المدونة

  • أمل دنقل – زهور

    أمل دنقل – زهور

    https://soundcloud.com/antolgy/1vqaahtwrazn

    وسلالٌ منَ الورِد,

    ألمحُها بينَ إغفاءةٍ وإفاقه

    وعلى كلِّ باقةٍ

    اسمُ حامِلِها في بِطاقه

    ***

    تَتَحدثُ لي الزَهراتُ الجميلهْ

    أن أَعيُنَها اتَّسَعَتْ – دهشةً –

    َلحظةَ القَطْف,

    َلحظةَ القَصْف,

    لحظة إعدامها في الخميلهْ!

    تَتَحدثُ لي..

    أَنها سَقَطتْ منْ على عرشِها في البسَاتين

    ثم أَفَاقَتْ على عَرْضِها في زُجاجِ الدكاكينِ, أو بينَ أيدي المُنادين,

    حتى اشترَتْها اليدُ المتَفضِّلةُ العابِرهْ

    تَتَحدثُ لي..

    كيف جاءتْ إليّ..

    (وأحزانُها الملَكيةُ ترفع أعناقَها الخضْرَ)

    كي تَتَمني ليَ العُمرَ!

    وهي تجودُ بأنفاسِها الآخرهْ!!

    ***

    كلُّ باقهْ..

    بينَ إغماءة وإفاقهْ

    تتنفسُ مِثلِىَ – بالكادِ – ثانيةً.. ثانيهْ

    وعلى صدرِها حمَلتْ – راضيهْ…

    اسمَ قاتِلها في بطاقهْ!

  • ألفونسينا ستورني – صمت

    ألفونسينا ستورني – صمت

    في أحد الأيام سأكون ميتة، بيضاء كالثلج،

    رقيقة كالمنامات في مغيبٍ ممطر.

    .

    في أحد الأيام ميتةً سأكون، باردةً كالحجر،

    هادئةً كالنسيان، كاللبلاب حزينة.

    .

    سأحقق في أحد الأيام حلمي المسائي،

    ذاك الحلم الغالي حيث تنتهي الطريق.

    .

    سأنام في أحد الأيام مع حلم فسيح فسيح،

    حدّ أن قبلاتكَ نفسها لن تستطيع إحياء الخدر.

    .

    في أحد الأيام سأكون وحيدة، مثلما الجبل وحيد

    بين الصحراء الشاسعة والبحر الذي يغسله.

    .

    سيكون ذلك المساء طافحا بالرقة الإلهية

    بالعصافير الصامتة والنفل البرّي.

    .

    وسيدخل الربيع الزهري مثل شفة طفل

    من الأبواب بلهاثه المعطّر.

    .

    وسيضع الربيع الزهري – الربيع الزهري أجل! –

    وردتين صفراوين على خدّي…

    .

    الربيع الرقيق، ذاك الذي وضع وروداً

    قرمزية وبيضاء على يديّ الحريريتين.

    .

    الربيع الرقيق نفسه الذي علّمني أن أحبك

    الربيع الذي ساعدني في الوصول إليك.

    .

    آه من المساء الأخير الذي أتخيّلني فيه ميتة

    مثل أنقاض مدينة ألفية وخالية!

    .

    آه من ذلك المساء الذي يشبه صمت البحيرات

    الصفراء والساكنة تحت شعاع القمر!

    .

    آه منه مساءً ثملا من التناغم الكامل:

    كم مريرة هي الحياة، وكم هو الموت مستقيم!

    .

    الموت المنصف الذي يحملنا إلى النسيان

    مثلما يستقبل العش عصفورا تائها.

    .

    وسيقع في بؤبؤيّ ضوء خيِّر،

    الضوء الإلهي الأزرق للساعة الأخيرة.

    .

    ضوء خافت سينزل من السماء

    وسيسكب في عينيَّ حنوّ غلالة.

    .

    ضوء خافت سيغمرني كلّني

    بحجابه اللامحسوس كطرحة عرس.

    .

    ضوء سيهمس في روحي على مهل:

    “الحياة كهف، الموت هو الفضاء”،

    .

    وسيمحوني في سكون بطيء وسامٍ

    مثلما عند الشاطئ الذهبي يمّحي الزبد.

  • ألفونسينا ستورني – أنا تلك الزهرة

    حياتكَ نهر كبير يجري غزيرا.

    على ضفته، خفية، أنبتُ بتؤدة.

    أنا تلك الزهرة الضائعة بين الأسل والحشائش

    التي تغذيها برحمتك، لكنك لا ترمقها قط.

    .

    عندما تعلو تسحبني فأموت على صدرك،

    وعندما تجفّ أموت ببطء في الوحل

    لكني أعود فأنمو بتؤدة

    عندما في النهارات الجميلة تدفق غزيرا.

    .

    أنا تلك الزهرة الضائعة التي تنمو على ضفتيك،

    خاشعة وصامتة، ربيعا وراء ربيع.

  • آلان جيفريز – قصيدة

    آلان جيفريز – قصيدة

    المرأة التي بقرب الشط

    وكل أنواع الطيور فوقها قد حط

    من كل لونٍ، كل شكلٍ وحجمْ

    .

    تميل كي تلتقط

    حجارةً

    تفزع عنها الطيورْ

    تلك التي طارت بعيداً

    وظلت المرأة وحدها

    وآثار الطيورْ

    قد لطخت فستانها النظيفْ

    فستانها الطويلَ والأبيضْ

    فستانها الصوفْ!

    *

    ترجمة: سيد جودة – مصر

  • الذرة لـ فيودور فاسيلييف

    الذرة لـ فيودور فاسيلييف

    Date: 1870
    Style: Realism
    Genre: landscape
    Media: oil, canvas
    Location: Tretyakov Gallery, Moscow, Russia
  • الموت يستمع لـ هوجو سيمبرج

    الموت يستمع لـ هوجو سيمبرج

    Date: 1897
    Style: Symbolism
    Genre: symbolic painting
  • والت ويتمان – إلى غريب

    أيها الغريب العابر

    أنت لا تدري كم انتظرتك طويلا

    أنت من كنت أبحث عنه

    أو من أبحث عنها

    هاهو ذا الحلم يأتيني

    أكيدا.. عشت معك، يوما ما، حياة فرح

    كل شيء أتذكر، ونحن نمر ببعضنا

    طريين، حنونين، طاهرين، ناضجين

    لقد ترعرعت معي

    كنت فتي، أو فتاة، معي

    طعمت معك

    ورقدت معك

    وجسدك لم يعد لك وحدك

    ولا جسدي عاد لي وحدي

    لقد منحتني وأنت تمر

    بهجة عينيك

    ووجهك

    وبشرتك

    وأخذت لحيتي وصدري ويدي.. بدلا

    لا أتحدث اليك

    لكني أفكر بك

    حين أجلس وحيداً

    أو استيقظ في الليل وحيدا

    علي أن أنتظر

    فاني لملاقيك.. ثانية:

    أنا لا أريد أن أفقدك

    قاومي كثيرا

    وأطيعي قليلا.

