المدونة

  • روبرت بلاي – مهزوم

    هذه الحرقة خلف عيني حين أفتح بابا

    تعني أن الشيء السميك في جسدي قد انتصر.

    النوم الأكمد الثقيل مثل عشب أكتوبر،

    ينمو بعناد ، مبتهجا بنصره حتى عند منتصف الليل.

    ويوم آخر يختفي وراء السفح.

    يجيء قاطنو الأسكيمو ليحيوه بصيحات حادة.

    الماء الأسود يرتفع فوق الحفرة الجديدة.

    القرد ، وحيدا في قفصه المصنوع من الخيزران ،

    يشم رائحة الأصلة ، ويصرخ ، دون أن يسمع أحد نداءه.

    القبر يتحرك إلى الأمام من مكمنه،

    ملتفا ببطء، بحركات جانبية ،

    مارا تحت الأجمات وعبر أنفاق الورقة،

    .

    تاركا الكلاب والخراف مقتولة حيث ينام.

    شيء ما متوهج داخلنا ، شيء

    قام بخدمتنا على أكمل وجه ، يهز قضبان خيزرانه

    ربما يكون قد ذهب قبل أن نصحو.

    الاستيقاظ

    إننا نقترب من النوم ؛ براعم الكستناء في العقل

    تمتزج بأفكار عن الألم.

    في لويزيانا ، الشوارع المبتلة المنقوعة بالمطر

    والبراعم المخضلة ، من بين كل ذلك

    جئنا ، نفقا يندفع برفق باتجاه العتمة

    العاصفة قادمة. المنزل الريفي الصغير في منيسوتا

    بالكاد يقوى على تحمل العاصفة.

    العتمة ، العتمة في العشب ، العتمة في الأشجار.

    حتى الماء في الآبار يرتجف.

    الأجساد تشع بالعتمة ، وأزهار الأقحوان

    معتمة ، والخيول التي تحمل أثقالا كبيرة من القش

    إلى مخازن الحبوب العميقة حيث الهواء المعتم يتقدم

    من الزوايا.

    نصب لينكولن ، وحركة السير. من الماضي الطويل

    إلى الحاضر الطويل،

    طائر ، منسي في هذه الإجهادات ، يغني مبتهجا،

    في الوقت الذي تنحرف فيه العجلة العظيمة ، طاحنة

    الحياء في الماء.

    غسيل ، غسيل متواصل ، في ماء ملطخ الآن

    بالبراعم والجذوع المتعفنة،

    صرخات ، نصف مكتومة ، من تحت الأرض، الأحياء

    قد استيقظوا أخيرا مثل الموتى.

    *

    ترجمة عبدالوهاب أبوزيد

  • روبرت بلاي – الحرب والصمت

    انتشرت القاذفات، ودرجة الحرارة مستقرة.

    أذن زنجي تغفو داخل عجلة سيارة

    قطع من الخشب تطفو، دون أن تنطق.

    ***

    يندفع بعض الأساقفة وهم يصيحون: “لا توجد حرب”،

    وتتساقط القنابل

    تاركة الغبار على شجر الزان.

    ***

    تسير ساق واحدة على الدرب تاركة الأخرى خلفها. تنشطر العينان

    متطايرة في اتجاهين مختلفين.

    ***

    تتكاثر أسلاك الموت.

    يقطع الشريف ساقية السوداوين

    ويدقهما بالمسامير الى شجرة

    قيادة السيارة عبر مينيسوتا

    قال العريف،

    شعرت بالأسى عليه

    ثم نجرت رأسه بطلقة بندقية

    أمست هذه اللحظات بلورات،

    ذرات

    لا يمكن للعشب إذابتها.

    مرحنا سيبلغ سدرة منتهاه

    في آسيا، وستنظر في قدحك

    لترى

    قاذفات سوداء.

    مدننا هي المدن التي كنا نريد قصفها!

    الأسنان التي كشرت عنها “الأم”

    ترفرف طائرات الهليكوبتر فوق الرؤوس. نحلة

    الموت قادمة. نصال قاتلة

    أشبه بعقد الطاقة العصبية تحوم

    بعيداً ثم تعود.

