يقول البعض إن العالم سينتهي بالنيران
والبعض الآخر يقول إنه سيتجمد
ولكثرة ما لسعتْني الأشواق
أؤيِّد أصحابَ النار أؤيِّد
لكنْ لو كانت النهاية ستُعاد
أظنني خَبِرْتُ ما يكفي من الأحقاد
لأقول إن الجليد
للدمار يكفي ويزيد.
*

يقول البعض إن العالم سينتهي بالنيران
والبعض الآخر يقول إنه سيتجمد
ولكثرة ما لسعتْني الأشواق
أؤيِّد أصحابَ النار أؤيِّد
لكنْ لو كانت النهاية ستُعاد
أظنني خَبِرْتُ ما يكفي من الأحقاد
لأقول إن الجليد
للدمار يكفي ويزيد.
*

ذات مرة تلاقيتُ مع الليل وأنا وحيد .
خرجتُ فى المطر—وعدتُ فى المطر .
متجاوزاً ضوءَ المدينة ِ البعيد.
.
نظرتُ هناك على ذاك الطريق ِ الحزين .
ماراً بالحارس فى نوبة حراسته الليلية
ووقع ببصرى على ما أودُ أن لا يستبين .
.
وقفت ساكناً وأسكَتُ صوت َ خطاى الرتيب
من على البعد قاطعتنى صرخة ٌ
أتية ًٌ من المنازل من شارع قريب
.
لم تقل لى عد أو إلى لقاء
وعلى البعد فى نورها العلوى تقف فى سكون
ساعة ٌ مضيئة ٌ تواجه السماء
.
معلنةً أن الوقت َ لم يكن خطأ أو صواب .
وتلاقيتُ ذات مرة مع الليل وكان لقاء .
*
ترجمة : حسن حجازى
**

في غابة صفراء ينبثق طريقان
أسفت أنه ليس في الإمكان –
كوني مسافرًا واحدًا – أن آخذ كليهما
أمام الأول وقفت طويلاً
وإلى آخر المطاف نظرت
ونهاية المنعطف تبعت
لكني الثاني اخترت
فالأمر سيَّان
وربما كان أفضل الطريقين.
.
في ذلك الصباح
امتد الطريقان أمامي
يغطِّيهما ورقُ الشجر
لم يسوِّده وطء الأقدام
فتركت الأول ليوم موعود
لكن بما أني أعرف كيف
الطريق إلى الآخر يقود
أشك في أني إلى الأول سأعود
سأروي هذه القصة في تنهيدة
بعد سنين وسنين مديدة
عن غابة وطريقين
وكيف أني من الاثنين
اخترتُ الطريقَ الخالي
وهذا سيغيِّر جميع أحوالي.
*
كتبت سارة عابدين
لكي يتعاطى الإنسان مع أحد الفنون يصبح بحاجة إلى فهم وإدراك جوهر الفن وما يحويه من مفاهيم يحاول تصديرها، حتى يستطيع التعاطي معه بشكل مناسب، والفن النسوي في جوهره فن مضاد للسائد يخالف مفاهيم المجتمع ويحاول خلق معايير جديدة، غير المفاهيم المترسخة. من هنا اختار الروائي والمسرحي المصري رجائي موسى أن يؤسس لدار نشر نسوية، بكل ما يمكن أن تمثله النسوية من معان مادية ومعنوية، حتى اختياره للمكان كان بعيدا عن المباني الخرسانية المكتملة، لكنه مكان بحس نسوي، وألوان مراوحة، الأثاث يبتعد عن الكمال والحدة، أقرب للمواد الخام والتطريز النسائي، بعيداً عن اللمسة النهائية الذكورية المكتملة.
في البداية فرض السؤال عن سبب تأسيس رجل لدار نشر نسوية، لماذا هذا التحديد والتركيز فقط على الكتابة النسوية دون غيرها، يجيب موسى بتساؤل يطرحه هو عن مفهوم الرجل ومفهوم الهوية الذكورية، وما هي محددات الهوية، بعيداً عن الشكل، لأن كل إنسان بداخله الجانب الأنثوي، والجانب الذكوري، وقد يغلب أحدهما الآخر بغض النظر عن الجندر، نحن نتحدث هنا عن الاختلافات ما بعد البيولوجية.
يقول موسى إنه ضد المساواة المطروحة بشكلها العام، المساواة التي تعتبر الرجل معياراً لما تبنى عليه الحقوق، بالرغم من قدرة المرأة الأكبر على التغيير، وتجاوز السلطات الثقافية والاجتماعية والسياسية، التي ترسخ لوضع الرجل المستقر، ذلك الوضع الذي لا يفجر أي أسئلة حول وجود الرجل، أو مركزه الاجتماعي والجنسي وهويته المتحققة بشكل عام، والامتيازات التي يحصل عليها لمجرد كونه رجلا، بعكس النساء اللواتي يشغلهن سؤال الهوية، والحضور والقدرة والتعبير والإرادة، كأنهن يمثلن الهامش، لكن ليس المعنى السائد للهامش، بل بمعناه القادر على تبديل المتن وتغييره، كما يظهر تماماً في الكتب التراثية الكبرى، حين يصبح الهامش هو الشارح والمفسر للمتن، وربما يكون معاكساً له، يعمل على خلخلته، مثل حالة من الحقيقة المؤجلة دائماً، التي لا يرغب أحد في تداولها، أو كتاريخ مواز لم ترغب السلطة في تسجيله، لكنها لم تستطع محوه.
يذكر المسرحي وصاحب دار نشر “هن” مقالاً كتبه في وقت سابق بعنوان “لماذا نحدق في النساء” ويقول إن الرغبة في الاستحواذ تسيطر بشكل دائم على الذكور، وذلك التحديق يمثل تلك الرغبة في الانتهاك والاختراق الذكوري الوقح للمرأة، وتحويل المرأة من إنسان أو ذات إلى آلة أو أداة للمتعة، ويظهر ذلك في استعمال السلطة السياسية للنساء، حين تستعملهن كأدوات دعائية للغناء والرقص، أو حتى التصويت الجماعي فيما يشبه القطيع، لمساندة السلطة الذكورية، سواء كانت سلطة سياسية او إجتماعية، أو دينية. يستعيد موسى خيط السؤال من جديد، ويضيف أن كل تلك الأسباب السابقة هي التي جعلته ينحاز للأدب النسوي والكتابات النسوية، بالإضافة إلى الشكل التسويقي أو التجاري، وعدم وجود دور نشر عربية تعمل تحت عنوان الأدب النسوي فقط، بالرغم من وجود دور نشر في أوروبا وأميركا تتبنى الأدب النسوي فقط، ويذكر أنه عندما قرأ رواية آذار نفيسي “أن تقرأ لوليتا في طهران” استلهم الفكرة من روايتها التي ذكرت وجود دار نشر نسوية بفرنسا بسبعينيات القرن الماضي، وبدأ بالفعل في تنفيذ الفكرة.
