المدونة

  • هاني نديم – سور الله العظيم

    هاني نديم – سور الله العظيم

    يا لفرطِ هيبتها
    هذا المجدُ
    قبّل كفّها وجرى
    وأتوْها
    لم يتركوا جرحاً إلا وألقموه ملحا
    أعداؤها، أبناؤها
    أزرارها والعرى
    وهي كصوت النسر في الرياح
    مسحت على شعر الأغاني
    فاسّاقطت قمرا
    سوريا
    يا سور الله
    لا حُجباً ولا سُحَرا
    لولاك في الأرض
    هذي السماء لم تسقطِ المطرا!

    صبّحتكِ بالخير
    يا سوّريا
    صبّحت أهليكِ الكرام
    صباحُ الخير عدد الطير
    كلّما قام الخُزام
    صبّحت البساتين.. و الجَثامين
    من ضيّفكِ رُوحَه عشيةً
    و مضى الصباح إلى الرّيَاحين
    صبّحتُ غادةَ
    وماجدةَ
    ونسرين
    صبّحتُ
    (الميكرويات) و كُلّ من فيها حزين
    صبّحتُ
    الخارجين من الليل سكارى
    و كُل من صلىّ وقام..

    صبّحتكِ يا سوريا
    يا كل حرف فيك سيفٌ
    و كل أصواتي.. حزام

    صبّحتكِ مولاتي
    و ما كل الحياةِ حياةٌ
    ولا كلّ المواتِ..
    زؤام

    و حقِّ الشام إنني خَجِلُ
    و إنني في الحزن.. مُعتقلُ
    و أن اليَمامَ شالُ مئذنةٍ
    و أن الهديلَ خائفٌ وَجِلُ

    هذا البيتُ الذي هدّمتَ
    بيتي
    والدماء التي زغرَدت لها الأمهاتُ السودُ على عرض البلادِ..
    صوتي
    و رغم الجفافِ في لَهاتي
    إن قلتَ أنك ظامئٌ..
    قلتُ إنني مطرُك!

    و قميصي الذي يراهُ عماكَ مهترئاً
    لو رميتكَ به يرتدُّ إليك بصرُك

    أنا سوريا…
    و حقّ ِكلِ من ماتوا
    لا الطغاةُ
    و لا البغاةُ
    و لا قضاؤك حتى … وقدرُك
    لا..أموتُ
    و إن رامَت الأقدارُ
    موتي

    أبوس يديك..سوريّا
    أبوس شموسك فيَّا

    أُقبّل وجه هذي الأرض
    من حلبٍ..
    لدارَيّا

    أبوس يديكِ يا أمي
    أريدُ صفاءنا
    حيّا

    لم يُرفع بها سيفٌ إلا عيونُ نسائها
    شلالاتٌ من الصبايا
    سبحان باريها
    يا عطش الهوى
    و قد سالت عيوناً
    حواريها

    و الشّامُ
    أميرةٌ تمشي
    على عنق الزمان..
    أميرةٌ..و المدائن من حولها جواريها!

    و الشّام تُوصَف
    للفقير، و للحزين
    و الشّام
    تقول نساؤها:
    أن ثُلثي قُمامة الدار فيها
    ياسمين!
    تبارك ربّها بسمائها

    لم تستوِ يوماً لطاغيةٍ
    و سلِ الطغاة..
    لا يموت بها قهراً
    إلا المَوات

    يا شاعراً
    فكّر بغير رثائها

    أنا في الشّامِ..
    و الشّامُ فيَّا

    و هذا الظلام الذي رأيتَ
    رأيتُ بين يديه
    ضيَّا

    و لكنني ناديتُ
    و حده الموتُ جاوبني
    و ما أسمعتُ
    حيّا

    و سوريا (بدها).. سوريين
    و سوريا يدُها ياسمين
    و سوريا..
    التي أذاقتنا المُرّ و القهر
    و شتلتنا في منافينا
    مكائن لفرم السنين

    و سوريا
    كلما فزّ وحشُ الحزن فينا
    هرعنا لها نشكو:
    يا أماه ابنكِ حزين
    لكننا أدباً
    في كل مرةٍ نطأطئ لها الهامَ
    ونقول:
    يا أماه
    ابنك……
    حنين

    الذنب ذنبكَ إذْ أنت سوريّ!
    والحبّ حربكَ
    فالسيف..جوريّ!

    مِن قَابِ قلبكَ
    كم طار دوريّ

    إن تمّ صلبُكَ..
    لا عاش حوريّ!

    و الحَجّ هذا العام
    للشّام..
    طف سبعاً
    على حزن المنازل
    واقرئ
    ميّتيها السَّلام

    من اشتروا ثياب العيد
    لكنها
    وُزّعت على أرواحهم
    لسُكان الخِيام

    و تذكّر و أنت تسعى
    بين صفا و مروة
    أنّ مرام
    تركت لكَ على الباب وردتين
    و أنكَ حبيبها

    قالت مرام.

  • ويستن هيو أودن – لحن جنائزي حزين

    قليل من الشعراء من استطاع بلوغ حزن أودن في قصيدته (لحن جنائزي حزين) ووصفه لمصاب فقدان عزيز، ولعل الكثير من المتفرجين اذرفوا الدموع عندما قرأت القصيدة بصوت عال في مشهد العزاء للفيلم المشهور (أربع زيجات و عزاء) (المترجم)

    *

    أوقفوا كلّ الساعات، اقطعوا التليفون،

    امنعوا الكَلب من العواء و اللهاث بعظمته،

    صَمْت، بيانو يعزف وصوت كظيم يئن من طًبله

    أحضروا التابوت هنا، وأقم الحِـداد.

    .

    اجعلوا الطائرات تحوم فوق رؤوسنا وتنوح

    تغبّشُ على صفحة السّمـاء رسالة (لقـد مــات).

    وعلى أعناقِ الحمام الأبيض اربطوا شارة الحداد،

    دعوا رجُل المرور يلبس قفازات من القطن الأسود.

    .

    لقد كان شمالي، جنوبي، كان شرقي وغربي،

    كان أسبوع عملي و أجازة الأحد

    كان ليلي، منتصف ليلي، حديثي و أغنيتي

    لطالما ظننت أن الحب يبقى للأبد، لكنني كنت مخطئاً.

    .

    النجمات لم تعُد مرغوبة الآن، فرقوا كل واحدة عن الأخرى

    احبسوا القمر وشرّدوا الشمس

    اسكبوا المحيط بعيداً من هنا و اكنسوا الخشَب

    الآن لاشيء مطلقاً يمكن أن يأتي بأي خير.

    *

    ترجمة: د. شريف بُقنه

  • إبراهيم ناجي – الأطلال

    إبراهيم ناجي – الأطلال

    يا فؤادي رحم الله الهوى …………… كان صرحا من خيال فهوى

    اسقني واشرب على أطلاله………….. وارو عني طالما الدمع روى
    كيف ذاك الحب أمسى خبرا………….. وحديثا من أحاديث الجوى

    وبساطا من ندامى حلم …………….. هم تواروا أبدا وهو انطوى

    يارياحا ليس يهدا عصفها ………….. نضب الزيت ومصباحي انطفا 

    وأنا أقتات من وهم عفا.. ………….. وأفي العمر لناس ما وفى
    كم تقلبت على خنجره ……………….. لا الهوى مال ولا الجفن غفا

    وإذا القلب على غفرانه.. ……………. كلما غار به النصل عفا

    ياغراما كان مني في دمي ………….. قدرا كالموت أوفى طعمه 

    ما قضينا ساعة في عرسه ………….. وقضينا العمر في مأتمه
    ما انتزاعي دمعة من عينيه………….. واغتصابي بسمة من فمه
    ليت شعري أين منه مهربي………….. أين يمضي هارب من دمه