    هذا انتصار هاميلتون

    هذا انتصار بنك مركزي.

    ***

    يكذب الوزراء، يكذب أساتذة الجامعة، محررو

    أخبار التلفزيون يكذبون، ورجال الدين يكذبون

    ماكنة هذه الأكاذيب؟ معنى ذلك ان البلد

    يبغي قضاء نحبه

    ***

    هذا ما يكون عليه الأمر حين يعلن بلد غني الحرب.

    هذا ما يؤول اليه الأمر حين تقصف الأكواخ (توصف

    لاحقاً بأنها إنشاءات عسكرية).

    هذا ما يكون عليه الأمر حين يقتل المزارعون الفقراء (يوصفون

    لاحقاً بأنهم “شيوعيون”).

    لأن معدل الكلفة اليومية للسرير هي

    الآن مائتا دولار

    نعمد الى قصف مستشفيات الشمال…

    ***

    آليات ضخمة ترتفع جميلة عن ظهر الحاملة.

    تظهر الأجنحة فوق الأشجار، أجنحة

    ذات ثمانمئة برغي.

    محركات تحرق ألف غالون من البنزين

    في الدقيقة تنطلق فوق الأكواخ ذات الأرضيات المتسخة.

    يشعر الدجاج بالخوف الذي يغزو عميقاً نقرة

    المنقار.

    بوذا وبادما سامباهافا

    في غضون ذلك تطفو على مياه بحر الصين

    أعداد كثيرة من الجثث الرمادية

    المولودة في روانوك،

    ويتوسع المحيط من كلا الجانبين

    مدعوماً بحركة الأساطيل.

    ترفرف طائرات الهليكوبتر في الأعلى. نحلة

    الموت قادمة. نصال فتاكة

    مثل عقد الطاقة العصبية تحوم

    ثم تعود.

    هذا انتصار هاميلتون.

    هذا انتصار بنك مركزي.

    تأتي طائرات ب ـ 52 من غوام، يقضي

    الأساتذة نحبهم داخل اللهب. تغفو

    آمال تولستوي داخل كومة النحل.

    لا تسأل عن الرحمة.

    *

    الترجمة: فوزي محيدلي

  • روبرت بلاي – الحملقة في وجه

    المحادثة تجعلنا أقرب كثيراً!

    إنها تفتح

    أمواج الجسد المتكسر،

    تُدني السمك من الشمس،

    وتصلّب العمود الفقري للبحر!

    تجوّلتُ في وجه، طيلة ساعات،

    عابراً النيران السوداء.

    نهضتُ إلي جسد

    لم يولد بعد،

    حاضراً مثل ضياء يلتفّ حول الجسد،

    ضياء في غمرته يتنقّل الجسد مثل قمر منزلق.

    *

    ترجمة: صبحي حديدي

  • روبرت بلاي – القمر الأعلى والقمر الأسفل

    الشمس تنحدر، والفضاء يعتم أكثر فأكثر، كلّ دقيقة. الليل يثخن، يجرّ الأرض صوبه.

    .

    وإذا كان جسدي هو الأرض، فما العمل بعدُ؟ ثم ها إنني هنا، أثخنُ كلما تقدّم الليل. والقمر يمكث في السماء. جزء منّي يظلّ في الأعلى هناك. كم المسافة حتى ذلك الجزء، هناك!

    .

    للأرض أشياء أرضية، أرضية التكوين، متّصلة. إنها تدنو من بعضها البعض، ملتمسة الدفء في وكر أوّل، في مِذْوَد؛ تحملها دفعة من الأذرع، ثُمّ كتلة من الصنوبر. البُوَيْمات تجالس بعضها في شجرة جوفاء. ولكننا انشطرنا.

    .

    يحلّ الليل… فماذا بعدُ؟ شمسي ستنحدر أسفل الأرض، وتسافر وهي تئزّ على امتداد درب الظلمة السفلي المحيطية. هنالك مئة من القدّيسين المنبطحين في استرخاء، يلقون نُتَف الظلام علي الدرب…

    .

