وتشكيلاً وسينما وموسيقى ثم الرقص آه من هذه الدوخة التي ذكرها نيتشه وقدمتها إيزادورا دونكان ثم مارثا غرام ثم الألمانية بينا باوش. هكذا خرجت من القرية الصغيرة في عُمان لأعانق العالم وأتعرّف على الكتاب والشعراء والفنانين”.
وضمن الأوراق الأخرى، اعتبر الغزي بأن “مدونة زاهر الغافري من المدونات الشعرية الحديثة التي تشدّ القارئ إليها قبل أن تشدّه إلى ما هو خارج عنها”. تطرح ورقة الغزي أسئلة من قبيل: ما هي خصائص اللغة في شعر الغافري؟ وما هو مفهومه لفعل الكتابة؟ وأيّة وظيفة ينهض بها الشاعر في قصائده الواصفة؟ ثم يذهب إلى أن “قصائد الغافري على اختلاف مراحلها وتقاذف المسافات بينها، تهجس بسؤال واحد هو سؤال الكتابة. هذا السؤال قد تجلّى في أشكال عديدة وأساليب كثيرة لكنه بقي مع ذلك واحداً في تعدد أشكاله وتكاثر أساليبه. فقصائد زاهر ليست إلا إعلاناً عن تصوّر مخصوص لفعل الكتابة، لوظيفتها الأنطولوجية والكيانية. الكتابة من حيث هي نشدان للمعنى وبحث ممضّ من أجل الظفر به”.
أما فاطمة الشيدي، فترى بأن الشاعر “كتب القصيدة عبر وعي شعري جديد ومتجدّد، وعي حداثي وغير نمطي، فكثيراً ما خالف السائد، وتمرّد عليه بقصد وموضوعية تحتفي بالذات وتؤمن بالمغايرة والاختلاف كأساس شعري جاد وحاد، ولذا لم يقف عند لغة ما، ولا عند مدرسة، ولا عند أب شعري بل كان ينتخب لنفسه أبداً روح شاعر جوال عبر الزمان والمكان”.
وتستطرد موضّحة بأن “قصيدته متمردة على ذاتها كلما حلا لها التمرّد، فلا نقطة ثابته تقف عندها، ولا زمن تحتكم إليه، منوّعة في أساليبها اللغوية والأسلوبية، ومستمدة قدرتها من الحياة كحكاية” وتحيل هذا التمرّد إلى “السفر والوعي والقراءة في تشكيل المعمار الفني المضاميني والشكلي الحداثي لدى الشاعر”.
وترى في المُجمل “أن قصيدة النثر التي بدأ بها زاهر طريقه الشعري وانتهى إليها، متخذاً منها معراجاً نحو الشعرية الجديدة بمتاهاتها الفكرية واشتغالاتها المتجددة أبداً بفعل الزمن؛ اتسمت بحداثة راسخة، محلقة في أفق الجديد عبر الانفتاح على الشعر الكوني، ومنتمية لجذور القديم بأفقه اللغوي، وبعمقه واتساعه وهذه هي أبرز سمات الحداثة الحقيقية”.
عوض اللويهي، من جهته، اعتبر أن “الفضاء الشعري مكوّن رئيس داخل نصوص زاهر الغافري، فلا يكاد يخلو نص شعري إلا ونجد أن الفضاء من أبرز المكونات البنائية”، مشيراً إلى أنه “في ذات الوقت نجد أن الفضاء لا يشتغل في معزل عن بقية السياقات، الفضاء كبنية لغوية متخيّلة وليست بنية جغرافية لها مرجعية واقعية، يلعب دوراً رئيساً في ربط المنظومة المكانية التي تضيء بقية مكونات القصيدة وتتشكل حولها العناصر اللامكانية للنص الأدبي بحسب عبارة يوري لوتمان”.
ومن خلال اختياره لمجموعة الشاعر الأخيرة “حياة واحدة.. سلالم كثيرة” (2017)، تناول مبارك الجابري “التوازن بين المقاربات الشكلانية والمقاربات المضمونية في مقاربات الخطابات الأدبية”، حيث درس جملة المدخلات التي شكّلت وضعه الاجتماعيّ- اللغويّ، سواء في جانبه التراكمي، أم في جانبه النوعي الذي أسهمت مدخلات ثقافية متنوعة في تشكيله.
يذكر أن زاهر الغافري قد أقام في عدد من البلدان العربية والأجنبية منها العراق، والمغرب، وفرنسا، وأميركا، وأقام سنوات طويلة في السويد، وهو يقيم حالياً في عُمان، وقد ترجمت بعض أعماله إلى لغات عديدة منها الإسبانية والإنكليزية والألمانية والسويدية والفارسية والهندية. صدر له: “أظلاف بيضاء” (1983)، و”الصمت يأتي للاعتراف” (1991)، و”عزلة تفيض عن الليل” (1993)، و”أزهار في بئر” (2000)، و”ظلال بلون المياه” (2006)، و”كلما ظهر ملاك في القلعة” (2008)، و”المجموعات الخمس” (2013)، و”حياة واحدة، سلالم كثيرة” (2017) وقريباً ستصدر له مجموعة شعرية تحت عنوان “في كل أرض بئر تحلم بالحديقة”.
■ تلعب الترجمة دورا ثقافيا تاريخيا هاما وحيويا في نقل المعرفة بين الشعوب عبر الزمن، كذلك ما حققه اكتشاف الطابعة من ثورة في الثقافة كان له بعد اقتصادي سياسي إعلامي هام جدا في أوروبا.
