المدونة

  • يهودا عميحاي – البحر والشاطئ

    يهودا عميحاي – البحر والشاطئ

    البحرُ والشاطئ متجاوران , كلاهما

    يريدُ تعلَّمَ الكلام , تعلَّمَ قولَ كلمةٍ واحدةٍ فقط

    .

    البحر يريدُ أن يقولَ “شاطئ”

    والشاطئُ يريدُ أن يقولَ “بحر”

    هما يقتربان منذ ملايين السنين ِ من الكلام ,

    من قول الكلمة الواحدة

    حين يقولُ البحرُ “شاطئ”

    وحينَ يقولُ الشاطئ “بحر”

    سيأتي الخلاصُ إلى العالم

    يعودُ العالمُ إلى الفوضى

    *

    ترجمة : نمر سعدي

  • يوسف فايهيبر – هم .. مغنو الشعب

    يوسف فايهيبر – هم .. مغنو الشعب

    هناك دائما…

    حيث تبدأ ألصباحات،

    يكون ألخبز وقدح الشراب

    ويهدأ السوط من ألأعماق،

    فالنهار يريد أن يؤخذ…

    هذه الشوارع

    والحقول

    والمدن

    والضيق القوي في كل ساعة!!!

    هم يغنون ويصورون السلسلة

    وينكرون الليل

    والموت.

    **** *****

    أجل،

    يقال بوجه بسيط،

    ماتدور من ألأشياء

    ويسكن.

    ولكن كبير،وجميل

    وكأن في ألشعر

    ألانسان،

    ودمه المعُاني…

    كيف يرتجفون ، أن يكونوا

    روحا،

    وكيف يرجمون القلب

    من ألأيام الخوالي

    بكبرياء العبد.

    **** ****

    لا ألانسان…

    فقط العامل والفلاح،

    هنا شجرة وهناك حقل

    ودار،

    أكلُ ،ألمُ ، بدون حزن..

    ويقولونه بصراحة

    لا أحد ُ منهم كان يعاشر المحراث

    ولكن يقلدون خطوة الحارث

    برحب،

    زروع صفراء

    مرئية من القطار،

    وتدخل في اصوات الزمن.

    **** *****

    شعب..

    الذي اجتهد كالبطل

    وياخذ السنبلة والابريق

    كأنهما له…

    شوق،حلم،جود

    كانوا كل شئ

    وكانوا كفاية.

    ولكنه يجوع في طرف الحقول

    ويكلل موادح الخبز

    بينما ينزفون البواعث

    الهادئة

    على عمود ألأوامر.

    *

    ترجمة : بدل رفو – النمسا ـ غراتس

  • يوهان فولفغانغ فون غوته – لا طائلَ! لا جدوى!

    وضعتُ أمري على لاشيءَ.

    يا للفرحة!

    لذا أشعر بسعادة في دنياي..

    ومن أراد رفقتي..

    ليقرع الكأس معي ويغني

    بهذا نشرب الخمر حتّى الثّـمالةَ.

    وضعتُ هـمّي في المال والممتلكات.

    يا للفرحة!

    وبهذا أضعتُ السّعادةَ والإقـدامَ.

    وا ألمي!

    تداولَـتِ النقـودُ هنـا وهنـاكَ،

    فما كسبتُـه من مكان،

    هرب إلى مكان آخرَ.

    وضعتُ الآن جهدي في النِّـساء.

    يا للبهجة!

    من هنا أتَـتْـني المتاعب.

    وا ألمي!

    أخذت المرأةُ الخائنة تفتّـش عن رفيق آخَـرَ،

    والمُخلصةُ أصابنـي الملـلُ منها،

    وأحسنُهنَّ لم تكن لِـتُبـاعَ.

    .

    وضعتُ همّي في السَّـفر والتَّرحال.

    يا للسعادة!

    وخلفتُ ورائي عاداتِ وطن الآباء.

    يا للألم!

    ولم أكن مسروراً حقّـاً في أيِّ مكان قطّ ُ.

    كان الطّعام غريباً لديَّ، والفراشُ غيرَ مُريح ،

    لم يفهمني أيّ ُ واحدٍ أبداً.

    جعلتُ همّي في الشّهـرة والشرف.

    يا للابتهاج!

    وانظُـرْ! وجدتُ أحدَهم يملك أكثـرَ منّي:

    وا ألمي!

    وحالما تمايزتُ عنهم،

    نظر الناس إليَّ بحسد،

    وأيّـاً فعلتُ لم يكنْ صحيحاً لأيٍّ منهم.

    وضعتُ همّي في القتال والحرب.

    يا للابتهاج!

    ولنا تسنّى النصـرُ غالباً،

    يا للفرحة!

    وزحفنا داخلين إلى أرض العـدوّ

    ولكنَّ الأمورَ ليست أحسنَ يا أصدقائي،

    وقد فقدتُ ساقـاً .

    والآنَ وضعتُ همّي في لا شيءَ.

    يا للابتهاج!

    وأصبحت الدنيا كلّـُها تعـود إليَّ .

    يا للفرحة !

    الآن أشرفَ الغناءُ و الوليمـة على النهاية .

    فآتوا كلُّكم على الخمر في كؤوسكم ؛

    يجب أنْ تـذهبَ آخـِرُ قطرةٍ منه !

    *

    ترجمة: د. بهجت عباس

    **

  • هارولدو دي كامبوس – الشـعر نقيّ؟

    بل الشعر فقير

    بائس

    عندما تكون البطون فارغة.

    الشعر في زمن الجوع

    كالجوع في زمن الشعر.

    الشعر في زمن الجوع

    يحلّ مكان الانسان

    كالإسم الأول حين يحلّ مكان إسم العائلة

    كالانسان عندما يصير تعويضا عن الشعر

    كإسم العائلة عندما يصبح بديلا من الإسم الأول.

    الشعر في زمن الجوع

    يصلح

    فقط

    لتسمية الاشياء بأسمائها:

    لذلك أسمّي الشيء

    أسمّي الإسم

    أسمّي الإنسان

    مضمرا جوعه في كلماتي.

    وأسمّي الجوع

    وأسمّي الجوع.

    ***

    أوّل وصولي الى هنا أيتها الحياة

    لم أفهم شيئا من شعركِ القاسي المحسـوس

    لكنّي تعلّمتُ سريعا أن أسمّيكِ واقعاً

    لأنّك النقيض ونقيضه

    وتعلّمتُ أن أسمّيكِ الشـعر

    عندما رأيتُ شعراءكِ يولدون

    بين أيدي غاباتكِ

    ومن آلهة أمطاركِ.

    ***

    كيف هو الشعر؟

    إبر من الأشعّة الكونية.

    كيف هو الشعر؟

    نقوش صخرية على رأس اللسان

    هواء يُنفخ من الفم الى الفم

    حتى تجويفة الرئة الأخيرة

    كي لا نختنق.

    كيف هو؟ (الشعر)

    (هو) كالنار

    نار

    هو (الشعر)

    نار.

    *

    ترجمة جمانة حداد

  • هانس ماغنوس إنتزنسبيرغر – صورةٌ ذاتيَّةٌ في مَتْجرٍ كبيرٍ

    في إحدى نوافذِ المَتجرِ الكبيرِ الزُّجاجيِّةِ

    أَتوجَّهُ نحو ذاتي

    لأَراني كما أكونُ.

    اللَّطمةُ التي أصابتْ

    لمْ تكنْ اللَّطمةَ المُنتَظرةَ

    ولكنَّ اللَّطمةَ –أصابتني- رُغمَ ذلكَ.

    أتابعُ سيري حتى أجدَ نفسي

    أمامَ حائطٍ –واقفاً-

    لا أدري سبيلاً.

    مِن هناكَ

    سوفَ يَجلبُني أحدُهم بالتَّأكيدِ

    في وقتٍ لاحقٍ.

    *

    ت.د.شاكر مطلق

    القصيدة من مجموعة “شتْاندْ فوتوز” –صورٌ ساكنةٌ- الصادرة عن دار نشر روفولت في بلدة راينبِك قرب هامبورغ عام 1980.

  • هاينرش هاينه – للتهدئـة

    هاينرش هاينه – للتهدئـة

    ننام تماماً، كما نام بروتس

    ولكنه أفاق وأغمد سكّينَـه

    الباردة عميقاً في قلب قيصر!

    كان الرومان مفترسـي طغـاةٍ.

    لسنا رومانـاً، إنّـنا ندخن التبغ.

    كلّ ُ شعبٍ لـه ذوقـُه،

    كلّ ُ شعبٍ له عظَـمـتُه ؛

    .