    في منتصف الليل سأدلف إلي الداخل، وسأستلقي علي سريري، وسيتلاشى قمري بغتة. سوف يسافر وحيداً في أرجاء الأرض المعتمة، طيلة الليل، منزلقاً عبر الأذرع الممدودة إليه… وسوف أواصل هكذا، محملقاً…

    .

    النائم سوف يمضي نحو العتمة القصوى. مَن الذي سيرافقه؟ سوف يلتقي بسجين آخر

    في برج محصّن، لعلّه الخبّاز…

    *

    ترجمة: صبحي حديدي

  • رافائيل ألبرتي – أغنية ملاك غير محظوظ

    أنت أيها العابر:

    مياه تجرفني

    لتتركني.

    ابحثوا عني في الموجة.

    في ما يمضي ولا يعود:

    رياح تنطفئ في الظل

    وتشتعل.

    ابحثوا عني في الثلج.

    ما يجهله الجميع:

    رمال متحركة

    لا تحادث أحداً.

    ابحثوا عني في الهواء.

    *

    ترجمة : صالح علماني وعاصم الباشا

    من كتاب ( رفائيل البرتي، مختارات شعرية ) من ترجمة صالح علماني وعاصم الباشا، دار الفارابي، بيروت ـ 1981

  • رافائيل ألبرتي – قصيدة إلى شعراء الأندلس اليوم

    ماذا يغني شعراء الأندلس اليوم ؟

    ماذا ينظر شعراء الأندلس اليوم ؟

    ماذا يشعر شعراء الأندلس اليوم ؟

    .

    يغنون بأصوات الرجال ، ولكن أين الرجال ؟

    بعيون الرجال ينظرون ، ولكن أين الرجال ؟

    بصدور الرجال يشعرون ، ولكن أين الرجال ؟

    .

    ألم يبق أحد في الأندلس ؟

    ألم يبق أحد في جبال الأندلس ؟

    ألم يبق أحد في بحار وحقول الأندلس ؟

    .

    أليس هناك من يرد على صوت الشاعر ؟

    من ينظر إلى قلب الشاعر الذي بلا جدران ؟

    أأمور كثيرة ماتت ولم يبق سوى الشاعر ؟

    .

    غنوا عالياً، ستسمعون أن آذاناً أخرى تسمع.

    انظروا عالياً، سترون أن عيوناً أخرى تنظر.

    اخفقوا عالياً، ستشعرون أن دماء أخرى تنبض.

    .

    ما أعمق الشاعر في باطن الأرض المظلم المغلق.

    لكن غناءه سيسمو ليكون أعمق

    عندما ، ينفتح للهواء، يصبح ملكاً لكل الناس.

    *

    ترجمة : صالح علماني وعاصم الباشا

    من كتاب ( رفائيل البرتي، مختارات شعرية ) من ترجمة صالح علماني وعاصم الباشا، دار الفارابي، بيروت ـ 1981

  • رافائيل ألبرتي – أغنية 12

    أريد الغناء : أن أكون زهرة

    لبلدي .

    أن تأكلني بقرة

    من بلدي .

    أن يضعني على أذنه

    فلاح من بلدي .

    أن يستمع إلي

    قمر بلدي .

    أن تبللني بحار

    وأنهار بلدي .

    أن تقطعني

    طفلة من بلدي .

    وأن تدفنني الأرض

    في قلب بلدي .

    لأنني ،كما ترون، وحيد،

    دون بلدي

    ( مع أنني لست بدون بلدي ).

    *

    ترجمة : صالح علماني وعاصم الباشا

    من كتاب ( رفائيل البرتي، مختارات شعرية ) من ترجمة صالح علماني وعاصم الباشا، دار الفارابي، بيروت ـ 1981

  • رافائيل ألبرتي – اعصروني فوق البحر

    اعصروني فوق البحر،

    تحت الشمس، وكأن جسدي

    مزقة من شراع.

    .

    اعصروا كل دمي.

    مددوني، لتجفيف حياتي،

    على شباك الرصيف.

    .

    إنني ناشف، ألقوا بي إلى المياه

    بحجر مربوط إلى عنقي

    حتى لا أطفو بعدها أبداً.

