المدونة

  • مارك ستراند – البَاصُ الأخير

    مارك ستراند – البَاصُ الأخير

    (ريودي جانيرو، 1966)

    *

    الظَّلام.

    مطرٌ خفيفٌ

    يبلّلُ الشوارعَ.

    لا شيءَ يتحرَّكُ

    .

    في حديقةِ لوتا

    تتدلّى أشجارُ النّخيلِ

    فوق العشبِ المجدولِ،

    والأغصانُ المتشابكةُ،

    .

    المحزَّمةُ في رُزَمٍ،

    تتموَّجُ بجوارِ الأرصفةِ.

    العالمُ بعيدُ المَنال.

    أشباحُ السابحينَ تنهضُ

    .

    ببطءٍ من الزَّبد

    وترتفعُ عالياً في الرَّذاذ.

    يتنزَّهونَ على الشّاطئِ

    وعيونُهم تتوهّجُ

    .

    كالنّجومِ.

    ورِيُو تنامُ: البحرُ حلمٌ

    فيه تموتُ وتولدُ من جديد.

    .

    يسرعُ الباصُ.

    تذوبُ غيمةٌ بنفسجيّةٌ

    من خلْفِه

    ساقايَ ترتجفان.

    .

    تمتلئُ رئتايَ بالبُخارِ.

    يغطّي العرقُ وجْهي

    ويتساقطُ على صَدْري.

    يؤلمني عُنقي وكتفايَ.

    .

    غيرَ واثقٍ من

    يقَظتي

    أتشبّثُ بالحافةِ

    السّاخنةِ لِلمقْعَد.

    .

    يبتَسمُ السّائقُ.

    سِرْوالُه منزلِقٌ إلى أعلى ركبَتَيْه.

    ورَبْلَتاه العارِيتانِ

    تتوهّجانِ في الحرّ.

    .

    تحاولُ امرأةٌ أنْ تهدِّئني.

    تضعُ يدَها تحتَ قميصي

    وتكتبُ أسماءَ الأزهارِ

    على ظَهْري.

    .

    تنّورَتُها سوداءُ.

    على كلّ ركْبةٍ من رُكْبتيها رُسِمَتْ

    جمجمةٌ صغيرةٌ وعظمتانِ مُتَصالبتان.

    هناكَ حديقةٌ في عينيها

    .

    حيثُ صفوفٌ من شواهد قبورٍ بيضاءَ

    باهتة تملأُ الهواءَ،

    والنّاسُ واقفون،

    يلوّحونَ بالوَداع.

    .

    أشعرُ بأنّي هناك.

    تهمسُ عبر أسنانها،

    وتضعُ شفَتَيْها

    على خدّي.

    .

    يلتفِتُ السّائقُ.

    عيناهُ مغلقتان وهو يمشّطُ

    شَعْرَهُ للخلف.

    يريدني أنْ أكونَ شُجاعاً.

    .

    أشعرُ بنَبْضِ قلبي

    يزدادُ ضعفاً إذ يتحدّثُ.

    تقبّلني المرأةُ ثانيةً.

    فكُّها يصِرُّ

    .

    ويلتصِقُ نفَسُها

    كضبابٍ بعنقي.

    ألتفتُ إلى حافةِ

    النّافذةِ المِصَّدَعَةِ

    المخطَّطةِ بالمطرِ.

    أين كنْتُ؟

    أنظرُ صوْبَ ريو-

    كلُّ شيءٍ مختلف.

    .

    لا يمكنُ رؤيةُ

    المسيحِ الذي كانَ واقفاً

    في برْكَةٍ من الضّوءِ الكهربائيّ

    فوق أعالي تلَّتِه.

    .

    الخليجُ أسودُ.

    والمدينةُ السّوداءُ

    تغرقُ في قبرِها.

    ولن أرجعَ أبداً.

    .

    أَكْلُ الشِّعر

    يسيل الحبرُ من زوايا فمي.

    لا سعادةَ كسعادتي.

    أنا آكلُ الشّعرَ.

    لا تصدّقُ موظفةُ المكتبة ما تراه.

    عيناها حزينتان

    وهي تتمشّى ويداها في ثوبها.

    .

    اختفتِ القصائدُ.

    الضّوءُ خافتٌ.

    الكلابُ على درج القبو، وهي تصعَدُ الآن.

    .

    عيونها تدورُ

    وكأغصانٍ تحترقُ سيقانُها الشّقراءُ.

    تبدأ الموظَّفةُ المسكينةُ بهزِّ قدَمِها والبكاء.

    .

    إنّها لا تفهمُ ما يجري،

    فتصرخُ

    حين أركعُ على ركبتيَّ لاحِساً يدَها.

    .

    أنا رجلٌ جديد.

    أزمْجِرُ عليها وأنبَحُ.

    ألْهو بمرحٍ في ظلامِ الكتبِ.

    التَّخلّي عن نَفْسي

    .

    أتخلَّى عن عينيَّ اللّتين هما بيْضَتانِ زُجاجيّتان.

    أتخلَّى عن لِساني.

    أتخلّى عن فَمي الذي هو الحلمُ الدائمُ

    لِلِساني.

    أتخلَّى عن حَلْقي الذي هو كُمُّ صَوْتي.

    أتخلّى عن قلبي الذي هو تفَّاحة تحترقُ.

    أتخلّى عن رئتيّ اللّتين هما أشجارٌ لم ترَ

    القمرَ قطّ.

    أتخلّى عن رائحتي التي هيَ رائحةُ حجرٍ يسافرُ عبْرَ

    المطر.

    أتخلّى عن يديَّ اللّتين هما عشرُ أمنيات.

    أتخلّى عن ذراعيَّ اللّتين تريدانَ تَرْكي بأيّ شكْلٍ.

    أتخلّى عن ساقيّ اللّتين هما عاشقتان في اللّيل فقط.

    ….

    أتخلّى عن ثيابي التي هي جدرانٌ تخفقُ في الرّيح

    وعنِ الشّبح الذي يحيا فيها.

    أتخلَّى وأتخلّى.

    ولن تحظَى بشيءٍ من ذلك لأنّني أبدأ للتوِّ

    ثانيةً من دون أيّ شيءٍ.

    النّبوءَة

    تلكَ اللّيلةَ، اندفعَ القمرُ فوق البرْكَةِ،

    محوّلاً المياهَ إلى حليبٍ، وتحت

    أغصانِ الأشجارِ، الأشجارِ الزّرقاء،

    تمشَّتْ امرأةٌ شابّةٌ، ولِلَحْظةٍ

    .

    انكشفَ لها الغيْبُ:

    يهطلُ المطرُ على قبرِ زوجِها، على

    مروجِ أطفالِها، هواءٌ

    باردٌ يملأ فمَها، يدخلُ الغرباءُ منزِلَها،

    .

    رجلٌ في غرفتها يكتبُ قصيدةً، يندفعُ القمرُ إليها،

    امرأةٌ تتجوّلُ تحت أشجارِها، مفكِّرةً بالموت،

    مفكّرةً به مفكّرةً بها، والرّيحُ ترتفعُ

    وتأخذُ القمرَ، تاركةً الورقةَ سوداء.

    *

    ترجمة: جولان حميد حاجي

  • مارك ستراند – اِبْتهال

    مارك ستراند – اِبْتهال

    هناك حقلٌ مفتوحٌ فيه أستلقي في حفرةٍ حفَرْتُها ذات مرّةٍ وأمدَحُ السَّماء.

    أمدحُ الغيومَ التي تشبه رِئاتٍ من ضوء.

    أمدحُ البومةَ التي تريد أن تسكنَ فيَّ والباشقَ الذي لا يريد.

    أمدحُ ضراوةَ الفأْرِ، تأمُّلَ الذِّئب.

    أمدحُ الكلبَ الذي يحيا مع أفراد العائلة ولن يصبحَ أبداً واحداً منهم.

    أمدحُ الحوتَ الذي يحيا تحت الأغطيةِ الباردةِ للملْح.

    أمدحُ تشكّلاتِ الحبَّار، قِبابَ المينْدرا.

    أمدَحُ سرّيةَ الأبواب، انفتاحَ النّوافذ.

    أمدحُ عمْقَ الخزانات.

    أمدحُ الريحَ، الأجيالَ الصاعدةَ من الهواء.

    أمدحُ الأشجارَ التي سيجلسُ على أغصانها ديك البرتغال والدّيك البولوني.

    أمدحُ نخيلَ رِيُو، والنَّخيل الذي سينمو في لندن.

    أمدحُ البستانيّين، الديدانَ والنّباتاتِ الصغيرة التي تمدَحُ بعضَها بعضاً.

    أمدحُ الكرزَ الحلْوَ لجورج تاون وماين وأغنيةَ العصفور ذي العنق الأبيض.