    في شـفابن* يطبخ المرء

    أحسن المعجنات..

    .

    نحن ألمان، لطافٌ ومسالمون،

    .

    ننام أصحّاءَ وكنوم النباتات،

    وعندما نستيقظ، نكون

    عادة عَطاشى ,

    ولكن ليس إلى دماء أ ُمرائنا.

    .

    إنّنا جدّ أوفياء كخشب البلّوط،

    وكخشب الزيزفون أيضاً،,

    وإننا بهذا لفخورون ؛;

    حيث في بلد البلّوط والزيزفون،

    لا يمكن أبداً أن يوجدَ بروتس

    .

    وإذا حدث أن يكون بيـننا بروتس،

    ,

    فلنْ يستطيعَ أنْ يجدَ القيصرَ أبداً

    ولسوف يبحث عن القيصر دون طائل

    .

    عندنا كعـك مُـتـبّـل جيـّد.

    .

    عندنا ستّة وثلاثون سيِّـداً

    ( إنّه ليس كثيراً!)،

    وكلّ ُ واحد منهم يحمل

    نجمـة على صـدره تحميه،,

    ولن يكون بحاجة للخوف

    من فكرة الثورة..

    .

    إنّنا ندعوهم آباءً، وأرض الآباء

    نسمّي الأرض التي يرث

    مِـلكيَّـتَها الأمراء؛;

    نحبّ أيضاً الكُـرنبَ

    المـُخلـَّلَ مع النقـانق..

    .

    وعندما يقوم أبونا بنزهة، ,

    نـرفع قـُبّعاتـِنا إجـلالاً؛;

    فألمانيا، ,

    بيتُ الحضانة الطّاهر،

    .

    ليست مخدعَ قتلٍ رومانيّـاً. .

    _________

    * منطقة تقع جنوب غرب ألمانيا

    *

    ترجمة : د. بهجت عباس

    **

  • هنري ميشو: المستنقع

    هنري ميشو: المستنقع

    أعطه رجلاً وبعضَ الوقتِ فيجعلَ منه جثة،
    ثم يرميه على ضفافه
    ينفخه بالهواء ثم يرميه
    وهو يبقى
    وضعت المقاعد حوله لنتمكن من الجلوس
    كان المتعبون يأتون بالقرب منه ليدخنوا الغلايين الطويلة
    وبُني قصر قبالته
    كان المستوحدون والأيتام والعاطلون عن العمل بإرادتهم يقتربون منه وهو لا يفعل شيئاً،
    والحزانى يبوحون له بأحزانهم، بعضهم يقول، لو أني غرقت لو كنت جثة، لكنت ربما أكثر سعادة، ويفكرون.
    وآخرون كانوا يرمونه بكتل من التراب ليلونوا سطحه.
    كان يجعل الأوراق الساقطة تتعفن شيئاً فشيئاً.
    لكنه لا يلح في طلب الأوراق التي لا تزال على الشجرة
    لم يكن ذا فائدة تذكر بسبب بعده، وتمنوا لو يقربوه من القرية
    ولكن من صاحب العربة الذي سيتكفل بالأمر؟
    واستمر في بقائه
    كان هنا، ولم يذهب لأي إنسان، ولم يحاول إطلاقاً أن يعدو، أو ينفخ، اص، اص.. مثل ماء النهر الذي يتقدم فوق الحصى، ولا يبحث عن أسماك غير التي فيه.
    والتعساء الذين ألقوا بأنفسهم فيه يندمون في اللحظة نفسها، ويرتفعون بواسطة الفكر للمرة الأخيرة فوق المياه، ويصلون إلى منازلهم ويجلسون فوق كراسيهم.. زرعت بسببه الصلبان الترابية، خمسة عشر صليبا.
    وهو باق
    حاول حلزون منذ ولادته أن يدور حوله. وها هو في سن البلوغ يتم دورته مع أفراد عائلته.
    وعند احتضاره أورثهم رغبته تلك، لكنهم كانوا ينظرون إلى ورقة خضراء يانعة وهو باق.
    تتغذى النباتات منه على هواها منذ ألفي عام بنوع معين من الحشرات التي تركض فوقه.
    أبا عن جد دون أن تبتل قوائمها.
    يتأمل الطفل المستنقع، يدخل إصبعه في أنفه ويفكر
    يحلم بأن المستنقع سوف ينهض، ويرى المستنقع وهو ينهض، ينهض المستنقع ويقول:
    “أنا لم أعد ميتا”، ويمضي المستنقع تاركاً حفرته شاسعة وعميقة.
    ويمضي على الطرقات، منحنياً مثل رجل ضخم الجثة، وشامخ مثل كاتدرائية، وشفاف على الرغم من بعض النمل الأسود أو البني الذي يلطخه بين حين وآخر ويمضي مجمعاً حوله قطراته التي قطعتها الحجارة الصغيرة، يمضي وهو يصدر ضجة الخرير..
    إنه مجرد حلم.
    المستنقع هنا في حفرته باق.
    في النهار يغدو فم المستنقع على مستوى الأرض بسبب لمعانه.
    لكن في المساء.. ذات مساء كان راكب دراجة يتوجه مسرعاً نحو بيته، حيث تنتظره عاداته، فوقع الرجل في فم المستنقع الذي تبلغ مساحته حجم ساحة كبيرة. وفي الغد عثر على السائق ودراجته، لكنهما كانا قد سقطا عميقاً جداً، وما عاد الرجل يحيا حياة إنسان. ولم تعد الدراجة تحيا حياة الدراجات.
    وهو باق.
    إنه لا يشعر بالمركب، ولا يتعرف على قبطانه من بين كل الرجال،
    لأنه يفقد الذكريات، لأن الريح تبعدها سريعا
    ولا شك أيضاً أنه يجهل آكلي المستنقعات، الشمس التي تكتشفه ثم تقلصه، الضفدع الذي يأخذ معه فوق جلده قطرات الماء حين يقفز إلى الأرض الصلبة.
    لا شك أنه لا يأبه للعصفور الذي حط على صحن أخضر من ورق النيلوفر وبدأ يشربه بجرعات صغيرة، ولا يأبه كذلك للغيم أو لماء المطر الذي يغذيه.
    ولا يعبر نفسه بانتباه محاولاً إحصاء أسماك الشبوط أو الغجوم الموجودة فيه.
    حتما ليست له روح
    أنا والطفل فقط أعطيناه روحا، وهو يجهل هذا الأمر ولا يستفيد منه.
    أعطيناه روحا ليغدو جميلا: لقد غدا المستنقع الذي أعرفه جميلا مذ أعطيته روحا ونوايا.
    يسعى بكل ثقله إلى الأعماق، ينتظر أن تتعمق حفرته في الليل، بالقرب من مركز جاذبيته المستنقعات جميعاً.
    كان يجلس في حفرة وينتظر
    يرمونه بالحجارة فيبتلعها
    ويبقى كما الليل والنهار
    أطول من حياة جاموس
    أطول من حياة أرزة
    أطول من المزامير التي تنشدها أشجار الأرز المقطوعة
    ينتظر دائماً ويتقلص، حتى يغدو في النهاية ظلاً لنفسه.

    هنري ميشو (1899-1984)

    ترجمة: د. ميساء السيوفي

    من ديوان: ( عن بُعد ) صدرَ عام 1997
  • هوغو كلاوس – أكتبكِ

    هوغو كلاوس – أكتبكِ

    امرأتي، مذبح قرابيني الكافر

    الذي أداعبه عزفاً بأصابع من نور

    غابتي الصغيرة التي أبيت فيها شتائي

    آيتي، مريضة الأعصاب، المدنسة، العطوفة

    أكتب تنفُّسكِ وجسدكِ

    في نوتات الموسيقى.

    لأذنيك أزفّ وعدي بأبراج فلكية

    لم يستعملها أحد من قبل

    وأعدّ لك من جديد رحلات إلى بلاد العالم

    خوفاً من توقف إجباري في بقعة ما.

    لكن لدى الأرباب ومجرّات النجوم

    تصبح السعادة الأبدية أيضاً مميتة تعباً

    وليس لديَّ منزل، ليس لديَّ فراش

    حتى أني لا أملك الرغبة في إهدائك زهوراً في عيد ميلادك.

    أكتبكِ على الورق

    فيما أنتِ

    تكبرين وتتبرعمين

    كبستان مثمرٍ في تموز.