    .

    دمائي منحتها للبحار.

    فأبحري فيها أيتها المراكب!

    وأنا تحت، مستكين.

    *

    ترجمة : صالح علماني وعاصم الباشا

    من كتاب ( رفائيل البرتي، مختارات شعرية ) من ترجمة صالح علماني وعاصم الباشا، دار الفارابي، بيروت ـ 1981

  • رافائيل ألبرتي – الملاك الطيب

    جاء الذي أحببت

    ذلك الذي ناديته

    ليس من يكنس سموات عزلاء

    ونجوماً بلا أكواخ

    وأقماراً بلا وطن

    وثلوجاً.

    ثلوجاً تهطل من يد،

    من اسم،

    من حلم،

    من جبين.

    ليس من ربط بجدائله

    الموت.

    إنما الذي أحببت.

    لا يخدش الهواء

    لا يجرح الأوراق ولا يحرك البلّور

    ذلك الذي ربط بجدائله

    الصمت.

    ليحفر ـ دون أن يجرحني ـ

    شاطئاً من نور عذب في صدري

    وليجعل روحي

    صالحة للإبحار.

    *

    ترجمة : صالح علماني وعاصم الباشا

    من كتاب ( رفائيل البرتي، مختارات شعرية ) من ترجمة صالح علماني وعاصم الباشا، دار الفارابي، بيروت ـ 1981

  • رافائيل ألبرتي – قصيدة الذي لم يذهب أبداً إلى غرناطة

    إلى فيدريكو غارسيا لوركا

    كم أنا بعيد، وتفصلني بحار ، حقول وجبال!

    وشموس أخرى تنظر إلى رأسي الشائب.

    لم أذهب أبداً إلى غرناطة .

    رأسي قد شاب ، سنواتي ضاعت.

    أريد العثور على الدروب القديمة المطموسة .

    لم أرَ أبداً غرناطة.

    ضع لي غصن نور أخضر في يدي.

    ولجاماً قصيراً ، وامنحني عدْواً طويلاً.

    لم أدخل أبداً إلى غرناطة.

    أي أناس أعداء يسكنون دروبها؟

    من هي الأصداء الصافية الحرة في هوائها؟

    لم أذهب أبداً إلى غرناطة.

    من يسجن حدائقها اليوم، ويضع

    سلاسل على حديث نوافيرها؟

    لم أرَ أبداً غرناطة.

    تعالوا يا من لم تذهبوا أبداً إلى غرناطة.

    بها دماء مهدورة، دماء تناديني.

    لم أدخل أبداً إلى غرناطة.

    بها دماء مهدورة، دماء الأخ الأفضل.

    دماء بين شجيرات الريحان ومياه الباحات.

    لم أذهب أبداً إلى غرناطة.

    دماء الصديق الأفضل ، بين الريحان.

    دماء في “الدارو ” ،وفي “الخنيل “، دماء.

    لم أرَ أبداً غرناطة.

    إذا كانت الأبراج عالية ، فالهمة عالية.

    تعالوا من الجبال، من البحار، من الحقول.

    سأدخل غرناطة.

    سأدخل غرناطة.

    *

    ترجمة : صالح علماني وعاصم الباشا

    من كتاب ( رفائيل البرتي، مختارات شعرية ) من ترجمة صالح علماني وعاصم الباشا، دار الفارابي، بيروت ـ 1981

  • رافائيل ألبرتي – قصيدة حول ما قالته الريح

    بوسع الخلود أن يكون

    نهراً فحسب،

    حصاناً منسياً

    وتحليق

    حمامة تائهة.

    ما أن ينأى الإنسان

    عن البشر، حتى تأتي الرياح

    لتقول له أشياء أخرى

    وتفتح أذنيه

    وعينيه على أشياء أخرى.

    ابتعدت اليوم عن البشر،

    وحدي ، على شفير الغور،

    وقفت أتأمل النهر

    لم أرَ سوى حصان،

    لم أسمع سوى تحليق

    حمامة تائهة.