أما فيما يخص فكرة التمييز الإيجابي لصالح المرأة، وكونها تتنافى مع مطالب المرأة بأن تكون شخصاً عادياً، بدون انحيازات أو امتيازات تمنحها السلطات، وبدون تهميش، لصالح أي فئة أخرى، لذا يمكن النظر إلى دار نشر نسوية، كأنها دعم لفئة مستضعفة أو منتهكة داخل المجتمع، يقول موسى إنه يتحدث عن رؤية للعالم، رؤية بعيون النسويين أو النسويات اللواتي يراهن أجدر بإيصال أصواتهن، ومعاناتهن وحياتهن، بعين نسوية يمكن أن تكون لرجل أو امرأة، رجل يكتب للمرأة وعنها، دون أن يستعملها كأداة، ودون أن يصنف نفسه فارساً لتحقيق أحلامها، ويضيف أنا أتحدث هنا عن النساء كأشخاص متعينين في الواقع المعيش، نساء منغمسات في الحياة اليومية، وليس مجرد فكرة أو صورة أو حتى لوحات النساء الموجودة في متاحف عصر النهضة، أو لوحات الفنانين المستشرقين للنساء العربيات. اللوحات التي تمثل النساء بضّات وبيضاوات ورقيقات أو شهوانيات، حسب مزاج السلطة الحاكمة في ذلك الوقت، لذا أنا أبحث عن الكتابة التي تمثل المرأة كما هي، لا كما يرغب بها الرجل.
عند سؤال موسى عن الفارق الذي لاحظه كناشر بين الكتابة النسوية منذ بدايتها وحتى الوقت الحالي، يقول موسى إنه قبل ثورات الربيع العربي، كانت الكتابة نسوية تقليدية، أي كتابة تمثل صراعا بين الرجل والمرأة، والتي تمثلها كل من نوال السعداوي وفاطمة المرنيسي، ذلك الصراع المستمر بين الرجل والمرأة الذي تم تجاوزه في النسوية الحديثة، وبالطبع تجاوز ذلك النظر إلى الحقوق الدنيا مثل حق التصويت، وحق الترشح، وكل تلك الحقوق التي تم تداولها من رائدات الحركات النسوية الأوروبية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، لنبدأ في الحديث عما بعد النسوية، التي بدأت في سبعينيات القرن الماضي في أوروبا، ذلك المفهوم الذي عمل على تفكيك مركزية أوروبا، والحديث عن امتياز الاختلاف لصالح النساء، وتجاوز ثنائية الرجل والمرأة إلى الهويات المتعددة، وأصبح هناك حديث يخص كل مجموعة من النساء على حدة (عرق، طبقة، لون، معتقد) وليس حديثا عن المرأة بشكل عام، وهو ما بدأ في التسلل إلى الكتابة العربية بعد الثورات العربية حيث أصبحت النساء أكثر قدرة على التعبير عن تجاربهن الحياتية، وأكثر انفتاحا واستيعابا لفكرة الخصوصية والتعدد. لذا يعتقد موسى أنه حتى لو لم تحقق الثورات أهدافها السياسية بشكل كامل إلا أنها نجحت في خلق حراك ثقافي، اجتماعي، هادئ وبسيط وسري، ويظهر هذا بقوة في كاتبات صعيد مصر غير المكرسات. الكتابة أصبحت أكثر تحررا واحتفاء بالشخصي والهامشي، بعكس الرجال بشكل عام، الذين لم يشعروا بأي تغير عميق، لأنهم في وضع الاستقرار والسلطة الدائمة، وكأن الثورات أقرب للنساء وهن المكون الرئيسي بها.
يذكر موسى من ضمن الكتابات النسوية عن دار هن، ديوانا بعنوان “السيدة كليمونتين” للشاعرة التونسية أمل خليف، وهو يعتبره نصا ضد السلطة، وضد الثورة بمعناها السلطوي، يمثل مشاغل ذات مهووسة بتفاصيل بسيطة وعابرة، منشغلة بأمراضها ومخاوفها، في ظل المد الثوري، لا تحتفي بالأحداث العظيمة، لكن تحتفي بحياتها الإنسانية بكل متناقضاتها.
بالحديث عن تأثير فيسبوك كمنصة اجتماعية على الكتابة، يعتقد موسى بأن استعمال التقنية بحد ذاته يختلف بين النساء والرجال، في الوقت الذي يستخدمه الرجال للاستعراض الذكوري والتحرش هنا وهناك، تستخدمه النساء لتسريب تجاربهن الشخصية، والتلاعب من أجل تأكيد الذات، والبحث عن الهوية الشخصية، لكن لا ينفي رجائي أن هناك نساء يستعملن الفيسبوك بنفس طريقة استعمال الذكر له، لكنه يعتبره بشكل ما رد فعل على التعامل المجتمعي، ومحاولاتها لرد العنف والانتهاك بانتهاك مماثل، وهنا تبدأ المرأة في خسارة خصوصيتها وتميزها الإنساني.
أما عن أهم ما يميز الكتابة النسوية، يقول موسى إن الكتابة النسوية لا تحمل إيديولوجيا وتعبر عن الحياة اليومية بصوت واهن لا يحمل اليقين السلطوي، بالإضافة إلى أن النساء يتراجعن لصالح النص، دون تضخم أو مركزية بينما في الكتابة الذكورية (لرجل أو امرأة) يتم تصدير الذات بكل يقين داخل النص، وربما تبدأ بعض الشاعرات مثلا بكتابة نسوية، لا تحمل اليقين ثم مع الوقت يتحولن إلى سلطة، تماما كما يتم تعيين امرأة قاضية أو وزيرة دفاع. يقول موسى إنه لا يعتبر ذلك تكريما للمرأة، بقدر ما هو محاولات لإخضاع المرأة للقضاء والهيمنة الذكورية، للتحول بشكل من الأشكال إلى ذراع للسلطة، أو قائدة لحرب إمبريالية سلطوية، تحت ما يمكن أن يطلق عليه مركزية القضيب.