هنا نسلّط الضوء أكثر على دور الترجمة وأهميتها المعرفية، وهي أي الترجمة، كأداة لا تقل أهمية عن الثورة التي حققتها الطابعة، حيث أن العلوم الإنسانية المختلفة بقدر معرفي كبير جاءت إلى الشرق عبر الترجمة، كذلك وصول الدين الإسلامي والمسيحي بين الشرق والغرب كان من خلال وسيلة (الترجمة) التي لابد من التوقف قليلا على جزئية هامة وهي معالجة النصوص وأهمية ذلك خصوصا من وإلى لغة كاللغة العربية التي يتغير مفهوم الكلمة وتعبيرها بمجرد تغير مكان الكلمة في النص، وإضافة الحركات للحروف أو إزالتها، كلنا يتذكر إشكالية الترجمة في الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي حول كلمة (أراضي) و(الأراضي) والخسائر الفادحة نتيجة قلة الاهتمام بتفاصيل الترجمة وما قد تؤثر به في سياق الاتفاقيات الدولية.
سنتناول اثنين من نماذج ترجمة أحدثت وما زالت إشكالية معرفية للثقافة العربية، أيديولوجيا، إعلاميا، دينيا، على الرغم من أن النماذج كثيرة، إلا أن النماذج التالية تم اختيارها بسبب تداولها بشكل أكبر في مجتمع المثقفين، وهي:
مصطلح الأصولية (Fundamentalism)
اليوم، عندما نتهم شخصا بالتراجع الثقافي، أو التطرف الديني، نقول له: أنت شخص «أصولي»، كذلك المجموعات المتخلفة في أي فكر موجود حاليا، نطلق عليهم: «أصوليين»، بالرغم من جمالية الكلمة في جذرها الثلاثي (أصل) أي أصل الأشياء، على سبيل المثال: أصول النحو، أصول التاريخ، أصول المنطق، أصول الدين، إلا أنها تستخدم للتعبير السلبي عن الأشياء، وهنا الخلط المفاهيمي، حيث أن الأصولية بمعنى أنها تشدّد سياسي وديني وتكفيري هي مصطلح أوروبي وليس شرقيا أو عربيا. ظهرت مفردة (الأصولية – Fundamentalism) لأول مرة في المعاجم والقواميس الأوروبية في القرن السادس عشر مع المتطرّفين البروتستانت، بالنسبة للشرق فإن أكثر الأماكن استخداما لهذا المصطلح اليوم هي في الفكر الديني، حيث يطلق الباحثون – وهنا إشكالية النسخ – مصطلح «الأصولية» على الفكر الرجعي المتطرف للجماعات الدينية المسلحة – خصوصا الإسلامية منها – التي حسب تعريفهم تعود لأصول الدين في تنفيذ معتقداتهم، في الحقيقة أن هذه الجماعات تعود لأصول الدين في الاجتهادات الإنسانية ولا تعود للأصل هنا، حيث أن أصل الأشياء هو مصدرها المجرد (الثابت) وهنا أصل الفكر الديني الإسلامي هو رسالته الأصلية، وهي كلام الله للإنسان، أي القرآن الكريم، إذا كان إطلاق مصطلح «أصولي» على شخص إسلامي يعود لمصدره الأصلي وهو القرآن؛ فأنا هنا شخص أصولي، وأعتقد أني سأبقى كذلك.
مصطلح صحافة المواطن
(Citizen journalism)
يرتبط هذا المصطلح حاليا بنشاط الأشخاص الصحافيين وغير الصحافيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في المعنى (صحافة المواطن) الذي أطلقته «كليمينسيا رودريجز – Clemencia Rodriguez» وهي إعلامية أمريكية، قد يكون مناسبا في وقت ما، لمجتمع ما، لكن هل هو صالح لكل مجتمع يستخدم هذا المصطلح؟ تكمن الإجابة في الرجوع للمصطلح نفسه، حيث يتكون الجزء الأول من التعريف من (صحافة) وهي الممارسة المعروفة التي أصبح أي شخص عبر نشاطه الإعلامي عبر المنصات، يصنّف كصحفي، لأنه فعليا يقوم بهذا الدور، إلا أن الإشكالية تكمن في الجزء الثاني المترجم (المواطن)، من هو المواطن؟ هذا التعريف سيكون منصفا بتغير المكان؟ على سبيل المثال: المواطن في أمريكا هو ذاته المواطن في الأردن؟ حسنا، وماذا عن البقية؟ سأقوم بإيصال الصورة بطريقة بطريقة أكثر وضوحا عبر مثال واقعي: في الأردن (دولة نامية)، يمكن دعوة الشباب المهتم بالحصول على تدريب متخصص في صحافة المواطن – Citizen journalism، سنجد المتقدمين بالإضافة للأردني المواطن هم: لاجىء سوري، فلسطيني، عراقي، ليبي، يمني، سيقول أحدهم للمدرب: عذرا، أنا لست مواطنا، وهذا التدريب مخصص للمواطنين فقط.
الخلاصة: يثبت هذا المثال أن المصطلحات في العالم المتقدم، قد لا تكون صالحة في العالم النامي خصوصا العربي منها، الذي يشهد حركات تغيير اجتماعي جذرية نتيجة الحروب التي تعصف بالمنطقة، ويمكن إحداث تغيير بسيط على الترجمة لتصبح (الصحافة الاجتماعية – Social journalism) هنا سيكون المصطلح تعدديا ولا يقصي الآخر، ويساعد مكونات المجتمع الواحد على التفاعل فيما بينها.
النتيجة
تتغير المصطلحات بتغير الزمان والمكان، كذلك الترجمة لا يجب أن تكون حرفية، إذا ما أردنا الاستمرار في بناء معرفي منطقي، علينا تجديد الترجمة تماما كما هي عملية تجديد الفكر ودورها في التقدم والتدافع، تكمن إشكالية الترجمة في الثقافة العربية، خصوصا المستوردة منها، في أنها قد تكون منتهية الصلاحية، وتناولها بالقصد الصحي قدي يكون سلبيا للجسم الثقافي، كذلك حرفية الترجمة للمصطلحات التي يتغير مفهومها بتغير الزمان والمكان.