    لست أنساك وقد اغريتني ………….. بفم عذب المناداة رقيق 

    ويد تمتد نحوي كيد…………………… من خلال الموج مدت لغريق

    اه يا قيلة أقدامي إذا ………. شكت الأقدام أشواك الطريق

    يظما الساري له ……………. أين في عينيك ذياك البريق

    لست أنساك وقد أغريتني ………….. بالذرى الشم فأدمنت الطموح 

    أنت روح في سمائي ………………. وأنالك أعلو فكأني محض روح
    يا لها من قمم كنا بها ………………. نتلاقى وبسرينا نبوح

    نستشف الغيب من أبراجها …………. ونرى الناس ظلالا في السفوح

    أنت حسن في ضحاه لم يزل ………….. وانا عندي أحزان الطفل 

    وبقايا الظل من ركب رحل ……………. وخيوط النور من نجم أفل
    ألمح الدنيا بعيني سئم ………………… وأرى حولي أشباح الملل
    راقصات فوق أشلاء الهوى………….. معولات فوق أجداث الأمل

    ذهب العمر هباء فاذهبي ……………… لم يكن وعدك إلا شبحا 

    صفحة قد ذهب الدهر بها ………………. أثبت الحب عليها ومحا
    انظري ضحكي ورقصي فرحا……….. وأنا أحمل قلبا ذبحا

    ويراني الناس روحا طائرا ……………. والجوى يطحنني طحن الرحى

    كنت تمثال خيالي فهوى …………….. المقادير أرادت لا يدي 

    ويحها لم تدر ماذا حطمت …………….. حطمت تاجي وهدت معبدي
    يا حياة اليائس المنفرد ……………….. يا يبابا ما به من أحد
    يا قفارا لافحات ما بها ……………… من نجي .. يا سكون الأبد

    أين من عيني حبيب ساحر…………… فيه نبل وجلال وحياء 

    واثق الخطوة يمشي ملكا……………. ظالم الحسن شهي الكبرياء
    عبق السحر كأنفاس الربى………….ساهم الطرف كأحلام المساء
    مشرق الطلعة في منطقه……………… لغة النور وتعبير السماء

    أين مني مجلس أنت به………………. فتنة تمت سناء وسنى 

    وأنا حب وقلب هائم………………….. وخيال حائر منك دنا
    ومن الشوق رسل بيننا……………….. ونديم قدم الكاس لنا
    وسقانا فانتفضنا لحظة……………… لغبار ادمي مسنا

    قد عرفنا صولة الجسم التي……………….. تحكم الحي وتطغى في دماه 

    وسمعنا صرخة في رعدها………………… سوط جلاد وتعذيب إله
    أمرتنا فعصينا أمرها……………………… وأبينا الذل أن يغشى الجباه

    حكم الطاغي فكنا في العصاه………….. وطردنا خلف أسوار الحياه

    يا لمنفيين ضلا في الوعور………….. دميا بالشوك فيها والصخور 

    كلما تقسو الليالي عرفا……………… روعة اللالام في المنفى الطهور
    طردا من ذلك الحلم الكبير…………….. للحظوظ السود والليل الضرير
    يقبسان النور من روحيهما………….. كلما قد ضنت الدنيا بنور

    أنت قد صيرت أمري عجبا…………. كثرت حولي أطيار الربى 

    فإذا قلت لقلبي ساعة……………….. قم نغرد لسوى ليلى أبى
    حجبت تأبى لعيني مأربا………….. غير عينيك ولا مطلبا
    أنت من أسدلها لا تدعي……………. أنني أسدلت هذي الحجبا

    ولكم صاح بي اليأس انتزعها………….. فيرد القدر الساخر: دعها 

    يا لها من خطة عمياء لو…………………… أنني ابصر شيئا لم اطعها
    ولي الويل إذا لبيتها ……………………….. ولي الويل إذا لم أتبعها
    قد حنت رأسي ولو كل القوى………….. تشتري عزة نفسي لم أبعها

    ياحبيبا زرت يوما أيكه……………….. طائر الشوق اغني ألمي 

    لك إبطاء المدل المنعم…………………… وتجني القادر المحتكم
    وحنيني لك يكوي أضلعي…………….. والثواني جمرات في دمي
    وأنا مرتقب في موضعي …………….. مرهف السمع لوقع القدم

    قدم تخطو وقلبي مشبه…………………. موجة تخطو إلى شاطئها 

    أيها الظالم بالله إلى كم………………… أسفح الدمع على موطئها
    رحمة أنت فهل من رحمة ………………. لغريب الروح أو ظامئها
    يا شفاء الروح روحي تشتكي ……….. ظلم اسيها إلى بارئها

    أعطني حريتي اطلق يدي………………… إنني أعطيت ما استبقيت شي 

    اه من قيدك أدمى معصمي………………… لم ابقيه وما أبقى علي
    ما احتفاظي بعهود لم تصنها………………. وإلام اللأسر والدنيا لدي
    ها أنا جفت دموعي فاعف عنها…………. إنها قبلك لم تبذل لحي

    وهب الطائر عن عشك طارا…………….. جفت الغدران والثلج أغارا 

    هذه الدنيا قلوب جمدت………………….. خبت الشعلة والجمر توارى
    وإذا ما قبس القلب غدا………………….. من رماد لا تسله كيف صارا
    لا تسل واذكر عذاب المصطلي………… وهويذكيه فلا يقبس نارا

    لا رعى الله مساء قاسيا………………… قد أراني كل أحلامي سدى 

    وأراني قلب من أعبده…………………… ساخرا من مدمعي سخر العدا
    ليت شعري أي أحداث جرت…………….أنزلت روحك سجنا موصدا
    صدئت روحك في غيهبها………………. وكذا الأرواح يعلوها الصدا

    قد رأيت الكون قبرا ضيقا……………. خيم الياس عليه والسكوت 

    ورأت عيني أكاذيب الهوى………….. واهيات كخيوط العنكبوت
    كنت ترثي لي وتدري ألمي………….. لو رثى للدمع تمثال صموت
    عند أقدامك دنيا تنتهي……………….. وعلى بابك امال تموت

    كنت تدعوني طفلا كلما………………. ثار حبي وتندت مقلي 

    ولك الحق لقد عاش الهوى………….. في طفلا ونما لم يعقل
    ورأى الطعنة إذ صوبتها……………… فمشت مجنونة للمقتل
    رمت الطفل فأدمت قلبه………………. وأصابت كبرياء الرجل

    قلت للنفس وقد جزنا الوصيدا………….عجلي لا ينفع الحزم وئيدا 

    ودعي الهيكل شبت ناره……………….. تأكل الركع فيه والسجودا
    يتمنى لي وفائي عودة………………… والهوى المجروح يابى أن نعودا
    لي نحو اللهب الذاكي به……………….. لفتة العود إذا صار وقودا

    لست أنسى أبدا………….. ساعة في العمر 

    تحت ريح صفقت…………. لارتقاص المطر
    نوحت للذكر……………….. وشكت للقمر
    وإذا ما طربت…………….. عربدت في الشجر

    هاك ما قد صبت…………. الريح باذن الشاعر
    وهي تغري القلب………….إغراء النصيح الفاجر

    أيها الشاعر تغفو……………….. تذكر العهد وتصحو 

    وإذا ما إلتأم جرح………………. جد بالتذكار جرح
    فتعلم كيف تنسى……………….. .وتعلم كيف تمحو
    أو كل الحب في رأيك…………. غفران وصفح

    هاك فانظر عدد………………….الرمل قلوبا ونساء 

    فتخير ما تشاء………………… .ذهب العمر هباء
    ضل في الأرض الذي…………. .ينشد أبناء السماء
    أي روحانية تعصر…………….. من طين وماء