    فلو أطعت مرة طاعة عمياء

    لاستعبدت استعبادا كاملا

    ولو استعبدت مرة

    أمة، أو ولاية، أو مدينة، في هذه الأرض

    استعباداً كاملاً

    فلن تستعيد حريتها أبدا.

    *

    ترجمة: سعدي يوسف

  • والت ويتمان – طفلٌ قال، ماهو العُشب؟

    طفل قالَ ما هو العُشْب؟ كان يحمله إلَيّ بكلتا يديه؛

    كَيْفَ يُمكنُ أن أُجيبَ الطفل؟ . . . إنني لا أعرف عن ذلك أكثرَ مما يعرفه هو.

    أظنّه قد يكون الرّاية لحيودي، بعيداً عن تموّج المادةِ الخضراءِ المتفائلة.

    أَو أظنُّ أنّه مِنديلُ اللوردِ،

    تذكارٌ و هديّةٌ عَبِقة سَقطَت على عَمد،

    يزمُّ اسمَ المالكَ بطريقةٍ ما في الزوايا،

    ذاك الذي قد نراهُ ونشيرُ إليه، ونقول مَن!

    أَو أظنّ أنّ العشبَ نفسه طفلة. . . أنجبتْ فتاة النبات.

    أَو أنني أظنّ أنّه بزّةٌ هيروغليفيّة،

    وتَعْني، التّبرعمُ بالتساوي في البُقَع الواسعةِ والبُقَع الضيّقةِ،

    النموّ بين الناسِ السودِ كسواهم من البيضِ،

    كانوك1، توكاهو2، عضو كونجرس، كفّةالكُم، أَعطيهم المِثْل،

    وأَستقبلهم بالمِثْل.

    والآن يَبْدو لي الشَعْر غيرَ المَقْصوص الجَميل للقُبورِ.

    بلُطفٍ، هلاّ استخدمُك أيّها العُشْب المُجعّد،

    قَدْ يكونُ أنّك تَرْشح مِنْ أثداء الشباب،

    قَدْ يكون لو أنني عرَفتهم لكنتُ أحبّهم؛

    قَدْ يَكُون أنّك مِنْ كبارِ السنّ ومِنْ النِساءِ،

    ومِنْ ذُرّية أَُخذَت على عَجَل من أحضانِ أمِّها،

    وها أنت هُنا أحضَان الأمّ.

    هذا العشب مُظلمٌ جداً لِيَكُونَ مِنْ رؤوسِ العجائز البيضاء،

    أظلم مِنْ لِحَى الشيوخ عَديمة اللون،

    مُظلم ليأتي مِنْ أسفل الأسطُح باهتة الحُمْرة للأفواهِ.

    أوه! أخيراً ألاحظُ الكثيرَ من الألسنةِ المُتلعثمة!

    و ألاحظُ أنّهم لا يَجيئونَ مِنْ سقوفِ الأفواهِ بدون مقابل.

    أَتمنّى أنّني أستطيعُ أَنْ أفسّر التلميحات عن المَوْتى من النِساءِ والشباب اليافِع،

    والتلميحات عن الشيوخ و العجائز، و عن الذُرّيةِ التى أخِذَت عَلى عَجَلٍ من أحضانِ أمّها.

    ما الّذي تعتقده يصبحُ مِن الشباب والشيوخ؟

    ما الذّي تعتقده يصبحُ مِن النِساءِ والأطفالِ؟

    هم أحياءٌ و بخَيْر في ثمّة مكان؛

    البَراعمُ الصغيرة تؤكّد أنّ المَوْت لم يكُن هُناك،

    وإنْ يكُن فلقَد افتتح أفقاًً لحياة،

    ولن يَنتظرَ عند النهايةِ ليكبحها،

    ويقطع لحظةً لحياةٍ دبّت.

    ينطلقُ الجميعُ الى الامامِ والى الخَلْف . . . ولا شيء ينهار،

    وأن تمَوت فذَلك شيءٌ يختلفُ عما يمكن لأحَدٍ أن يتصوّر،

    و شيءٌ أوفَرُ حظاً.

    *

    ترجمة:شريف بُقنه الشّهراني

  • المصير – أحمد شاملو – ترجمة: دلال عباس

    المصير – أحمد شاملو – ترجمة: دلال عباس

    صرتُ ظلَّ غيمة، وخيّمتُ فوق السهول

    على الطريق حطابٌ يحمل على ظهره حمل الحطب

    عابرٌ صامتٌ، كساه الغبارُ، قال في نفسه:

    هه! ما هي فائدة أن يكون الإنسانُ ظلَّ غيمة؟

    صرتُ غزالاً برياً أعدو في الجبال وفي الصحراء

    الأطفال في السهل يتضاحكون فرحاً

    مرّ حنطورٌ قديمٌ، قال السائسُ العجوز في نفسه:

    هه! ما هي فائدة أن يصبح الإنسان ظبياً برياً دون أليف في السهل البعيد؟

    صرتُ يمامة برية أقف في أعلى البرج المهدم

    الفلاح علّق ثوبه على خشبة فوق بيدره

    حارس السهل تطلع إلى خارج كوخه الظليل وفرك يديه وقال في نفسه:

    ما هي فائدة أن يصبح ابن آدم يمامة برية وحيدة فوق برج قديم؟

    صرتُ سمكة بحرية أطوي المسافات من الغوطة الحزينة حتى الخليج البعيد

    الطائر البحري صرخ بحرقة على الساحل المهجور

    الملاح قربَ قاربه على الرمال الرطبة قال في نفسه:

    ما هي فائدة أن يصبح الإنسان سمكة هائمة في البحر خرساء باردة؟

    صرتُ غزالاً برياً أهيم في الجبال والصحارى

    صرتُ ظل غيمة أخيّم فوق السهول

    صرتُ حمامة برية أنشد الامتلاء من السموات

    صرتُ سمكة بحرية أسبح في المياه العكرة

    ارتديت خرقة الدراويش وقرأتُ الأوراد

    صاحبتُ البُكم بحثاً عن الأسرار

    انتعلتُ سبعة أحذية حديدية وسرتُ نحو جبل قاف

    طائر كان أسطورة، قرأت الأسطورة وعدتُ

    اجتزتُ أراضي الأقاليم السبعة مترنحاً

    طرقتُ باب منزل السحرة ولم يرمِش لي طرف

    فتشتُ عن ذي همّة عالية في الجبل والسهل والبحر، وعبثاً بحثتُ،

    ثم صرتُ سهماً واستقرتُ في نار الشعب.