٭ باحث اجتماعي أردني
(القدس العربي)
بحربتين أتسلقُ هذا العمر،
مقابضهما شُدَّتْ بأيادٍ أصابها ملل التربيت على كتفي،
لستُ جبانا ولست جيدا بالتسلّق .
استراحتي وأنا مُدلى بحبل مربوط بمعالم وجهكِ،
أطمئنُّ على حالي وأنتِ توزعين الوسائد تحت احتمالات سقوطي.
كلُّ ليلةٍ تغمضين عينيَّ كجثّةِ،
وكل صباحٍ أحُسّس وجهكِ بوجهي المشذّب بنارِ الولاعات التي تُفتح في المرة الأقرب لموضع القبل حينما كنا نتذوق بعضنا.
لستُ جبانا على أمل أن أكون أقوى من تعبيرات الوجوه التي تحتفل بنفخ الغبار عن ملامحها .
لستُ جبانا على أمل بزفر الهواء في العبارات التي تبرّر مدى سوء حظ القواميس في التعبير عن صلابتي .
لستُ جبانا
فلا خدع في تفسير الألم
أو الحاجة لتغيير الوجه
فاللامبالاة ما زالت تنمو في رأسي.
لطالما كانت الأمور الصغيرة
تكبر ليلا
لطالما بدوت قوية للآخرين
ولم يكن لدي خيار آخر
كي لا ابدو ..
ولطالما اردت اخبارك ان القلوب ..
تغادر اقفاصها مع من تحب
وان هناك يوما فارقا لأجلك سيجيء
يتنصر فيه الالم على كل الوان الورد والطبيعة
على الادعاءات والنفس البشرية
على قلبي الحائر مثل ذيل قطة
وها انا الان .. عليك اتمزق
ها انا اقول بعمي كامل
لا احد مثلي في حبك
لا احد مثلك يجعلني اسيء لنفسي
حين ارفعك مثل فضيحة على اكتاف الشعر
فتشتهيك الاناث والاخبار
بينما نوازعي تحاول الاّ تكون لها
محطة للبلل والايمان بغير الذات
الايمان بانكسار كل الذوات على حافة اللسان
وانا انطق اسمك
أو اتيقنك خطيئة مغرية
لايمكنني بأي شكل تجنبها
لطالما لم ارد اخبارك
ان ماتهجره عيناك .. لاشيء يحيه
وان العالم بعدهما
مجرد غرفة .

أجرى هذا اللقاء الافتراضي مع فرناندو بيسوا، الشاعر أسعد الجبوري.
في تلك الساعة من الزمن السماوي الهادئ، لم تَدُل أعراضهُ على وجود حُمَّىَ في جسمه النحيل . وجدناه على ظهر مركبه البخاري،وهو يحاول الانطلاق نحو أمكنة لم نعرف عنها في الكتب ولا في الأساطير شيئاً من قبل.وعندما بادرناه بالسؤال عن اتجاه رحلته،ابتسمَ وقال:
سنغادر هذه النقطة إلى منطقة إطلاق النيازك والمذنبات.
أصبنا بالذهول من فكرة الرحلة،إلا إن المامُوث الذي كان مضطجعاً على متن المركب،سرعان ما تحرك غاضباً من أسباب تأخير المدّ المائي.لكن الأمور لم تستمر على ذلك المنوال. فقد تحسنت في نهاية المطاف،عندما ضغط الشاعر فرناندو بيسوا على الزر،لينطلق المحركُ ،شاقاً تلك المياه الدافئة،فيما كانت الأفواه ممتلئة بأغانٍ مُلتهبة بالغربة والاغتراب والحنين إلى الأم القديمة: الأرض.
■ كيف يمكن لمؤلف مختنق بالهواء الأعمى،أن يفكر بإنقاذ كلماته من الهلاك بغاز أو بدخان أو بانبعاث الثاليوم إلى اللغة التي هي على قيده؟
ـــ في مسائل الموت وما يخص الهلاك،لم أُجر تحقيقات بذلك الشأن.لقد كان الموت عندي الفعلُ المُضارع الاستمراري.
■ربطتهُ مع الكتابة ببراغي العدم؟!!
ـــ أجل.استغنيتُ عن كَيّ ملابس اللغة بذلك القدر من الحرارة والبخار،وأجهزتُ عليها بمخلفات حرائقي النفسية على مراحل.وكما قلت سابقاً فأنا ((أحسدُ الناس جميعا لكونهم ليسوا أنا.)).
■هل كان سببُ أمراضك المتراكمة، هو الفشل العاطفي أم الانحراف الغامض في الحواس أو العقل على سبيل المثال؟
ـــ لا أعرفُ لمَ تُسمي الماكينات العاملة بباطني بأمراض وانحرافات وشذوذ عقلي و الخ..أنا أرى الإنسانَ غير المحموم بمنتجات داخله ، ليس غير حبلٍ مربوطٍ بيد منقذ ينتظرهُ في أعلى البئر. وثقافتي السوداء ،تمنعني من أن أكون منتظراً ،أو متلهفاً لظهور فرقة إنقاذ ،تقوم بانتشالي من غرق أو تحطم أو خطر عارض لي وللغة التي انتمي إليها.
■ تعني أن النساءَ جزءٌ من تلك المخاطر التي تحطم بيسووا من أجلها ؟
ـــ لم أكن كسير قلب في يوم من الأيام.لأنني لم أملك تحت أضلعي غير بالون ملئ بالأسمنت. النساءُ لا يتحمل شخصاً بهذا القدر من الأنانية التي جعلتني مندمجاً بالكتابة إلى حدود نسيان عالم الآخرين .