    أيها الريح أجل لكنما………………… هي حبي وتعلاتي ويأسي 

    هي في الغيب لقلبي خلقت…………… أشرقت لي قبل أن تشرق شمسي
    وعلى موعدها أطبقت عيني………….. وعلى تذكارها وسدت رأسي

    جنت الريح ونا……………… دته شياطين الظلام 

    أختاما كيف يحلو…………..لك في البدء الختام

    يا جريحا أسلم ال………….جرح حبيبا نكأه
    هو لا يبكي إذا ال…………..ناعي بهذا نبأه
    أيها الجبار هل …………….تصرع من أجل امرأه

    يالها من صيحة ما بعثت…………….. عنده غير أليم الذكر 

    أرقت في جنبه فاستيقظت………….. كبقايا خنجر منكسر
    لمع النهر وناداه له…………………….. فمضى منحدرا للنهر
    ناضب الزاد وما من سفر……………… دون زاد غير هذا السفر

    ياحبيبي كل شيء بقضاء………….. ما بأيدينا خلقنا تعساء 

    ربما تجمعنا أقدارنا………………… ذات يوم بعدما عز اللقاء
    فإذا أنكر خل خله ………………….. وتلاقينا لقاء الغرباء
    ومضى كل إلى غايته………………. لا تقل شئنا! فإن الحظ شاء

    يا نداء كلما أرسلته………………….. رد مقهورا وبالحظ ارتطم 

    وهتافا من أغاريد المنى………….. عاد لي وهو نواح وندم
    رب تمثال جمال وسنا………………. لاح لي والعيش شجو وظلم
    إرتمى اللحن عليه جاثيا……………. ليس يدري أنه حسن أصم

    هدأ الليل ولا قلب له…………………. أيها الساهر يدري حيرتك 

    ايها الشاعر خذ قيثارتك …………..غن أشجانك واسكب دمعتك
    رب لحن رقص النجم له ……………. وغزا السحب وبالنجم فتك
    غنه حتى نرى ستر الدجى ……….. طلع الفجر عليه فانتهك

    وإذا ما زهرات ذعرت …………………. ورأيت الرعب يغشى قلبها 

    فترفق واتئد واعزف لها ………………. من رقيق اللحن وامسح رعبها
    ربما نامت على مهد اللأسى ………… وبكت مستصرخات ربها
    أيها الشاعر كم من زهرة …………….عوقبت لم تدر يوما ذنبها

  • أمل دنقل – البكاء بين يدي زرقاء اليمامة

    أمل دنقل – البكاء بين يدي زرقاء اليمامة

    أيتها العرافة المقدَّسةْ ..

    جئتُ إليك .. مثخناً بالطعنات والدماءْ

    أزحف في معاطف القتلى، وفوق الجثث المكدّسة

    منكسر السيف، مغبَّر الجبين والأعضاءْ.

    أسأل يا زرقاءْ ..

    عن فمكِ الياقوتِ عن، نبوءة العذراء

    عن ساعدي المقطوع.. وهو ما يزال ممسكاً بالراية المنكَّسة

    عن صور الأطفال في الخوذات.. ملقاةً على الصحراء

    عن جاريَ الذي يَهُمُّ بارتشاف الماء..

    فيثقب الرصاصُ رأسَه .. في لحظة الملامسة !

    عن الفم المحشوِّ بالرمال والدماء !!

    أسأل يا زرقاء ..

    عن وقفتي العزلاء بين السيف .. والجدارْ !

    عن صرخة المرأة بين السَّبي. والفرارْ ؟

    كيف حملتُ العار..

    ثم مشيتُ ؟ دون أن أقتل نفسي ؟ ! دون أن أنهار ؟ !

    ودون أن يسقط لحمي .. من غبار التربة المدنسة ؟ !

    تكلَّمي أيتها النبية المقدسة

    تكلمي .. باللهِ .. باللعنةِ .. بالشيطانْ

    لا تغمضي عينيكِ، فالجرذان ..

    تلعق من دمي حساءَها .. ولا أردُّها !

    تكلمي … لشدَّ ما أنا مُهان

    لا اللَّيل يُخفي عورتي .. كلا ولا الجدران !

    ولا اختبائي في الصحيفة التي أشدُّها ..

    ولا احتمائي في سحائب الدخان !

    .. تقفز حولي طفلةٌ واسعةُ العينين .. عذبةُ المشاكسة

    ( – كان يَقُصُّ عنك يا صغيرتي .. ونحن في الخنادْق

    فنفتح الأزرار في ستراتنا .. ونسند البنادقْ

    وحين مات عَطَشاً في الصحَراء المشمسة ..

    رطَّب باسمك الشفاه اليابسة ..

    وارتخت العينان !)

    فأين أخفي وجهيَ المتَّهمَ المدان ؟

    والضحكةَ الطروب : ضحكتهُ..

    والوجهُ .. والغمازتانْ ! ؟

    * * *

    أيتها النبية المقدسة ..

    لا تسكتي .. فقد سَكَتُّ سَنَةً فَسَنَةً ..

    لكي أنال فضلة الأمانْ

    قيل ليَ “اخرسْ ..”

    فخرستُ .. وعميت .. وائتممتُ بالخصيان !

    ظللتُ في عبيد ( عبسِ ) أحرس القطعان

    أجتزُّ صوفَها ..

    أردُّ نوقها ..

    أنام في حظائر النسيان

    طعاميَ : الكسرةُ .. والماءُ .. وبعض الثمرات اليابسة .

    وها أنا في ساعة الطعانْ

    ساعةَ أن تخاذل الكماةُ .. والرماةُ .. والفرسانْ

    دُعيت للميدان !

    أنا الذي ما ذقتُ لحمَ الضأن ..

    أنا الذي لا حولَ لي أو شأن ..

    أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان ،

    أدعى إلى الموت .. ولم أدع الى المجالسة !!

    تكلمي أيتها النبية المقدسة

    تكلمي .. تكلمي ..

    فها أنا على التراب سائلٌ دمي

    وهو ظمئُ .. يطلب المزيدا .

    أسائل الصمتَ الذي يخنقني :

    ” ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! “

    أجندلاً يحملن أم حديدا .. ؟!”

    فمن تُرى يصدُقْني ؟

    أسائل الركَّع والسجودا

    أسائل القيودا :

    ” ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! “

    ” ما للجمال مشيُها وئيدا .. ؟! “

    أيتها العَّرافة المقدسة ..

    ماذا تفيد الكلمات البائسة ؟

    قلتِ لهم ما قلتِ عن قوافل الغبارْ ..

    فاتهموا عينيكِ، يا زرقاء، بالبوار !

    قلتِ لهم ما قلتِ عن مسيرة الأشجار ..

    فاستضحكوا من وهمكِ الثرثار !

    وحين فُوجئوا بحدِّ السيف : قايضوا بنا ..

    والتمسوا النجاةَ والفرار !

    ونحن جرحى القلبِ ،

    جرحى الروحِ والفم .

    لم يبق إلا الموتُ ..

    والحطامُ ..

    والدمارْ ..

    وصبيةٌ مشرّدون يعبرون آخرَ الأنهارْ

    ونسوةٌ يسقن في سلاسل الأسرِ،

    وفي ثياب العارْ

    مطأطئات الرأس.. لا يملكن إلا الصرخات الناعسة !

    ها أنت يا زرقاءْ

    وحيدةٌ … عمياءْ !

    وما تزال أغنياتُ الحبِّ .. والأضواءْ

    والعرباتُ الفارهاتُ .. والأزياءْ !

    فأين أخفي وجهيَ المُشَوَّها

    كي لا أعكِّر الصفاء .. الأبله.. المموَّها.

    في أعين الرجال والنساءْ !؟

    وأنت يا زرقاء ..

    وحيدة .. عمياء !

    وحيدة .. عمياء !