    *

    ترجمة: عماد فؤاد

  • هرمان هيسه – مقبرة ريفية

    أيها الهانئون، المضجعون تحت ستورتكم،

    والمستكنّون الى قلب اللأرض الرؤوم.

    .

    أيها الهانئون، يامن عدتم وادعين ومجهولين

    لتستريحوا في حضن الأم.

    .

    أصغوا ثمة،

    فمن خلايا النحل ومن الأزهار

    يغني لي الشوق اللاهف إلى الحياة.

    .

    ومن جذور الأحلام المتشابكة،

    يهب الوجود الذي طال موته إلى النور،

    وخرائب الحياة، المدفونةُ بغموض،

    تتحول وتنهض مطالبة بالحياة.

    .

    والأم – الأرض الملكية

    تختلج بمخاض الولادة.

    .

    كتز السلام العذب في جدثه الأجوف

    يمتز بلطف كما الحلم في الليل.

    .

    ليس حلم الموت سوى الدخان الأسخم

    حيث تشتعل تحته نيران الحياة.

    *

    ترجمة: طاهر رياض

    *تجوال (1920) سويسرا، هرمان هسه

  • ويستن هيو أودن – لقد اختفى في قلب الشتاء

    * في ذكرى و. ب. ييتس الذي مات في كانون الثاني 1939

    *

    لقد اختفى في قلب الشتاء:

    كانت البحيرات متجمدة، والمطارات تكاد تكون مقفرة

    والثلج يشوه التماثيل المنتثرة هنا وهناك.

    وغاص الزئبق في فم النهار المحتضر،

    أجمعت الأجهزة كلها

    على أن يوم وفاته كان يوماً بارداً مظلماً.

    وهناك في مكان ناء عن مرضه

    كانت الذئاب تتراكض عبر الغابات الدائمة الاخضرار

    ولم تستطع السدود الحديثة

    أن تغوي النهر القروي.

    وحجبت الألسنة النائحة

    خبر موت الشاعر عن أشعاره.

    أما بالنسبة له

    فقد كانت هذه الأمسية نذير

    الخاتمة.

    كانت أمسية حافلة بالممرضات والإشاعات ،

    لقد ثارت مناطق جسده

    وفرغت ميادين عقله

    وغزا السكون الضواحي

    وتوقف تيار شعوره:

    لقد أصبح ملكاً للتاريخ.

    ملكاُ للمعجبين.

    إنه الآن مبعثر في مئة مدينة

    وممنوح برمته لعواطف غريبة لم يألفها،

    ليجد سعاته في نوع آخر من الغابات.

    وليلتقي العقاب من شرعة ضمير أجنبي

    أن كلمات رجل ميت،

    لتتخذ الآن قوالبها الحية في أحشاء

    الأحياء.

    ولكن في ضوضاء الغد وأهميته

    عندما يزأر السماسرة كالوحوش على أرض البورصة

    ويعاني الفقراء الآلام التي ألفوها جيداً

    ويقتنع كل منهم في زنزانة نفسه بحريته

    سيتذكر هذا النهار الورف عديدة

    كما يتذكر الإنسان يوما قام فيه بعمل شيء غير مألوف.

    أن الأجهزة أجمعت كلها

    على أن يوم وفاته كان بارداً مظلماً.

    *

    (وفيق يوسف)

  • ولاس ستيفنز – ستة مناظر طبيعية ذات مغزى

    1

    عجوزٌ يجلسً

    في ظلِ صنوبرةٍ

    في الصين.

    يرى زهرةَ عايقَ

    زرقاءَ وبيضاءَ

    على طرفِ الظل

    تتحرك في الريح

    تتحرك لحيته في الريح

    تتحرك الصنوبرة في الريح

    هكذا يجري الماء

    على العشب الضار

    2

    الليلُ بلون

    ذراعِ امرأة

    الليل، الأنثى

    الغامض

    العطِر اللدن

    يخفي نفسه.

    تشرق بركة

    مثل سوار

    يهتز برقصة.

    3

    أذرَعُ طولي

    على طول شجرةٍ باسقةٍ

    فأراني أطولَ منها جدا

    ذاك لأني أصلُ الشمسَ

    بعيني.

    وأصلُ جرفَ البحر

    بأذني.

    مع ذلك أكره

    كيف يدبّ النملُ

    نحو وخارج ظلي.

    4

    إذ كان بقرب القمرِ حلمي

    امتلأت طياتُ ردائهْ

    البيضاءُ بضوءٍ أصفر.

    وغدت أخامصُ أقدامه

    حمراء.

    امتلأ شعره

    بتبلِورات زرقاء

    من أنجم

    ليست ببعيدة.

    5

    لا كلُ سكاكينِ

    أعمدةِ النور ولا

    أزاميلُ الشوارع الطويلة

    ولا مطارق القباب

    والبروج العالية

    تقدر أن تنحت

    ما تقدر أن تنحته نجمة

    واحدة وهي تضيء من خلال ورق الكروم.

    6

    العقلانيون، مرتدين قبعات مربعة،

    يفكرون في غرف مربعة

    ينظرون إلى الأرضية

    ينظرون إلى السقف

    يُقصِرون أنفسَهم

    على مثلثات قائمة الزوايا.

    لو جربوا أشباه المعين

    المخاريط، الخطوط المتموجة، الاهليلجات-

    كاهليلج الهلال على سبيل المثال-

    لارتدى العقلانيون صمبريرات.

    ــــــــــــــــــــــــــ

    (العايق أو العائق: شجرة جميلة الزهر؛ الصمبريرة: قبعة عريضة الحافة مألوفة في المكسيك والأجزاء الجنوبية الغربية من الولايات المتحدة الأميركية-قاموس المورد لمنير البعلبكي)

    *

    ترجمة :عادل صالح الزبيدي

    **

  • والت ويتمان – آهِ يا قُـبطانُ! يا قُـبطاني!

    والت ويتمان – آهِ يا قُـبطانُ! يا قُـبطاني!

    أوه يا قُـبطانُ ! يا قُـبطاني ! لقد انتهتْ رحلتنـا الرّهيبة ،

    فقد اجتازتْ سفينتـنا كلَّ عقبـةٍ ، وأُحرزَ الهدفُ الذي ابتغيناه ،

    المينـاءُ قريبٌ ، إنني أسمع الأجراسَ ، الناسَ أجمعَ يهلّلون ،

    بينما أعيـُنٌ تَـتَـبَّـعُ الرافـدةَ الثّـابتةَ ، تتقدّم السَّفينـة

    متجهِّـمةً جريئـةً :

    ولكنْ، آه يا قلبُ ، يا قلبُ ، يا قلبُ !

    آه القَطـراتُ الحُـمـرُ النّازفـة ،

    حيث القبطانُ يضطجع على سطح السَّـفينـة ،

    ساقطـاً بارداً وميِّـتاً .

    .

    آه يا قـبطانُ ! يا قـبطاني ! انهضْ واسمعِ الأجراسَ

    انهضْ- لك تُـنَكَّـسُ الرّايةُ- لك يرتعش صوتُ البوق ،

    لك باقاتُ الأزهارِ والأكاليلُ الموشّحة ولك تَجَـمهُـرُ

    السّواحل ،

    إيّـاكَ ينـادون، الحشدُ المُتـرنِّحُ ، أوجهُهم المُتَحمِّسة

    تدورُ ؛

    هنـا ، يا قبطانُ ! أيّها الأب الغالي !

    هذا الذراع تحت رأسك !

    إنّه بعضُ حُلمٍ ، ذاك الذي على ظهر السّفينـة ،

    سقطتَ بارداً وميِّـتاً .

    .

    قبطاني لا يُجيبُ ، شفتـاه باهـتتـانِ وساكـنتـانِ ،

    أبي لا يُحِـسّ ُ بذراعي ، لا نبضَ فيه ولا حَـولَ ،

    رست السَّفينـةُ سالمةً ومُجلجِـلةً ، أُغلقتْ رحلتُهـا وأُكمِلتْ ،

    من رحلة رهيبـة أتت السَّفينـةُ المنتصرة مُحرزةً الهدفَ ؛

    هلّلـي يا شواطئُ ، دقّـي يا أجـراسُ !

    ولكنّي بخطىً كئيـبةٍ

    أسير على ظهر السَّفينة حيثُ قُـبطاني يضطجع ،

    ساقطاً بارداً وميِّتاً.

    *

    ترجمة : د. بهجت عباس

    ( من أوراق عشب )

    **

  • ويليام ستانلي ميروين – هل هذا ما هو أنت

    ويليام ستانلي ميروين – هل هذا ما هو أنت

    شبحٌ جديد، هذا ما هو أنتَ

    واقفٌ على درجٍ من ماء،

    مُحجمٌ عن الدهشة.