    *نص: أحمد شاملو
    *ترجمة: دلال عباس

  • إبراهيم ناجي – أصوات الوحدة

    إبراهيم ناجي – أصوات الوحدة

    يا وحدتي جئت كي أنسَى وهائنذا	ما زلتُ أسمعُ أصداءً وأصواتا
    مهما تصاممتُ عنها فهي هاتفةٌ يا أيها الهاربُ المسكينُ هيهاتا!
    جَرَّتْ عليَّ الأماني مِنْ مجاهلِها وجمَّعَتْ ذِكَراً قد كُنَّ أشتانا
    ما أَسْخَفَ الوحدةَ الكبرى وأضيعهَا إذا الهواتف قد أرجعن ما فاتا
    بَعثن ما كان مطويّاً بمرقدهِ ولم يزَلْنَ إلى أن هبَّ ما ماتا
    تلفَّتَ القلبُ مطعوناً لوحدته وأين وحدته؟ باتتْ كما باتا!
    حتى إذا لم يجدْ ريّاً ولا شبعاً أفضى إلى الأمل المعطوب فاقتاتا!
  • بابلو نيرودا – القلب

    بابلو نيرودا – القلب

    لقد خرجت عيناي من محجريهما

    سعيا وراء فتاة سمراء

    مرت من أمامي.

    .

    كانت مجبولة من العقيق الأسود

    مضفورة بحبات التوت الأرجوانية

    وساطت دمائي

    بذيلها الناري.

    إني أسعى وراءهن

    وراءهن جميعا أسعى.

    .

    ومرت أمامي شقراء شاحبة

    كأنما هي نبات مجبول من ذهب

    وهي توازن بين مفاتنها.

    وراح فمي كالموجة،

    يطلق إبراقات من الدم

    فوق نهديها.

    .

    إني أسعى وراءهن

    وراءهن جميعا أسعى

    .

    ولكن،

    إليكِ أنتِ

    دون أن أنتقل من مكاني

    ودون أن أراكِ

    يذهب دمي وقبلاتي

    أي سمرائي وشقرائي

    أي طويلتي وصغيرتي

    أي عريضتي ونحيلتي

    أي قبيحتي وفاتنتي.

    .

    أنتِ مجبولة من كل أنواع النضار

    ومن كل أنواع اللجين

    من القمح جميعه

    ومن الأرض كلها

    مجبولة من كل المياه

    ومن موجات البحار

    مجبولة من أجل ذراعيّ

    مجبولة من أجل قبلاتي

    مجبولة من أجل روحي.

    *

    ترجمة: ماهر البطوطي

     

  • تشارلز بوكوفسكي – مأساة العُشب

    أفقتُ على الجفاف وكانت السراخس ميتة،

    النباتات التي في القدور الفخارية صفراء كالذرة؛

    امرأتي رحلت

    والزجاجات الفارغة تحاصرني، كجثث مدمّاة،

    بلاجدواها؛

    كانت الشمس لا تزال تسطع مع ذلك

    وملحوظة صاحبة البيت تكسّرت في اصفرار مناسب

    غير متطلّب؛ أكثر ما كنت بحاجة اليه وقتذاك

    كوميدي جيد، من الأسلوب القديم، مهرّج

    يحمل نكاتاً على ألم مجرّد؛ الألم مجرّد

    لأنه موجود، لا أكثر؛

    حلقتُ، بشفرة قديمة، وبحذر

    ذقن الرجل الذي كان يافعاً ذات مرة وقيل

    إنه عبقري؛

    لكنها مأساة العشب،

    السراخس الميتة، النباتات الميتة؛

    وعبرتُ الردهة المعتمة

    حيث تقف صاحبة البيت

    لاعنةً ومرسلة إياي، أخيراً،

    إلى الجحيم،

    ملوّحة بذراعيها السمينتين المعرّقتين

    وصارخة

    صارخة تطالب بالإيجار

    لأن العالم خذلنا

    نحن الإثنين.

     

    تشارلز بوكوفسكي

  • نيكوس كازانتزاكيس – مقطع من كتاب تصوف..منقذو الآلهة

    نأتي من هاوية مظلمة وننتهي الى مثيلتها .. أما المسافة المضيئة بين الهاويتين فنسميها الحياة . 
    لحظة ان نولد تبدأ رحلة العودة . الانطلاق والعودة في آن . كل لحظة نموت .. لهذا جاهر كثيرون إن هدف هذه الحياة هو الموت . 
    ما أن نولد حتى تبدأ محاولاتنا في ان نخلق ونبتكر ، ان نجعل للمادة حياة .. كل لحظة نولد .. لهذا جاهر كثيرون إن هدف الحياة الدنيا هو الخلود . 
    في الأجسام الحية الفانية يتصارع هذان التياران : 
    الصاعد ، نحو التركيب ، نحو الحياة ، نحو الخلود. 
    الهابط ، نحو التحلل ، نحو المادة ، نحو الموت .

    صوت في داخلي يصيح آمراً : 
    احفر .. ماذا ترى ؟ 
    ـ بشراً وطيوراً، مياهاً وحجارة . 
    احفر أيضا .. ماذا ترى ؟ 
    ـ أفكاراً .. وأحلاماً.. بروقاً .. وخيالات . 
    احفر أيضا .. ماذا ترى ؟ 
    ـ لا أرى شيئاً..!! ثمة ليل عاصف غليظ كالموت ، لعله الموت . 
    احفر أيضا..!! 
    ـ آه لا أستطيع أن اعبر شبه الجدار المظلم ..!! اسمع أصواتاً ونحيباً ، اسمع حفيف أجنحة آت من الضفة الأخرى . 
    لاتبك .. لاتبك .!! إنها ليست من الضفة الأُخرى . كل هذه الأصوات والنحيب وحفيف الأجنحة هي قلبك . 
    بعيداً عن العقل ، وفي الهاوية المقدسة للقلب أتوازن مرتجفا . 
    إحدى قدميّ تحط على تراب حقيقي ، والأخرى تبحث عبر الظلام عن الهاوية . 
    أستشعر خلفي كل هذا الجوهر المكافح يصارع من خلف الظاهر ليلتحم بقلبي ، لكن الجسد يقف حائلا بيننا ليفرقنا ، والعقل يقف حائلا بيننا ليفرقنا . 
    ما هو واجبي ؟ 
    واجبي أن أحطم الجسد ، أن أتدفق وألتحم باللامرئي، أن يصمت العقل لكي اسمع صياح اللامرئي . 
    أسير على حافة الهاوية وأرتجف.. هناك صوتان في داخلي يتهدجان . 
    ـ يقول العقل : لماذا نتوه بحثاً عن المستحيل ؟ يجب ان نعترف بحدود الإنسان داخل السور المقدس للحواس الخمس . 
    لكن صوتاً آخر بداخلي ولنسمِّه الحاسة السادسة او لنسمِّه القلب يقف معترضا ويصيح: 
    لا، لا / لا تعترف أبداً بحدود الإنسان ..!! عليك ان تحطم الحدود ان تنكر ما تراه عيناك ..!! ان تموت وأنت تردد لا يوجد موت .!!! 