  • محمد المطرود – أنا ذئبة نفسي

    محمد المطرود – أنا ذئبة نفسي

    تربضُ الآنَ ذئبةٌ كَهلةٌ في رأسي، تَتَرصّدُ الإبلَ والخرفانَ والثعالبَ والصيادينَ والبَدو، لاتَصيدُ أمراً مما ترىَ، ولاتفتكُ بأحدٍ يمرُّ أمام شاشةِ الدمِ، مهدوراً علىَ نطعِ المرضِ والاحتمالِ الضئيلِ بالنجاةِ، سوىَ أنّها تُعمِلُ مخلبَها في اللحمِ النيّءِ مشغولاً بالفكرةِ، ومستوياً أخيراً مَوضعاً ليّناً للحرب والحبِّ والاعتذارِ والندَم. الذئبةُ أحدٌ قريبُ، ولها وشمُ حيلةٍ أسفلَ القلبِ، تصطادُ بهِ العشَّاقَ والناجينَ بالأحلامِ منَ الأوهام، كأنْ يتَدَلوا بلا حبالٍ من سابعِ سماءٍ إلى جوفِ الهاويةِ، معلّقينَ كما لو أنّهم يملكونَ الجنّةَ والجحيمَ معاً، ويتأرجحونَ مخيّرينَ بينَ النقيضينَ!..
    أقدّم اعتذاراً شبيهاً برثاءِ النَفسِ، كأنيَّ أحدٌ سوايَّ مشطورٌ إلى نصفين مختلفين، تتقاتلُ ظلالهما، ويتصالحانِ في النسيانِ، لأنسىَ هل دفنتُ روحي في مكان ما معتمٍ من أمنياتٍ لاتتحققُ، أمْ دفنتُ طفلي، حتى رأيتُ القبرَ فضفاضاً عليهِ والدودَ عَجولاً إلى هشاشتهِ، فهلتُ جسدي مع الترابِ إلىَ جوفِ النسيان الذي حسبتهُ مقبرة، وحسبتُني أُعيدُ ماضاعَ مني، وأحمي بضعفي الغنيّ ما لا أستطيعُ ردَّهُ وقد أخذتهُ المنونُ وروحُ الفقدِ المستذئبةُ، فصكّتْ دونَهُ أبوابٌ وغلِّقتْ عليهِ مصاريعُ، وما اعتذاري من كلّ أحدٍ قتلتهُ أو نويتُ قتلَهُ إلّا تكفيرٌ وجهرٌ بالذي سكنَني وأخذني عنوةً إلى ما لا أشتهي، فأنا الآنَ بينَ وهجِ نفسي المتوثبةِ كذئبٍ فيما مضى وبينَ ذئبةٍ تَثبُ متثاقلةً على روحي، بعدما فتيّةً كانت وطويلةً، وإذا انحدرتْ من جبالٍ قريبةٍ، تجيء ومعها قبائلُ تفتكُ بالزرعِ والحيوانِ والآبارِ، وتوطِدُ علاقاتِ حبٍّ معَ الجسورينَ. كنتُ ضحيةَ هذا السحر، وعسايَ هنا لا أعتذر، حَسبي نطقتُ بلسانِ الذئبةِ التي تذرعُ رأسي، مُتَرجِلاً عن حصاني في فلاةِ السَبقِ الفسيحةِ، داخلاً دائرةَ النارِ الشديدةِ، حابساً فيها جسارتي، ومتنازلاً بكلّ طواعيةٍ عن فارسٍ كنتهُ، عَلْمتهُ الرمايةَ وطِرادَ الطرائد، فلما اشتدَّتْ حيلتُهُ تركتهُ للحبّ يفتكُ بهِ، ويرميهِ مثلَ شاةٍ عليلةٍ في يومٍ مظلمٍ وباردٍ والطريقُ مَمشىَ ذئابٍ جائعة. أقدِم اعتذاراً لكلّ من أكلَني في ليلِ المكاشفةِ وفوّتَ عليَّ الدهشةَ بأنْ أرانيَ ” ونفسيَ اللوامةَ” مسحولاً في أرضٍ ليست لي، ومن أجلِ أحدٍ كانَ يرشي الأقدارَ، ويقدمُ النذورَ ليشهدَ موتي أو بالذي يشي بانطفائي!..
    حينَ لم أتحدّثْ بما أحسستُ، وأشرقتُ في نصفيَّ الحيِّ المحرَّرِ من أنثىَ المرضِ، فقد جررتُ نصفيَّ الميتَ خلفي، وتعايشتُ مع نصفِ جثةٍ، ليس كما يفعلُ مشلولٌ معَ عاهتهِ، إنّما كما يفعلُ عاقلٌ صَحيحٌ معَ أحدٍ ذي عاهةٍ لابرءَ منها، أفعل هذا لأنَّ ذئبةٌ كهلةٌ تلبّستني ونطقَتْ باسمي، وهي تعتاشُ في رأسي، تأكلُ أحاسيسي الثريةَ شيئاً فشيئاً، قطعةً تلوَ الأخرى، هي تتَضخَمُ، وأنا أضمرُ وطريقي إلىَ النهايات واضحٌ، حيثُ لا اسمَ ولا قوامَ ولارأياً خاصّاً لي في هذا الكون، وأعترفُ أنيَّ نكّلتُ بأفكارٍ كثيرةٍ، وجرّبتُ أنْ أكونَ معافىَ وأنطقَ بالهوىَ ومايوحىَ إليَّ من قوةٍ طيَّ الخفاءِ لا أتبينها، وليسَ ماتقولهُ ذئبةٌ عجوزُ أنيابُها تشتغلُ بدأب في رأسي ومخالبُها تهرشُ دمي، وتحدثُ ضوضاءً عارمةً، أنا الآنَ مجردُ صوتٍ أو جلجلةٌ أو طرقٌ لجوجٌ علىَ بابِ السجنِ أو ارتطامُ غيمتينِ ببعضهما، أو نحاساً أصدرَ أنيناً بمحضِ الصدفةِ، أو جنيّاً صرخَ في وادي الظلماتِ، فردّت عليهِ جميعُ الجنيّات:وااااه!..
    وأنا الآن الذئبةُ الكهلةُ استوطَنَت رأساً كانَ عنيداً، يفكرُ بامتلاكِ العالم، الذئبة سَتحيا بي، تأكلُ ما آكلُ، تحِبُّ ما أحبُّ، وتعتادُ ما اعتدتُ من الهوانِ والسيادة، وتموتُ أخيراً في جسدي، لستُ ابنَ هذهِ الذئبة ولازوجَها ولا ظلّها، ولو جاز لي أنْ أفسّر هذا الرباطَ لفسرتهُ، غيرَ أنيّ مشغولٌ بالأسْرِ والدائرةُ تضيقُ أكثرَ فأكثرَ، ليسَ بعيداً عن نافذةٍ تطلُّ على حديقةِ النجاةِ، إنّما قريباً من حبلِ الأنشوطةِ.
    وإذا امتلكتُ يوماً ما مخالباً وأنياباً، واكتسبَ جلدي وبراً لَهُ مَلاسةَ حَجرَ الصوّانِ الذي تَدَحرجَ عليهِ وعطراً من صنوبرٍ أنثوي حينَ أنزلُ جبلاً صوبَ سهلٍ مشغولٍ بالحربِ وناسهُ ينجونَ بالنارِ من النارِ، سأنتصرُ لي من ذئبةٍ صارت أنا، وسأموتُ سعيداً بما تبقىَّ من مرضٍ اسمهُ حبُّ الحياه.