    الأمل والشجن لا يزالان جناحينا

    لِمَ لا نقدر أن نطير؟

    أية هزيمة لازالت تُبقيكَ بيننا نحن غير

    الكاملين.

    الدواليب تُداوم على الصلاة،

    نحن لا نسمع شيئاً مُغايراً

    نضرب بأجنحتنا

    لِمَ أنتَ هنا؟

    لم أحسب أنّ لدي شيئاً بعد أُعطيه،

    الدواليب تردد ورائي

    ثمة ريشات في الجليد

    نمدد البرد على ركبنا.

    اليوم،

    الشمس أبعد مما نخال

    وعلى الشبابيك، في السكاكين

    أنتَ تراقب.

    *

    نصوص: وليام ستانلي ميروين، من مجموعة “القمل” ترجمة: آمال نوار

  • ويليام بتلر ييتس – العودة الثانية – ثلاث ترجمات

    ويليام بتلر ييتس – العودة الثانية – ثلاث ترجمات

    ترجمة أولى لـ جاد الحاج

    الصقر يحوقل, يحوقل في الدائرة الواسعة

    ولا يصغي لسيّده.

    الأشياء تتداعى” المركز لا يصمد”

    لا شيء عدا الفوضى تروم العالم,

    وهيبة البراءة غريقة في كل مكان.

    أفضل البشر بحاجة إلى الإيمان, والأشرار يستمرون

    بالحماسة اللاهية.

    حقاً, أنها رؤيا الكسوف تقترب

    حقاً, انها العودة الثانية تقترب

    العودة الثانية! ما أن أقول ذلك

    تبهرني رؤيا عظيمة تصعد من الروح الأعلى

    وفي القفر فوق رمال الصحارى

    يتبدى رأس إنسان على جسم أسد,

    يحملق زائفاً, بلا شفقة كالشمس

    يحرك أردافه ببطيء بينما تحلّق حوله

    ظلال العصافير الموتورة في الصحراء.

    مرّة أخرى يعمّ الظلام, فأفهم

    أن عشرين قرناً من الهجوع الصلد

    باتت كابوساً في مهدها الحجر

    وأي وحش كاسر سيولد أخيراً

    ويزحف إلى بيت لحم.

    ***

    ترجمةٌ ثانية لـ د. عادل صالح الزبيدي

    الظهور الثاني

    إذ يلتف الصقر ويلتف بدولاب الأكوان

    بحركات متباعدة في الدوران ، لا يقدر أن يسمع صقاره

    تتداعى الأشياء، والمركز لا يقدر أن يمسك بزمام الأجزاء

    فوضى صرف تنفلت على العالم

    ينفلت المد الدموي، وفي كل الأنحاء

    يغرق طهر الإنسان

    فأخيار الناس يعوزهم الإيمان

    وأراذلهم يتملكهم شغف الأهواء.

    ثمة وحي بالتأكيد وشيك.

    مجيء ثان بالتأكيد وشيك.

    مجيء ثان! ما أن أنطق هذي الكلمات

    حتى يعشي بصري شكل يخرج من روح الأكوان

    بمكان ما وسط رمال الصحراء

    شكل بجسم السبع ورأس الإنسان

    يحدق من عين فارغة لا رحمة فيها كالشمس

    يحرك ساقيه ببطء وحواليه

    تترنح ساخطة أشباح طيور الصحراء

    وتحل الظلمة ثانية. لكني الآن

    اعرف أن قرونا عشرين من النوم الحجري

    عكرها مهد هزاز فحولها كابوسا

    فما هذا الوحش الهائج قد حلت ساعته

    جاء أخيرا يتهادى كي يولد ثانية في أرض الميلاد ؟

    ____________

    يمزج العنوان بين تنبؤ عيسى المسيح بظهوره الثاني كما يرد في الإنجيل (متي، 24) وبين رؤيا يوحنا عن ظهور وحش على النقيض من المسيح(يوحنا،2:18). وفي إحدى رسائل الشاعر ثمة إشارة إلى علاقة القصيدة بظهور الحركة الفاشية.

    يتخيل ييتس إن حركة الصقر تشبه ، أو هي جزء من ، حركة دولاب أو لولب أو مخروط ابتدعه الشاعر ليرمز إلى صراع القوى في العالم. في حال دوران هذه الآلة بشكل متسع تأخذ فيه الأطراف بالتباعد التدريجي عن المركز، يبدأ المركز بفقدان السيطرة عليها. وصورة الصقر في علاقته

    عبارة اخترعها الشاعر للتعبير عن إلهام أو إيحاء من نوع ما يتسلمه الشاعر.

    ربما يشير الشاعر هنا إلى أبي الهول.

    أي عمر الديانة المسيحية.

    بيت لحم في الأصل وقد ارتأينا ترجمتها هكذا بشيء من التصرف

    ***

    ترجمة ثالثة لماجد الحيدر

    يدور الصقر ويدور

    في دوامةٍ تكبر وتكبر

    ولا يسمعُ الصقّارَ.

    تتفكك الأشياء، والمركزُ

    يعجز عن الصمود.

    على العالم تسدلُ الفوضى أستارها،

    ومدُّ في سوادِ الدمِ أستاره

    وفي كل مكان

    تغرق طقوسُ البراءة.

    خيار البشر يعوزهم الحولُ

    وشِرارهم طافحون بالعزم والحماس.

    ثمة وحي وشيك أكيد

    ثمة مجيء ثانٍ أكيد.

    مجيءٌ ثانٍ!

    ما أن أفوه بهذا

    حتى تُغشي الصورة ناظري

    صورة هائلة

    خارجة من روح الكون:

    من مكان ما في رمال الصحراء

    شبحٌ برأس أسد وجسم إنسان،

    بنظرة محدقة، صماء قاسية كما الشمس

    ينقِّلُ فخذيه البطيئين

    وكل شيءٍ من حوله

    ينشر ظِلالاً

    لأطيارِ صحراءٍ ساخطة.

    ينزل الظلامُ من جديد

    لكنني الآن أعرفُ

    أن عشرين قرناً من نومٍ كما الحجر

    يحيلها لكابوسٍ

    مهدٌ متأرجحٌ،

    وأي وحشٍ فظٍ

    ستحل ساعته أخيرا

    ليمضي مترنحاُ

    صوب بيت لحم

    كي يأتي للحياة؟

  • وليم بليك – إلى الخريف

    آه يا خريف ، محمّلاً بثمار ومصبوغاً

    بدم العنب ، لا ترحلْ ، ولكن اجلسْ

    تحت سقفي الظّليل ؛ هناك قد تستريح ،

    وليتناغمْ صوتُـكَ الطّروبُ بمزماري الثَّـمِـل ؛

    وكلُّ بنـاتِ العام سيرقصْـنَ!

    غنِّ الآنَ أغنيةَ الفواكهِ والأزهارِ المفعمةَ بالحيويّـة.

    .

    ” البُـرعُـمة النحيـلة تُـبرِز جمالَها إلى

    الشَّمس، والحبّ يسري في عروقـها النابضة ؛

    الزّهراتُ تدلّتْ على جَبْـهةِ الصَّباح ،

    وأزهـرتْ تحتَ الخدّ المُتـألِّق للمساء الوقور،

    حتى تفتّت الصّيف المتكـدِّسُ قُدُمـاً في الغناء ،

    ونثرت السُّحبُ ذواتُ الرِّيش أزهاراً حول رأسها .

    .

    ” أرواحُ الهواء تعيش على روائح

    الفاكهة ؛ والمرحُ ، بأجنحة خفافٍ، يطوف حول

    الحدائق ، أو يجلس مغنِّـياً على الشجر.”

    هكذا غنّى الخريفُ المرحُ عندما جلس ؛

    ثمَّ قام ، مورِّداً ذاتَـه ، وفوق التلِّ الكئيب

    هرب من أبصارنا ؛ ولكنّـه ترك حِملَه الذَّهبيَّ.

    *

    ترجمة : د. بهجت عباس

    **

  • وليم بليك – أغنيات البراءة

    1) المقدّمة

    كنْتُ على مزماري أعزفُ

    في قفرِ الوديانْ

    أعزفُ ألحاناً لأَغانٍ

    مفْرِحةِ الأنغامْ

    حين رأت عينايَ صغيراً

    في إحدى الغيماتْ.