    أنا مخلوق مؤقت وضيف ، مصنوع من طين وأحلام لكني أدرك أن في داخلي تصطخب كل قوى الكون . 
    أريد للحظه واحدة ، وقبل أن تحطمني هذه القوى ، أن افتح عينيّ فأراها أمامي .. هذا هو هدفي الوحيد في الحياة . 
    أريد أن أجد مبررا لكي استمر على قيد الحياة ، ولكي أتحمل المشهد اليومي المرعب للمرض والقبح والظلم والموت . 
    بدأت من نقطة مظلمة هو الرحم، وأسير نحو نقطة مظلمة أخرى هي القبر.. إحدى القوتين تقذفني من هاوية مظلمة والأخرى تسحقني، بلا انقطاع ، في هاوية مظلمة .

    عليك أن تموت كل يوم . 
    وأن تولد كل يوم . 
    وأن ترفض ماعندك كل يوم . 
    فالفضيلة الكبرى ليست في أن تكون حراً .. وانما في أن تناضل من أجل الحرية . 
    لا تتواضع وتتساءل (( هل سننتصر ؟ هل سنهزم ؟ )) بل حارب . 
    وفي كل لحظة من حياتك أجعل من مغامرة العالم مغامرتك .

  • رأس فتاة لـ انطونيو كارفالهو

    النمط: واقعية

    النوع: صورة شخصية

  • ميلاد آخر – فروغ فرخزاد – ترجمة: مصطفى آدم

    ميلاد آخر – فروغ فرخزاد – ترجمة: مصطفى آدم

    أنا أنشودة الرّوح المُعْتَمة،
    أبدًا تُطوّف بِك
    في حناياها، بتكرارٍ مٌلّح،
    إلى فَجرِ سِحرٍ سرمدي،
    يشْتَعِلُ آسرًا بالنّماءِ والإزهار.
    في هذا النّشيد؛
    أدغمتك نسيجًا حي في لحى الأشجار،
    وفى قطرات الماء،
    وفي لهيب النّار.
    ربما تعني الحياة…
    شارعٌ ممتد … تَعْبِرَه كل صباحٍ،
    ودونما انقطاع،
    امرأة ما،
    تَحْمْلُ خُبْزَها وبيتها في سلَّة.
    ربما تعني الحياة:
    حبل مِشْنَقةٍ،
    يكفي لانتحار رجل ما،
    من على غُصنٍ نَدي يتدلّى.
    ربما تعني الحياة،
    خطو تلميذٍ صغير، يعودُ متعبًا للدّارِ في المساء.
    ربما تعني الحياة، إشعال سيجارة،
    ساعة الخدر اللّذيذ، فيما بين ذروتين،
    من الحب الشَّبِق.
    أو ربما نظرة غائمة بين عابرين،
    وابتسامة لا معنى لها،
    تتبعها تحية مقتضبة.
    ربما تعني الحياة،
    تلك النّظرة الخاطفة المُحْتَبَسة،
    عندما تُفنى نظرتي المتيّمة،
    في إنسان عينك بغتةً.
    أو ربما أيضًا تكون،
    ثمّة إحساس دفين،
    أودِعَه، خِلْسة، في وعي القمر،
    وجوف الظّلمة الحالكة.
    في غرفةٍ باتساع وحدتي الهائلة،
    يرنو قلبي،
    مُفعمٌ بكلِ هذا الحب لك،
    إلى ذرائعِ السّعادة البسيطة البريئة:
    سحرُ زهرٍ يزوي في إنائه؛
    شُجَيرة زرعتها ذات حبٍ في الحديقة،
    وشدو كناري ملئه الأسى،
    بقدر ما تتيحه نافذتي الصّغيرة.
    آه … هكذا يكون قدري!
    هكذا:
    سماءٌ تتواري بغتةً خلف ستارة،
    هذا نصيبي.
    خطو متردّد على دَرَجٍ مهجورة،
    لاستعادة شيء ما،
    من بين ركام الحنين والشّجن…
    آه … نصيبي:
    نزهة حزينة … وحيدة في حديقة الذّكرى،
    وفناء في الأسى،
    لصوت يقول هامسًا….. أعشق راحتيك!
    سأبذر كفى في حديقة الذّكرى،
    وأنمو…
    أعرف جيدًا أنّي سأنمو،
    حتى تضع العصافير الملوّنة الصّغيرة بيضها
    في راحتي الملطّخة بالكتابة.
    سأرتدي توأم كرزتين،
    قرطين يتدلّيان على جيدي،
    وتزهو بزهرات الأضاليا أظافري.
    هنالك، في الشّارع الضّيق الممتد، عبر الجّرح،
    بشعرهم الأشعث المُغبّر،
    وأعناقهم الرّقيقة وسيقانهم النّحيلة،
    ما زال صبية الحي الصّغير،
    يهيمون عشقًا فيّ،
    ويهمسون شوقًا إلىّ….
    طفلة الابتسامات البريئة…
    بعيدًا …. بعيدًا قد غيّبتها الرّيح،
    ذات ليلة.
    هنالك شارع ضيق ممتد،
    قد امتلكته بقلبي الصّغير خِلسةً،
    من بين شوارع الجّوار،
    في طفولتي البعيدة.
    رحلة الشّكل في مسار الزّمان،
    تبذر نطفة الشّكل في رحمه.
    شكلٌ يستبطن صورة،
    عائدة من وليمة المرايا.
    وهكذا يُفنى أحدهم،
    ويستمد الآخر معنى للحياة.
    أبدًا لن يعثر الغوّاص على لؤلؤةٍ ثمينة
    في قاع جدول صغير،
    تفضي مياهه إلى بركة موّحلة!
    أعرف ساحرةً صغيرةً حزينة،
    على شواطئ البحر الكبير،
    برقةٍ بالغة التّناهي،
    تعزف قلبها الصّغير نايًا.
    ساحرة صغيرة حزينة،
    تموت كل ليلة بقبلةٍ واحدةٍ،
    وتولد من جديد عند الفجر،
    بقبلة مفردة حنينه!
    ملحوظة :