أما عن العلاقة بين قصيدة النثر حاليا والكتابة النسوية، ولماذا تمثل الشاعرات العربيات النسبة الأكبر في كتابة قصيدة النثر، يقول موسى إن قصيدة النثر قصيدة متحررة بلا ضابط، شكلانية وليست معرفية، حسية وفورية، تحتفي بالزائل بعيدا عن الثبات، المتمثل في المعلقات العربية مثلا، قصيدة لا يمكن التنبؤ بها، لا تحوي استقامة البناء الشعري بجوهره المعروف في أنماط الشعر الأخرى، بالإضافة إلى بعدها عن جماليات السلطة الشعرية المعتادة، ويكتبها النساء لتوثيق حياتهن حتى لو بعيدا عن النشر.
توفى الروائي والسيناريست الكبير صبرى موسى، صباح الخميس، بعد صراع مع المرض. وتم تشييع جثمانه اليوم عقب صلاة الظهر من مسجد السيدة نفيسة.
صبري موسى، هو كاتب روائي وصحفي وسيناريست، ولد بمحافظة دمياط عام 1932، عمل مدرساً للرسم لمدة عام واحد، ثم صحفياً في جريدة الجمهورية، وكاتباً متفرغاً في مؤسسة “روز اليوسف”، وعضواً في مجلس إدارتها، ثم عضواً في “اتحاد الكتاب العرب”، ومقرراً للجنة القصة في “المجلس الأعلى للثقافة” وقد ترجمت أعماله لعدة لغات.
ومن أشهر أعمال الراحل : سيناريوهات أفلام : (البوسطجي – الشيماء – قنديل أم هاشم – قاهر الظلام – رغبات ممنوعة – أين تخبئون الشمس)،
ومن القصص القصيرة: (القميص – وجهاً لظهر – حكايات صبري موسي – مشروع قتل جارة)، بالإضافة إلى روايات: (حادث نصف المتر – فساد الأمكنة – السيد من حقل السبانخ، وأدب الرحلات: (في البحيرات – في الصحراء – رحلتان في باريس واليونان)
وقال عنه الناقد د.غالي شكري إن صبري موسى يبحث في صبر وأناة وجمال عن رؤى تخترق أحشاء الواقع، فتصل إلى نبوءة جمالية عميقة لأخطر الهزائم وأبقاها في كياننا الروحي.

طريقان تشعبّا في غابةٍ صفراءَ شاحبةٍ ،
وأنا ، وا أسفاه ، لم أستطع سلوكَهما معاً ،
و كمسافر وحيد
وقفت طويلاً ، أنظر إلى أحدهما إلى أبعدَ
ما استطعتُ لأعرفَ أين تعرّج في الأدغال ؛
.
وسلكتُ الآخرَ ، كان واضحاً تماماً ،
ولربّما كان أفضلَ مسلكاً ،
حيث كان العشبُ أخضرَ ومحتفظاً بحيويّـته؛
ولو أنّ الأوّلَ كان مثـلَـه أيضاً
ولكنَّ السَّيـرَ عليهما أنهكهمـا معاً.
.
وكلاهما غُطِّيَ بأوراقٍ على حدّ سواء
ذاك الصباح ، حيث لا خطوةٌ وطأتهما .
آه! أبقيتُ الأول ليوم آخَرَ !
عارفاً كيف يؤدّي طريق إلى طريق
شككت فيما لو عدتُ قطّ ُمرّة أخرى.
.
سوف أتحدّث بلهفة عن هذا هنا
في مكان ما وفي مرحلة من العمر:
طريقان تشعّبا في غابة ، وأنا —
اتّخذتُ الطريقَ الذي لم يُسلَـكْ إلاّ قليلاً ،
وهذا مـا صنع كلّ هذا الاختلاف .
*
ترجمة : د. بهجت عباس
**
يعني الشاعر هنا أن الطريق يمثّل الاختيار في الحياة ، والاختيار واحد ، فعلى الإنسان أن يختار الطريق الصحيح الذي يعرف أين يؤدّي به ، ومن هنا عليه التفكير ملياً في الاختيار. يأخذ الشاعر الطريق الثاني الذي يشعر أنه طريق حيوي ومُـغـرٍ وأنَّ سالكيه ليسوا بكُـثـ
*


يوم واحد كاف للدكتاتور حين يقتل
يوم طويل على الانترنت
وعلى الفضائيات
وفي الجرائد التي سيمسح بها الموظفون الصغار أحذيتهم صباح الغد
بعد ذلك يُنسى كالأنفلونزا
يوم طويل أسكر فيه كالعادة مع كثير من الزيتون الحار وقليل من الضجر
وفي الليل
في الليل حين تظل العجوز حية رغم كل كوارث العالم
وسائق التاكسي حيا
والمتسول الأعمى حيا
في الليل
في ذلك الليل الذي سيتكرر إلى الأبد كالجوع وكالشبع
في هذا الليل
في ضباب الليل
في الليل القارس من دون أمطار
الليل الذي يعقب القلاقل والانقلابات ونهاية الرؤساء بالسكاكين والمقصات والرصاص غير المرخص
الليل نفسه الذي ينهيه ندّل المقاهي ببقشيش كثير
الليل الذي تستيقظ فيه المومسات الصغيرات بعد نهاية الأخبار شهيّات كالسمّ في العسل
الليل الطويل كالجنريك
ليل المتشردين والعابرين والحمقى واللصوص المبتدئين
ليل الشوارع الكبيرة الخاوية والضوء الأحمر دون سيارات ودون مارة ودون شرطة مرور
ليل أغنية حب متقطعة في نفق
ليل الضاحية الهادئة الجميلة التي تغري بالحب وبالجرائم
ليل الغابة في الليل
ليل الليل
ليل المغنين غير المشهورين في حانات الطابق تحت الأرضي
بأصوات مبحوحة بالشراب والدخان والفجائع
الليل الذي يعقب نهاية الدكتاتور
الليل العادي جدا
بعد تعب الإعلاميين
ونوم المذيعين
وعودة المحللين الاستراتيجيين إلى زوجاتهم الشمطاوات
الليل غير المتعاطف
الليل غير المبالي بما حدث وبما سيحدث في العالم
ليل القطط التي تمتلك كل قمامة المدينة دون تفاوض