  • أنيس غنيمة – بما أحمله ويحملني

    بما أحمله ويحملني

    أجراسُ آثامي تدّقها يد الليل القدّوس
    وتجرّني ترتيلةُ السأمِ والغبار،

    آه، أيها المجدُ الطالعُ
    يا سفينة الصحراءِ في نهرٍ آسن

    يا خشبَ المسرّة بأسرهِ،
    و يا مزاميرَ وجودي في كل حين

    هأنذا بما أحملهُ ويحملني،
    مولودٌ في الذي وُلِد لي.

  • أنيس غنيمة – عبادة الوردة

    طوال حياتي بلا أحد،
    أحفر بالطوبِ وجنتيّ
    اللتين مثل قبرٍ منبوش
    أرسمُ بيتي قبالة نهرٍ
    بلا ماءٍ..
    لأعطشَ لك أيها العالم البغيضُ
    أيها الأصدقاء البعيدون والتائهون
    أيتها الربّاتُ
    يا صفوة ما في العدم.
    أعبد وردة
    وأقدّس عيني البلاستيك
    لا أعجبُ أحداً–
    كل قطارٍ يمضي
    أصفّق له بيدينِ من فولاذٍ
    مرتاحاً على سكّة لا تقود لشيء.

  • ميثم راضي – مثل قطة تنقل صغارها

    مثل قطة تنقل صغارها من مكان إلى آخر

    أعض كل تلك الكلمات التي أريد أن أكتبها لكِ: وأركض نحوكِ ..

    عابراً هذه الخنادق والجثث والحديد

    لكنني أفتح فمي من الرعب: فتسقط مني كلمة أو أكثر … أو أكثر .. أو أكثر

    حرب بعد أخرى …

    ثم أصل لكِ: صامتاً …

    تاركاً خلفي: كلمات عمياء سيجدها الجنود

    ويربونها داخل حكاياتهم عن الحرب …

    وبعد سنين ..

    عندما تستمعين: لإحدى تلك الحكايات …

    لا تخافي لو رأيتِ داخل الأحداث ..

    قططاً مرعبةً ومشوهةً ومحروقة، 

    تنظر نحوكِ بحب..

     

    اللوحة للشاعر والكاريكاتير ميثم راضي

  • الخلاص من شاوشانك | صراع الخوف والأمل

    الخلاص من شاوشانك | صراع الخوف والأمل

    نبذة عن فيلم Shawshank Redemption 
    سيناريو وإخراج: فرانك ديرابونت.
    إنتاج: نيكي مارفين.
    بطولة: تيم روبينز، مورجان فريمان، بوب جنتون، ويليام سادلر، جلانسي براون.
    مدة العرض: 142 دقيقة.

    مراجعة: قمر عبد الحكيم

    ملحوظة: قد يحرق المقال أحداث الفيلم، فإن لم تشاهد الفيلم من قبل فيفضل مشاهدته أولاً ثم العودة لقراءة المقال.

    “الخوف يبقيك أسيراً، أما الأمل فيحرّرك”

    لا يقترب الناس مع الأفلام التي تدور أحداثها حول «الخلاص» إلّا بحذرٍ شديد، إلا أن هناك توق مستمر لرسائل الأمل، وحين يمنح الفيلم واحدة من هذه الرسائل، تظّل قوتّها تجبر المشاهدين على الجلوس.

    عُرض “الخلاص من شاوشانك” لأول مرة في خريف 1994، وتدور أحداثه حول آندى دوفرين (تيم روبنز)، موظف البنك الذي زُج في السجن بتهمة قتل زوجته وعشيقها، وتم الحكم عليه بعقوبة السجن مدى الحياة في سجن شاوشانك، ليقابل هناك مجموعة من الأصدقاء أهمهم مهرب ممنوعات يُدعى ريد (مورغان فريمان)، الذي يقضي عقوبة سجن مدى الحياة هو الآخر. فتتحول علاقتهما إلى الخيط الدرامي الأساسي والمحرك الأهم لباقي أحداث الفيلم، بل يمكننا القول أنّ الفيلم يحكي قصة ريد أيضاً بقدر ما يحكي قصة صديقه. ثم تدور معظم أحداث الفيلم هناك، في ذلك السجن العتيد.. سجن شاوشانك.

    خلال خمس سنوات فقط أصبح الفيلم «ظاهرة» وتهافتَ الناس على اقتنائه أو تأجيره من متاجر البيع إلى أن وصل الفيلم لأعلى رتبة عند الجماهير، وتصدّر المرتبة الأولى لأعظم فيلم في تاريخ السينما ولا يزال في الصدارة إلى اليوم، وذلك حسب الموقع الإلكتروني الشهير imdb.

    الفيلم موزون ومتهمّل وعميق التفكير بقدر سرد الراوي ريد، وقد أدّى دوره الفنان «مورغان فريمان» الذي أصبح اليوم من عمالقة النجوم. تقمّصه الرائع للشخصية وصوته الهادئ أمران ليس لهما مثيل. الفنّان «تيم روبينز» يجعل من آندي رجلاً هادئاً لا يتحدث كثيراً، ويبدع في ذلك.

    يتميّز الفيلم خصّيصا باحتوائه على العديد من الحوارات الفلسفية العميقة، وتناوله لمواضيع مختلفة تمسّ كل فرد منّا، ومقولاته المؤثرة التي ما زالت تقتبس إلى اليوم. فيبدو العرض كتجربة روحية أكثر من كونه فيلماً سينمائياً. نرى العديد من اللحظات المرحة، ولكن معظم الأحداث تنطوي على الهدوء والوحدة والنقاشات الفلسفية حول الحياة.

    هذا الفيلم تقليدي جداً وأقل تشويقاً. لكنه يثير تساؤلات حول هذا الرجل، هل قام حقّاً بإقتراف جريمة قتل شخصين؟؟ لماذا نشعر بأنّه يخفي الكثير من الأسرار؟؟ كيف يستطيع التجول في باحة السجن مثل رجلٍ حر في نزهة، في حين نجد الآخرين لا تخترق عقولُهم قضبانَ السجون؟؟

    غالبا ما تعطي المقدمة انطباعاً عن الفيلم بأكمله، افتتاحية “الخلاص من شاوشانك” تعتبر من أفضل البدايات السينمائية، مختصرة ومؤطرة للحدث العام كما أن المشهد الإفتتاحي في الفيلم يرصد لنا لحظة الحكم على أندي بالسجن المؤبّد، ثم ننتقل وبشكل دائم إلى وجهة نظر تمثّل جميع نزلاء السجن، وخصوصاً السجين ريد. إنّه صوته وهو يتذكّر أول مرّة رأى فيها أندي، حيث يقول:

    «يبدو أنّ أيّة نسمة هواء في هذا المكان كفيلة بتدميره»

    ويتوقّع بشكل خاطئ أنّه لن يستطيع الصمود في السجن.

    في أول وجبة جماعية في السجن وجد آندي دودة في السلطة، فعرض عليه النزيل المسن بروكس بأن يأخذها، فأعطاها له بلطف، تبع ذلك سلسلة من التصرفات مع أصدقائه، جعلتهم متعاونين معه، ومؤمنين به للغاية، آندي كان محبوباً ومحاطاً بالأصدقاء الذين كان لهم دوراً كبيراً في دعمه.

    يدخل ريد في بداية الفيلم للجلسة الأولى وهو يحاول أن يقنع مجلس إعادة التأهيل بأنّه أصلح من نفسه ليطلقوا صراحه، وفي الجلسة الثانية بعد عشر سنين يحاول ريد مرة أخرى، وفي الجلسة الثالثة بعد عشر سنين أخرى يستنكر المفهوم العام لإعادة التأهيل، وبشكلٍ ما تتحرر روحُه. بمجرد مشاهدة المشاهد الثلاثة الموزعة على طول الفيلم والمتشابهة تقريباً بنفس طريقة الدخول والخروج هناك مغزى مهم ومفارقة جميلة مستخلصة: تأتي الرياح بما لا تشتهيه السفن.