    ___________

    *نص: فروغ فرخزاد

    ** ترجمها عن الإنجليزية: مصطفى آدم

    التّرجمة من نص مترجم، تبتعد كثيرًا من النّص المترجم منه، وفي هذه الحالة، النّص الإنجليزي. وفي بعدها ربما اقتربت كثيرًا من النّص الأصلي، إذا ما كانت المخيّلة والوجدان تشترك في شيء ما. هذا المشترك هو باختصار القهر والإذلال والثّورة المشروعة عليهما! إضافة إلى التّاريخ المتداخل بين الإنجاز الفارسي الثّقافي، والذي ساهم في رفد ثقافة اللغة العربية بالكثير. ولا يخفى على ذوي البصيرة النّافذة، أن الكثير ممّا ينسب لمنجزات الحضارة الإسلامية هو في الأصل فارسي! أهدتني زميلتي د. فاريبا خُدامي، وهي إيرانية، تُدّرس الأدب واللغة الإنجليزية، معرفة الشّاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد. ومع تلك الهدية، كتاب لها يحتوي على قصائد مختارة مترجمة إلى اللغة الإنجليزية، يحمل عنوان هذه القصيدة بالذّات: ميلاد آخر؛ وتكتب بالفارسية (تولدى ديكر). يحتوي الكتاب على النّصوص الأصلية بالفارسية، والتي ساعدت في التّحايل على إشكالية التّرجمة من نص مترجم، فقد عمدت إلى مقاربة المفردات ذات الدّلالات المجردة مثل إدراك وشعور، مع الأصل الفارسي، متى ما كانت الكلمات الفارسية قريبة من المفردة العربية. ولا يخفى عليكم/ن تشابه الكثير من المفردات والتّراكيب بين الفارسية والعربية. ثمّة شيء آخر، أمتعني غاية الإمتاع، وهو اللّجوء إلى زميلتي الإيرانية، والتي تعشق الأدب، والشّاعرة فروغ بالذّات، متى ما أحسست أن النّص باللغة الإنجليزية يعلن صراحة عن فقره عن الإمساك بالمعنى! فقد كنت أتجوّل طليقًا بين ثلاث لغات والثّالثة منها عبر أديبة تقرأ وتكتب الشّعر بها!

  • فدريكو غارثيا لوركا – أوجع من مطر خفيف

    فدريكو غارثيا لوركا – أوجع من مطر خفيف


    لا أحد يفهم
    عطر زهرة الماغنوليا الداكنة في أحشائك
    ولا أحد يعرف
    كم عصفوراً عاشقا تُعذّبُ بين أسنانك.

    ألف مهرة فارسية تنام
    في ساحة جبينك المقمرة
    بينما أعانق لأربع ليال متتالية حزامك:
    حزامك، عدوّ الثلج.

    بين الجبس والياسمين
    نظرتك غصن بذور شاحب،
    وطويلاً نقّبتُ في صدري
    عن حروف العاج التي تقول “الى الأبد”
    كي أعطيكها.

    “الى الأبد، إلى الأبد”: بستان احتضاري
    هو جسدك الهارب أبداً
    خذ دماء عروقك التي في فمي
    واعطني فمك الذي بلا ضوء
    من اجل موتي.

    أشتهي قلبك الحار فقط
    ولا شيء آخر.

    جنّتي حقل بلا عندليب ولا كنّارة
    بنهر كتوم ونبع صغير
    بلا مهماز الريح على الأوراق
    ولا النجمة التي تحلم أن تصير وريقة.

    ضوءٌ هائل جنّتي
    في حقل من النظرات المتكسّرة
    سكونٌ صاف حيث قبلاتنا
    مثل شامات الصدى الرنّانة
    قد تتفتّح بعيداً بعيداً.

    قلبك الحارّ
    أشتهي
    ولا شيء آخر.

    ألفظ اسمك في الليالي المعتمة
    عندما تجيء الكواكب لترتوي من القمر
    وتنام أغصان الأوراق الخفيّة.

    ألفظ اسمك وأشعر أني خالٍ
    من الشغف والموسيقى:
    ساعة مجنونة تغنّي
    أوقاتاً قديمة ميتة.

    ألفظ اسمك في هذه الليلة المعتمة
    ويرنّ اسمك فيّ أبعد مما كان يوماً:
    أبعد من كل النجمات
    وأوجع من مطر خفيف.

    أتراني إذاً لم أزل أحبّك
    مثلما ذات يوم احببتكَ؟
    أي ذنب اقترفه قلبي
    وأي هوى آخر ينتظرني حين ينقشع الضباب؟
    أتراه يكون هادئاً ونقيّا؟

    آه لو كان في وسع أصابعي
    قطف بتلات القمر! .

    ترجمة جمانة حدّاد

  • محمود درويش-هكذا قالت الشجرة المهملة

    محمود درويش-هكذا قالت الشجرة المهملة

    خارج الطقس ،

    أو داخل الغابة الواسعة

    وطني.

    هل تحسّ العصافير أنّي

    لها

    وطن … أو سفر ؟

    إنّني أنتظر …

    في خريف الغصون القصير

    أو ربيع الجذور الطويل

    زمني.

    هل تحسّ الغزالة أنّي

    لها

    جسد … أو ثمر ؟

    إنّني أنتظر …

    في المساء الذي يتنزّه بين العيون

    أزرقا ، أخضرا ، أو ذهب

    بدني

    هل يحسّ المحبّون أنّي

    لهم

    شرفة … أو قمر ؟

    إنّني أنتظر …

    في الجفاف الذي يكسر الريح

    هل يعرف الفقراء

    أنّني

    منبع الريح ؟ هل يشعرون بأنّي

    لهم

    خنجر … أو مطر ؟

    أنّني أنتظر …

    خارج الطقس ،

    أو داخل الغابة الواسعة

    كان يهملني من أحب

    و لكنّني

    لن أودّع أغصاني الضائعة

    في رخام الشجر

    أنّني انتظر..