ليل الكلاب الضالة التي من دون فصيلة
ليل النجوم التي تضيء الكنز الذي لن يجده أحد
ليل أوراق الـ”لوتو” غير الرابحة مشتتة على الأرصفة
ليل صحون العشاء التي لم تغسل بعد
ليل الصراصير في القلب
الليل الواقعي
الليل الذي أحب
ليل القطارات الأخيرة
التي تودع المدن ببطء
ببطء سنتمنتالي شديد
وتلوث شديد
في آخر الليلر


تجاوز عمري الخامسة والثمانين
ويبدو أن هذا الأمر كله من دون جدوى
أستعمل قبعة كاوبوي في هذه الصحراء لأتنزه في الظهيرة عاقدا يديّ خلف ظهري
كل شيء أحمر بالشمس
البيوت الخشبية
والبشر
والحيوانات
وحتى الجبال البعيدة
أغسل ثيابي بنفسي وأنشرها فوق الصبّار
أقف قبالتها عاريا
تجف في رمشة عين
أرتديها بسرعة قبل أن يذرق فوقها نسر
لا يعرفون من أنا
ولم يسبق لي أبدا أن تحدثت في الحانة عن حياتي
لأجل ذلك أكتفي بكأس ويسكي واحدة
مع كثير من الثلج
جالسا بطريقة حارس حقل الألغام
مغطيا عيوني بالقبعة
وممددا قدميّ فوق الكرسي المقابل
راقصة الحانة الشابة
تصعد فوق الطاولة أثناء احتدام الرقص
ونحن نصفق لها متمايلين مقهقهين محدقين فيها من الأسفل
رافعين الأنخاب في اتجاهها
ركبتاها تتلامسان
نادرا جدا ما ترتدي بيكيني
الجميع هنا يحب الحياة في عائلات وسط زوجة رشيقة وأطفال وعمات وخالات
وجدّات فكهات
والرقصَ
وأعيادَ الميلاد الكثيرة
ووصولَ سيارات الْجِيبّْ بمزيد من المؤونة والشراب
والسلاح
لا يعرفون من أين أتيت
ولا متى سأغادر
فأنا الغريب الوحيد هنا
لكنهم ينادونني العجوز الطيب
ويعزمون عليّ في الحانة لأشرب مجانا
كل مرة على حساب واحد
لقد استعملت جيدا مواهبي القديمة في العِرافة
أبدو أمامهم رجلا رزينا
وحكيما
ككاهن
بشعري الفضي وحاجبيّ الكثين
وقصر قامتي
وبطني البارزة قليلا من القميص كمحاسب
ومشيتي التمساحية البطيئة
عارفا بأسرار المستقبل والماضي
أعطي للرجال وصفات مجربة لتقوية الباه
بخلط أعشاب صحراوية بدم الضب
وشربها قبل المعاشرة بنصف ساعة
وأقرأ للنساء الجميلات الفنجان
الجميع يحبونني هنا
وراقصة الحانة تجلس أحيانا فوق ساقيّ الممدودتين على الكرسي
بطريقة معاكسة لي تمكنها من مد قدميها الحافيتين، كخطّافين ناعمين، في اتجاه كتفيّ
تطوق بهما عنقي
بينما تنحسر تنورتها إلى نصف عجيزتها
ثم تسحبني إليها أمام الجميع
وسط صياحهم وقهقهاتهم وتشجيعاتهم وقرع أنخابهم
أحدهم يصرخ: قبّليييييه..
الآخر يصرخ: هذا العجوز يلائمك..
والجميع يقهقه بألفة وسعادة
قالبين كؤوس البيرة العملاقة في الهواء
من أجل تجرع آخر قطرة
أنا أيضا أحبهم جميعا
لكن كل ذلك لم يمنع أبدا أن يتدلى من حزامي باستمرار
مسدس صغير
ماسورته كبيرة وصلبة كخصية الخنزير
محشوة عن آخرها
بالرصاص
أقف كل مساء وحيدا عند نافذة غرفتي في الأوتيل الخشبيّ
المكتراة لسنة
بثيابي الرسمية
وحذائي ذي المهماز
وقبعتي
ومسدسي
شكل السماء لا يتغير أبدا في هذه الصحراء
إنها بلا سحاب في النهار
وآجورية دائما كل مساء من دون ملائكة
تطرق الخادمة العجوز الجميلة الباب ثم تفتحه
تضع صينية الطعام فوق السرير كالعادة
لا ألتفت إليها
بل أظل ساهما أتأمل الأفق الخاوي، كتمثال، والغبارُ يتراقص في أشعة الأصيل
هذا لا يعني بالضبط أني أحبها
لكني قرأت فنجانها ذات يوم
أخبرتها أنها ستتزوج غريبا
بهذه الطريقة فقط أضمن بيتا يوما ما في هذه الصحراء
عوض السكن إلى الأبد في أوتيل بلا نجوم وبلا سياح
وامرأةً تطبخ لي
وتمنحني ذكرياتها
وشعرها الأشيب الناعم في الليل
لأضفر فيه الساعات
يمكنني أيضا تخمير العنب في البيت
وشرب أكثر من كأس واحدة مجانا
وتربية ببغاء كبيرة
وزراعة الخضار والماريخوانا في الشرفة
في أصص فخارية كبيرة
والتنشين بالمسدس
على النسور
تجاوز عمري الخامسة والثمانين
هذا صحيح
لكني ما زلت قادرا على فعل أشياء كثيرة
كالضابط
ارتداءَ قميص أنيق بمربعاتٍ صغيرة وشارةٍ شبه ذهبية على الصدر
السهر في الحانة كل مساء
كتم كل شيء عن حياتي القديمة
والزواج بخادمة الأوتيل
أو براقصة الحانة
أو ببائعة الترمس المرافقة لسيرك الغجر المتجول
دون حتى حاجة إلى عرس
مازلت قادرا على فعل أشياء كثيرة مهمة
لكن
يبدو حقا
أن هذا الأمر كله في هذه الصحراء
من دون جدوى
(1)
…من الصعب أن نتطفل على” الأدب”حاملين أحقادا كثيرة،فأجمل ما نكتب هو ما يكتبنا بقعا بيضاء.
…أقول هذا و أضيف:
كان الوطن وسادتي الوثيرة، وظل المصطلح يتضخم في رئتي حتى دخلت الأدب وشفيت من زوائدي العاطفية وتطلعت لحقيقة الوطن:نحن فقط أوطاننَا .