    يقول ريد

    «حين تسحقنا هذه القضبان، عندئذٍ نعرف أنّ كل هذا حقيقي. الحياة القديمة تسير في غمضة عين، ولا شيء يبقى سوى «وقت العالم كلّه» للتفكير بهذا الأمر».

    يقضي آندي أيامه محاولاً استيعاب حقيقة أنه لم يعد رجلاً حُرّاً وأن حياته السابقة ذهبت في طرفة عين حسب تعبيره، حيث رسم المخرج دارابونت شخصية آندي وهي تحمل بداخلها بذور خلاصها، شخصية مستقيمة ومتزنة نفسياً ونستطيع أن نعرف ذلك منذ مشاهدتنا لردة فعله في بداية الفيلم نحو خيانة زوجته.

    نتعلّم من أندي أن نكون صادقين مع انفسنا وألّا نفقد الأمل ونقدّر الوقت، وأن نبحث عن الفرصة المناسبة لتحقيق الهدف.

    في احدى الأيام يجلب ريد لـ آندي مطرقة للتسلية فيتمكن من صنع قطع شطرنج صخرية، ثم جلب له ملصقًا كبيرًا يحوي صورة ريتا هيوارث ثم بعد سنوات صور لمارلين مونرو ثم راكيل ويلش، كان آندي يعمل في مغسلة السجن، حيث تم مهاجمته باستمرار من قِبل عصابة شواذ وقائدهم باجز.

    في عام 1954م تم إطلاق سراح صديقهم العجوز بروكس الذي لم يستطع التأقلم مع العالم الخارجي بعد أن قضى خمسين عامًا في السجن، فما كان منه إلا أن قتل نفسه شنقًا، وأخيرًا تلقى آندي إمدادات للمكتبة تضمنت مقطوعة موسيقية، وقام آندي بتشغيلها على المذياع العام مما أودى به إلى السجن الانفرادي، وبعد خروجه منه برر فعلته بأن سيظل متشبثًا بالأمل وهو الشيء الوحيد الذي لا يستطيع السجن أن يسلبه إياه .
    في 1965م تم سجن تومي ويليامز بتهمة السرقة، وانضم إلى دائرة أصدقاء آندي وريد وساعده آندي في اجتياز اختبارات محو الأمية، وذات يوم بعد أن سمع تومي تفاصيل قضية آندي صرح تومي أن شريكه في الغرفة في سجن سابق أخبره بشأن هذه القضية، واعترف أنه قاتل الزوجة وعشيقها، مما يثبت براءة آندي .
    نقل آندي هذه المعلومات لحاكم السجن نورتون، الذي رفض الاستماع وأودع آندي في السجن الإنفرادي، ثم أمر بقتل تومي، فرفض آندي الاستمرار في عملية غسيل الأموال لكن نورتون هدده بتدمير المكتبة وحرمان آندي من الحماية ضد عصابة الشواذ.

    وفي اليوم التالي وجدوا زنزانة آندي فارغة، فاشتاط نورتون غضبًا ملقيًا إحدى صخور آندي على ملصق راكيل ويلش المعلق على الحائط، فاخترقت الصخرة الملصق كاشفة عن النفق الذي حفره آندي بمطرقته خلال العشرين عامًا المنقضية، حيث هرب آندي في الليلة السابقة، خلال النفق ثم ماسورة الصرف الصحي الخاصة بالسجن حاملًا دفتر حسابات نورتون، الذي يحوي تفاصيل الأموال المغسولة، وفي الصباح التالي قام آندي باستخدام الاسم المستعار راندال ستيفنز وسحب كل الأموال المغسولة من البنوك .

    بالطبع لا يمكن تجاهل الأمل، هناك مشاهد كاملة تتحدث فيها الشخصيات الرئيسية عن هذا الشعور السحري والطاغي في وجدان آندي، إن الأمل هو الذي كان يصبّره لاجتياز يوم بائس آخر، الأمل هو ما كان يجعله يحتمل نحت أحجار الشطرنج، وغلاظة المأمور، والأشغال الشاقة، والمعاملة الرديئة، والوجوه الجافة، والإحساس المهوّل بالقهر.

    في مفارقة مذهلة يقول «ريد» لـ «أندي»:

    «الأمل شيءٌ خطير.. الأمل يقود الرجل إلى الجنون»

    ولاحقاً «أندي» يقول لـ «ريد»:

    «تذكّر يا ريد أنّ الأمل هو شيءٌ عظيم، وقد يكون أعظم الأشياء، والأشياء العظيمة لا تموت أبداً».

    آندي وبعد 19 عاماً، من الأمل والبراعة والموهبة والشيطنة، يخرج حراً طليقاً ويغرق نفسه تحت وابل المطر، في مشهد آسر استحق دموع المشاهدين وتصفيقهم أيضاً، إنه فيلم The Shawshank Redemption الذي اتفقت عليه الأذواق التي تختلف في العادة، والفيلم الذي يمثل بجدارة أحد أشكال السينما حيث السحر الذي لا يخفت.

    ومن خلفيات الفيلم المهمّة التي تميّز بها، حديثه عن قضية “المأسسة”، وهي أن تصبح بعد فترة من الزمان، منتمياً لمكان معين بصورة لا تستطيع فراقه أو حتى تخيل فراقه (بعد أن كنت ربما تكرهه!)، أي ببساطة أن تصبح جزءاً من المؤسسة التي أنت فيها. وهو أمر نستطيع إسقاطه حقيقة على حياتنا بشكل واضح وقصورنا الذاتي واعتيادنا على المحدّدات والمقيّدات المحيطة بنا والتي تمنعنا إلى أن تشلّنا بعد فترة من الزمن عن اكتشاف أنفسنا الحقيقية وقدراتنا وإيماننا بأنفسنا واختياراتنا وحرّيتنا الواسعة. وقد بقي أندي عصيّا على هذه المأسسة وحالما آملاً بالحرية مقاوماً طوال الوقت، حتى في أشدّ الظروف حلكة.

    إذاً لا بأس من المسايرة والادعاء أحياناً، وعموماً هذه نقطة تُحسب لهوليوود وللسينما الأجنبية عموماً، وهو أن البطل خليط من الشر والخير، حسب سياق الفيلم يغلب أحد الجانبين على الآخر بطريقة طبيعية ومتسقة مع الواقع، لا تجافيه ولا تتعالى عليه.

    آندي لم يكن ملاكاً خالصاً، كان يعرف متى يكون متلاعباً إذا كان ذلك يخدم منفعته، فقد كان يعرف أن المدير يختلس أموالاً ولكنه ساعده في ذلك، وقد قال ذلك بصراحة في أحد المشاهد وكيف أنه كان خارج السجن مستقيماً كالسهم ولكنه تغيّر عندما دخل “شاوشنك”، وبسبب هذه الشيطنة استطاع آندي تعويض نفسه بنفسه عندما أخذ الملايين وهرب بها ليجاور البحر والسماء.

    لم يتحدث الفيلم فقط عن الأمل وإن كان هذا موضوعه الرئيسي ربّما. الفيلم تحدّث عن كثير من المواضيع، ووضعنا في ميادين وأفكار ومشاعر وصراعات كثيرة، منها الحرّية والصّداقة والظلم والعدل والتّصميم والإرادة واليأس والحبّ والخيانة والفرح والنّدم والشّوق والإحباط والإنسانيّة والحزن والسعادة والخير والشرّ والجمال .. والأمل.. وغيرها أيضا. هذا هو أجمل شيء في شاوشانك، بساطته مع تناوله لكلّ هذه القيم والأفكار والمشاعر دفعةً واحدة.. هو سهل ممتنع!