    قال الطِّفلُ بوجهٍ ضاحكٍ:

    “اعزفْ أغنيةً عن (حملٍ)”

    فعزفْتُ بكلِّ سرورٍ.

    قالَ:

    “اعزِفْ يا زامرُ،

    ثانيةً، تلك الأغنيَّة”

    فعزفتُها ثانيةً.. فبكى.

    قالَ:

    “اتركْ مزمارَكَ،

    ذاكَ المزمارَ المبتهجَ،

    وغنِّ أغانَيكَ الجذلى”.

    فشرعْتُ أغنِّي

    ذاتَ الأُغنيَّةِ ثانيةً

    فبكى أيضاً،

    لكن بفرحْ.

    قالَ:

    “اجلسْ يا زامرُ واكتبْ،

    في سِفرٍ يمكنُ للكلِّ قراءتُهُ”.

    وتوارى عن مرمى بصري.

    فقَلَعْتُ قصبةً جوفاءْ

    وصنعْتُ يراعاً ريفيّاً،

    وأخذتُ أُعكِّرُ صفوَ الماءِ

    وأكتبُ ألحاناً

    لجميعِ أغانيَّ الجذلى

    علَّ الأطفالَ

    إذا سمعوني يبتهجونْ!!

    2)الرَّاعي

    ما أحلاهُ!

    قدرُ الرَّاعي، ما أحلاهُ!

    كلَّ نهارٍ

    يشردُ منذ طلوعِ الفجرِ،

    ويرجعُ بعد غيابِ الشَّمسِ؛

    عليهِ بأن يتبعَ أغنامَهُ

    كلَّ نهارٍ

    وعباراتُ الشُّكْرِ

    تفيضُ على شفتيهِ

    لأنَّهُ يَستمتعُ بسماعِ

    نداءاتِ الحملِ العفويَّةِ،

    وثغاءاتِ النَّعجةِ حينَ تردُّ

    بكلِّ حنانٍ،

    وهو الرَّاعي المتيقِّظُ

    كي تسرَحَ أغنامُهُ بأمانٍ،

    وهي إذ تشعرُ بدنُوِّهِ منها

    ترعى باطمئنانْ.

    3)الملعب المرجِعُ للصَّدى

    وتشرقُ الشَّمسُ،

    فتفرحُ السماواتُ،

    وتُقرعُ أجراسُ الفرحِ،

    ترحيباً بقدومِ الرَّبيع.

    القبَّرةُ والسُّمُّنةُ

    وعصافيرُ الشُّجيراتِ

    تصدحُ في الجوارِ

    تجاوبُ الرَّنينَ المفرحَ للأجراسِ،

    بينما ألعابُنا تلوحُ

    فوقَ الملعبِ المُرجعِ للصَّدى.

    بشَعرهِ الأبيضِ (جانُ) الكبيرُ

    يضحكُ بوقارٍ

    بعيداً تحتَ شجرةِ البلُّوطِ،

    يتوسَّطُ أقرانَهُ المسنِّينَ

    وهم يضحكونُ على لهوِنا

    قائلين:

    “هكذا.. هكذا كانَ المرحُ

    عندما كنَّا في غمرةِ الشَّبابِ

    فتياناً وفتياتٍ نلوحُ

    فوق الملعبِ المُرجعِ للصَّدى.

    وحينما من التَّعبِ

    يعجزُ الصِّغارُ

    عن أن يكملوا المرحَ،

    تهبطُ الشَّمسُ إلى المغيبِ

    وتدركُ النَِّهايةَ ألعابُنا،

    وحَولَ أحضانِ أمَّهاتِهم

    يدورُ الأخوةُ والأخواتُ

    كالعصافيرِ حولَ أعشاشِها

    وهي تستعدُّ للخلودِ إلى الرَّاحةِ

    ولا يعودُ لهوُنا يُرى

    في الملعبِ المكسوِّ بالظَّلامْ.

    4)الحمل

    أيُّها الحملُ الصَّغيرُ

    مَن كوَّنَكْ؟

    ألَستَ حقّاً تعلمُ

    مَن كوَّنكْ؟

    من الَّذي وهبَكَ الحياةَ

    وقدَّم إليكَ الطَّعامَ

    على ضفافِ جدولٍ

    وفوق مرجٍ أخضرٍ؟

    مَن الَّذي ألبسَكَ المرحْ،

    كساكَ ثوباً فاتناً

    من أنعمِ الأصوافْ

    أعطاكَ عذبَ الصَّوتِ

    كي تصطخبَ الحقولْ؟

    أيُّها الحملُ الصَّغيرُ

    مَن كوَّنَكْ؟

    ألستَ حقّاً تعلمُ

    مَن كوَّنكْ؟

    أيُّها الحملُ الصَّغيرُ

    سوفَ أُخبرُكْ،

    أيُّها الحملُ الصَّغيرُ

    سوفَ أُخبرُكْ:

    باسمِكَ يُنادَى؛

    إذ أنَّهُ يسمِّي

    نفسَه الحملْ.

    ولأَنَّهُ حليمٌ

    ولأنَّهُ وديعٌ

    طفلاً صغيراً صارْ.

    فأنا طفلٌ..

    وأنتَ حملْ..

    ونحنُ كلانا

    باسمِهِ نسمَّى

    أيُّها الحملُ الصَّغيرُ

    ليُبارِكْكَ اللهْ!

    أيُّها الحملُ الصَّغيرُ

    ليُبارِكْكَ اللهْ!

    5)الفتى الزّنجي

    في القفرِ جنوباً

    قدْ ولدتني أمِّي

    زنجيَّاً؛ لكنْ آهٍ..

    روحي بيضاءْ.

    والطِّفلُ الإنكليزي

    إذ يولَدُ-

    أبيضُ.. أبيضُ مثلُ ملاكْ.

    وأنا زنجيٌّ وكأنِّي

    محرومٌ من وهجِ النُّورْ.

    في ظلِّ شجرةٍ

    كانت أمِّي

    تجلسُ في أيَّامِ الحرِّ،

    تعلِّمُني…

    تأخذني بينَ ذراعيها

    وتقبِّلُني،

    وتشير إلى الجهةِ الشَّرقيَّةِ

    قائلةً:

    (اُنظرْ، يا ولدي،

    في الشَّمسِ المشرقةِ

    هنالكَ يحيا اللهُ،

    ويمنحُ وهجَهُ

    للأشجارِ وللأزهارِ

    وللوحشِ الضَّاري والنَّاسِ،

    ليرتاحوا إن بزغَ الفجرُ

    ويبتهجوا بحلولِ الظُّهرْ.

    لن نبقى في الأرضِ طويلاً

    لكنَّ بقاءَنا، يا ولدي

    قدْ يكفينا حتَّى نتعلَّمَ

    كيف نبثُّ إلى الدُّنيا

    إشعاعَ الحبِّ…

    وليسَت هذي الأجسادُ السَّوداءُ

    وهذا الوجهُ الدَّاكنُ

    إلاَّ غيمةَ ضيفٍ،

    بستاناً ينعمُ بالظِّلِّ؛

    فإن علَّمنا أرواحَنا

    أن تبعثَ دفئاً،

    سوفَ يزولُ الغيمُ

    ونسمعُ صوتَهُ حين يقولُ:

    “اخرجوا من تلكَ الأيكةِ

    يا أحبابي ويا همِّي

    والتفُّوا حولي

    وأحيطوا خيمتَي الذهبيَّةَ

    واصطخبوا مثلَ الحملانْ!”)

    هذا ما قالتْ

    -وهي تقبِّلُني- أمِّي.

    وأنا للطِّفلِ الإنكليزيِّ أقولُ

    بأنَّا إنْ حرَّرْنا أنفسَنا

    من غيمتيَ السَّوداءِ أنا،

    وهو البيضاءِ،

    ورحنا نمرحُ كالحملانِ

    نحيطُ بخيمةِ ربِّ العرشِ،

    فسوف أظلُّ أظلِّلُهُ

    حتَّى يتحمَّلَ أن ينحنَي

    سعيداً في حضرةِ والدِنا

    وسأنهضُ عندئذٍ

    وأظلُّ أمسِّدُ شعراً فضِّيّاً

    جلَّلَ هامتَهُ،

    حتَّى أُصبِحَ مثلَه.

    عندئذٍ، لا شكَّ بأنَّهُ

    سوف يقابلُني بالحبْ.

    6)الزَّهرة

    هنيئاً.. هنيئاً

    أيُّها الباشقُ

    فهنالكَ تحتَ الأوراقِ الخضراءِ

    زهرةٌ سعيدةٌ ترنو إليكَ

    وأنت كسهمٍ منطلقٌ

    باحثاً عن مهدِكَ الضَّيِّق

    قربَ صدري.