مازلت أربط جسدي بتراب مدينتي ..خلق الله مدينتنا من حفرنا وفوهاتنا:من ثقوبنا ومساماتنا :أمكنة الضوء والنور والألم .
فإرتبطنا بدون وجهة للحب بحُب التراب .أعرف مقاسات كثيرة لوطنيتي :فأنا أحب شجرة ربيتها بصبر خالق، وبابا يتألم من قسوة المفاتيح يؤويها فتبكيه .
من داخلي لداخل الوردة ،من داخلي لداخل الماء، أربطة عفيفة.
إنِي وطنٌ
نحنُ والآخرين،
وردةٌٌ.
وماقبلُ،
تراب من وطنْ.
( 2)
في بادىء الأمر ،كان الخيال مسكنا حقيقيا لألمي، ثم تكدس الشعور عندي بأني أقترب من الحدود القاتلة للمفاهيم عبر الكتابة ، كحل أخير للخروج من الكثافة الحسية للأشياء التي لا تتحرك، فيصيبني خوف كبير من أن أكتب عن الكائنات التي لا تملك أرجلا و لا أيادي، من الاشياء التى تحرك حواسنا ولا تتحرك ..فأزدحم بالبيت، و بالشارع، وبالمدينة، كأن المكان الوحيد لغربة الاشياء المصابة بالشلل ،هو قلبي.
أخسر
حرا ،
حربي الوحيدة !
لا أحد يحاربني ،
لكني أخسر…
(3)
كتبت الادب لعلل كبيرة :المرض والمزاح والقلق..
يخيل لي اني واقفة ،لكني أقع دائما هنا قد أتحدث عن المساحة كتقدير حقيقي للألم :عن الخوف يحاربني كمقاتل، وأنهزم أمامه_دوما_ كمبتدئ.
أتخلى عن مشاهدي الحقيقية، و ألجأ للأدب أبذر دمي ،و شجني في كراسات التعبير،
و أدفن الحقيقة لأمراضها الكثيرة ،فأكتب مجموعة من النصوص هي سيرتي الآن بعد إسمي أقول هنا :
*
لم يعد بوسعي أن اموت
فكرت في طرق عديدة لموتي،
قتلت اليوم بعوضة تسري في خيالي ،
فإستفحلت في دمي ,
فكرةْعظيمة ..
تتمشى الفكرة في رأسي كبيرة ،
فأخرج من فوهة في بداية الفكرة ،و أنفجر …
**
حطِمنى أيها البكاء إذن ،
وأشكلني بالحبر،
ثم صورني إمرأة مثلا
ولأبك .
أبكي هكذا لأسباب عريقة :خطأ في الجغرافيا ،
فأفتح القلب على أمي تجاهر الله بخوفها ،
فأستحم في بكائها الطويل.
خطأ في التأويل ايضا :كأن أفتح هوة في صدري لرجل ،
لا يغلق الابواب التى يفتحها ..
فأحرس الباب لاني أستدليت من المجاز على أقرب مفتاح ،
كان قلبي …
*
لأخطاء معرفية كثيرة
سأغير مكان رأسي .
فأصيح :هذا الرأس لم يعد يكفي:
للحب يتعلم المشي،
للألم يجري ولا يتوقف،
للوطن مقعدا كسيح.
في أسفل الشِعر مسودات لن تعيش ،
في الاسفل الآن رأسي..
(4)
القصيدة لن تكفينا لنأكل و نتحدث و نموت
سأهرب” للتخييل “.
ماضيا في الفكرة ،
ثم واقفا.
قد أموت هكذا ،نعم هكذا :
سطرا في حكاية ،
أو توهما لفكرة ،
اسفة أيها العالم !!
هنا الشاعر،
هذا انا.

(إلى اليزابث بيشب)
*
ناسك جزيرةِ نوتيلوس2
وريثة لا تزال تعيش خلال الشتاء في كوخِها الإسبارطيِ؛
خِرافها لا تزال تَرْعى فوق البحرِ.
إبنها أسقف. مزارعها الرجلُ المُنتقى الأوّل في قريتِنا؛
إنها في خَرَفِها.
.
تتعطّشُ الى
خصوصيّة كهنوت عَصْر الملكةِ فيكتوريا
تَشتري كُلّ ما يُواجهُ شاطئَها من قَذى الأعين،
وتتْركُه يتساقَط.
.
مرضُ الموسَم —
فَقدنَا مليونيرَنا الصّيفيَ،
الذي بَدا مُنْزلقاًً مِن كتالوج إل.إل.بين3 .
يختُه ذو التسع عُقَد
بِيعَ في المزاد إلى لوبسترمِن.
صبغةُ الثعلبِ الأحمر تَغطّي بلوهيل.
.
والآن جنيّتنا
مصمّمة الديكور تبهجُ دكاّنَه للخريف؛
شبكةُ صَيْده مُعبّأةٌ ببرتقال فلّيني،
برتقالَة، دكّته ومِثقبه الإسكافي؛
ليس هناك مال في عملِه،
هو يَرْغبُ أَنْ يَتزوّجَ.
.
ذات ليلة مُظلِمة،
تَسلّقَت سَيّارتي فورد تودر4 جُمجمةَ التَلّ؛
بَحثتُ عن سياراتَ الحُبّ. الأضواء طُويَت،
إنّهم يَضطجعون سَويّةً، قِشْرة لقِشْرة،
حيثُ المقبرة تَنحدرُ فوق المَدينة….
عَقْلي لَيسَ على مايُرام.
.
راديو السّيارة يثغو،
“حُبْ، اوه يا حُبّ طائش….”5 أَسْمعُ
نشيجَ روحي المُتعَبة في كُلّ خلية دمِّ،
لكَأنّ يَدّي كانت في حُنجَرتِها..
أنا الجحيمُ بعَيْنه؛
لا أحَد هُنا –
.
وحدَها الظرابين،
تَبْحثُ في ضوءِ القمر عن لُقمة تأكلها.
يَزْحفونَ فوق أرواحهِم حتى الطريق الرئيسيِ:
الأشرطة البيضاء، النيرانُ الحمراء لأعيُن مُتيّمة بالقمَر
تحت الطباشيرِ المجفّف وبرج الساريةِ المدبّبِ
للكنيسةِ الثالوثيّة6 .
إنني أَقِفُ على قِمّةِ
خطواتِنا الخلفيّة وأتنفّسُ الهواءَ الغَنيّ —
الأمُّ الظربان وصَفُّ صِغارها يشربون بنَهم سطلَ القُمامة.