■ وقولك :”إن أفضل صديقاتي فتاة حلوة، أنا اخترعتها.”هل كنت تعني الفتاة (أوفيليا كيروس) على وجه الخصوص؟
ـــ أوفيليا كيروس حاملة السلالّم بالعرض وبالطول.أوفيليا كيروس ملخص العواطف الجبارة والضائعة. أوفيليا كيروس لا تقَنطُ بسلاسة النهر أو سرعة البرق. كانت خليلةً رائعة.فبعد أن اخترعتُ لها العديد من المسرحيات لصيدها،ونجحتُ،أفسدتُ تلك العلاقة بفكرة الزواج .أرادتْ أن تصبح رحماً لإنجاب الأطفال. آنذاك فشل المشروع
■ ولكن في كتاب «رسائل حبّ فرناندو بيسُّووا» للباحثة البرتغالية «مَانوِيلا باريرَا دَاسِيلبَا»،ثمة تعلق ميلودرامي بتلك الفتاة ينتهي بنفورها منكَ،ومن بعد ذلك تحدث القطيعة يا بيسووا.
ـــ لم تتم القطيعة الكاملة.كنا نعوضها بالرسائل السخيفة التي ندمتُ على كتابة كل حرف من حروفها.ليس من اللائق أن يكتب شاعرٌ شيئاً لامرأة هاربة منه.بل عليه أن يدفع لها بالبريد الوردَ المشتعلَ ،لعل الحرائق تلعبُ بالحب.
■كأن الفتاة أوفيليا كيروس ليست سوى لحم على مائدة شاعر اسمه فرناندو بيسّووا فقط؟!!
ـــالمهم أنها قطعةُ لحم مُشبّعة بحشيشة الملاك. تركتني وحصلتْ على الميدالية ،تخليداً لجنازة العاشق المرمية على الطريق ،هدية للفئران والكلاب الضالّة والذباب الأزرق.
■ولم تجد حباً بعد أوفيليا ؟
ـــ بل وجدت:البراندي .
■وجدت أنتَ البراندي من أجل تفعيل مخيّلة الحبّ ،كما يمكن أن يُفهم من وراء ذلك القصد الذي أشرتَ إليه؟
ـــ أجل يا صديقي.فعندما يواجه الحبُ تهديداً من هذا النوع أو ذاك، عليه مجابهتهِ بالمَوْكِب التاريخيّ للكحول.وهجر أوفيليا لي كان عنواناً لكتابٍ عدمي، أول ما ظفرّ بدمي ،ليجفّ وأنتهي على طاولة الوجود ،كشخصٍ بمجموعة خردوات يملؤها الصدأ .
■ وهل كان مشروب البراندي ،يؤلفُ تحت سقف رأسكَ غيوماً حمراء على سبيل المثال؟
ـــ أنا ،ومثلما جعلت من البراندي في كتاباتي شخصاً طويلاً ونحيلاً يعيش فوق طاولة النصوص ، مثلما كنت أتعايش مع طاقة الكحول ،وهي تحوّل عويل اللغة ومراثيها إلى مخلوقات لا يمكنها التعايش مع طقوس الأكواريوم .هكذا حدثت القطيعة التامة مع أوفيليا في أواخر عام 1929.
■ هل ثمة سباق ما بين الكحول والشعر؟
ـــ أجل. فكلاهما في المضمار المؤدي إلى التيه ،على حدّ التعبير الفلسفي الدارّج تحت قبة أحلام الشعراء الذين يحاولون إعادة إنتاج العالم ،والتعبير عنه من خلال النفس برموزها وطقوسها وملاعبها وتشظياتها في الشعورية ونقيضها.
الآن.. دعني أرتدي معطفي وأولي هارباً إلى غرفتي الصغيرة في أطراف المدينة التي يحتلني ظلام كآبته.هل تعرف بأنني لم أنم منذ يومين.كنت أبحث عن مومس سبق وأن تعلقت بها،وسرعان ما فقدت أثرها .أجل.فقد سبق لي وأن وجدت في تلك المرأة غطاء محترماً لمجمل أفكاري.كنت أنام في حضنها وأقرأ لها قصائد لم تثر فيها غير الشفقة على حياتي البائسة.وذلك ما كان ينقصني بالضبط.
والأغرب والأكثر مرارةً من غياب تلك المومس،كان حضور دائن قديم له بذمتي الكثير من الأموال.أجل فقد صادفني ذات ليلة في الشارع العام .
تصور أن يوقفك رجل في منتصف الشارع ويسألك غاضباً:هل تعرفني ؟!
حاولت التدقيق بوجهه مليّاً،وأدركتُ أنه كان شخصاً يعمل في مستودع لتجارة الألبسة المستعملة ((الباله)) منذ أكثر من عشرين عاماً.
أرجو أن لا تكون قد نسيت وجهي يا فرناندو بيسوا مع الدين الذي كان بذمتك أيضاً ؟
لم يكن أمامي إلا معانقة التاجر أو الصديق القديم للالتفاف على غضبه .فهو ما يزال يحتفظ بعضلات ذراعيه وصدره الضخم .إلا أنه سرعان ما دفعني إلى نحو متر إلى الخلف،قائلاً: أريد معانقة فلوسي أولاً أيها الهارب،وإلا ستكون كيساً ستحتفلُ بكَ هذه القبضة احتفالاً يليقُ بك.
قلت له ضاحكاً:لا أملك الآن مالاً.
فضحك وهو يستجرني من ياقة سترتي وجسمه يبدأ بأولى فورات الغضب قائلاً :ستدفع يعني ستدفع.وإذا كان ينقصك المال، فستشتغل أجيراً عند صديقي في مرفأ السفن. تعال لأعرفك على الشخص،ليرتب لك عملاً بتنزيل حمولات البضائع .لا تخف .لن أخذ منك إلا ثلاثة أرباع الأجر،وأترك لك الباقي من الراتب،حتى تنتهي من سداد الدين .
ذلك ما حدث لي فعلاً.أوقفني التاجر القديم (بدلو فريد) في الشارع ،ثم حاكمني على تهربي من الدفع،بل ولم يتوان عن جرّ جسمي إلى الميناء،ليقوم بتسليمي لصاحبه الذي قام بتسليمي ملابس العمل ورقماً يمثل اسمس الشخصي على الفور،وقادني إلى العنابر التي يقوم بها العمال بترتيب الحمولات من البضائع.