    أمدحُ شعراءَ ويفرلي بليس والشارع الحادي عشر، وذاكَ الذي تتحوَّلُ عظامُهُ إلى

    زُمّردٍ داكنٍ حين يقفُ قائماً في الرّيح.

    أمدحُ السّاعات لأنّي بها أصيرُ شيخاً في يوم، وشاباً في يوم.

    أمدحُ كلَّ أشكال الظِّلال، تلك التي أراها وتلك التي لا أرى.

    أمدحُ السقوفَ كلَّها، من السقفِ المائيّ للبحيرةِ إلى السّقفِ الارْودوازي لإدارةِ الجمارك.

    أمدحُ أولئكَ الذين جعلوا أجسادَهم سِفاراتٍ أخيرةً للشّهوة.

    أمدحُ فشلَ الذين يطمحون، أصحابَ كرَّاساتٍ ودفاترَ بلا قيمةٍ.

    أمدحُ القمرَ لِتَعْذيبه البشرَ.

    أمدحُ هِباتِ الشّمس.

    أمدحُ ألَم الانبعاث، ونعمةَ الزَّوال.

    أمدحُ الجميعَ دون مقابلٍ إذْ لا ثمنَ لذلك.

    أمدحُ نفْسي للطريقةِ التي أحفرُ بها بالمعول وأمدحُ المِعْوَلَ.

    أمدحُ حميَّةَ المديحِ التي سأولدُ بها ثانيةً.

    أمدحُ الصَّباحَ الذي شَمْسُهُ فوقي.

    أمدحُ المساءَ الذي أنا ابنُهُ.

    *

    ترجمة: جولان حميد حاجي

  • مارك ستراند – مرثية 1969

    مارك ستراند – مرثية 1969

    (بعد كارلوس دروموند دي أندرادي)

    *

    تستعبدُكَ شيخوخَتُكَ

    ولا شيءَ ممّا تفعلهُ ينفعكَ كثيراً.

    يوماً بعد يوم تمرُّ عبر الحركاتِ ذاتِها،

    ترتجفُ في السرير، تجوعُ، تشتهي امرأةً.

    .

    يملأُ الحدائقَ التي تتنزَّهُ فيها

    أبطالٌ يمثّلون حياةَ التّضحيةِ والطّاعةِ.

    ليلاً، في الضّباب، يفتحونَ مظلاّتِهِمِ البرونزيّةَ

    أو ينسحبونَ إلى الصّالاتِ الفارغةِ لدور السّينما.

    .

    تعشقُ اللّيلَ لقُدْرَتِهِ على مَحْوِكَ.

    لكنَّ مشاكلَكَ لن تدعَكَ تموتُ وأنتَ نائمٌ.

    يثبتُ الاستيقاظُ فقط وجودَ الآلةِ العظيمةِ

    والضوءُ القاسي يسقطُ على كتفيك.

    .

    تتمشّى بين الموتى متحدِّثاً

    عن شؤون الرّوح وأزمنةٍ ستأتي.

    ضيَّعَ الأدبُ أفضل ساعاتِ ممارستِكَ للحبّ.

    ضاعَتْ عطَلُ نهاية الأسبوع، وأنتَ تنظّفُ شقَّتَك.

    ستعترفُ سريعاً بفشلكَ وتؤجّلُ

    الفرحَ بأكمله إلى القرن المقبل. تقبَلُ

    بالمطرِ والحربِ والبطالةِ والتوزيع غيرِ العادل للثروة،

    لأنّكَ عاجزٌ، بمفردك، عن تحطيم جزيرة مانهاتن.

    *

    ترجمة: جولان حميد حاجي

  • ماريا لويزا سباتسياني – القمر قد علا

    ماريا لويزا سباتسياني – القمر قد علا

    طام طام وكونغ. الموسيقى تتقدمني

    تحلق بي في سماء مراكش. وجدت

    وجها كان لي منذ شهرـ أو سنة مضت

    تذكرت لذة مراهقة

    بمئة دينار أهداني

    ليلة عشق فردوسية

    (انتبهوا هو غلام معروف!)

    كلمته فانفلت مني الحظر

    تافه، قد أكون في عمر أمك

    لبسني بنظرة عاشقة:

    ولما لا ابنتي

    أشاء تحسس تلك الروائح القوية

    روائح سوق مراكش. لبستني

    من الخياشم إلى أخمص القدمين. وكلمتني

    بلذة وهذيان مجهول

    افريقيا الغامضة انمحيتي

    شحوب لذة سوبالبيني

    ليس هناك حب واحد في العالم:الالاف والالاف

    حرست في الحلم على رسائل أخر

    Ш

    رائحة السوق. التوابل

    تتعمق بخورا وزنجبيلا. تذكرت

    أشياء نسيتها أولم أعشها قط

    التوي وإياك في خبث مخدر

    قد أكون هناك عشت. وربما أنه حلمي

    ملكت في حظ الأب الفهد

    وللأم فروع أصوات اثيوبية

    الحاضنة للآلاف العيون المبتهجة

    IV

    بين الهرج والمرج الطام طام يلفني

    حشرة الصيد الخيالية

    عشر صبايا يرقصن معي

    تنهدات الليلة الأولى

    اعتصروا، مجدوا، نزعوا

    الجدائل في صراخ بهي

    صار القمر متوهجا من الشمس

    صرت أبحر في لبن النمر

    *

    ترجمة: زينب سعيد

  • ماريا واين – وجهك

    ماريا واين – وجهك

    وجهك: بهجة يدي

    وجهك: بحيرة هادئة

    يحوم حولها الريح والعشب

    وظلال قاتمة

    .

    شحوبك مريح وصامت

    هو أشبه بالثلج المتساقط

    ليس أبيض ولا باردا

    بل هو ناصع ودافئ

    مثل صمت الثلج

    .

    :فمك

    حلم مبتسم

    (هل تلثمه دوما الأحلام الجميلة ؟)

    شفتك السفلى: مكتنزة وثقيلة

    فطرة مغرمة بوزنها الخاص

    :شفتك العليا

    خط جريء وخفيف لريشة رسام

    .

    :ابتسامتك

    آه أعطني منها كرة ثلج طرية

    لأذيبها

    بالفرحة الطفولية ليديّ

    .

    عيناك: أسئلة قاتمة في بلد الأطفال

    أسئلة تتجاوز كل الأسئلة

    .

    جبهتك: حجرة تشع بضوء القمر

    شراع قديم يبدو كأنه استدار

    ليستمع ـ ليضم سر الأمواج

    وما سر الأمواج غير الحب

    .

    خدك: ملجأ صغير لخدي

    حيث أستطيع الاستراحة من الحب

    في الحب

    *

    ترجمة: نزار التجديتي

  • ماريا واين – الحلم المجنح

    ماريا واين – الحلم المجنح

    تعال

    لنطير معا

    في حماية الحلم المجنح

    لنطير

    بلا جاذبية ـ بلا ألم ـ بلا حسرات

    لنحلق

    في هدوء وبهجة بديعة

    اليومي : نحن نعلم

    أن لا مآل له عندنا

    هيا لنسافر صحبة الذكريات في الحلم

    .

    تعال

    لننساب مع الغيوم الهاربة

    فوق الأنهار الفائضة

    مع ندائف الثلج المتساقطة

    تعال

    لنتزوبع في أزقة القمر المنيرة

    ومثل الصقر الذي يرتاح على رأس الجبل

    بعد رحلة طويلة

    سنقتسم الراحة

    على جبل الذكريات الذهبي

    وننسى الحسرات

    .

    سيكون هناك دائما أبدا سراب يدعونا

    ـ نحن معشر الشعراء والمبصرين ـ إلى متابعة الرحلة

    سنسير معا

    .

    لن تمنع عتبات الفصول انطلاقاتنا

    لن ينصب لنا الشياطين المقنعون في وجوه

    كمينا

    ولن ينتقم منا كذلك

    الصغار ذوو الأجنحة الصغيرة المقصوصة

    فيعكسوا علينا عذابهم

    :نحن أحرار أحرار

    محررون من الشفقة على أنفسنا

    وعلى الآخرين

    .

    تذكر أشجار التفاح المزينة للزواج وتوتات العليق الحمراوات

    أشجار … ذات العيون السود ستورد مسلكنا الحالم

    يا للمتعة في الارتفاع والهبوط

    في الأثير اللامنتهي

    والتحليق فوق بحيرات براقة خفية

    سوادها من سواد الآبنوس

    والدوران بابتهاج حول لغز

    الجمال الكامل لقوس قزح

    .

    سنرتمي كليا في البهجة البيضاء لتساقطات الماء

    لكي تنبعث في الماوراء

    .