تطمرُ رأسَها القُمعي في كَوْب كريمة حامضةِ،
تُسقِط ذيلَ النّعامة منها،
و لا تخاف.
________________
Life Studies” 1959 / Robert Lowell
(1) الظربان الأمريكي؛ حيوان ثدي معروف برائحته النتنة. (المترجم)
(2) المقاطع الأربعة الأولى من القصيدة تصف قرية كاستين الواقعة على ساحل ولا ية ماين الأمريكية (والتي تجاورها جزيرة نوتيلوس و مدينة بلو هيل الصغيرة) حيث قضى لويل صيف 1957. (المترجم)
(3) L. L. Bean شركة تعمل منذ 1912 في تسويق الملابس و الكماليات. (المترجم)
(4) Tudor Ford
(5) Love, O careless Love..، أغنية لألفيس بريسلي. (المترجم)
(6) Trinitarian Church
*
ترجمة: د.شريف بُقنه الشهراني

-1-
طيِّبٌ ومُحبَّبٌ
عندما يأتي خبزُ الشمالِ الطَّيبُ
فسوفَ نُقليهِ قطعةً قطعةً
بزيتِ الجَنوبِ الطِّيبِ
كما فعلَ آباؤنا.
من نبيذِ الغربِ الطَّيبِ
نشربُ –مع الطعامِ-
من أجلِ أنْ ننسى
مِحنةَ الحبِّ في الشرقِ
جُرعةً، جُرعةً..
*
ت.د.شاكر مطلق
من مجموعة (قصائد 1954-1997) الصادرة عن دار نشر هافمانس/ زوريخ-سويسرا عام 1999.
في أشجار الصفصاف
بمحاذاة النهر عند خليج المسرة،
يغرد العصفور المواء، دون أن يكرر اللحن مرتين.
هنا، تحت الصنوبر، وعلى بعد قليل من الطريق،
وفي العام 1927، قتل رئيس الشرطة دبليو
وزوجته نفسيهما معاً
وهما جالسان داخل سيارة مكشوفة. هنا تنتشر دعائم قديمة راسخة
وقطع من الطابوق الغائص تحت الماء
في أشكال كقطع اللغز، تنتشر على القاع
حيث المهبط كان لفندق ومسرح برايس.
وهنا كانت القوارب تطلق صافرتين للمدير
لكي يحول الجسر الحديدي المتحرك. إتكأ على ناقل الحركة
مثل ربان في الحجرة التي تختزن الأشغال الهندسية
وناح الجسر ودار على دعامته الوسطى
ليسمح لهم بالمرور. في منتصف الصيف
ربما تنتظر سيارتان أو ثلاث الهيكل الحديدي
ليتحرك جانباً، وربما يكون هناك طفل ليلاحظ
اسماً على المؤخرة مكتوباً باللونين الأسود والذهبي على خلفية بيضاء،
ساند بايبر، باتسي آن، لا تزعجا
العاطل عن العمل. إن كان قارب يهرب الويسكي
كان الجسر ينغلق بعد أن يمر
ثم ينفتح ثانية لزورق خفر السواحل،
يفتح ببطء الساعة الشمسية، ودائماً يعلق في منتصف الطريق.
أساس الطريق كان سليماً، لكنه ينفتح كما التحويلة،
والنهر يتلوى بين الأرصفة
دون تكرار لمرتين، وكأن العصفور يملأ
الأمسية الرطبة في شهر آب قرب مدخل الخليج
بموسيقى مستعارة يجانسها ويغيرها
حشرات اليعسوب وذباب الرمل وضفادع وجثتان بين نباتات السماء
لا تتحركان في السيارة المكشوفة بين أشجار الصنوبر
قطعة فضة من القصة.
المغني في فندق برايس
في ثوب مهرج ينشر الحزن المتجمع في حنجرته وأطراف الردن، رعشات قوية
تبدو وكأنها رذاذ من الضوء فوق الماء المظلم
خاتمة اللحن، متغيرة وخافتة
وبعد فاصل من الهدوء والفرح والتصفيق
المسموع في البيوت عبر النهر
بعض الجمهور يبكي وكأنهم ذابوا
داخل الموسيقى. ليست متشابهة أبداً. في برلين
إبنة لورد بريطاني تعشق
أدولف هتلر، الذي التقته، إنها تتملك
شقة زوجين كبيرين من اليهود الأثرياء. وهما ينجوان من الحرب
ليستقرا هنا في بليشر بي، السيدة العجوز
تعلم البيانو، العالم بأسره يدور
ويفتح فمه فاغراً عند أقدامهما بينما الفتاة وأحد النازيين الكبار
يتفحصان الأثاث والزجاج والصور
القصة الرائعة التي كانت لهما والآن غدت ملكها. بعد عدة أشهر
يدخل الإنجليز الحرب وهي تطلق النار على نفسها في متنزه
فتاة فاسدة، من الطبقة العليا، تدخل حياتها
في حياة الآخرين أو داخل مكان.
أخذ الأرواح – رئيس الشرطة والسيدة دبليو
أخذا روحيهما ليبقيا معاً، كأشباح محليين.
آخر هبات القبل، ماسورة المسدس،
ترتعش من قصة قد يسمعها طفل
ويتذكر نصفها، أصوات بين نباتات السمّار
وغناء بين الصفصاف. من الضفة الأخرى للنهر،
رعشات خفيفة من الموسيقى، نفس اللحن مرتين وتكرار من جديد
يتفاوت ويرتفع. فوق الجسر الجديد العالي
أضواء السيارات العائدة إلى المنازل من مضمار السباق،
ثمة قارب واحد يصدر فرقعة تحت الأقواس، خارجاً
دون أن يلاحظ عبر خليج المسرة صوب البحر المفتوح.
هنا وقف الناس لمشاهدة المسرح
يحترق على الماء. طوال تلك الليلة زوارق الإطفاء
واصلت تشغيل أنابيب رش الماء على اللهب.