    جميلٌ.. جميلٌ

    يا أبا الحنَّاءِ

    فهنالكَ تحتَ الأوراقِ الخضراءِ

    زهرةٌ سعيدةٌ تسمعُكَ

    يا أبا الحنَّاءِ الجميلِ.. الجميلِ

    وأنتَ تنشجُ بالبكاءِ

    قربَ صدري.

    7)منظِّف المداخن

    لمَّا ماتَتْ أمِّي

    كنتُ صغيراً جدَّاً.

    وحين تخلَّى الوالدُ عنِّي

    كان لساني يعرفُ، بالكادِ،

    بأن يبكي؛

    “واءٍ!” “واءٍ!” “واءٍ!” “واءْ!”

    وها أنذا أنظِّفُ مداخنَكمْ،

    وأنامُ على قدري الأسودْ.

    كانَ (توم دايكرُ) الصَّغيرُ،

    يبكي وهم يحلِقُون له

    شَعرَهُ المتجعِّدَ كفروِ الحَمَلْ.

    فقلْتُ لهُ:

    “اصمتْ يا (تومُ) الصَّغيرُ،

    ولا تكترثْ؛

    لأنَّ رأسَكَ الحليقَ

    سيمنعُ السُّخامَ من

    أن يفسدَ شَعرَك الأشيبْ”.

    فكفَّ عن بكائِهِ

    والتزمَ الهدوءْ.

    وفي اللَّيلةِ اللَّيلاءِ ذاتِها

    شاهَدَ في المنامِ

    آلافاً من المنظِّفين؛

    (ديك) و (جو) و (نِد) و (جاك)

    قد أُقفِلَ عليهمُ

    في توابيتٍ سوداء.

    وشاهدَ ملاكاً

    يمرُّ في الجوارِ

    يحملُ مفتاحاً لامعاً،

    يفتَحُ التَّوابيتَ

    ويحرِّرُ الجميعْ.

    وبعدها توزَّعوا

    في المرجِ يمرحونْ،

    يغتسلونَ في مياهِ النَّهرِ،

    يلمعونَ تحتَ أشعَّةِ الشَّمسِ،

    يعتلونَ ناصيةَ الغيومِ

    تاركينَ خلفَهم

    حقائبَ عاريةً بيضاءَ،

    وفي مهبِّ الرِّيحِ يعبثونْ.

    واستفاقَ (تومُ)

    بعدَ أن أخبرَه الملاكُ

    بأنَّهُ إن أصبحَ غلاماً طيِّباً

    فإنَّ الإِلهَ

    سيمنُّ على والدِه بالرَّحمةِ،

    ولن يحرمَهُ من السَّعادةْ.

    استفقنا جميعاً

    وكان الظَّلامُ يلفُّ المدى،

    حملنا حقائبَنا ومكانسنَا

    ورحْنا نشقُّ دروبَ العملْ.

    على الرُّغمِ من بردِ ذاكَ الصَّباحِ

    فقد كان (تومُ) سعيداً ودافئاً.

    وهكذا.. إن أنجزَ الجميعُ ما عليهم

    فلن يظلَّ داعٍ

    للخوفِ من أيِّ أذىً.

    8)ضياع الفتى الصَّغير

    أبي.. أبي..

    إلى أين أنتَ ذاهبٌ؟

    لا تمضِ مسرعاً

    تكلَّم يا أبي

    مع ابنِكَ الصَّغيرِ

    وإلاَّ فسوفَ أضيعْ.

    اللَّيلُ كانَ مظلماً

    ولا أبَ هنالكَ،

    مبلَّلاً بالنَّدى كان الطِّفلُ

    والسَّبْخةُ عميقةً

    والطِّفلُ راحَ يبكي

    وفي البعيدِ انتشرَ البخارْ.

    9)إيجاد الفتى الصَّغير

    الفتى الصَّغيرُ التَّائهُ

    في المستنقعِ المهجورِ،

    المُنقادُ للضَّوءِ الجوَّالِ

    بدأ يصرخْ.

    لكنَّ اللهَ القريبَ أبداً

    ظهرَ له مثلَ أبيهِ، برداءٍ أبيضٍ،

    قبَّلَهُ،

    ومن يدهِ قادُهُ إلى أمِّهِ

    الشَّاحبةِ من الأسى

    الباحثةِ باكيةً

    في الوادي المهجورِ

    عن فتاها الصَّغيرِ.

    10)أغنية الضَّحِك

    عندما تضحكُ الغابةُ الخضراءُ

    بصوتِ السَّعادةِ،

    والجدولُ الغامزُ القريبُ

    ينسابُ ضاحكاً،

    وعندما يضحكُ الهواءُ

    مع مرحِنا الواعي،

    والتِّلالُ الخضراءُ

    تضحكُ مع ضجيجهِ،

    وعندما المروجُ تضحكُ

    مع عشبِها المفعمِ بالحياة،

    ويضحكُ الجندبُ

    في المشهدِ المرِحْ،

    وعندما (ماري)

    و (سوزان) و (إميلي)

    بأفواههنَّ المدوَّرةِ يغنِّينَ

    ها.. ها.. هي..

    وعندما الطُّيورُ الملوَّنةُ

    تضحكُ في الظِّلِّ

    حيثُ مائدتُنا

    عامرةٌ بالجوزِ والكرزِ،

    عندها تعالَ وعِشْ

    وكنْ مرحاً وانضمَّ إليَّ

    نغنّي سويَّةً

    ككورسٍ جميلٍ

    ها.. ها.. هي..

    11)هدهدة

    نمْ هانئاً

    يا طفليَ الحبيبْ

    فالأحلامُ الحلوةُ

    تطوفُ فوقَ رأسِكْ.

    نمْ حالماً بجداولِ السُّرورِ

    تمرُّ بالأنوارِ الحالمةِ السَّعيدة.

    نمْ هانئاً

    فاللَّمسة النَّاعمةُ

    تحوكُ من جبينها

    تاجاً طفوليَّاً لكَ.

    نمْ هانئاً

    فالملاكُ الوديعُ

    يرفرفُ حولكَ

    يا طفليَ السَّعيدْ.

    بسماتٌ لطيفةٌ في اللَّيلِ

    ترفُّ فوقَ بهجتي.

    بسماتٌ لطيفةٌ،

    بسماتُ أمَّهاتٍ

    تلاعُبُكَ طولَ اللَّيلْ.

    نشيجٌ رقيقٌ

    كتنهُّدِ اليمامةِ

    لا يطردُ السُّباتَ من عينيكْ.

    نشيجٌ رقيقٌ

    وبسماتٌ أرقُّ

    تلهيكَ عن نشيجٍ

    كتنهُّدِ اليمامة

    نمْ.. نمْ..

    يا طفليَ السَّعيدْ

    فكلُّ من عليها

    قد نامَ وابتسمْ.

    نمْ.. نمْ.. قريرَ العينِ

    فأمُّكَ تبكي حواليكَ.

    في وجهِكَ يا طفليَ الجميلَ

    أستشفُّ صورةً مقدَّسةْ.

    وذاتَ مرَّةٍ يا طفليَ الجميلَ

    خالقُكَ استلقى

    وبكى من أجلي

    بكى من أجلي وأجلِكَ

    وأجلِ الجميعِ

    عندما كان طفلاً صغيراً.

    وأنتَ دائماً تبصرُ صورتَهُ

    وجهاً سماويَّاً يبتسمُ لكَ،

    يبتسمُ لكَ ولي وللجميعِ

    ذاكَ الَّذي أصبحَ طفلاً صغيراً.

    بسماتُ الطفلِ هي بسماتُهُ

    الَّتي تستميل الأرضَ والسَّماءَ

    إلى برِّ السَّلامْ.

    12)الصُّورة السَّماويَّة

    للرَّحمةِ والشّفقةِ

    والسَّلامِ والحبِّ

    يصلِّي الجميعُ في حالةِ الأسى

    ولتلكَ الفضائلِ النَّبيلةِ

    يردُّونَ امتنانَهم.

    للرَّحمةِ والشَّفقةِ

    والسَّلامِ والحبِّ

    وجودُ اللهِ

    -أبينا العزيز

    والرَّحمةُ والشَّفقةُ

    والسَّلامُ والحبُّ

    هو الإنسانُ- طفلُه وعنايتُهْ

    للرَّحمةِ قلبُ الإنسانْ

    للشَّفقةِ وجهُهُ،

    والحبُّ هيئتُهُ السَّماويَّةُ

    13) خميس الصُّعود

    وكان في خميسِ الصُّعودِ

    أطفالٌ بوجوههِم البريئةِ

    يمشونَ اثنينِ.. اثنينِ

    بالأحمرِ والأزرقِ والأخضرْ.