  • ديفيد بارك – بورتريه لـ هاسل سميث

    Date: 1951
    Style: Neo-Expressionism
    Genre: portrait
  • ديمة محمود – ديسمبر ونصف مظلة

    كقطرات مطرٍ في ديسمبر
    أنت لاتزال تسيلُ
    على زجاجي وبلا خدوش
    منذ قبلة طفولتينا
    واكتشافنا العبثي
    للّذة والحب
    *
    بشفاهٍ جافة تمسك بنصف مظلة
    تحفر شوقها رغم المسيل
    في غبار الذاكرة
    وعشب التفاصيل
    وأشجارٍ مافتئ اخضرارها
    يعكس ظله بسرمديّةٍ في
    الركن الشماليّ من رفوف الماضي
    الدّسمة
    المفرَغةِ من الزوايا
    *
    تحكي لقاءً كان ولم يعد
    أو عاد ولن يكون
    بهسيسٍ من بياض الحبِّ
    وثلج اللقاء
    وضبابٍ من وعدٍ بحتميةٍ مجهولة
    لغموضٍ قد يستحيل
    حقيقةً تعصر الماضي
    أو تَرشحُ من مساماته
    أو حتى تؤول إلى التفاف الساق بالساق !

  • الطاهر بن جلون – الأفعى الزرقاء ( قصة قصيرة)

    الطاهر بن جلون – الأفعى الزرقاء ( قصة قصيرة)

    1

    أحب السفر بالمركب. فالمركب في هذا الزمن، زمن السرعة وازدحام الأجواء، يعد ترفا يستغرق السفر فيه وقتا كافيا. إنه مناسبة لعدم التفكير في شيء، ولإعداد النفس لدخول إيقاع جديد. الوقت صيف وأنا كنت على المركب المسمى “مراكش”، الذي يصل بين سيت وطنجة. بالكاد أصبحت على متن المركب حتى قدم نحوي رجل قصير القامة، خمسيني، فاتحا ذراعيه. حياني وعانقني. لم أكد قد رأيت هذا الرجل قط. اضطربت قليلا ولم أقل شيئا ظاهريا، يفترض أن يكون هذا احتقارا، خطأ، أو تشوشا يعود للشبه بيني وبني أحد يعرفه. لا. طمأنني الرجل أن الموضوع ليس شيئا من ذلك.
    – أدعى الحاج عبدالكريم. ولدت في مراكش في يوم حار بشكل استثنائي. متزوج من إمرأة صقلية. وأب لثلاثة أطفال يعرفونك ويحبونك. أنا للأسف لا أقرأ. زوجتي هي التي تقرأ لي. لا أقرأ، لكن لدي خبرة في الحياة، فيما هو مرئي، وما ليس كذلك. مهنتي؟ جعل الأجانب يحبون بلدي، تقديمه لهم بجماله وتعقيده. لكن ما أتى بي اليك (اللحظة التي انتظرتها طويلا)، هو الرغبة بأن أحكي لك قصة. قصة حقيقية. أنت كاتب، ألست كذلك ؟ استمع الي إذن. القصة هي قصة ابراهيم، الرجل الهاديء، الطيب، الذي يحاول أن يعول أسرته، إنها قصة مصير شخص، وجد نفسه على طريق الشر، اسمع…

    كان الحاج عبدالكريم وسط صالون، وكان المسافرون قد هرعوا للاستماع اليه:

    كان قد مضى وقت طويل منذ كف السياح عن الوقوف أمام ابراهيم وثعابينه. فلم تعد الثعابين، وقد تعبت وتقدمت في العمر كثيرا، وفقدت اليقين، تستجيب لموسيقى حاويها.

    عبثا غير الناي، وغير اللحن. بقيت الثعابين بالكاد تخرج رأسها، إما لأنها مذعورة أو نائمة. والحل الوحيد لجعل الاستعراض جذابا من جديد، هو تغيير الحيوانات بدلا من تغيير الآلة الموسيقية. قرر ابراهيم أن يضحي ويشتري أفعى لامعة، فتية وحيوية. جلبت اليه الأفعى من قرية مشهورة بزواحفها. لاطفها، ضايقها، ثم عزف لها قطعة موسيقية من تأليفه. كانت موهوبة جدا، ترقص بشكل غير اعتيادي. كانت تتثنى وفق المراد مشبعة الايقاع بصورة دقيقة، مادة لسانها كي تضبط الترنيمة. استعاد ابراهيم ثقته بنفسه. فتنت الثعابين بالأفعى الزرقاء الجميلة.

    في الليلة التالية رأى ابراهيم حلما غريبا. كانت الساحة الكبيرة مقفرة ينيرها بدر تام. كان جالسا في الوسط، مصالبا رجليه. لم يكن يستطيع الحراك، حتى ليقال إنه كان مثبتا الى الأرض بواسطة لاصق خاص. مقابله ظهرت الأفعى بملامح شابة زرقاء اللون، لم يستطع أن يعرف إن كانت ترتدي شالا أزرق، أم أن ذلك كان لون جلدها. كان لها جسد امرأة ورأس أفعى. راحت تكلمه وهي تدور حوله: “مساء هذا اليوم لعبت اللعبة، وأريتك ما أنا قادرة على فعله. لست تلك التي تظن. لن تحكم علي بالتثني في سبيل نيل إعجاب سياحك. أستحق شيئا أفضل. أنا شابة أرغب أن أعيش وأركض في الحقول وأحس بالانفعال. أرغب أن أختزن المتع والذكريات لأيام شيخوختي. إذ كان سياحك ينشدون الانفعالات القوية، فليس أمامهم سوى الذهاب الى الامازون، أو الى بلد الأحجار التي تملك ذاكرة. أنذرك إن قدمتني في استعراضك، ستندم… مع أني لست واثقة إن كنت ستجد الوقت كي تندم على أي شيء…”.

    كانت وهي تكلمه، تدور حوله، ملامسة يده أو وركه. حاول الاجابة، لم يستطع اخراج صوته من حنجرته. كان مخدرا. وكانت، هي الواثقة من نفسها، تتابع حديثها: “لا تحاول أن تشرح لي مشكلتك وتستدر شفقتي. تخل عني تسلم. لدي الكثير لأفعله. هذا فصل جني المحاصيل، وعلي أن أعود لأقبع تحت الأحجار. أحب طراوة أيدي الفتيات اللواتي ينحنين لجمع القمح. سياحك يسببون لي التقزز. إنهم ليسوا جميلين. وأنت تكتفي بإكراميتهم الزهيدة. ليكن عندك قليل من الكرامة. الآن بامكانك الانسحاب. الساحة ستمتليء. الشمس ستشرق. وأنت ستفكر. إذا أردت أن تحظي بالسلام، أعد لي حريتي.”