في الصباح، أعمدة الدخان والدعامات
الرائحة السوداء للفحم لأسابيع، الركام يعود
إلى النهر. بعد أن تموت
تحوم قرب السقف فوق جثتك
وتراقب النادبين لبرهة. وبعد بضعة أيام
تطفو فوق رؤوس الذين كنت تعرفهم
وتراقبهم من خلال الغسق، ومع اشتداد الظلام
تغادر وتجد طريقك إلى النهر
وتخوضه لتعبر، في الضفة الأخرى، هواء الليل
والصفصاف، ورائحة النهر، وكتلة
من الأجسام النائمة بمحاذاة النهر،
نوع من الغناء من بين نباتات السمار
تناديك من مسافة أبعد من الظلام
تضطجع وتحتضن أحد الأجسام، الأطراف
وتحت وطأة سلطان النوم تتلمسك
وتمارس الحب حتى تنسكب روحك
وتحترق طليقة خارجك وتتحول وتنسكب
داخل ذلك الجسد الآخر، وأنت
تنسى حياتك السابقة، وتبدأ من جديد
عند نفس المعبر – ربما مثل طفل يمر
من خلال ذات المكان. ولكن ليس بنفس الطريقة لمرتين.
هنا في وضح النهار، طائر الكتبرد بين الصفصاف
المقهى الجديد، مع سطيحة وسلم،
ضفادع بين أعشاب البرك حيث كان الجسر المتحرك –
هنا كان يمكن أن تنزلق عبر الماء
عندما كنت محط حضور، في خليج المسرة.
ثمة، في الأوردة، أساطيل تمخر العباب،
إنفجارات صغيرة عند خطوط المياه،
ونوارس تلوّح في رياح الدم المالح.
.
إنه الصباح. نامت البلاد الشتاء كلّه،
جُلّلت مقاعد النوافذ بجلود الفراء، والباحة
غصّت بكلاب متحفّزة، وبأيدٍ مرتبكة تحمل الكتب الثقيلة.
.
الآن نستفيق، وننهض من الفراش، ونتناول الإفطار! ــ
جهات الجنوب تنهض من مرفأ الدم،
الغَبَش، الصواري الصاعدة، رنّة العُدّة الخشبية تحت ضياء الشمس.
.
الآن نغنّي، ونؤدّي رقصات صغيرة علي أرضية المطبخ.
جسدنا كلّه أشبه بمرفأ ساعة الفجر؛
ونعرف أنّ سادتنا غادرونا طيلة النهار.
*
ترجمة: صبحي حديدي
هذه الحرقة خلف عيني حين أفتح بابا
تعني أن الشيء السميك في جسدي قد انتصر.
النوم الأكمد الثقيل مثل عشب أكتوبر،
ينمو بعناد ، مبتهجا بنصره حتى عند منتصف الليل.
ويوم آخر يختفي وراء السفح.
يجيء قاطنو الأسكيمو ليحيوه بصيحات حادة.
الماء الأسود يرتفع فوق الحفرة الجديدة.
القرد ، وحيدا في قفصه المصنوع من الخيزران ،
يشم رائحة الأصلة ، ويصرخ ، دون أن يسمع أحد نداءه.
القبر يتحرك إلى الأمام من مكمنه،
ملتفا ببطء، بحركات جانبية ،
مارا تحت الأجمات وعبر أنفاق الورقة،
.
تاركا الكلاب والخراف مقتولة حيث ينام.
شيء ما متوهج داخلنا ، شيء
قام بخدمتنا على أكمل وجه ، يهز قضبان خيزرانه
ربما يكون قد ذهب قبل أن نصحو.
الاستيقاظ
إننا نقترب من النوم ؛ براعم الكستناء في العقل
تمتزج بأفكار عن الألم.
في لويزيانا ، الشوارع المبتلة المنقوعة بالمطر
والبراعم المخضلة ، من بين كل ذلك
جئنا ، نفقا يندفع برفق باتجاه العتمة
العاصفة قادمة. المنزل الريفي الصغير في منيسوتا
بالكاد يقوى على تحمل العاصفة.
العتمة ، العتمة في العشب ، العتمة في الأشجار.
حتى الماء في الآبار يرتجف.
الأجساد تشع بالعتمة ، وأزهار الأقحوان
معتمة ، والخيول التي تحمل أثقالا كبيرة من القش
إلى مخازن الحبوب العميقة حيث الهواء المعتم يتقدم
من الزوايا.
نصب لينكولن ، وحركة السير. من الماضي الطويل
إلى الحاضر الطويل،
طائر ، منسي في هذه الإجهادات ، يغني مبتهجا،
في الوقت الذي تنحرف فيه العجلة العظيمة ، طاحنة
الحياء في الماء.
غسيل ، غسيل متواصل ، في ماء ملطخ الآن
بالبراعم والجذوع المتعفنة،
صرخات ، نصف مكتومة ، من تحت الأرض، الأحياء
قد استيقظوا أخيرا مثل الموتى.
*
ترجمة عبدالوهاب أبوزيد
انتشرت القاذفات، ودرجة الحرارة مستقرة.
أذن زنجي تغفو داخل عجلة سيارة
قطع من الخشب تطفو، دون أن تنطق.
***
يندفع بعض الأساقفة وهم يصيحون: “لا توجد حرب”،
وتتساقط القنابل
تاركة الغبار على شجر الزان.
***
تسير ساق واحدة على الدرب تاركة الأخرى خلفها. تنشطر العينان
متطايرة في اتجاهين مختلفين.
***
تتكاثر أسلاك الموت.
يقطع الشريف ساقية السوداوين
ويدقهما بالمسامير الى شجرة
قيادة السيارة عبر مينيسوتا
قال العريف،
شعرت بالأسى عليه
ثم نجرت رأسه بطلقة بندقية
أمست هذه اللحظات بلورات،
ذرات
لا يمكن للعشب إذابتها.
مرحنا سيبلغ سدرة منتهاه
في آسيا، وستنظر في قدحك
لترى
قاذفات سوداء.
مدننا هي المدن التي كنا نريد قصفها!
الأسنان التي كشرت عنها “الأم”
ترفرف طائرات الهليكوبتر فوق الرؤوس. نحلة
الموت قادمة. نصال قاتلة
أشبه بعقد الطاقة العصبية تحوم
بعيداً ثم تعود.
هذا انتصار هاميلتون
هذا انتصار بنك مركزي.
***
يكذب الوزراء، يكذب أساتذة الجامعة، محررو
أخبار التلفزيون يكذبون، ورجال الدين يكذبون
ماكنة هذه الأكاذيب؟ معنى ذلك ان البلد
يبغي قضاء نحبه
***
هذا ما يكون عليه الأمر حين يعلن بلد غني الحرب.
هذا ما يؤول اليه الأمر حين تقصف الأكواخ (توصف
لاحقاً بأنها إنشاءات عسكرية).