اية كارثة حلّت بك يا بيسوا ؟!!
هكذا سألت نفسي وأنا أحمل دموعي على ظهري قبل أن أرفع عليه أول وجبة من صناديق الأعتدة العسكرية التي كانت تأتي بها بواخر من بلاد البلغار والأمريكان وبولونيا وأوكرانيا.
اعتبرت نفسي أنني وقعت بكمين قذر،بعد أن نجح التاجر الذي أخبرني عن صداقته لي منذ قديم الزمان.
بعد مضي أسبوع على الأشغال الشاقة التي تعرضت لها في المرفأ، أطلقت ذات ليلة صرخة مدوّية: تقرصنت !!
هكذا صحتُ بالفعل.فيما تجمهر من حولي العمالُ فاغري الأفواه من الصدمة،في مكان كان ممتلئاً بالأسلحة والأعتدة ،حيث لا بد من الفرار من رائحة الموت.
هكذا وجدت نفسي تتقمص شخصية سبارتاكوس لتحرير العبيد. صرختي تلك سرعان ما استدعت الكثير من عمال المرفأ،ليأخذوا بزمام المبادرة ،فيقوموا بالاستيلاء على أكبر بواخر ،وإجبار القبطان بالتوجه بها في عرض البحر.
آنذاك ..وما أن تمت عملية اختطاف ذلك الحيوان الحديدي الضخم ،حتى خرجتُ من عنبر الباخرة إلى السطح. أخذتُ كرسياً من القش ،وبدأت بتدخين الغليون واحتساء البيرة ،ثم التوجه إلى كتابة قصيدة إلى رئيس دائرة البوليس ،نخبرهُ ببدء مراحل العصيان، ولم يكن في أذهاننا غير تلك الرغبة بتدمير بقية السفن التي كانت تحمل الأسلحة من عرض البحر إلى مستنقعات الدم البشري.
آنذاك ،وقبل أن يجري الخمر في دم بيسوا سريعاً فيثمل وتضيع الطاسة ،قلت له سنذهب في رحلة إلى الخليج العربي.نزور البحرين .
عندما سمع بيسوا كلماتي نهض مقهقهاً وهو يقول:وماذا نفعل هناك يا صديقي؟
قلت له:أريد أن أطلعك على جريمة قام بها أسلافك بحق جدي الملك الشهيد مقرن بن زامل.ألا تعرف قصته بحق ؟
أجاب بيسوا مبتسماً وهو يدلق كاس البيرة في جوفه:هل تريد أن تأخذ ثأرك يا أسعد من قتلة جدك السابع عشر؟ ثم ما علاقتي أنا بالأسطول البرتغالي الذي قتلك جدك الملك في القرن الخامس عشر من قديم الزمان ؟
أسمعني جيداً وكن منصفاً بالحكم على القصة كاملةً يا فرنالدو بيسوا :
مقرن بن زامل (ت. 2 أغسطس 1521) هو حاكم شرق جزيرة العرب, بما فيها الحسا والقطيف والبحرين وآخر حاكم الجبور للبحرين. وقد هـُزم في معركة، في 27 يوليو 1521، أمام البرتغاليين الغزاة الذين أخضعوا جزر البحرين في 1521. ولما كان قد اُسـِر في المعركة, فقد مات ربما متأثراً بجروحه بعد بضعة أيام. القائد البرتغالي, أنطونيو كورّيا, لاحقاً رسم رأس الملك مقرن النازفة على درع أسرته.
لقد فعل القائد البرتغالي, أنطونيو كورّيا بجدي قديماً،ما يفعله الدواعش بالبشر اليوم .قطع له رأسه وكان أسيراً .
“ أثناء رحلات البرتغاليين في تلك البحار, الإحساء كانت مقر ملك, تخضع له جزر البحرين وميناء القطيف; وهناك قصة في التاريخ البرتغالي عن ذلك الوقت, وتحكي القصة عن تجريدة من هرمز ضد البحرين, وعن مـُكـْرِم Mocrim [الملك مقرن], ملك الأحساء Lahsa, الذي رفض دفع الجزية للتجريدة. ولذلك استولى على البحرين جيش مشترك من البرتغاليين والفرس; وقد قام أنطونيو كورّيا, قائد البرتغاليين, بإضافة لقب البحرين لاسمه. وخلال المعارك, كان الريس خرافو Reis Xarafo, (الشيخ شرف الدين), قائد الأسطول الفارسي, يتابع الأحداث كمتفرج غير مهتم; ولكن بعد هزيمة الملك مقرن واصابته بطلق ناري في فخذه ثم أسره ثم وفاته بعد ستة أيام وبعدها أخذه البرتغاليين ليـُدفن في الأحساء. عندئذ فقط قام هذا المشاهد الجبان ذو الدم البارد بالذهاب إلى البلدة, وقطع رأس الملك مقرن, وأرسلها إلى هرمز. ما بدى على نفس القدر من الخسة كان, قيام كورّيا, القائد البرتغالي, لتخليد نصيبه من هذا الحدث, فقد حصل على إذن ليحمل رأس الملك النازف على درعه, والذي ما زال يحمله حتى اليوم, كما يخبرنا مؤرخ بلاده, المولود من نسله [4]. ”
مقرن ارتقى سدة الحكم بعد وفاة أحد أقوى الحكام الجبريين, أجود بن زامل, الذي يحتمل أن يكون جد مقرن. مقرن كان أحد ثلاثة أشقاء جبوريين حكموا فيما بينهم إمارة بني جبر التي ضمت الساحل الشمالي لعُمان ومنطقة البحرين-القطيف; مقرن حكم المنطقة الأخيرة من عاصمته في الحسا. وقد رفض أن يدفع الجزية للتحالف البرتغالي-الهرمزي المتوسع والآتي ليسيطر على كل الطرق البحرية, مما دفع الحليفين لإرسال قوة غزو لإخضاع البحرين [2].