    استيقظ ابراهيم مذعورا، مرتجفا ومحموما. فتش في الصندوق الذي تنام فيه الثعابين. كانت الأفعى هناك، مطمئنة وغارقة في نوم عميق. توضأ بعد أن اطمأن، ثم صلى صلاة الصبح. رفع يديه وسأل الله العون والحماية: “يا الله، أنت الكبير والرحيم. احمني من السوء ومن عديمي الضمير. أنا انسان ضعيف أكسب لقمتي بفضل الحيوانات. ليس لدي ما أحارب به الشر، ولا ما يمكنني من تغيير مهنتي. الزمن صعب. نحن حواة أبا عن جد. ولدت ونشأت وسط الزواحف. لم أشعر بثقة تامة بها قط. إنه غدارة. أنا مسلم صالح، لا أؤمن بالتقمص، ولكني ألتقي بأشخاص قلوبهم وأرواحهم هي قلوب وأرواح أفاع عتيقة، غرقت في الرياء والخبث.

    لم يكن من عادته أن يصلي وأن يبرر نفسه. منذ سنين طويلة وهو يمارس هذه المهنة دون أن يطرح على نفسه الأسئلة، هزه حلم الأمس فقد كان فيه شيء ما حقيقي. شعر ابراهيم بالخوف. خوف من حادث ما. خوف من العين الحاسدة.

    كان عليه ذلك اليوم أن يرقص ثعابينه في فندق كبير أمام جمع من السياح الذين دفعوا مبالغ اضافية ليشهدوا ذلك العرض ذي الغرائبية المضمونة: رؤية أفعى ترقص على وقع موسيقى انسان جبلي. استذكر ابراهيم أحد الأ دعية قبل مغادرة البيت. تجنب أن يركب دراجته، وعلق حول رقبته يدا فضية. لقد تم من حيث المبدأ، طرد الخوف. وصل الى الفندق في الساعة المقررة. كان السياح قد انتهوا للتو، من تناول أكلة محلية وشربوا نبيذا أو بيرة. كانوا سينين، يخالطهم النعاس قليلا. قدم المذيع ابراهيم “سيداتي سادتي نقدم لكم الآن، ما طالما سمعتم عنه دون أن تروه قط. ستشاهدون ما يصنع الفرق بين الشمال والجنوب. ستشاهدون ما ليس من السحر بل من الشعر: أشهر حاو في الساحة. الرجل الذي يخاطر بحياته لكي يمنحكم المتعة. نقدم لكم، ابراهيم وثعابينه..”

    كانت آلات التصوير مهيأة. بعض السياح لم تظهر عليهم الاثارة كانوا يشربون الشاي بالنعناع مع الكعك. ظهر ابراهيم واهيا ومترددا، حيا الجمهور بانحناءة خيل له أثناء انحنائه، أن لمح امرأة الحلم الزرقاء. رأسها رأس عصفور وترتدي جلابية زرقاء تشد جسدها، كانت بدون ثديين تقريبا. وتجلس على غصن شجرة، تؤرجح ساقيها مثل طفلة. عزف ابراهيم على الناي مؤخرا لحظة فتح صندوق الثعابين. طار النعاس من أعين السياح. ثبت الجميع انظارهم على الصندوق. دفع ابراهيم الغطاء وغار بيده في جو في الصندوق. أمسك بالأفعى. في الواقع، هي التي تشبثت بمعصمه. في اللحظة التي كاد أن يداعب رأسها فيها، لدغته. كانت ما تزال تحتفظ بسمها، رغم أنها أفرغت منه أمام عينيه حين اشتراها. سقط جثة هامدة. امتلأ فمه بالدم والزبد الأبيض. كان هذا الزبد سما. ظن السياح أنهم أمام مزاح ثقيل. احتج بعضهم، وقد شعر بالاحباط، وتقيأ آخرون غداءهم وقد هزهم هذا الموت. التقطت الصور كذكرى لموت فجائي. ذكرى للفنان الذي مات على الخشبة.

    نقلت جثة ابراهيم الى المشرحة الرئيسية وضعت في الدرج رقم 31.
    —-

    2

    على غلاف كتاب القراءة المدرسي الذي يحمل عنوان (سم2) يبدو الطفلان على وفاطمة، يمسك كل منهما بيد الآخر، على طريق المدرسة. كبر الطفلان. ومنذ الطفولة، وعد كل منهما للآخر. كان بوسعهما أن يؤلفا زوجا من البرجوازيين الصغار ناعمي البال، الذين لا يثيرون المشاكل، العاقلين مثل الصورة التي حلم بها الآلاف من تلامذة المدارس. تزور علي وفاطمة لأنهما متحابان، ولأنه لم يكن بمقدور أحد منع هذا الزواج. رغم المظاهر، كانت هناك أشياء عديدة تفرقهما. فقد درس علي واشتغل في شركة للقطاع الخاص. أما فاطمة فتنتمي لوسط متواضع وبالكاد تعرف القراءة والكتابة. كان يقال عن علي بأن لديه نظرة “تسقط الطير من أعلى سمائه”؛ ويقال أيضا إشارة الى غرامه بالنساء، “عيناه خضراوان”، هو من كانت عيناه سوداوين. كان يحب المشروب، والقيادة بسرعة، وسرقة نساء الآخرين. وفاطمة امرأة معنية ببيتها وبطفليها، تهتم به وتكرس نفسها كليا لزوجها الذي جعلها في حالة انتظار دائم له. امرأة قانعة بمصيرها، ليست ماهرة جدا، لكنها حاضرة دوما. لا تقدم لزوجها أية مفاجأة، ولم يعد في شخصيتها، ما يخفي عليه. امرأة ممتلئة بحسن النية والارادة الطيبة. امرأة بلا دفاع. لطافتها الزائدة أشبه بالبلادة. ومثلما فعلت أمها وجدتها تعايشت فاطمة مع الضعف الهاديء الى اليوم الذي قررت فيه أن تعترض، أن تفعل شيئا ما كي تبقى (علي) بقربها. لكن حياة علي كانت في مكان آخر. وفي الظاهر، لم يعد هناك ما يمكن أن يبقيه في ذلك البيت الذي يثقل عليه الروتين ويجعله كئيبا. عندما تجرؤ فاطمة على الاحتجاج، كان علي يوجه لها صفعتين ثم يمضي صافتا الباب. لم يخف مغامراته المتعددة. كان يغازل الفتيات، ولم ينكر ذلك ويعتبر أنه ليس مطالبا بكشف حساب أمام أحد كان ذلك يؤجج غيرة فاطمة. غيرة مرضية. لم يستطع الأطباء إعادة زوجها لها. نصحوها بالمهدئات. لم تجرؤ فاطمة على مصارحة أهلها. لكن جيرانها أحسوا بتعاستها. قررت يوما استشارة عرافة: “زوجك جميل. إنه يخدعك وسيخدعك على دوام. الأمر أقوى منه. أرى جمهرة من النساء الجميلات يحطن به، ويردن تقبيله. إنه يتمتع بقدرة هائلة، ويستطيع منح النساء ما يعجز آخرون عن منحه لهن. كما لو أنه ولد كي يشبع جميع اللواتي ربط القدر مصيرهن برجال عاجزين، يقوم دوره على معالجة الأضرار. لن تستطيعي فعل شيء. هذا النوع من الرجال لم يصنع للزواج والحياة الأسرية. حتى إن خبأته في سجن، سوف يعثرن عليه ويأخذنه منك. كوني شجاعة ! هذا كل ما أستطيع قوله لك يا ابنتي !”.