    وكان أمامَهم

    يسيرُ شَّماسونَ

    برؤوسِهم الرَّماديَّة

    وصولجاناتِهم البيضاءِ كالثَّلجِ

    حتَّى دخلوا

    مثلَ تدفُّقِ نهرِ (التَّايمز)

    إلى القبَّةِ العاليةِ

    لكنيسةِ القدِّيسِ (بولُس).

    أوه.. ما هذهِ الحشودُ

    من أزاهيرِ لندن

    تجلسُ مجموعاتٍ

    بكلِّ تألُّقِها!!

    هنالكَ همهمةُ حشودٍ

    لكنَّها حشودٌ من خراف؛

    آلافٌ من الفتيةِ

    والفتياتِ الصِّغارِ

    يرفعونَ أيديهم البريئة.

    وها هم الآن

    مثل رياحٍ عاتية

    يرفعونَ بالغناءِ

    أصواتَهم إلى السَّماءْ،

    أو مثلَ رعدٍ متناغمٍ

    يرفعونَ عروشَ السَّماءْ.

    ودونَهم يجلسُ الكهولُ؛

    الحرَّاسُ الحكماءُ للفقراءْ.

    عندها..

    عليكَ أن تضمرَ الرَّحمةَ

    مخافةَ أن تطردَ ملاكاً

    من أمامِ بابِكْ.

    14)ليل

    تميلُ الشَّمسُ إلى مغربِها،

    ونجمةُ المساءِ تأتلقْ.

    والعصافيرُ صامتةً

    تكنكِنُ في أعشاشِها،

    وأنا ليس أمامي

    إلاَّ أن أبحثَ عن عشِّي.

    يعرِّشُ القمرُ –كزهرةٍ-

    في السَّماءْ،

    يتربَّعُ مبتسماً على عرشِ اللَّيلْ،

    وداعاً.. أيَّتُها الحقولُ الخضراءْ!

    وداعاً.. أيَّتُها البراري السَّعيدة!

    كم راقَ للقطعانِ

    أن تمرحَ في ثناياكِ!

    وللحملانِ

    أن تتقافزَ في جنباتِك!

    وكم أقدامُ الملائكةِ النَّيِّرةُ

    بخطوِها الخفيِّ

    بخطوِها الخفيِّ

    أغدقتِ البركةَ والبهجةَ

    دونما انقطاعٍ

    على كلِّ برعمٍ

    وكلِّ زهرةٍ مثمرةٍ،

    وكلِّ حضنٍ يخلدُ للنَّومْ.

    وكم عرَّجتْ،

    على أعشاشٍ منسيَّةٍ

    تنعمُ بالدِّفءِ عصافيرُها!

    وكم زارتِ الوحوشَ في الكهوفِ

    تبعِدُ عنها شهوةَ الأذى!

    وكم جلسَتْ

    إلى سريرِ من رأتْهُ باكياً

    عاندَهُ الرُّقادُ

    ونثرتْ على جبينهِ

    أزاهرَ النُّعاسِ!

    وكم بكَتْ، مشفقةً،

    حينَ التقَتْ

    بعضاً من الذئابِ والنُّمورِ

    تبحثُ في القفارِ عن فريسةٍ،

    علَّها بالدُّموعِ

    تثنيها عن غريزةِ العدوانِ

    وعلَّها تنقذُ الأغنامْ!

    وحينَ كانَ سعيُها

    يبوءُ بالفشلِ

    كم كانتْ بحذرٍ شديدٍ

    تستجلبُ الأرواحَ الوديعةَ

    كي تُنشئَ للآتينَ

    عالماً جديداً!

    في ذلك العالمِ الجديدِ

    ستفيضُ عيونُ الأسدِ المتورِّدةُ

    بدموعٍ ذهبيَّةٍ،

    بعدَ أن يفيضَ قلبُهُ بالرَّحمةِ

    وهو يتجوَّلُ حولَ الحظيرةِ

    منتحباً بحنانٍ يقولْ:

    “لعلَّ قصاصي

    في الضَّعفِ والخنوع

    يكونُ خلاصاً لصحَّتي

    من وطأةِ المرضِ

    ومعيناً لي في الدُّخولِ

    إلى زمنِ الخلودْ!”

    “والآنَ..

    أيَّتُها الحملانُ الثَّاغيةُ،

    ليَ أن أجلسَ

    أو أن أنامَ إلى جواركِ

    أحميكِ من كلِّ الَّذينَ

    لا يروقُهم سماعُ اسمِكِ،

    أرعاكِ وأبكي لأجلكِ،

    لأنَّ لُبْدَتيَ المغسولةَ

    في نهرِ الحياةِ

    ستبقى إلى الأبدْ

    تبرقُ كالذهبِ

    إذا أنا ثابرْتُ

    على حراسةِ الحظيرةْ.

    15)الرَّبيع

    زغردْ أيُّها (الفلوت)

    لماذا أنتَ صامتٌ!

    فالعصافيرُ فرحةٌ

    في اللَّيلِ والنَّهارِ

    والعندليبُ في الوادي

    والقبَّرةُ في السَّماءِ

    بمرحٍ.. بمرحٍ..

    ترحِّبُ بالسَّنةِ الجديدةْ.

    الولدُ الصَّغيرُ

    يفيضُ بالفرحِ

    وأيضاً الفتاةُ

    الحلوةُ النَّاعمةُ.

    والدِّيكُ يصيحُ

    وأنتَ مثلُهُ.

    أصواتٌ مرحةٌ،

    ضجيجُ أطفالٍ،

    بمرحٍ.. بمرحٍ..

    ترحِّبُ بالسَّنةِ الجديدةْ.

    الحملُ الصَّغيرُ

    “(هذا أنا)” يقولْ

    “تعالَ والعقْ رقبتي البيضاءْ”.

    “(دعني أنتفُ صوفكَ النَّاعم)

    (دعني أقبِّلُ وجهكَ الرَّقيق)

    وبمرحٍ.. بمرحٍ..

    نرحِّبُ بالسَّنةِ الجديدةْ.

    16)أغنية المربِّية

    عندما أصواتُ الأطفالِ

    تُسمَعُ فوق المرجِ

    والضَّحِكُ يعلو عند التَّلِّ

    يهجعُ قلبيَ في صدري

    وتصيرُ الأشياءُ الأخرى هادئةً.

    “إلى البيتِ عودوا يا أطفالي

    فالشَّمسُ في غيابٍ،

    وندى اللَّيلِ يستفيقْ.

    تعالوا.. تعالوا..

    واتركوا اللَّعِبْ.

    وهيَّا بعيداً

    ننتظرُ الصَّباحَ

    أن يطلَّ في السَّماءْ”.

    “لا.. لا.. دعينا نلعبْ

    فالوقتُ لا يزالُ نهاراً.

    وكيف لنا أن ننامَ

    ما دامت العصافيرُ الصَّغيرةُ

    تطيرُ في السَّماءِ

    والتِّلالُ تعجُّ بالخرافْ”.

    “حسناً.. حسناً..

    اذهبوا وتابعوا اللَّعبَ

    إلى أن يذبلَ الضَّوءُ ويبتعدْ.

    عندها عليكم أن تعودوا

    إلى البيتِ والسَّرير”.

    وراحَ الصِّغارُ يتقافزونَ

    يصرخونَ ويضحكون.

    وراحت التِّلالُ

    تردِّدُ صداهمْ.

    17) سعادة الطِّفل

    “أنا لا اسمَ لي

    لكنَّني ابنُ يومين”

    “بماذا سأناديك؟”

    “أنا سعيدٌ جدَّاً

    والفرحُ هو اسمي.

    ليتَ حلاوةَ الفرحِ

    تغمرُكْ”.

    “فرحٌ جميلٌ!

    فرحٌ حلوٌ

    لكنَّك ابنُ يومين

    وأسمِّيكَ الفرحَ الحلوَ.

    فابتسمِ الآنَ

    وأنا أغنِّي

    والفرحُ الحلوُ

    يا ليتهُ يغمرُكْ.