    الحب ؟

    مضمون سلفا

    الحب تتويج

    لحلمنا المجنح

    تعال

    افتح جناحيك

    *

    ترجمة: نزار التجديتي

  • وليد الخشاب – بساط من جلد

    بيننا بساط من جلد
    يضاعف من إيروسية الموقف
    أراكِ في ملابسكِ السرية
    رائعةً مثل شمس وقهوة
    وأنا أبدو لا بأس بي
    لأني أقف متخفياً بالظل
    وأشفط بطني
    بيننا نهر وشطآن
    متعبان
    يحدونا شوق معقول
    لا يكفي لأن أمد يدي إلى يدك
    على الضفة الأخرى
    هكذا التعب
    يحل بلحظة معقولة
    فيحيل قبلة محتملة
    إلى فرصة مجمدة!

  • صلاح فائق – إلى بلدتي أعود بعد بومين

    سانامُ لفترة , مع كلبي , في دار للأيتام
    مديرها صديق ٌ , وحتى عثوري على غرفةٍ رخيصة .

    التقيتُ هنا شعراء , مراتٍ عدة , على سلالم ابنية ,
    يدخنونَ , يشتمونَ سياسات الحكومة
    ورايتُ مسافات طويلة , بالاف الاميال
    بين السياسيين والناس العاديين

    ذات ليلةُ أمسكتُ لصاً , في حديقة بيتٍ
    اقمتُ فيه لشهر , ارغمته انُ يغني لي
    صوته الجميل استدرجَ ذكرياتٍ
    من افلام هوليوود القرن الماضي
    استوليتُ على تلك الذكريات , اخفيتها في سرداب

    البارحة , صباحاً , بعد عودتي من المشي
    اشتريتُ صحيفة محلية , قراتُ على صفحتها الاولى
    خبراً عن ضياع طائرة او سقوطها في محيطٍ ما
    وفي التفاصيل اسماء ضحايا ,
    منها اسمي : ها انا في ورطة جديدة
    كيف اعودُ واسمي الان معروف في المطارات
    ما يكون تفسيري المقنع حول اختفائي
    في حادثة مروعة كتلك , ثم ظهوري بعد ايام
    من سيصدقني ؟
    هنا ايضاً ضعتُ في احد الكتب لاسبوع
    استغرق بحثي عن مخرجٍ اياماً
    في النهايةِ وجدتُ باباً مفتوحا عند آخر دهاليزه المظلمة
    حين خرجتُ وجدتُ الشمس في كل مكان
    وشاهدتُ خرافاً تطيرُ في سماءٍ صافية
    وعلى علوٍ منخفض

    اخبرتُ بعض الشعراء حول الخراف الطائرة
    اندهشوا واقترحوا عليّ اخذ صورٍ لصدري
    باشعة إكس , فظهرتُ في احداها
    وانا جالسٌ امام كهفٍ اقرا رواية
    من الصورِ اراني ايضا في صيدليةٍ اشتري فايغرا
    لجاري الذي يحتضرُ منذ ايام , ستكونُ هذه العلبة
    هديتي الاخيرة له الى عالمه الجديد

    صورة ثالثة وانا اقرا فيها شعراً , اظنهُ مني ,
    على طهاة فندق في لندن

    في طريقي الى بيت مضيفي , حاملاً تلك الصحيفة
    صادفتُ افغاناً يحششون امام متحفٍ حديث
    فكرتُ ان اقترح عليهم وضع طاولات كبيرة في
    غرف الضيوف لغسل القتلى في بلدهم .

    تمنيتُ البقاء هنا لسنوات ,
    والعمل في احد المخابز , مثلاً , او اشتغلَ نشالاً
    في قطارات الصباح واواخر الليل .

    الى بلدتي ساعودُ بعد يومين!

  • سراج الدين الورفلي – أحذية قاسية

    أحذية قاسية
    تجوب ظهر هذا الليل
    الليل الطري
    المعجون بالغموض
    والنجوم البعيدة
    أحذية تحرس
    السجون من الدفئ
    أحذية بوليسية
    تبحث عن أحذية مثقوبة
    أحذية تنتظر
    أحذية تركض
    أحذية
    .
    .
    .
    لا أقدام فيها
    تحلم كل يوم
    بطريق العودة!

  • يحيى الشيخ – القُبْلَة

    يحيى الشيخ – القُبْلَة

    قال الأعمى لعشيقته وهما يعبران الشارع صوب حديقة مكتظة بأشجار معمرة تشبه غابة صغيرة:

    _ يوم جميل لا يأتي مثله حتى لو خُلق العالم من جديد.
    وحزّم خصرها بذراع واثقة من عروقها. التصقت به واندفعت احاسيسها كلها إلى هناك، إلى نهدها المرصوص على جنبه، وطوّقت خصره بذراع نحيل يكاد الشوق يكسره. سحبته اليها وهمست:
    _ بركة ماء على يسارك.
    _ تخشين عليَّ من الغرق في شبر ماء؟
    _ أنت غريق بأقل منه، فلا تُغالي!
    فتح كفه وراح يتلمس خاصرتها الرخوة يبحث عن دغدغة مخبأة يعشقها.
    _ ارجوك، لا تفضحني!
    سحب ذراعه ووضع كفه العريضة على كتفها. كانت تعشق تلك الكف ذات الأصابع الطويلة الناتئة عظامها وكأنها عقد خيزران، ولطالما وجدت نفسها مثل كومة حرير بينها، يفتحها ويطويها كما يشتهي وهي مستسلمة تنتظر ساعة الخلق. طفق ابهامه يتلمس فقرات رقبتها ويدور فيها، يعدّها، وينزل بهدوء ويقين حتى نهاية عمودها، الذي لم يعد يحمل أثقاله، وتصاعد من اعماقها زفير يشبه شخير المذبوح واختلط بشهيقه، نمت عنها كلمات مبعثرة لفم لم يجد فرصة للكلام، واخذها، مبعثرة كما هي، بفم كجرح راعف.

  • السعيد عبد الغنى – شخوص المطلق فى زاوية العزلة

    السعيد عبد الغنى – شخوص المطلق فى زاوية العزلة

    انا وشخوصى آتون اليكم من اتون اللغة 
    اطحن الزمن والمكان في عزلتى 
    وأكل سندويتش الفراغ 
    أغنى لجسد القدر الذى يحمل فى نفسه فطر الصدفة 
    واكتب الكلمات العواهر التى تضرب الضوء أمامها
    ولا أحب عزاء رهبنة القرنفل فى الحديقة
    ولا مآتم البياض فى بدلة الغسق
    لذلك اخذ شهيقى من كنه اللاطمانينة وأخرج زفيرى من رئة حلزون المعرفة .
    هناك كرسى فارغ فى مخيلتى وكرسى آخر في قلبى
    لا يجلس عليه أي أحد لأنى كهربته بصدمة الفناء .
    يتسع الجذر للرياح
    والحجل يحيا فى شجرة الصمت
    وتتحلل الحرية الى القيود والقيود إلى الحرية
    ولكنى أسمع نواح السطر عندما ينادى على الشك
    وغيضة الظل .

     

    * اللوحة للرسام أوريليو مونج

  • في وصف الحمى – أبو الطيب المتنبي

    في وصف الحمى – أبو الطيب المتنبي

    قال المتنبي في وصف الحمى، وقد اشتدَّ عليه المرض:

    مَلومُكُمـا يَجِـلُّ عَـنِ الـمَـلامِ ” ” وَوَقـعُ فَعالِـهِ فَـوقَ الـكَـلامِ
    ذَرانـي وَالفَـلاةَ بِـلا دَلـيـلٍ ” ” وَوَجهـي وَالهَجيـرَ بِـلا لِثـامِ
    فَإِنّـي أَستَريـحُ بِــذا وَهَــذا ” ” وَأَتعَـبُ بِالإِنـاخَـةِ وَالمُـقـامِ
    عُيونُ رَواحِلي إِن حُرتُ عَينـي ” ” وَكُـلُّ بُغـامِ رازِحَـةٍ بُغـامـي
    فَقَـد أَرِدُ المِيـاهَ بِغَيـرِ هــادٍ ” ” سِوى عَدِّي لَهـا بَـرقَ الغَمـامِ
    يُـذِمُّ لِمُهجَتـي رَبّـي وَسَيفـي ” ” إِذا اِحتاجَ الوَحيـدُ إِلـى الذِمـامِ
    وَلا أُمسي لِأَهـلِ البُخـلِ ضَيفًـا ” ” وَلَيسَ قِرىً سِـوى مُـخِّ النِعـامِ
    فَلَمّـا صـارَ وُدُّ النـاسِ خِـبًّـا ” ” جَزَيـتُ عَلـى اِبتِسـامٍ بِاِبتِسـامِ
    وَصِرتُ أَشُـكُّ فيمَـن أَصطَفيـهِ ” ” لِعِلمـي أَنَّـهُ بَـعـضُ الأَنــامِ
    يُحِبُّ العاقِلونَ عَلـى التَصافـي ” ” وَحُبُّ الجاهِليـنَ عَلـى الوَسـامِ
    وَآنَفُ مِن أَخـي لِأَبـي وَأُمّـي ” ” إِذا ما لَـم أَجِـدهُ مِـنَ الكِـرامِ
    أَرى الأَجـدادَ تَغلِبُهـا جميـعًـا ” ” عَلـى الأَولادِ أَخـلاقُ اللِـئـامِ
    وَلَستُ بِقانِـعٍ مِـن كُـلِّ فَضـلٍ ” ” بِـأَن أُعـزى إِلـى جَـدٍّ هُمـامِ
    عَجِبـتُ لِمَـن لَـهُ قَـدٌّ وَحَـدٌّ ” ” وَيَنبـو نَبـوَةَ القَضِـمِ الكَـهـامِ
    وَمَن يَجِدُ الطَريقَ إِلـى المَعالـي ” ” فَـلا يَـذَرُ المَطِـيَّ بِـلا سَنـامِ
    وَلَم أَرَ في عُيوبِ النـاسِ شَيئًـا ” ” كَنَقصِ القادِريـنَ عَلـى التَمـامِ
    أَقَمتُ بِأَرضِ مِصرَ فَلا وَرائـي ” ” تَخُبُّ بِـيَ المَطِـيُّ وَلا أَمامـي
    وَمَلَّنِيَ الفِـراشُ وَكـانَ جَنبـي ” ” يَمَـلُّ لِقـاءَهُ فـي كُـلِّ عــامِ
    قَليـلٌ عائِـدي سَقِـمٌ فُــؤادي ” ” كَثيرٌ حاسِـدي صَعـبٌ مَرامـي
    عَليـلُ الجِسـمِ مُمتَنِـعُ القِـيـامِ ” ” شَديدُ السُكرِ مِـن غَيـرِ المُـدامِ
    وَزائِرَتـي كَـأَنَّ بِهـا حَـيـاءً ” ” فَلَيـسَ تَـزورُ إِلّا فـي الظَـلامِ
    بَذَلتُ لَها المَطـارِفَ وَالحَشايـا ” ” فَعافَتهـا وَباتَـت فـي عِظامـي
    يَضيقُ الجِلدُ عَن نَفسـي وَعَنهـا ” ” فَتوسِـعُـهُ بِـأَنـواعِ السِـقـامِ
    إِذا مـا فارَقَتـنـي غَسَّلَتـنـي ” ” كَأَنّـا عاكِفـانِ عَلـى حَــرامِ
    كَأَنَّ الصُبـحَ يَطرُدُهـا فَتَجـري ” ” مَدامِعُـهـا بِأَربَـعَـةٍ سِـجـامِ
    أُراقِبُ وَقتَها مِـن غَيـرِ شَـوقٍ ” ” مُراقَبَـةَ المَشـوقِ المُستَـهـامِ
    وَيَصدُقُ وَعدُها وَالصِـدقُ شَـرٌّ ” ” إِذا أَلقاكَ فـي الكُـرَبِ العِظـامِ
    أَبِنتَ الدَهـرِ عِنـدي كُـلُّ بِنـتٍ ” ” فَكَيفَ وَصَلتِ أَنتِ مِـنَ الزِحـامِ
    جَرَحتِ مُجَرَّحًا لَـم يَبـقَ فيـهِ ” ” مَكـانٌ لِلسُيـوفِ وَلا السِـهـامِ
    أَلا يا لَيتَ شَعـرَ يَـدي أَتُمسـي ” ” تَصَـرَّفُ فـي عِنـانٍ أَو زِمـامِ
    وَهَل أَرمي هَـوايَ بِراقِصـاتٍ ” ” مُـحَـلّاةِ المَـقـاوِدِ بِالـلُـغـامِ
    فَرُبَّتَما شَفَيـتُ غَليـلَ صَـدري ” ” بِسَـيـرٍ أَو قَـنـاةٍ أَو حُـسـامِ
    وَضاقَت خُطَّةٌ فَخَلَصـتُ مِنهـا ” ” خَلاصَ الخَمرِ مِن نَسـجِ الفِـدامِ
    وَفارَقـتُ الحَبيـبَ بِــلا وَداعٍ ” ” وَوَدَّعـتُ البِـلادَ بِـلا سَــلامِ
    يَقولُ لي الطَبيـبُ أَكَلـتَ شَيئًـا ” ” وَداؤُكَ فـي شَرابِـكَ وَالطَعـامِ
    وَمـا فـي طِبِّـهِ أَنّـي جَـوادٌ ” ” أَضَـرَّ بِجِسمِـهِ طـولُ الجِمـامِ
    تَعَـوَّدَ أَن يُغَبِّـرَ فـي السَرايـا ” ” وَيَدخُـلَ مِـن قَتـامِ فـي قَتـامِ
    فَأُمسِـكَ لا يُطـالُ لَـهُ فَيَرعـى ” ” وَلا هُوَ في العَليـقِ وَلا اللِجـامِ
    فَإِن أَمرَض فَما مَرِضَ اِصطِباري ” ” وَإِن أُحمَمْ فَمـا حُـمَّ اِعتِزامـي
    وَإِن أَسلَـم فَمـا أَبقـى وَلَكِـن ” ” سَلِمتُ مِنَ الحِمامِ إِلـى الحِمـامِ
    تَمَتَّـع مِـن سُهـادِ أَو رُقــادٍ ” ” وَلا تَأمُل كَـرًى تَحـتَ الرِجـامِ
    فَـإِنَّ لِثالِـثِ الحالَيـنِ مَعـنـىً ” ” سِوى مَعنـى اِنتِباهِـكَ وَالمَنـامِ