وقد أشار المؤرخ المصري العربي ابن إياس إلى مصرع الشيخ مقرن في سرده لأحداث عام 928 هـ (1521 م) في كتابه “بدائع الزهور في وقائع الدهور” إذ كتب يقول:
“ وأشيع قتل الأمير مقرن أمير عرب بني جبر متملك جزيرة البحرين … وكان أميراً جليل القدر، معظماً مبجلاً، في سعة من المال، مالكيّ المذهب، سيد عربان المشرق على الإطلاق، وكان قد أتى إلى مكة وحج في العام الماضي، وكان يجلب إلى مكة اللؤلؤ والمعادن الفاخرة من المسك والعنبر والعود والقمارى والحرير الملون وغير ذلك من أنواع التحف، وقيل أنه لما دخل مكة والمدينة تصدق على أهلها بنحو خمسين ألف دينار، فلما حج ورجع إلى بلاده لاقته الفرنج في الطريق وتحاربت معه فانكسر الأمير مقرن وقبضوا عليه باليد وأسروه فسألهم أن يشتري نفسه منهم بألف ألف دينار فأبى الفرنج ذلك وقتلوه بين أيديهم ولم يغن عنه ماله شيئاً، وملكوا قلعته التي كانت هناك، واستولوا على أموال الأمير مقرن وبلاده، وكان ذلك من أشد الحوادث في الإسلام وأعظمها، وقد تزايد شر الفرنج على شواطئ البحر وسواحل المحيط الهندي [3]. ”
والواضح أن ابن إياس لم يعرف بتفاصيل المعركة التي دارت. فالمصادر البرتغالية تشيد بشجاعته وتذكر أنه مات متأثراً بجراحه التي أصيب بها في المعركة. وربما كان الشيخ مقرن قد عرض دفع ما في ذمته لملك هرمز من ديون العوائد المنقطعة والتي كانت السبب المعلن لتجريد الحملة. غير أن هذه المفاوضات فشلت، وعلى إثر ذلك اشتدت المعارك التي أصيب فيها الأمير العربي. وقد يكون قد عرض الفدية بعد أسره. [1]
الرحالة الإنجليزي من القرن التاسع عشر, جيمس سيلك بكنگهام في سرده لأحداث الغزو انتقد بشدة المعاملة “المهينة” لجثمان مقرن:
الرأس المقطوع ما زال أحد مكونات درع كونت لوسا Lousã, سليل كورّيا في البرتغال [5].
ويعتبر الشيخ مقرن بن زامل أول حاكم في المشرق الإسلامي يستشهد في معركة ضد المستعمرين البرتغاليين. وهزيمة مقرن بدأت نحو ثمانين عاماً من الحكم البرتغالي للبحرين.
مثل سابقيه, فقد تمتع مقرن بنفوذ واسع في نجد. وفي عهده, ما نسمية اليوم بمدينة الرياض كانت تـُعرف باسم مـِقرن, والتي يعتقد بعض العلماء بأن الاسم الحالي هو اختصار رياض مـِقرن (أي “حدائق مـِقرن”), التي صارت لاحقاً “الرياض.”
يا لتاريخنا الأسود.لقد فعل أجدادنا القدامى الأسوأ من هذ وذاك في أكثر من مكان على سطح الأرض.ولكن ماذا تريد مني أن أفعل. هل يمكنك تقبل الاعتذار أم ترغب بقطع رأسي،فتنتصر لثأر جدك الملك المغدور يا أسعد؟
لا يا سيد بيسوا .نحن لا نريد شيئاً سوى استعادة عرشنا المفقود في البحرين.أي نأمل بجعل تلك البلاد بحرين:واحد للحرية والآخر حبراً للكتابة.
وإذا لم يتحقق حلمك ذلك ،فما الذي ستفعله بي؟
أن تذهب من هنا إلى الخليج سباحةً ،فقد يُكتب لك في التاريخ، أن شاعراً يدعى فرناندو بيسوا حاول نقد جرائم أجداده ولو بشكل شفهي،ومن ثم قدم دعماً للشاعر أسعد الجبوري على استعادة عرش جده من ملك البحرين الحالي حمد بن عيسى آل حليفة.
فما قولك يا بيسوا ؟
لا لا .لن أفعل ذلك .أخاف لو تأكلُ التماسيحُ وأسماك القرش لحمي مع قصائدي وذكرياتي البائسة.لذلك لن أرمي بجسمي إلى البحر تخلصاً من ذلك العار.
المصادر
1.a b علي بن إبراهيم الدرورة (2001). تاريخ الاحتلال البرتغالي للقطيف. أبو ظبي: منشورات المجمع الثقافي.
2.Juan Cole, Sacred Space and Holy War, IB Tauris, 2007 p37
3.ابن إياس. بدائع الزهور في وقائع الدهور.
4.James Silk Buckingham Travels in Assyria, Media, and Persia, Oxford University Press, 1829, p459
5.Charles Belgrave, The Pirate Coast, G. Bell & Sons, 1966 p8

1
في عُتمتي المكتظة بجنونِ الوهمِ.
ثمةَ صُراخ ينزف ولقاء لا يُفارق مخيلتي
مكتويةً هي الاطيافَ التي تعُج بيومي.
جنود حرب يدخنون الموت في صدري.
لا أعلم كم من الموتِ أمكِث كي أحيا في سماءِ قلبِها لسنين.
لأحلق دمعي بإصبعي ،
كي أنفض عيني.
لا أُريد سواء حلم عالق في بساتينِ الضياءِ يُغلق مايصيب رأسي بالخرابِ ويسرجُ أيامي بمسراتِ الأكوانِ السبع .
اللهم اني رددتُ مناجاة الوجع فلا تصيبني بالرماد أكثر .
أنا لا استطيع ان افتش في بقايا روحي التي غالباً ما تسافر الى سماء البعد.