    18) حلم

    نسجَ حلُمٌ مرَّةً طيفاً

    فوقَ سريريَ

    المحروسِ بالملاك

    بأنَّ نملةً ضيَّعت طريقَها

    على العشبِ

    حيثُ خلتُ نفسي مستلقياً،

    وأنَّ الظَّلامَ

    الَّّذي أرهقَهُ السَّفرُ

    -مرتبكاً وقلقاً-

    راح يداهمُ المكانْ.

    وفوق غصنٍ متشابكٍ

    سمعتُها بقلبِها المنكسرِ

    تقولْ:

    “آهٍ يا أطفالي!

    هل همُ يصرخون!

    هل هم يسمعونَ

    تنهُّدَ أبيهم!

    تُراهمُ الآن ينظرون إلى الخارجِ

    تُراهمُ يعودونَ

    للبكاءِ من أجلي”.

    شفقةٍ عليهم، أرقتُ دمعةً.

    لكنَّني شاهدْتُ على مقربةٍ

    سراجَ اللَّيلِ الَّّذي أجابَ:

    “أيُّ كائنٍ ينتحبُ،

    عليهِ أن ينادي

    على حارسِ اللَّيلْ.

    فأنا مهمَّتي أن أنيرَ الأرضَ،

    بينما تدور الخنفساءُ دورتها.

    فاتبعوا الآن همهمةَ الخنافسِ،

    يا أيُّها الهائمونَ الصِّغارُ

    وحثُّوا الخطى إلى البيتْ.

    19)عن حزن الآخرين

    كيف لي أن أدركَ

    محنةَ الآخرينَ ولا أحزنْ!

    كيف لي أن أدرك

    حزنَ الآخرينَ

    ولا أفتِّشُ عمَّا يفرجُهم!

    كيف لي أن أرى

    تساقُطَ الدُّموعِ

    ولا أشعرُ أنَّني

    شريكُ أحزانها!

    وهل يستطيعُ أبٌ أن يرى

    طفلَهُ باكياً

    دون أن يكونَ مترعاً بالحزنْ!

    وهل لأمٍّ أن تسمعَ

    أنين طفلٍ خائفٍ

    وتقعدُ عنهُ!

    لا.. لا.. أبداً

    لا يمكنُ أن يكونْ..

    أبداً.. أبداً

    لا يمكنُ أن يكونْ..

    وهل يستطيعُ

    الباسمُ للجميعِ

    أن يسمعَ

    النُّمنمةَ الصَّغيرةَ حزينةً،

    والعصافيرَ أسيَّةً مهمومةً،

    والأطفالَ وهم يتحمَّلونَ الويلاتِ

    ولا يجلسُ على أعشاشِها

    يغدقُ الرَّحمةَ على صدورِها،

    أو قربَ مهودِ الأطفالِ

    يبكي على دموعِها دموعاً،

    أو يمكثُ اللَّيلَ والنَّهارَ

    ينشِّفُ دموعَنا!

    لا.. لا.. أبداً

    لا يمكنُ أن يكونْ..

    أبداً.. أبداً

    لا يمكن أن يكونْ..

    فالَّذي يمنحُ البهجةَ للجميعْ،

    والَّذي يصيرُ طفلاً صغيراً،

    والَّذي يصيرُ رجلَ الملمَّاتِ،

    يشعرُ أيضاً بالأسى،

    فلا تظنّ أنَّكَ

    تتنهَّدُ تنهيدةً

    دونَ أن يكونَ خالقُكَ قريباً.

    ولا تظنّ أنَّكَ

    تبكي دمعةً

    دونَ أن يكونَ خالقُكَ قريباً.

    فهو الَّذي يمنحُنا الفرحَ

    يقضي به على أحزانِنا

    يبدِّدُها حتَّى تتلاشى.

    وهو الَّذي إلى جوارنا

    يجلسُ وينتحبْ.

    *

    ترجمة: جهاد عارف الأحمدية – 2004

  • وليم شكسبير – سونيت 95

    بأي قدر من الرقة والمحبة تقترف الأمور المشينة،

    مثل الدودة التي تنهش برعم الوردة العطرة،

    تلطخ جمال اسمك وهو ما زال برعما!

    واهاً لك، في أي العناصر الرقيقة تخفي خطاياك!

    .

    هذا اللسان الذي يروي قصة أيامك،

    مَعَلِّقاً باستهتار على ألاعيبك،

    لا يستطيع أن يذمك، لكنه على سبيل المدح،

    حين يشير إلى اسمك، يغفر الخبر السيء الذي يقال عنك.

    .

    يا له من مدار ذلك الذي اتخذته تلك الخطايا

    حين اختارتك أن لتكون لها سكنا،

    حيث يخفي نقاب الجمال جميع الوصمات

    فتتحول كل الأشياء إلى الصورة الحبيبة التي تراها العيون!

    .

    انتبه، أيها القلب العزيز، لهذه الميزات الكبرى،

    إن أكثر السكاكين صلابة يضيع حدها إذا أسيء استخدامها.

    *

    ترجمة: بدر توفيق

  • وليم شكسبير – سوناتا رقم 1

    وليم شكسبير – سوناتا رقم 1

    نحن نبغي المزيد من أحلى الكائنات،

    كيلا تموت وردة الجمال أبداً،

    فمثلما يذوي من اكتملت حياته بانقضاء السنوات،

    لا بد لخَلَفِهِ الرقيق أن يحمل ذكراه؛

    .

    أما وأنت مشدود إلى ذات عينيك الوضاءتين،

    تُغَذّي شعلة ضوئهما بوقود من صميم نفسك،

    متناقصا من الوفرة الكامنة،

    صرت عدواً لنفسك، شديد القسوة على ذاتك العذبة.

    .

    ولأنك الآن زينة الوجود النضرة

    والبشير الرئيسي للربيع المزدان،

    تدفن ما تنطوي عليه في برعمك الخاص

    فتتلفه، أيها البخيل الحنون، باختزانك إياه.

    .

    فلتأسف لهذا العالم، أو حيثما يكون هذا الفاتك،

    الذي يلتهم حق الدنيا فيما بين حياتك ومماتك.

    *

    ترجمة: بدر توفيق

  • وليم شكسبير – سونيت 95

    إذا طال بي العمر بعدك، وكتبتُ الأسطر التي ستوضع على شاهد قبرك،

    فسوف أبقى خالداً، بينما أكون أنا تحللت في التراب.

    لأن الموت لا يقوى على طيّ ذكراك من هذه القصائد،

    رغم أني سأصبح نسياً بأكملي منسياً.

    .

    سيحظى اسمك في أشعاري بحياة خالدة،

    رغم أني بمجرد رحيلي يكون موتي مؤكداً للعالم بأسره.

    ولن يكون لي في الأرض سوى قبر عادي

    بينما يكون مثواك الأخير في عيون الناس.

    .

    سيكون تذكارك في أشعاري الرقيقة،

    هذه الأشعار التي ستقرؤها عيون لم تخلق بعد؛

    والتي سترددها أَلْسُنُ يكون حديثها عنك

    حين يكون أحياء عالمنا هذا في عداد الموتى.

    .

    لقلمي هذه القدرة التي تجعلك تواصل الحياة

    حيثما تتردد أنفاس الناس ما بين الشفاه

    *

    ترجمة: بدر توفيق

  • ويليام ووردزوورث – إذ كنت وحيدا أتجول

    (أو: أزهار النرجس)

    *

    إذ كنت وحيدا أتجولْ

    كالغيمة تطفو عاليةً

    فوق الهضْبة والوادي

    لاح لبصري جمهرةٌ

    من زهر النرجس ذهبيةْ

    تحت الشجر وجنب بحيرةْ

    تهتزًّ وترقص في النسمةْ.

    .

    تتلألأ مشرقةً دوماً

    كأنجم درب اللبانةْ

    تمتد على جرف خليجٍ

    أبعد من مرمى الأبصارْ.

    شاهدت الآلاف بنظرةْ

    تتمايل راقصة جذلى.

    .

    الموجُ بجانبها يرقصْ

    لكنَّ الموجَ المتلألئ

    لم يبلغْ مبلغَها فرحا.

    والشاعرُ إن كان بصحبتها

    لا يملكُ إلا أن يمرحْ.

    وواصلت النظرَ ولكني

    لم أفطنْ كم أثرى بصري

    مما شاهدت من المنظرْ.

    .

    وحين أعود لأستلقي

    بمزاج آسٍ أو خال

    تلوح لعيني الباطنةِ

    النعمةِ من نعمِ الوحدةْ

    لتملأ قلبي بالبهجةْ

    فيبدأ بالرقص مع النرجسْ.

    *

    ترجمة : د. عادل صالح الزبيدي

    **