  • أحمد بخيت – رام الله

    أحمد بخيت – رام الله

    خُذْ طلَّةً أخرى وهبنيَ طلةْ
    كي لا أموتَ.. ولا أرى رامَ الله
    قلبي كما قال المسيحُ لمريمٍ
    وكما لمريمَ.. حَنَّ جذعُ النخلَةْ
    فلاحُ هذي الأرضِ.. عمري حنطتي
    وبَذرتُ أكثرهُ.. حصدتُ أقلَّهْ
    ستون موتاً بي وبعدُ مراهقٌ
    شَيِّبْ سِوايَ.. فها دموعيَ طفلةْ
    أنا وابن جنبيْ شاعرانِ إذا بكى
    فينا الشتاء.. أضلَّني.. وأضلَّهْ
    مطرُ المجانينِ.. الصبايا .. ضحكةٌ
    سكرى الدلالِ.. وخصلةٌ مُبْتلّةْ
    وسُرىً بليلٍ ما تنهُّدُ قُبلَةٍ!
    من بازغٍ.. شَبِقِ الحنان.. مُدَلَّهْ
    قَدَّ القميصَ أمام شهوةِ غيمةٍ
    واختار عُريَ العاشقينَ.. مَظلّةْ
    في شارع الدنيا انكسرت غمامةً
    سمراءَ.. تبتزُّ العذابَ لعلَّهْ
    عُتباكَ يا وجعَ الخيالِ.. براءتي
    ظنَّتْ مراهقةَ السؤالِ.. أدِلّةْ
    في القلبِ تندلعُ القصيدةُ بغتةً
    ويهُبُّ نَعناعٌ.. وتَلثغُ نحلةْ
    يَقتادُ ضوءٌ ما جناحَ فراشةٍ
    من غصن زيتون وراء التلّةْ
    مطرٌ على الأقصى.. الدموع سلالمٌ
    نحو السما.. والله يُمدِدُ حبلَهْ
    خُذني لأندلسِ الغيابِ.. فربّما
    تعبَ الحصانُ.. وتلك آخرُ صهلةْ
    لا أحمل الزيتونَ.. في المنفى معي
    وشراءُ زيتِ المُترفينَ.. مَذَلَّةْ
    أُعطي الشتاتَ هُويَّتينِ.. وبسمةً
    وليَ الدموعُ.. الحزنُ يعرفُ أهلَهْ
    رَجْعُ الكمانِ..
    أخو المكانِ..
    وأختُه
    وأنا على مرمى الحنينِ.. مُوَلّهْ
    للهِيلِ بوصلةُ الحنان.. وتائهٌ
    تَكفيهِ قَهوةُ أمِّهِ.. لتدُلَّهْ
    هذا العشاءُ العائليُّ..
    مُؤجَّلٌ دهرينِ..
    جوعُ الغائبين تألَّهْ
    القلبُ غِمدُ الذكرياتِ..
    مَنِ الذي أفضى لسيفٍ في الضلوعِ..
    وسَلّهْ.. ؟!
    كنْ أنتَ.. صوتُ الأمَّهاتِ.. مُمزّقاً بالدمع..
    أشرَفُ مِن نشيدِ الدولةْ
    وقميصُ أرملةِ الشجاعِ..
    مُخضَّباً بالشوقِ..
    يُرعِبُ رايةً مُحتلّةْ
    لدماءِ طفلٍ في شوارع غزَّةٍ
    أَقِمِ الصلاةَ.. فكلُّ طفلٍ قِبلةْ
    كُنّا نحبُّك قاسياً وتحبُّنا جرحى
    يُضمِّدنا الحنانُ.. بجملةْ
    نحن اقترحنا الأبجديةَ.. بلسماً
    فلِمَ انذبحتَ.. أمامَ حرفِ العلةْ..؟
    نَمْ في سرير الشعرِ نومَ فراشةٍ
    قاسٍ هواك.. ولو رماكَ بقُبلةْ
    سيُحبُّنا بعد السلامِ عدوُّنا
    برصاصتين.. ووردتين.. فقلْ لَهْ:
    أنتَ ابنُ عمِّ الآخرينَ.. وربَّما
    كنتَ ابنَ عمي قبلَ ألفِ جِبِلّةْ
    ولربّما بعدَ السفينةِ.. لم يكن نوحٌ
    أباً يَعْرَى ويَلعنُ نسلَهْ
    أَأحبَّ “إبراهيمُ” “مصرَ”..؟
    وهل بكى قمرَ “العراقِ”..؟
    وهل رأى “رامَ الله”.. ؟
    من أنتَ.. من “يعقوبَ”.. ؟ كيف كَذبْتَهُ
    وصَدَقتَ ذئباً فيكَ.. يَغدرُ نَجْلهْ ؟
    كيف انتزعتَ.. قميصَ حبِّكَ عن دمي
    في جبِّ “يوسفَ”.. والقميصُ الرحلةْ؟
    هل بعتَهُ في الريحِ.. ذاتَ خيانةٍ.. ؟
    وهلِ اكتفيت من الجمالِ.. بعُمْلةْ.. ؟
    لي من “سليمانَ الحكيمِ” مروءةٌ
    في قوةٍ ليست تُسيءُ لنملَةْ
    و”محمّدٌ” كلٌّ ..
    وحبٌّ كلٌّ ..
    فإذا كرهتَ ..
    خسِرتَ حبَّك كلَّهْ
    الخوفُ يابنَ …. الخوفِ
    لحنٌ ناقصٌ في الضوءِ..
    لونُ قصيدةٍ مختلّةْ
    أقوى انتصاراتِ الحديدِ.. هزيمةٌ
    والبندقيّةُ مومسٌ مُنحلّةْ
    إذهبْ لخوفكَ فيك..
    وحدَك عارياً
    مِنْ أيِّما كِبْرٍ وأيَّةِ ذِلّةْ
    يمضي الرمادُ.. إلى الرمادِ.. ودائماً
    قمرٌ يُضئُ.. ونحنُ بِضعُ أهلّةْ
    فاسمعْ عدوَّك فيكَ..
    واسمعْ آدماً..
    لترى .. تريدُ عناقَهُ..
    أمْ قتلَهْ.. ؟

    يمكن الاستماع لقصيدة رام الله للشاعر أحمد بخيت من عيون الشعر العربي بصوته في جلسة تاريخية انعقدت بصالون ميس الثقافي

  • هاني نديم – سور الله العظيم

    هاني نديم – سور الله العظيم

    يا لفرطِ هيبتها
    هذا المجدُ
    قبّل كفّها وجرى
    وأتوْها
    لم يتركوا جرحاً إلا وألقموه ملحا
    أعداؤها، أبناؤها
    أزرارها والعرى
    وهي كصوت النسر في الرياح
    مسحت على شعر الأغاني
    فاسّاقطت قمرا
    سوريا
    يا سور الله
    لا حُجباً ولا سُحَرا
    لولاك في الأرض
    هذي السماء لم تسقطِ المطرا!

    صبّحتكِ بالخير
    يا سوّريا
    صبّحت أهليكِ الكرام
    صباحُ الخير عدد الطير
    كلّما قام الخُزام
    صبّحت البساتين.. و الجَثامين
    من ضيّفكِ رُوحَه عشيةً
    و مضى الصباح إلى الرّيَاحين
    صبّحتُ غادةَ
    وماجدةَ
    ونسرين
    صبّحتُ
    (الميكرويات) و كُلّ من فيها حزين
    صبّحتُ
    الخارجين من الليل سكارى
    و كُل من صلىّ وقام..

    صبّحتكِ يا سوريا
    يا كل حرف فيك سيفٌ
    و كل أصواتي.. حزام

    صبّحتكِ مولاتي
    و ما كل الحياةِ حياةٌ
    ولا كلّ المواتِ..
    زؤام

    و حقِّ الشام إنني خَجِلُ
    و إنني في الحزن.. مُعتقلُ
    و أن اليَمامَ شالُ مئذنةٍ
    و أن الهديلَ خائفٌ وَجِلُ

    هذا البيتُ الذي هدّمتَ
    بيتي
    والدماء التي زغرَدت لها الأمهاتُ السودُ على عرض البلادِ..
    صوتي
    و رغم الجفافِ في لَهاتي
    إن قلتَ أنك ظامئٌ..
    قلتُ إنني مطرُك!

    و قميصي الذي يراهُ عماكَ مهترئاً
    لو رميتكَ به يرتدُّ إليك بصرُك

    أنا سوريا…
    و حقّ ِكلِ من ماتوا
    لا الطغاةُ
    و لا البغاةُ
    و لا قضاؤك حتى … وقدرُك
    لا..أموتُ
    و إن رامَت الأقدارُ
    موتي

    أبوس يديك..سوريّا
    أبوس شموسك فيَّا

    أُقبّل وجه هذي الأرض
    من حلبٍ..
    لدارَيّا

    أبوس يديكِ يا أمي
    أريدُ صفاءنا
    حيّا

    لم يُرفع بها سيفٌ إلا عيونُ نسائها
    شلالاتٌ من الصبايا
    سبحان باريها
    يا عطش الهوى
    و قد سالت عيوناً
    حواريها

    و الشّامُ
    أميرةٌ تمشي
    على عنق الزمان..
    أميرةٌ..و المدائن من حولها جواريها!

    و الشّام تُوصَف
    للفقير، و للحزين
    و الشّام
    تقول نساؤها:
    أن ثُلثي قُمامة الدار فيها
    ياسمين!
    تبارك ربّها بسمائها

    لم تستوِ يوماً لطاغيةٍ
    و سلِ الطغاة..
    لا يموت بها قهراً
    إلا المَوات

    يا شاعراً
    فكّر بغير رثائها

    أنا في الشّامِ..
    و الشّامُ فيَّا

    و هذا الظلام الذي رأيتَ
    رأيتُ بين يديه
    ضيَّا

    و لكنني ناديتُ
    و حده الموتُ جاوبني
    و ما أسمعتُ
    حيّا

    و سوريا (بدها).. سوريين
    و سوريا يدُها ياسمين
    و سوريا..
    التي أذاقتنا المُرّ و القهر
    و شتلتنا في منافينا
    مكائن لفرم السنين

    و سوريا
    كلما فزّ وحشُ الحزن فينا
    هرعنا لها نشكو:
    يا أماه ابنكِ حزين
    لكننا أدباً
    في كل مرةٍ نطأطئ لها الهامَ
    ونقول:
    يا أماه
    ابنك……
    حنين

    الذنب ذنبكَ إذْ أنت سوريّ!
    والحبّ حربكَ
    فالسيف..جوريّ!

    مِن قَابِ قلبكَ
    كم طار دوريّ

    إن تمّ صلبُكَ..
    لا عاش حوريّ!

    و الحَجّ هذا العام
    للشّام..
    طف سبعاً
    على حزن المنازل
    واقرئ
    ميّتيها السَّلام

    من اشتروا ثياب العيد
    لكنها
    وُزّعت على أرواحهم
    لسُكان الخِيام

    و تذكّر و أنت تسعى
    بين صفا و مروة
    أنّ مرام
    تركت لكَ على الباب وردتين
    و أنكَ حبيبها

    قالت مرام.

  • ويستن هيو أودن – لحن جنائزي حزين

    قليل من الشعراء من استطاع بلوغ حزن أودن في قصيدته (لحن جنائزي حزين) ووصفه لمصاب فقدان عزيز، ولعل الكثير من المتفرجين اذرفوا الدموع عندما قرأت القصيدة بصوت عال في مشهد العزاء للفيلم المشهور (أربع زيجات و عزاء) (المترجم)

    *

    أوقفوا كلّ الساعات، اقطعوا التليفون،

    امنعوا الكَلب من العواء و اللهاث بعظمته،

    صَمْت، بيانو يعزف وصوت كظيم يئن من طًبله

    أحضروا التابوت هنا، وأقم الحِـداد.