هذا ما يكون عليه الأمر حين يقتل المزارعون الفقراء (يوصفون
لاحقاً بأنهم “شيوعيون”).
لأن معدل الكلفة اليومية للسرير هي
الآن مائتا دولار
نعمد الى قصف مستشفيات الشمال…
***
آليات ضخمة ترتفع جميلة عن ظهر الحاملة.
تظهر الأجنحة فوق الأشجار، أجنحة
ذات ثمانمئة برغي.
محركات تحرق ألف غالون من البنزين
في الدقيقة تنطلق فوق الأكواخ ذات الأرضيات المتسخة.
يشعر الدجاج بالخوف الذي يغزو عميقاً نقرة
المنقار.
بوذا وبادما سامباهافا
في غضون ذلك تطفو على مياه بحر الصين
أعداد كثيرة من الجثث الرمادية
المولودة في روانوك،
ويتوسع المحيط من كلا الجانبين
مدعوماً بحركة الأساطيل.
ترفرف طائرات الهليكوبتر في الأعلى. نحلة
الموت قادمة. نصال فتاكة
مثل عقد الطاقة العصبية تحوم
ثم تعود.
هذا انتصار هاميلتون.
هذا انتصار بنك مركزي.
تأتي طائرات ب ـ 52 من غوام، يقضي
الأساتذة نحبهم داخل اللهب. تغفو
آمال تولستوي داخل كومة النحل.
لا تسأل عن الرحمة.
*
الترجمة: فوزي محيدلي
المحادثة تجعلنا أقرب كثيراً!
إنها تفتح
أمواج الجسد المتكسر،
تُدني السمك من الشمس،
وتصلّب العمود الفقري للبحر!
تجوّلتُ في وجه، طيلة ساعات،
عابراً النيران السوداء.
نهضتُ إلي جسد
لم يولد بعد،
حاضراً مثل ضياء يلتفّ حول الجسد،
ضياء في غمرته يتنقّل الجسد مثل قمر منزلق.
*
ترجمة: صبحي حديدي
الشمس تنحدر، والفضاء يعتم أكثر فأكثر، كلّ دقيقة. الليل يثخن، يجرّ الأرض صوبه.
.
وإذا كان جسدي هو الأرض، فما العمل بعدُ؟ ثم ها إنني هنا، أثخنُ كلما تقدّم الليل. والقمر يمكث في السماء. جزء منّي يظلّ في الأعلى هناك. كم المسافة حتى ذلك الجزء، هناك!
.
للأرض أشياء أرضية، أرضية التكوين، متّصلة. إنها تدنو من بعضها البعض، ملتمسة الدفء في وكر أوّل، في مِذْوَد؛ تحملها دفعة من الأذرع، ثُمّ كتلة من الصنوبر. البُوَيْمات تجالس بعضها في شجرة جوفاء. ولكننا انشطرنا.
.
يحلّ الليل… فماذا بعدُ؟ شمسي ستنحدر أسفل الأرض، وتسافر وهي تئزّ على امتداد درب الظلمة السفلي المحيطية. هنالك مئة من القدّيسين المنبطحين في استرخاء، يلقون نُتَف الظلام علي الدرب…
.
في منتصف الليل سأدلف إلي الداخل، وسأستلقي علي سريري، وسيتلاشى قمري بغتة. سوف يسافر وحيداً في أرجاء الأرض المعتمة، طيلة الليل، منزلقاً عبر الأذرع الممدودة إليه… وسوف أواصل هكذا، محملقاً…
.
النائم سوف يمضي نحو العتمة القصوى. مَن الذي سيرافقه؟ سوف يلتقي بسجين آخر
في برج محصّن، لعلّه الخبّاز…
*
ترجمة: صبحي حديدي
أنت أيها العابر:
مياه تجرفني
لتتركني.
ابحثوا عني في الموجة.
في ما يمضي ولا يعود:
رياح تنطفئ في الظل
وتشتعل.
ابحثوا عني في الثلج.
ما يجهله الجميع:
رمال متحركة
لا تحادث أحداً.
ابحثوا عني في الهواء.
*
ترجمة : صالح علماني وعاصم الباشا
من كتاب ( رفائيل البرتي، مختارات شعرية ) من ترجمة صالح علماني وعاصم الباشا، دار الفارابي، بيروت ـ 1981
ماذا يغني شعراء الأندلس اليوم ؟
ماذا ينظر شعراء الأندلس اليوم ؟
ماذا يشعر شعراء الأندلس اليوم ؟
.
يغنون بأصوات الرجال ، ولكن أين الرجال ؟
بعيون الرجال ينظرون ، ولكن أين الرجال ؟
بصدور الرجال يشعرون ، ولكن أين الرجال ؟
.
ألم يبق أحد في الأندلس ؟
ألم يبق أحد في جبال الأندلس ؟
ألم يبق أحد في بحار وحقول الأندلس ؟
.
أليس هناك من يرد على صوت الشاعر ؟
من ينظر إلى قلب الشاعر الذي بلا جدران ؟
أأمور كثيرة ماتت ولم يبق سوى الشاعر ؟
.
غنوا عالياً، ستسمعون أن آذاناً أخرى تسمع.
انظروا عالياً، سترون أن عيوناً أخرى تنظر.
اخفقوا عالياً، ستشعرون أن دماء أخرى تنبض.
.
ما أعمق الشاعر في باطن الأرض المظلم المغلق.
لكن غناءه سيسمو ليكون أعمق
عندما ، ينفتح للهواء، يصبح ملكاً لكل الناس.
*
ترجمة : صالح علماني وعاصم الباشا
من كتاب ( رفائيل البرتي، مختارات شعرية ) من ترجمة صالح علماني وعاصم الباشا، دار الفارابي، بيروت ـ 1981
أريد الغناء : أن أكون زهرة
لبلدي .
أن تأكلني بقرة
من بلدي .
أن يضعني على أذنه
فلاح من بلدي .
أن يستمع إلي
قمر بلدي .
أن تبللني بحار
وأنهار بلدي .
أن تقطعني
طفلة من بلدي .
وأن تدفنني الأرض
في قلب بلدي .
لأنني ،كما ترون، وحيد،
دون بلدي
( مع أنني لست بدون بلدي ).
*
ترجمة : صالح علماني وعاصم الباشا
من كتاب ( رفائيل البرتي، مختارات شعرية ) من ترجمة صالح علماني وعاصم الباشا، دار الفارابي، بيروت ـ 1981