2
هارباً على حافةِ النهرِ أغسل بصماتِ الحقد العاثر
وألعن العيش بحرارة حب مفقود ،
أخاطب النهر بشموع ٍباكيةٍ وأودع النهار بصرخةِ أم ملقاة على عربات دار العجزة ،
هكذا أمكث أوقاتي في عزلتي أنظرُ الى يسار صدري أمنيةً تغنى وتعزفُ بعطش روحي الذي مازال يرتوي كلما نطقتُ باسمها ، لحنها الماضي الذي خط سماء قلبي ببياض وجهها ورشاقة عيناها ، عيناها المسافات التي تشق ولم يصلها الجميع .إلا أنا فأنا احبك الدعاء الذي يوقظ العالم من أسره، أحبك الدعاء الذي يهمسُ لمناجاة طفل عالق في ولادتهِ. أحبك الصباح الذي يوقظ الجميع . أحبك الظهيرةِ التي ترخي الجميع، أحبك الليل و القمر والنجوم أذا تواعدوا فلا تقلقِ فأنا أحبكِ كل يوم
3
سمكةً في الماء تحلم كثيراً وتشق الماء بأنفاسها الأنيقة تعلم ما بين الماء وخارجه متسع للموت تتأمل كثيراً رغم أنها تعلم ما بين الأمل والواقع مصيدة كهربائية
4
ما ضاجعتنا رصاصات الغرب وسط شمس حارقة!!
باستثناء بساطيل الجنود وبدلات الحرب الممزقة، الحرب كانت تائهة بنا .
أخيراً جميعنا نُكوى بأخطاء الباعة المتجولين في بلدي المكفوف.
هذه الذكرى الثانية لمرسى الوجعِ.
5
يغتالني ظلام الليل وكوابيس الأحلام تتشظى في داخلي وجعاً، حامِلاً على كتفيِ ذاكرتي التي ربما تتلاش من زحمةِ أوجاعي لا أُريد أن ترحلِ كما رحل عني ضياء القمرِ وتركني في فمِ الظلام المرعب. فلم يتبقَ لي سوى ذاكرتي التي أصبحت مستقراً لهموم الراحلين
كل هذا وأنا ما زلتُ طائراً يتغنى بكلِ سماء الكون
لماذا غنت الأساطيرُ فرحكِ وأنا أتجول في سماءِ المدن العتيقة مكتظاً بذاكرة القبور المنسية وضجيج الموتى .خذِ ما شئت إلى ذاكراتي فهي ملاذي الوحيد والمفصل بيني وبينه ضباب العالقين في ركنِ المشفى.
6
لا تقولي وداعاً
ضعي كل شظايا الوجع على مرساتك الصغيرة
وقفي على حافة الطريق واصرخي :
لماذا يبقى القمر في الماء وهو عطش؟
لماذا تتكور كل حروف اللغة في فمي ،ولا اتكلم؟
لا تدعيني ارحل فوجودك الموت والحياة معاً .
كوني كما كنتِ سابقاً تلعنين الموت بتنهيدة حزينة
وتحرقين الحياة بضحكه رخيصة.
كوني كما عهدتك . أتعلمين كل الذنوب التي لم نرتكبها ،
تنادي باسمك حتى ذلك الطريق يغني باسمك.
لا تحزني يا حبيبتي فلازلتِ حمامة بلا اجنحة
تحلق بذاكرتي .
سنلتقي قريباً وتضعيني زورقاً بين نهديك ،
وسأغرق حتى العطش .
هذه الذكرى الاولى لمرسى الوجع .

“هكذا في الأرض كما في السماء”، هو الديوان الشعري الأخير للشاعر النيكاراغوي إرنيستو كاردينال (غرناطة، 1925)، وكان الديوان قد قُدّم ضمن فعاليات “المهرجان العالمي للشعر” بغرناطة في نيكاراغوا.
يعتبر الشاعر إرنيستو كاردينال، الأبرز حالياً بين شعراء نيكاراغوا، البلاد التي أسّست منذ بدايات القرن الماضي للحداثة الشعرية في مجموع الشعر المكتوب باللغة الإسبانية، على يد شاعرها الكبير روبين داريو.
بل إن أسماء شعرية نيكاراغوية كبيرة رحلت عن عالمنا، استطاعت أن تبرز صحبة اسم كاردينال، من أمثال: بابلو أنطونيو كوادرا، وكارلوس مارتينيث ريباس، وكلاربيل أليغرِيا، ولا ننسى طبعاً الشاعرة جيوكندا بيلّي التي شاركت في المهرجان هذه السنة. ويتفق العديد من النقاد أن كاردينال هو الصوت الشعري الذي صاحب الثورة السندينية، فصارت بعض قصائده عنواناً لحالة التمرّد والعصيان المدنيالتي عاشتها البلاد إبان سنوات الثورة على نظام سوموزا، مثل قصيدته الشهيرة “صلاة من أجل مارلين مونرو”، أو قصيدة “سوموزا يزيح الستار عن تمثال سوموزا في ملعب سوموزا”، وغيرها.
متواليات شعرية في شكل ترنيمة تحتفي بالحياة وبالكون
كاردينال الذي احتفل مؤخراً بعيد ميلاده الثالث والتسعين، شاعرٌ أساسي في أميركا اللاتينية، لكنّه عُرف أيضاً باعتباره قسّاً كاثوليكياً متمرّداً ومغضوباً عليه من طرف الفاتيكان، لكونه أحد المحسوبين على ما عُرف بـ”الكنيسة التحرّرية”، التي حاولت التوفيق بين تعاليم المسيحية والماركسية خدمة لشعوبها الفقيرة، ففجرت غضب البابا خوان بابلو الثاني ثم بنيدكت السادس عشر بعده.