    .

    اجعلوا الطائرات تحوم فوق رؤوسنا وتنوح

    تغبّشُ على صفحة السّمـاء رسالة (لقـد مــات).

    وعلى أعناقِ الحمام الأبيض اربطوا شارة الحداد،

    دعوا رجُل المرور يلبس قفازات من القطن الأسود.

    .

    لقد كان شمالي، جنوبي، كان شرقي وغربي،

    كان أسبوع عملي و أجازة الأحد

    كان ليلي، منتصف ليلي، حديثي و أغنيتي

    لطالما ظننت أن الحب يبقى للأبد، لكنني كنت مخطئاً.

    .

    النجمات لم تعُد مرغوبة الآن، فرقوا كل واحدة عن الأخرى

    احبسوا القمر وشرّدوا الشمس

    اسكبوا المحيط بعيداً من هنا و اكنسوا الخشَب

    الآن لاشيء مطلقاً يمكن أن يأتي بأي خير.

    *

    ترجمة: د. شريف بُقنه

  • إبراهيم ناجي – الأطلال

    إبراهيم ناجي – الأطلال

    يا فؤادي رحم الله الهوى …………… كان صرحا من خيال فهوى

    اسقني واشرب على أطلاله………….. وارو عني طالما الدمع روى
    كيف ذاك الحب أمسى خبرا………….. وحديثا من أحاديث الجوى

    وبساطا من ندامى حلم …………….. هم تواروا أبدا وهو انطوى

    يارياحا ليس يهدا عصفها ………….. نضب الزيت ومصباحي انطفا 

    وأنا أقتات من وهم عفا.. ………….. وأفي العمر لناس ما وفى
    كم تقلبت على خنجره ……………….. لا الهوى مال ولا الجفن غفا

    وإذا القلب على غفرانه.. ……………. كلما غار به النصل عفا

    ياغراما كان مني في دمي ………….. قدرا كالموت أوفى طعمه 

    ما قضينا ساعة في عرسه ………….. وقضينا العمر في مأتمه
    ما انتزاعي دمعة من عينيه………….. واغتصابي بسمة من فمه
    ليت شعري أين منه مهربي………….. أين يمضي هارب من دمه

    لست أنساك وقد اغريتني ………….. بفم عذب المناداة رقيق 

    ويد تمتد نحوي كيد…………………… من خلال الموج مدت لغريق

    اه يا قيلة أقدامي إذا ………. شكت الأقدام أشواك الطريق

    يظما الساري له ……………. أين في عينيك ذياك البريق

    لست أنساك وقد أغريتني ………….. بالذرى الشم فأدمنت الطموح 

    أنت روح في سمائي ………………. وأنالك أعلو فكأني محض روح
    يا لها من قمم كنا بها ………………. نتلاقى وبسرينا نبوح

    نستشف الغيب من أبراجها …………. ونرى الناس ظلالا في السفوح

    أنت حسن في ضحاه لم يزل ………….. وانا عندي أحزان الطفل 

    وبقايا الظل من ركب رحل ……………. وخيوط النور من نجم أفل
    ألمح الدنيا بعيني سئم ………………… وأرى حولي أشباح الملل
    راقصات فوق أشلاء الهوى………….. معولات فوق أجداث الأمل

    ذهب العمر هباء فاذهبي ……………… لم يكن وعدك إلا شبحا 

    صفحة قد ذهب الدهر بها ………………. أثبت الحب عليها ومحا
    انظري ضحكي ورقصي فرحا……….. وأنا أحمل قلبا ذبحا

    ويراني الناس روحا طائرا ……………. والجوى يطحنني طحن الرحى

    كنت تمثال خيالي فهوى …………….. المقادير أرادت لا يدي 

    ويحها لم تدر ماذا حطمت …………….. حطمت تاجي وهدت معبدي
    يا حياة اليائس المنفرد ……………….. يا يبابا ما به من أحد
    يا قفارا لافحات ما بها ……………… من نجي .. يا سكون الأبد

    أين من عيني حبيب ساحر…………… فيه نبل وجلال وحياء 

    واثق الخطوة يمشي ملكا……………. ظالم الحسن شهي الكبرياء
    عبق السحر كأنفاس الربى………….ساهم الطرف كأحلام المساء
    مشرق الطلعة في منطقه……………… لغة النور وتعبير السماء

    أين مني مجلس أنت به………………. فتنة تمت سناء وسنى 

    وأنا حب وقلب هائم………………….. وخيال حائر منك دنا
    ومن الشوق رسل بيننا……………….. ونديم قدم الكاس لنا
    وسقانا فانتفضنا لحظة……………… لغبار ادمي مسنا

    قد عرفنا صولة الجسم التي……………….. تحكم الحي وتطغى في دماه 

    وسمعنا صرخة في رعدها………………… سوط جلاد وتعذيب إله
    أمرتنا فعصينا أمرها……………………… وأبينا الذل أن يغشى الجباه

    حكم الطاغي فكنا في العصاه………….. وطردنا خلف أسوار الحياه

    يا لمنفيين ضلا في الوعور………….. دميا بالشوك فيها والصخور 

    كلما تقسو الليالي عرفا……………… روعة اللالام في المنفى الطهور
    طردا من ذلك الحلم الكبير…………….. للحظوظ السود والليل الضرير
    يقبسان النور من روحيهما………….. كلما قد ضنت الدنيا بنور

    أنت قد صيرت أمري عجبا…………. كثرت حولي أطيار الربى 

    فإذا قلت لقلبي ساعة……………….. قم نغرد لسوى ليلى أبى
    حجبت تأبى لعيني مأربا………….. غير عينيك ولا مطلبا
    أنت من أسدلها لا تدعي……………. أنني أسدلت هذي الحجبا

    ولكم صاح بي اليأس انتزعها………….. فيرد القدر الساخر: دعها 

    يا لها من خطة عمياء لو…………………… أنني ابصر شيئا لم اطعها
    ولي الويل إذا لبيتها ……………………….. ولي الويل إذا لم أتبعها
    قد حنت رأسي ولو كل القوى………….. تشتري عزة نفسي لم أبعها

    ياحبيبا زرت يوما أيكه……………….. طائر الشوق اغني ألمي 

    لك إبطاء المدل المنعم…………………… وتجني القادر المحتكم
    وحنيني لك يكوي أضلعي…………….. والثواني جمرات في دمي
    وأنا مرتقب في موضعي …………….. مرهف السمع لوقع القدم

    قدم تخطو وقلبي مشبه…………………. موجة تخطو إلى شاطئها 

    أيها الظالم بالله إلى كم………………… أسفح الدمع على موطئها
    رحمة أنت فهل من رحمة ………………. لغريب الروح أو ظامئها
    يا شفاء الروح روحي تشتكي ……….. ظلم اسيها إلى بارئها

    أعطني حريتي اطلق يدي………………… إنني أعطيت ما استبقيت شي 

    اه من قيدك أدمى معصمي………………… لم ابقيه وما أبقى علي
    ما احتفاظي بعهود لم تصنها………………. وإلام اللأسر والدنيا لدي
    ها أنا جفت دموعي فاعف عنها…………. إنها قبلك لم تبذل لحي

    وهب الطائر عن عشك طارا…………….. جفت الغدران والثلج أغارا 

    هذه الدنيا قلوب جمدت………………….. خبت الشعلة والجمر توارى
    وإذا ما قبس القلب غدا………………….. من رماد لا تسله كيف صارا
    لا تسل واذكر عذاب المصطلي………… وهويذكيه فلا يقبس نارا

    لا رعى الله مساء قاسيا………………… قد أراني كل أحلامي سدى 

    وأراني قلب من أعبده…………………… ساخرا من مدمعي سخر العدا
    ليت شعري أي أحداث جرت…………….أنزلت روحك سجنا موصدا
    صدئت روحك في غيهبها………………. وكذا الأرواح يعلوها الصدا

    قد رأيت الكون قبرا ضيقا……………. خيم الياس عليه والسكوت 

    ورأت عيني أكاذيب الهوى………….. واهيات كخيوط العنكبوت
    كنت ترثي لي وتدري ألمي………….. لو رثى للدمع تمثال صموت
    عند أقدامك دنيا تنتهي……………….. وعلى بابك امال تموت

    كنت تدعوني طفلا كلما………………. ثار حبي وتندت مقلي 

    ولك الحق لقد عاش الهوى………….. في طفلا ونما لم يعقل
    ورأى الطعنة إذ صوبتها……………… فمشت مجنونة للمقتل
    رمت الطفل فأدمت قلبه………………. وأصابت كبرياء الرجل