    شعرت فاطمة باليأس. أسرت لـ(خدوج) جارتها التي تعمل ممرضة في مشفى البلدية. لم يكن بوسع خدوج إلا أن تكون شريكة لفاطمة، فقد حاولت أن تجذب (علي) اليها لكنها فشلت. وهي لم تكن فقط تفهم غيرة واضراب صديقتها، بل كانت تشاركها فيهما. اقترحت عليها الذهاب الى ساحرة عرفت بقدرتها على حل مشاكل الأزواج. لها مكتب في شقة صغيرة وتستقبل الزبائن بناء على موعد. كانت امرأة شابة، عصرية قامت بدراسات نفسية تطبيقية. لم يكن لها هيئة الساحرات العجائز المريبات والكئيبات. طلبت من فاطمة عرض مشكلتها. سجلت ملاحظاتها وطرحت أسئلة محددة.

    – تريدين إذن. استعادة زوجك. تريدين أن يكون لك، لك وحدك ؟ أستطيع أن أصف لك حبوبا تذيبينها في قهرته الصباحية، لكن فعاليتها ليست أكيدة. قد أصف لك أيضا، هذه العشبة التي تمزج مع الخبز. لكن هناك خطر التسمم. وأنت تريدينه بصحته، وليس عليلا كما أفترض..

    همست فاطمة بشيء ما في أذن خدوج ثم توجعت للخبيرة:

    – لا أريده أن يصير عاجزا أو كالخرقة. أنا أريده كما عرفته كما أحبه، قويا، عاشقا، وحنونا.

    – في هذه الحالة سأعطيك الوصفة القديمة الجيدة، وصفة أجدادنا. كرة من عجينة الخبز دون خميرة، أبقيت ليلة كاملة في فم ميت. ويفضل أن يكون ميتا طازجا. وليس جثة نسيت في المشرحة. يكفي أن يعض زوجك هذه العجينة. أن يأكلها حتى يتغير ويعود اليك كما تحلمين به. على فكرة، يجب أن تنتقل العجينة من فم الميت الى فمه. يمكن في حال تمكنك من جعله يأكلها، تنفيذ العملية أثناء النوم.

    ذكرت فاطمة صعوبة العثور على جثة، لكن خدوج غمزتها. حاسبت السكرتيرة الجالسة الى مكتبها في المدخل، بجوار غرفة الانتظار.

    بعد ظهيرة ذلك اليوم بالذات، جهزت العجينة. لفتها خدوج بمنديل وذهبت الى المستشفى. كانت مناوبة تلك الليلة.

    أحيانا، تصنع المصادفة الأشياء بشكل جيد. نزلت الي المشرحة، فتحت بعض الأدراج باحثة عن آخر ميت وصل، كي تضع العجينة في فمه، كان رقم 031 ما يزال فاترا. وكان فمه نصف مفتوح ومازال فيه زبد أبيض ودم. لم تجد الممرضة أية مشقة في دفع العجينة بين أسنان الميت. وفي الصباح الباكر أحضرتها ملفوفة بنفس المنديل. كان (علي) نائما بعمق. فتحت فاطمة فمه برفق ووضعت العجينة فيه. عضها دون أن يدري. لم يستيقظ علي. لقد مات. كان السم ما يزال فاعلا.

    أغمي على فاطمة. عندها ظهرت لها المرأة الزرقاء برأس الأفعى، وأسمعتها الحديث التالي: “السحر غير موجود. أما الحماقة، فبلى. أراد أحدهم أن يحتفظ بي دون إرادتي. مات بسبب ذلك. وحاولت احداهن أن تسير عكس تيار النهر، فخسرت كل شيء. الأول تنقصه الكرامة، والثانية ينقصها الكبرياء. في هذه الحالة أو تلك، أنا من يستخلص العبرة من القصة، يجب الحذر من الأفاعي، خصوصا عندما يلعنهن القمر، في المساء الذي يكون فيه بدرا مليئا بالمرارة والقرف. وداعا يا ابنتي. ستنامين أخيرا بسلام والى الأبد. كما ترين أنا لست شريرة تماما…”.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    من مجموعة قصصية للطاهر بن جلون، بعنوان “الحب الاول… الحب الاخير.”
    ترجمة: روز مخلوف (مترجمة من سوريا)

    الطاهر بن جلون (ولد في 1 ديسمبر 1944، فاس) كاتب مغربي فرنسي. انتقل إلى طنجة مع أسرته سنة 1955 حيث التحق بمدرسة فرنسية. وكان قد اعتقل عام 1966 مع 94 طالب آخر لتنظيمهم ومشاركتهم في مظاهرات 1965 الطلابية، وهي تجربة دفعته بحماس إلى تبني نوع آخر من المقاومة أساسه الكلمة لا الفعل. درس الفلسفة في الرباط ثم بدأ يدرسها إلى غاية 1971 حين إعلان الحكومة المغربية عزمها تعريب تعليم الفلسفة. ورداً على هذه الخطوة، غادر المدرّس الفرنكوفوني المغرب صوب فرنسا حيث حصل على شهادة عليا في علم النفس. وبدأت مسيرته في الكتابة بعد فترة قصيرة من وصوله إلى باريس حيث عمل كاتبا مستقلا لصحيفة لوموند وبدأ ينشر الشعر و الرواية. ويكيبديا

    الأفعى الزرقاء (قصة قصيرة) – الطاهر بن جلون