    ينفي المخرج فرانك أن يكون الفيلم مجرد فيلم سجون بل يقول :

    “ما السجن سوى استعارة للحياة بأكملها فالناس يعيشون سجناء لذواتهم، لأحلامهم في حياة يسودها اليأس والروتين. يبتعدون عن أحلامهم، وأهدافهم. موضوع الفيلم هو عن الصداقة وعن نقطة انعطاف سجينين الى رمزين للثقة، الصداقة، والأمل”

    وكتب روجر إيبرت

    “عندما شاهدت الفيلم للمرة الثانية، زاد أعجابي به أكثر، فأحياناً حبنا لفيلم ينمو ويزداد من خلال الألفة، كما هي الحال مع الموسيقى. والبعض يقولون أن الحياة عبارة عن سجن، فأن كان كذلك فنحن (ريد)، و(آندي) هو مخلصنا”

  • لانغستون هيوز – خمس قصائد

    لانغستون هيوز – خمس قصائد

    (1)

    الزنجي يتكلم عن الأنهار

    (إلى و. ي. ب. دوبوا)

    لقد عرفت الأنهار

    لقد عرفت الأنهار القديمة قدم العالم والأقدم من جريان

    دم البشر بعروق البشر.

    .

    وغدت روحي مثل الأنهار عميقة.

    .

    اغتسلت بالفرات عندما كان الفجر فتيا

    بنيت كوخي قرب الكونغو فهدهدني كي أنام

    أطللت على النيل وشيدت الأهرامات عليه

    سمعت نشيد المسيسبي عند رحيل أيب لنكولن إلى نيو

    اورليانز، ورأيت صدرها المكسو بالوحل يستحيل ذهبيا كله في الغروب.

    .

    لقد عرفت الأنهار

    الأنهار الغسقية القديمة،

    .

    وغدت روحي مثل الأنهار عميقة.

    (2)

    أغان

    جلستُ هناك أغني

    أغانيها في الظلمة.

    .

    قالت

    لا أفهم

    هذي الكلمات.

    .

    قلت

    ليس هنالك

    كلمات.

    (3)

    شـــــر

    يبدو ما يدفعني نحو جنوني

    ليس له تأثير فيك—

    لكني سأواصله

    حتى يدفعك نحو جنونك أيضا.

    (4)

    مناصفة

    قالت إني وحيدة في هذا العالم

    لا أحد يشاركني فراشي

    لا أحد يمسك بيدي—

    حقيقة الأمر هي

    إنني ليس لدي رجل.

    .

    فتح الولد الكبير فمه وقال

    مشكلتك انك ليس لديك رأس!

    فلو كان لديك رأس واستعملت عقلك

    تستطيعين أن تتخذيني أنا رفيقا

    دائما.

    .

    قالت ماذا عليّ أن أفعل يا حبيبي؟

    .

    قال دعي أحدا يشاركك فراشك—

    ونقودك أيضا.

    (5)

    أنا أيضا

    أنا أيضا أغني لأميركا

    .

    أنا الأخ الأسمر .

    يرسلونني كي أتناول طعامي في المطبخ

    عندما يأتي الضيوف

    لكنني أضحك

    وآكل جيدا

    وأصبح قويا.

    .

    غدا

    سوف أجلس على المائدة

    عندما يأتي الضيوف

    لن يجرؤ أحد أن يقول لي

    “كل في المطبخ”

    حينها.

    .

    علاوة على ذلك

    سيرون كم أنا جميل

    وسيشعرون بالخجل –-

    أنا أيضا أميركا.

    *

    ترجمة : د. عادل صالح الزبيدي

    **

  • لانغستون هيوز – إلى لينين

    لانغستون هيوز – إلى لينين

    أيها الرفيق … لينين

    في علا قبرك الرخامي

    أعطني يا رفيق لينين

    مكانا الى جوارك

    أنا إيفان الفلاح

    لقد حاربت معك يا رفيق لينين

    و ها قد انتهت اعمالي

    …..

    افسح لي يا رفيق لينين

    و اترك لي مكانا بجوارك

    انا شانج من معامل الصهر

    اضربت في شوارع شنغهاي

    و لأجل الثورة

    احارب , و أجوع و أموت

    *

    – 1974

  • لانغستون هيوز – الزنجي يتحدث عن الأنهار

    لانغستون هيوز – الزنجي يتحدث عن الأنهار

    أعرف أنهاراً:

    أعرف أنهاراً عتيقة عتق الأرض وأقدم من

    تدفق دم انساني في العروق البشرية

    روحي غارت عميقاً كالأنهار.

    اغتسلت في الفرات في بواكير الضحى.

    أقمت كوخي على ضفة الكونغو وهدهدني لأنام.

    أشرفت على النيل وأعليت فوقه الأهرام.

    سمعت غناء الميسيسبي عندما حط إيب لنكولن

    في نيو أورلينز، ورأيت حضنه

    الموحل يغدو ذهبياً مع غياب الشمس.

    أعرف أنهاراً:

    أنهاراً عتيقة، داكنة.

    روحي غارت عميقاً كالأنهار.

    *

    ترجمة: موفق إسماعيل

  • لانغستون هيوز – حلم مؤجل

    لانغستون هيوز – حلم مؤجل

    ماذا يحدث لحلم مؤجل؟

    أيجف

    مثل زبيب تحت الشمس

    أم يتقرّح مثل ورم

    ثم يتفزر؟

    أيتعفن مثل لحم فاسد؟

    أم يتغطى بقشرة ويكتسي

    مثل قطعة حلوى؟

    لعله فقط يتدلى

    مثل حمل ثقيل.

    أو يتفجر؟

    *

    ترجمة: موفق إسماعيل

  • لانغستون هيوز – حارس الحلم

    لانغستون هيوز – حارس الحلم

    قدموا لي كل أحلامكم

    أيها الحالمون،

    قدّموا لي كل

    ألحان أفئدتكم

    لعلي ألفها

    في ثوب غيمي أزرق

    بعيداً عن أصابع

    العالم الخشنة.

    *

    ترجمة: موفق إسماعيل

  • لوراند غاسبار – أجسادنا مدن ونحن الليل

    لوراند غاسبار – أجسادنا مدن ونحن الليل

    معرفة الضوء

    .

    اشتعلت جداولنا!

    وعصفورٌ يصقل الضوء أحيانا –

    تأخر الوقت هنا.

    سنمضي الى الطرف الآخر للأشياء

    نستكشف الواجهة المضيئة من الليل –

    اعرف صباحات مجنونة باتساع

    الصحراء والبحر –

    حافز يعيد تشكيل الوجوه

    يستبدل علاماتها.

    دير حياة من لهب رئوي

    في كثافة الظهيرة المتصاعدة الدخان

    نعلّم الطحالب، والأسماك

    لون الهواء وتاريخ الإنسان

    لنضحكها عند المساء في الحبر القاتم

    للإخطبوط المذعور

    هذا الصباح الذي يجيء ليحط نديا في عينيك

    لا يزال ممتلئا تماما بالخزف الهش

    اليوم المسامي

    قبلته الطويلة من صوف

    كل هذا الجسد الباقي ظل في مكان ما طوال الليل.

    يمرح الضوء في الأجساد الضيقة للطيور

    حركات هواء مختصرة حيث تتلوى الأصوات

    وتكتشف البشرة وعيون النساء

    .

    رجال مثقلون بالموت، والنعاس،

    في ظهرهم ليل محدودب، يشهدون

    هذه الدوائر على الماء يمزقها اللاشيء

    وهناك بالتأكيد زجاج نوافذ مشتعل –

    جدران بيضاء من طيور مسترخية

    حفريات بالمصادفة في طبقات اليوم

    مياه مرسومة من دروبنا

    والأعماق لا تزال ترتجف –

    أرجحات أجنحة

    دوامات متسارعة تحت الجلد

    تنحني على شواطىء تنفث الدخان

    والوجنات محترقة

    .