    قلت للنفس وقد جزنا الوصيدا………….عجلي لا ينفع الحزم وئيدا 

    ودعي الهيكل شبت ناره……………….. تأكل الركع فيه والسجودا
    يتمنى لي وفائي عودة………………… والهوى المجروح يابى أن نعودا
    لي نحو اللهب الذاكي به……………….. لفتة العود إذا صار وقودا

    لست أنسى أبدا………….. ساعة في العمر 

    تحت ريح صفقت…………. لارتقاص المطر
    نوحت للذكر……………….. وشكت للقمر
    وإذا ما طربت…………….. عربدت في الشجر

    هاك ما قد صبت…………. الريح باذن الشاعر
    وهي تغري القلب………….إغراء النصيح الفاجر

    أيها الشاعر تغفو……………….. تذكر العهد وتصحو 

    وإذا ما إلتأم جرح………………. جد بالتذكار جرح
    فتعلم كيف تنسى……………….. .وتعلم كيف تمحو
    أو كل الحب في رأيك…………. غفران وصفح

    هاك فانظر عدد………………….الرمل قلوبا ونساء 

    فتخير ما تشاء………………… .ذهب العمر هباء
    ضل في الأرض الذي…………. .ينشد أبناء السماء
    أي روحانية تعصر…………….. من طين وماء

    أيها الريح أجل لكنما………………… هي حبي وتعلاتي ويأسي 

    هي في الغيب لقلبي خلقت…………… أشرقت لي قبل أن تشرق شمسي
    وعلى موعدها أطبقت عيني………….. وعلى تذكارها وسدت رأسي

    جنت الريح ونا……………… دته شياطين الظلام 

    أختاما كيف يحلو…………..لك في البدء الختام

    يا جريحا أسلم ال………….جرح حبيبا نكأه
    هو لا يبكي إذا ال…………..ناعي بهذا نبأه
    أيها الجبار هل …………….تصرع من أجل امرأه

    يالها من صيحة ما بعثت…………….. عنده غير أليم الذكر 

    أرقت في جنبه فاستيقظت………….. كبقايا خنجر منكسر
    لمع النهر وناداه له…………………….. فمضى منحدرا للنهر
    ناضب الزاد وما من سفر……………… دون زاد غير هذا السفر

    ياحبيبي كل شيء بقضاء………….. ما بأيدينا خلقنا تعساء 

    ربما تجمعنا أقدارنا………………… ذات يوم بعدما عز اللقاء
    فإذا أنكر خل خله ………………….. وتلاقينا لقاء الغرباء
    ومضى كل إلى غايته………………. لا تقل شئنا! فإن الحظ شاء

    يا نداء كلما أرسلته………………….. رد مقهورا وبالحظ ارتطم 

    وهتافا من أغاريد المنى………….. عاد لي وهو نواح وندم
    رب تمثال جمال وسنا………………. لاح لي والعيش شجو وظلم
    إرتمى اللحن عليه جاثيا……………. ليس يدري أنه حسن أصم

    هدأ الليل ولا قلب له…………………. أيها الساهر يدري حيرتك 

    ايها الشاعر خذ قيثارتك …………..غن أشجانك واسكب دمعتك
    رب لحن رقص النجم له ……………. وغزا السحب وبالنجم فتك
    غنه حتى نرى ستر الدجى ……….. طلع الفجر عليه فانتهك

    وإذا ما زهرات ذعرت …………………. ورأيت الرعب يغشى قلبها 

    فترفق واتئد واعزف لها ………………. من رقيق اللحن وامسح رعبها
    ربما نامت على مهد اللأسى ………… وبكت مستصرخات ربها
    أيها الشاعر كم من زهرة …………….عوقبت لم تدر يوما ذنبها

  • أمل دنقل – البكاء بين يدي زرقاء اليمامة

    أمل دنقل – البكاء بين يدي زرقاء اليمامة

    أيتها العرافة المقدَّسةْ ..

    جئتُ إليك .. مثخناً بالطعنات والدماءْ

    أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدّسة

    منكسر السيف، مغبَّر الجبين والأعضاءْ.

    أسأل يا زرقاءْ ..

    عن فمكِ الياقوتِ عن، نبوءة العذراء

    عن ساعدي المقطوع.. وهو ما يزال ممسكاً بالراية المنكَّسة

    عن صور الأطفال في الخوذات.. ملقاةً على الصحراء

    عن جاريَ الذي يَهُمُّ بارتشاف الماء..

    فيثقب الرصاصُ رأسَه .. في لحظة الملامسة !

    عن الفم المحشوِّ بالرمال والدماء !!

    أسأل يا زرقاء ..

    عن وقفتي العزلاء بين السيف .. والجدارْ !

    عن صرخة المرأة بين السَّبي. والفرارْ ؟

    كيف حملتُ العار..

    ثم مشيتُ ؟ دون أن أقتل نفسي ؟ ! دون أن أنهار ؟ !

    ودون أن يسقط لحمي .. من غبار التربة المدنسة ؟ !

    تكلَّمي أيتها النبية المقدسة

    تكلمي .. باللهِ .. باللعنةِ .. بالشيطانْ

    لا تغمضي عينيكِ، فالجرذان ..

    تلعق من دمي حساءَها .. ولا أردُّها !

    تكلمي … لشدَّ ما أنا مُهان

    لا اللَّيل يُخفي عورتي .. كلا ولا الجدران !

    ولا اختبائي في الصحيفة التي أشدُّها ..

    ولا احتمائي في سحائب الدخان !

    .. تقفز حولي طفلةٌ واسعةُ العينين .. عذبةُ المشاكسة

    ( – كان يَقُصُّ عنك يا صغيرتي .. ونحن في الخنادْق

    فنفتح الأزرار في ستراتنا .. ونسند البنادقْ

    وحين مات عَطَشاً في الصحَراء المشمسة ..

    رطَّب باسمك الشفاه اليابسة ..

    وارتخت العينان !)

    فأين أخفي وجهيَ المتَّهمَ المدان ؟

    والضحكةَ الطروب : ضحكتهُ..

    والوجهُ .. والغمازتانْ ! ؟

    * * *

    أيتها النبية المقدسة ..

    لا تسكتي .. فقد سَكَتُّ سَنَةً فَسَنَةً ..

    لكي أنال فضلة الأمانْ

    قيل ليَ “اخرسْ ..”

    فخرستُ .. وعميت .. وائتممتُ بالخصيان !

    ظللتُ في عبيد ( عبسِ ) أحرس القطعان

    أجتزُّ صوفَها ..

    أردُّ نوقها ..

    أنام في حظائر النسيان

    طعاميَ : الكسرةُ .. والماءُ .. وبعض الثمرات اليابسة .

    وها أنا في ساعة الطعانْ

    ساعةَ أن تخاذل الكماةُ .. والرماةُ .. والفرسانْ

    دُعيت للميدان !

    أنا الذي ما ذقتُ لحمَ الضأن ..

    أنا الذي لا حولَ لي أو شأن ..

    أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان ،

    أدعى إلى الموت .. ولم أدع الى المجالسة !!

    تكلمي أيتها النبية المقدسة

    تكلمي .. تكلمي ..

    فها أنا على التراب سائلٌ دمي

    وهو ظمئُ .. يطلب المزيدا .

    أسائل الصمتَ الذي يخنقني :

    ” ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! “

    أجندلاً يحملن أم حديدا .. ؟!”

    فمن تُرى يصدُقْني ؟

    أسائل الركَّع والسجودا

    أسائل القيودا :

    ” ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! “

    ” ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! “

    أيتها العَّرافة المقدسة ..

    ماذا تفيد الكلمات البائسة ؟

    قلتِ لهم ما قلتِ عن قوافل الغبارْ ..

    فاتهموا عينيكِ، يا زرقاء، بالبوار !

    قلتِ لهم ما قلتِ عن مسيرة الأشجار ..

    فاستضحكوا من وهمكِ الثرثار !

    وحين فُوجئوا بحدِّ السيف : قايضوا بنا ..

    والتمسوا النجاةَ والفرار !

    ونحن جرحى القلبِ ،

    جرحى الروحِ والفم .

    لم يبق إلا الموتُ ..

    والحطامُ ..

    والدمارْ ..

    وصبيةٌ مشرّدون يعبرون آخرَ الأنهارْ

    ونسوةٌ يسقن في سلاسل الأسرِ،

    وفي ثياب العارْ

    مطأطئات الرأس.. لا يملكن إلا الصرخات الناعسة !

    ها أنت يا زرقاءْ

    وحيدةٌ … عمياءْ !

    وما تزال أغنياتُ الحبِّ .. والأضواءْ

    والعرباتُ الفارهاتُ .. والأزياءْ !

    فأين أخفي وجهيَ المُشَوَّها

    كي لا أعكِّر الصفاء .. الأبله.. المموَّها.

    في أعين الرجال والنساءْ !؟

    وأنت يا زرقاء ..

    وحيدة .. عمياء !