ساندت الكنيسة التحرّرية ثورة شعوبها، ودافعت عن المستضعفين الذين يعيشون مختلف أنماط القهر والاستعباد على يد الإقطاع والأوليغارشية المتحالفة مع الكنيسة البابوية والرأسمال. في هذا الصدد يقول كاردينال القسّ الثوري الذي تقلّد زهاء عشر سنوات منصب وزير للثقافة (1979-1987)، في الفترة التي أعقبت الثورة السندينية: “إن ما يسمى بالكنيسة الأم قد خانت الإنجيل وخذلته، فالفاتيكان في ممارساته مختلفٌ تماماً عن الروابط التي أسّسها المسيح مع بعض الصيادين […] إن تجربة “سولينتينامي” كانت تجربة متواضعة، لكنها تحوّلت إلى أسطورة، لقد كنّا في واقع الأمر جماعة صغيرة، أجل، كنا شبه كومونة على طريقة المسيحيين الأوائل، مسيحيون مجدّدون متبنون لنظرية “ثيولوجيا التحرير” بتوجه ماركسي، هكذا أخضعنا الإنجيل لتأويلنا، لقد كانت تجربة متفردة…”.
كان كاردينال قد عاش مضايقات عديدة من طرف النظام الذي يقوده رفيق الأمس دانييل أورتيغا، بعد أن حاول هذا الأخير بأساليب ملتوية الالتفاف على عقار تستغله الجمعية التي يترأسها كاردينال في جزيرة سولينتينامي، مما أثار موجة استنكار، انتهت بتراجع المحكمة عن الحكم بعد استئنافه من طرف دفاع الشاعر، مُنصِفة هذا الأخير وجماعته. هذا المشروع أطلقه الشاعر عام 1980، في الجزيرة الواقعة في بحيرة نيكاراغوا، تعزيزاً لتصوراته اللاهوتية في التحرير والفن والثقافة.
في ما يخصّ الإصدار الأخير، “في الأرض كما في السماء”، والذي يشتمل على قصيدة واحدة تتكوّن من متواليات شعرية، تقول لـ”العربي الجديد” مساعدة كاردينال الشاعرة لوث مارينا أكوستا، أنها تشبه بشكل ما صلاة وترنيمة تحتفي بالحياة وبالكون، بل إنها تعتبرها بمثابة قصيدة وداع لكاردينال، مما فتح الباب أمام العديد من التأويلات، خصوصاً أن الشاعر قد بدا في الآونة الأخيرة متعباً جداً، لكنه من الناحية الذهنية يبدو محتفظاً بكثير من وهجه وإشراقة أفكاره، وإن كان ما يزال يعبّر عن إحباطه من كل ما يحدث حوله في العالم وفي نيكاراغوا بوجه خاص.
ففي مذكراته التي نشرت منذ فترة كما في حواراته، عبَّرَ غير ما مرة عن خيبة أمله، بل وعن يأسه مما يحدث، إذ يقول بصدد الثورة السندينية وإسهامه في قيادتها والتحوّلات التي شهدتها: “هذا الأمر قد تسبّب لي في معاناة وآلام عميقة، لقد سميت تلك التجربة “الثورة الضائعة”، وهو عنوان الجزء الثالث من مذكراتي. ما تعيشه اليوم نيكاراغوا ليس ثورة، إنه دكتاتورية فردية لدانييل أورتيغا وزوجته وأبنائه، فدانييل ليس من اليسار، وهو ليس سندينياً، لقد خان الثورة”.
يمثل الديوان، مواصلة للمرحلة الأخيرة من تجربة شعرية، حاول كاردينال فيها أن يحاور مظاهر في الفضاء الكوني، معتمِداً على المعارف العلمية المستكشفة، وبعض خفايا وأسرار الكون، مع ربطه لها بتصور إيماني صوفي نابع من قناعات الشاعر الدينية، قناعات تتأسس على تصورات متحرّرة، وضمن هذه المرحلة يدخل أيضا عملٌ شعريٌّ آخرُ “نحن غبار النجوم” (2013) ضمن أعمال شعرية أخرى.
هذا ويتمّ حالياً إعداد مبادرة لاقتراح ترشيح الشاعر لـ”جائزة نوبل للآداب” هذه السنة، وتقف خلف هذا الترشيح العديد من المؤسسات الثقافية والشخصيات من عالم الفن والآداب والسياسة وعلى رأسهم الرئيس السابق للأوروغواي، بيبي موخيكا. فضلاً عن تبنّي “مهرجان ميلانو الدولي للشعر” للملف. وتتكوّن اللجنة الداعمة من الطبيب جيوسيبي ماسيرا، والشاعر غيدو أولداني، والصحافية أندريا سيمليتسي، كما تقول لـ”العربي الجديد” مساعدة كاردينال الشاعرة لوث مارينا أكوستا.
كان كاردينال قد اقتُرِح من قبل رسمياً لجائزة نوبل عام 2010، من قبل “الجمعية العامة للمؤلفين والناشرين” في إسبانيا، لكن الشاعر النيكاراغوي في تلك المناسبة أخبر وسائل الإعلام أن الجائزة لا تهمه.
والواقع أن كاردينال ليس من الشعراء الذين يحتفون كثيرا بالجوائز الشعرية أو يترصدونها، ومع ذلك فقد استلم من قبل على الأقل جائزتين شعريتين كبيرتين هما: “جائزة بابلو نيرودا” سنة 2009، و”جائزة الملكة صوفيا للشعر الإيبيروأميركي” سنة 2012.
إبان ترشيحه الأول لجائزة نوبل، كان الشعراء المشاركون في المهرجان الدولي السادس للشعر بغرناطة (2010) على لسان الشاعر الإسباني دانيال رودريغيث مويا، قد اعتبروا كاردينال (الصورة مع جيوكندا بيلّي) واحداً من أهمّ شعراء أميركا اللاتينية. فأميركا اللاتينية عرفت خلال تاريخها الحديث شاعرين أساسين: روبين داريو وبابلو نيرودا، عملا على ترسيخ قالب معياري للقصيدة الحديثة، لم يستطع أي شاعر زحزحته قبل نيكانور بارا وكاردينال.