    طبقات ناعمة من فولاذ رمادي

    وأيادينا المشذبة على منحدرات

    هذا الضوء –

    وتضحك أصابعنا

    عجلات هائلة خفيفة

    في منزل الحياة الدفين

    حيث يأتي شخص ما

    فولاذ

    صمت

    تعرجات.

  • جورج غوردون بايرون – تتمشّى في جمالٍ

    تتمشّى في جمالٍ، مثـلَ لـيل

    سَمواتٍ تتلألأ فيها النجوم ولا غيوم ،

    وأحسنُ ما في الظّلام وما في الإشراق

    يلتـقي كلّـُه في طلعـتها وفي عيـنيها؛

    .

    لذا أيْـنَعَ إلى ذلك الضِّياءِ الرقيق

    الذي تَحرِمُ السّماءُ النهارَ المُبَهْرَجَ منه..

    ظِلّ ٌ واحد أكثرُ، وشعاعٌ واحد أقلّ، ,

    أضعفا التألّقَ غيرَ المسمّى

    الذي يتموّج في كلّ خُصلةٍ غُرابيّةٍ سوداءَ

    .

    إلى نصـفه،

    أو يتـألّـقُ برقَّـةٍ فـوقَ مُحَـيّـاها؛

    حيث تُفصِحُ أفـكارٌ بعُـذوبةٍ رائقة

    كمْ هو نقيّ، كمْ هو غالٍ موقعُها.

    وعلى تلك الوجنةِ، وفوق ذاك الجَّبين،

    ناعمةٌ جدّاً، هادئةٌ جدّا، بلْ وذكيّـةٌ،

    البسَماتُ التي تنتصر، والتّظاليلُ التي تتوهَّجُ،

    ولكنْ تُخبِـرُ عن أيام انقضتْ في هناء،

    فِـكـرٌ هادئ مع كلِّ شيء دونَه،

    قلبٌ حبّـُه بـرئ!

    *

    ترجمة: د.بهجت عباس

    **

    ترجمة أخرى:

    **

    تخطر في الجمال

    *

    كتب بايرون هذه القصيدة إثر عودته من حفل راقص.

    ومن بين الحاضرين كانت زوج ابن عم له،

    كانت ترتدي ثياب الحداد. غير أن ثوبها الأسود كانت تزينه

    زخارف براقة فضية وذهبية.

    **

    تخطر في الجمال كليل

    أجواؤه صافية، سماؤه نيّرة،

    وأحسن ما في ظلام العتمة

    مع أحسن ما في ضوء النور

    في منظرها وملامحها وعينيها يلتقيان،

    وبلدونة وطراوة يندمجان

    في نور رقيق خفيف

    تأباه السماء على النهار البهج.

    .

    لو هناك من الظل أكثر قليلاً،

    ومن الشعاع أقل قليلاً،

    لما شوّها إلا يسيرا من ذلك الحسن الرائع

    المتماوج في كل من خصلها الفاحمة،

    والمضيء المنير برقة ونعومة من على محياها،

    حيث الأفكار العذبة برصانة ووقار

    تعبر عن قيمة ونقاء المكان

    الذي فيه

    تجثم وتقيم

    .

    وعلى وجنتيها ومن فوق جبينها

    تطل ناعمة هادئة في افصاح موحِ

    بسمات أخاذة آسرة،

    وألوان خفيفة متقدة،

    تخبر عن أيام قضتها في طيبة وصلاح،

    وذهن رزين مسالم،

    وقلب بريء المحبة نقيّ.

    *

    ترجمة: توفيق اليازجي

    **

  • لويز غليك – والغزلان

    لويز غليك – والغزلان

    كم هي بديعة،

    كأنّ أجسادها لا تعترض سبيلها.

    تنزلق خفيفة في العراء

    تعبر أشعة الشمس ذات الألواح البرونزية.

    .

    ما الذي يجعلها تقف ساكنة هكذا

    إذا لم تكن تنتظر؟

    لابثة بلا حراك، حتى تصدأ أقفاصها،

    والشجيرات ترتعش في الريح

    جالسة القرفصاء، عارية من الأوراق.

    .

    ليس عليكَ سوي أن تترك الأمر يحدث:

    تلك الصرخة ــ (أطلقها، أطلقها) ــ مثل القمر

    الذي غضّنته الأرض فصعدَ

    ممتلئاً بدائرة سهامه

    .

    هكذا حتى تجدهم أمامكَ

    مثل أشياء ميّتة، الأجساد صهواتها

    وأنتَ تعتليها، جريحاً وقاهراً.

    *

    ترجمة: صبحي حديدي

  • لويز غليك – تبارَكَتْ

    لويز غليك – تبارَكَتْ

    المشهد يستجمع أشتاته الآن أيضاً.

    التلال تزداد عتمة. والثيران

    تغفو في أطواقها الزرقاء،

    الآن إذْ الحقول حُصدت

    والحِزَم

    مرصوفة مكدّسة علي حوافّ الطريق

    بين العشب خماسيّ الأوراق،

    آنَ يصعد القمر المسنّن.

    .

    هذا هو الغثاء،

    غثاء الحصيد أو الوباء

    والمرأة التي تطلّ برأسها من النافذة،

    والبذور

    لامعة، ذهبية، صائحة:

    تعالي هنا

    تعالي هنا، أيتها الصغيرة.

    .

    وأمّا الروح فإنها تدبّ بطيئة، زاحفة من الشجرة.

    *

    ترجمة: صبحي حديدي

  • لويز غليك – أغنية بينيلوب

    أيتها الروح الصغيرة، الصغيرة المتجرّدة أبداً

    افعلي الآن ما أرجوك أن تفعليه، تسلّقي

    أغصان شجرة الصنوبر الشبيهة بالرفوف،

    انتظري في الأعلى، متنبهة، مثل

    حَرَس أو رقيب. لن يطول الوقت حتى يعود إلي بيته

    يتعيّن عليكِ أن تكوني

    كريمة. أنتِ لم تكوني

    كاملة الأوصاف، بجسدكِ المُرْبِكِ

    فعلتِ أشياء ما كان ينبغي

    أن تناقشها القصائد.

    ولهذا

    نادي عليه من خلال المياه المفتوحة

    والمياه اللامعة

    بأغنيتكِ المظلمة، الطامعة،

    أغنيتكِ غير المألوفة، الجيّاشة

    مثل ماريا كالاس.

    مَن الذي لن يشتهيكِ؟

    وهل يمكن أن تفشلي

    في تلبية أيّة شهيّة شيطانية؟

    سرعان ما سيعود من حيث يذهب،

    مُسْمَرّ البشرة من فرط الغياب، توّاقاً

    إلي دجاجاته المشوية. آه، ينبغي أن تُحَيّيهِ

    ينبغي أن تهزّي أغصان الشجرة

    لكي تلفتي انتباهه،

    بحذر مع ذلك، بحذر، لئلا

    يتشوّه وجهه الجميل

    بالكثير من الإبر الساقطة.

    *

    ترجمة: صبحي حديدي

  • لويز غليك – قصيدة حبّ

    لويز غليك – قصيدة حبّ

    ثمة على الدوام شيء يُصنع من الألم

    أمُّكَ منكبّة على الحياكة

    تحوّل الشالات إلي تلاوين الأحمر كلّها

    كانت برسم عيد الميلاد، وكانت تدفئكَ

    وهي تنتقل من زيجة إلي زيجة، تصطحبكَ

    معها. كيف تمكّنتْ من هذا

    حين خزّنَتْ قلبها المترمّل طيلة هذه السنين

    تماماً كما يؤوب الموتى؟

    لا عجبَ أنكَ كما أنت اليوم،

    تخاف الدمّ، ونساؤكَ

    يتعاقبنَ مثل أحجار الجدار، واحدة تلو الأخرى.

    *

    ترجمة: صبحي حديدي