    وحيدة .. عمياء !

  • محمد المطرود – أنا ذئبة نفسي

    محمد المطرود – أنا ذئبة نفسي

    تربضُ الآنَ ذئبةٌ كَهلةٌ في رأسي، تَتَرصّدُ الإبلَ والخرفانَ والثعالبَ والصيادينَ والبَدو، لاتَصيدُ أمراً مما ترىَ، ولاتفتكُ بأحدٍ يمرُّ أمام شاشةِ الدمِ، مهدوراً علىَ نطعِ المرضِ والاحتمالِ الضئيلِ بالنجاةِ، سوىَ أنّها تُعمِلُ مخلبَها في اللحمِ النيّءِ مشغولاً بالفكرةِ، ومستوياً أخيراً مَوضعاً ليّناً للحرب والحبِّ والاعتذارِ والندَم. الذئبةُ أحدٌ قريبُ، ولها وشمُ حيلةٍ أسفلَ القلبِ، تصطادُ بهِ العشَّاقَ والناجينَ بالأحلامِ منَ الأوهام، كأنْ يتَدَلوا بلا حبالٍ من سابعِ سماءٍ إلى جوفِ الهاويةِ، معلّقينَ كما لو أنّهم يملكونَ الجنّةَ والجحيمَ معاً، ويتأرجحونَ مخيّرينَ بينَ النقيضينَ!..
    أقدّم اعتذاراً شبيهاً برثاءِ النَفسِ، كأنيَّ أحدٌ سوايَّ مشطورٌ إلى نصفين مختلفين، تتقاتلُ ظلالهما، ويتصالحانِ في النسيانِ، لأنسىَ هل دفنتُ روحي في مكان ما معتمٍ من أمنياتٍ لاتتحققُ، أمْ دفنتُ طفلي، حتى رأيتُ القبرَ فضفاضاً عليهِ والدودَ عَجولاً إلى هشاشتهِ، فهلتُ جسدي مع الترابِ إلىَ جوفِ النسيان الذي حسبتهُ مقبرة، وحسبتُني أُعيدُ ماضاعَ مني، وأحمي بضعفي الغنيّ ما لا أستطيعُ ردَّهُ وقد أخذتهُ المنونُ وروحُ الفقدِ المستذئبةُ، فصكّتْ دونَهُ أبوابٌ وغلِّقتْ عليهِ مصاريعُ، وما اعتذاري من كلّ أحدٍ قتلتهُ أو نويتُ قتلَهُ إلّا تكفيرٌ وجهرٌ بالذي سكنَني وأخذني عنوةً إلى ما لا أشتهي، فأنا الآنَ بينَ وهجِ نفسي المتوثبةِ كذئبٍ فيما مضى وبينَ ذئبةٍ تَثبُ متثاقلةً على روحي، بعدما فتيّةً كانت وطويلةً، وإذا انحدرتْ من جبالٍ قريبةٍ، تجيء ومعها قبائلُ تفتكُ بالزرعِ والحيوانِ والآبارِ، وتوطِدُ علاقاتِ حبٍّ معَ الجسورينَ. كنتُ ضحيةَ هذا السحر، وعسايَ هنا لا أعتذر، حَسبي نطقتُ بلسانِ الذئبةِ التي تذرعُ رأسي، مُتَرجِلاً عن حصاني في فلاةِ السَبقِ الفسيحةِ، داخلاً دائرةَ النارِ الشديدةِ، حابساً فيها جسارتي، ومتنازلاً بكلّ طواعيةٍ عن فارسٍ كنتهُ، عَلْمتهُ الرمايةَ وطِرادَ الطرائد، فلما اشتدَّتْ حيلتُهُ تركتهُ للحبّ يفتكُ بهِ، ويرميهِ مثلَ شاةٍ عليلةٍ في يومٍ مظلمٍ وباردٍ والطريقُ مَمشىَ ذئابٍ جائعة. أقدِم اعتذاراً لكلّ من أكلَني في ليلِ المكاشفةِ وفوّتَ عليَّ الدهشةَ بأنْ أرانيَ ” ونفسيَ اللوامةَ” مسحولاً في أرضٍ ليست لي، ومن أجلِ أحدٍ كانَ يرشي الأقدارَ، ويقدمُ النذورَ ليشهدَ موتي أو بالذي يشي بانطفائي!..
    حينَ لم أتحدّثْ بما أحسستُ، وأشرقتُ في نصفيَّ الحيِّ المحرَّرِ من أنثىَ المرضِ، فقد جررتُ نصفيَّ الميتَ خلفي، وتعايشتُ مع نصفِ جثةٍ، ليس كما يفعلُ مشلولٌ معَ عاهتهِ، إنّما كما يفعلُ عاقلٌ صَحيحٌ معَ أحدٍ ذي عاهةٍ لابرءَ منها، أفعل هذا لأنَّ ذئبةٌ كهلةٌ تلبّستني ونطقَتْ باسمي، وهي تعتاشُ في رأسي، تأكلُ أحاسيسي الثريةَ شيئاً فشيئاً، قطعةً تلوَ الأخرى، هي تتَضخَمُ، وأنا أضمرُ وطريقي إلىَ النهايات واضحٌ، حيثُ لا اسمَ ولا قوامَ ولارأياً خاصّاً لي في هذا الكون، وأعترفُ أنيَّ نكّلتُ بأفكارٍ كثيرةٍ، وجرّبتُ أنْ أكونَ معافىَ وأنطقَ بالهوىَ ومايوحىَ إليَّ من قوةٍ طيَّ الخفاءِ لا أتبينها، وليسَ ماتقولهُ ذئبةٌ عجوزُ أنيابُها تشتغلُ بدأب في رأسي ومخالبُها تهرشُ دمي، وتحدثُ ضوضاءً عارمةً، أنا الآنَ مجردُ صوتٍ أو جلجلةٌ أو طرقٌ لجوجٌ علىَ بابِ السجنِ أو ارتطامُ غيمتينِ ببعضهما، أو نحاساً أصدرَ أنيناً بمحضِ الصدفةِ، أو جنيّاً صرخَ في وادي الظلماتِ، فردّت عليهِ جميعُ الجنيّات:وااااه!..
    وأنا الآن الذئبةُ الكهلةُ استوطَنَت رأساً كانَ عنيداً، يفكرُ بامتلاكِ العالم، الذئبة سَتحيا بي، تأكلُ ما آكلُ، تحِبُّ ما أحبُّ، وتعتادُ ما اعتدتُ من الهوانِ والسيادة، وتموتُ أخيراً في جسدي، لستُ ابنَ هذهِ الذئبة ولازوجَها ولا ظلّها، ولو جاز لي أنْ أفسّر هذا الرباطَ لفسرتهُ، غيرَ أنيّ مشغولٌ بالأسْرِ والدائرةُ تضيقُ أكثرَ فأكثرَ، ليسَ بعيداً عن نافذةٍ تطلُّ على حديقةِ النجاةِ، إنّما قريباً من حبلِ الأنشوطةِ.
    وإذا امتلكتُ يوماً ما مخالباً وأنياباً، واكتسبَ جلدي وبراً لَهُ مَلاسةَ حَجرَ الصوّانِ الذي تَدَحرجَ عليهِ وعطراً من صنوبرٍ أنثوي حينَ أنزلُ جبلاً صوبَ سهلٍ مشغولٍ بالحربِ وناسهُ ينجونَ بالنارِ من النارِ، سأنتصرُ لي من ذئبةٍ صارت أنا، وسأموتُ سعيداً بما تبقىَّ من مرضٍ اسمهُ حبُّ الحياه.

  • أنيس غنيمة – بما أحمله ويحملني

    بما أحمله ويحملني

    أجراسُ آثامي تدّقها يد الليل القدّوس
    وتجرّني ترتيلةُ السأمِ والغبار،

    آه، أيها المجدُ الطالعُ
    يا سفينة الصحراءِ في نهرٍ آسن

    يا خشبَ المسرّة بأسرهِ،
    و يا مزاميرَ وجودي في كل حين

    هأنذا بما أحملهُ ويحملني،
    مولودٌ في الذي وُلِد لي.

  • أنيس غنيمة – عبادة الوردة

    طوال حياتي بلا أحد،
    أحفر بالطوبِ وجنتيّ
    اللتين مثل قبرٍ منبوش
    أرسمُ بيتي قبالة نهرٍ
    بلا ماءٍ..
    لأعطشَ لك أيها العالم البغيضُ
    أيها الأصدقاء البعيدون والتائهون
    أيتها الربّاتُ
    يا صفوة ما في العدم.
    أعبد وردة
    وأقدّس عيني البلاستيك
    لا أعجبُ أحداً–
    كل قطارٍ يمضي
    أصفّق له بيدينِ من فولاذٍ
    مرتاحاً على سكّة لا تقود لشيء.