    اقتربت الريح

    كعابر سبيل

    وقالت لي:

    بوسع الخلود أن يكون

    نهراً فحسب

    حصاناً منسياً

    وتحليق

    حمامة تائهة.

    *

    ترجمة : صالح علماني وعاصم الباشا

    من كتاب ( رفائيل البرتي، مختارات شعرية ) من ترجمة صالح علماني وعاصم الباشا، دار الفارابي، بيروت ـ 1981

  • رافائيل ألبرتي – أغنية 15

    أعرف أن الجوع يذهب بالنعاس.

    ولكن عليّ أن أستمر بالغناء.

    وأن السجن يغيم الأحلام.

    ولكن عليّ أن أستمر بالغناء.

    وأن الموت يقتل الحلم.

    ولكن علي

    علي أن أستمر بالغناء.

    *

    ترجمة : صالح علماني وعاصم الباشا

    من كتاب ( رفائيل البرتي، مختارات شعرية ) من ترجمة صالح علماني وعاصم الباشا، دار الفارابي، بيروت ـ 1981

  • رافائيل ألبرتي – برج إثناخار

    سجين في هذا البرج،

    وسجيناً سأبقى.

    .

    (أربع نوافذ مشرعة للريح).

    .

    ـ من يصرخ نحو الشمال يا صديقتي ؟

    ـ إنه النهر الذي يمضي صاخباً.

    .

    (إنها ثلاث نوافذ مشرعة للريح).

    .

    ـ من يئن نحو الجنوب يا صديقتي ؟

    ـ إنه الهواء، الذي يمضي بلا أحلام.

    .

    (إنها نافذتان مشرعتان للريح).

    .

    ـ من يتنهد نحو الشرق يا صديقتي ؟

    ـ أنت ذاتك ، وقد أتيت ميتاً.

    .

    ( إنها نافذة واحدة مشرعة للريح).

    .

    عيون الناس

    مغمضة. وجميع الأبواب

    والنوافذ مسمرة

    وأنا أحمل معي

    السترة الممزقة.

    .

    مرتجفاً،

    ميتاً أنا على حديد نافذتك .

    أمد يدي إليك، وأنت.

    بكفك القاسية الحانية،

    تغرسين فيها المدية

    الحادة، الطويلة السوداء،

    ذات الرأس الأسود.

    *

    ترجمة : صالح علماني وعاصم الباشا

    من كتاب ( رفائيل البرتي، مختارات شعرية ) من ترجمة صالح علماني وعاصم الباشا، دار الفارابي، بيروت ـ 1981

  • رافائيل ألبرتي – عندما أغادر روما

    عندما أغادر روما،

    من سيذكرني؟

    اسألوا القط ،

    اسألوا الكلب

    والحذاء المثقوب.

    اسألوا مصباح الطريق التائه،

    الحصان الميت

    والشرفة الجريح.

    اسألوا الريح العابرة،

    البوابة القاتمة

    التي بلا بيت.

    اسألوا الماء الجاري

    الذي يكتب اسمي

    تحت الجسر.

    عندما أغادر روما،

    اسألوا عني هؤلاء.

    *

    ترجمة : صالح علماني وعاصم الباشا

    من كتاب ( رفائيل البرتي، مختارات شعرية ) من ترجمة صالح علماني وعاصم الباشا، دار الفارابي، بيروت ـ 1981

  • رافائيل ألبرتي – عن “تيرتيو ” (1)

    -1-

    ما بكِ، قولي يا ربة شعر سنواتي الأربعين

    -حنين للحرب، للبحر وللمدرسة.

    -2-

    ربة شعري، رأيتك بين نورين،

    مُداسة، مُهشمة، جريحة.

    تعرجين، خارج حدود الموت،

    إلى الحقل الوحيد، إلى العالم المتفرد.

    -3-

    كان رجلاًن كان أنثى، أكان لحظة ؟

    أهي تهذي، محلولة،

    خارجة من ذاتها، دامية، أحشاء الأرض ؟

    هل استطاعت

    أن تنتزع من الزمن حبة واحدة

    لولادة الظلال المنحرفة هذه ؟

    -4-

    رصاصة ومتران من الأرض فقط

    ـ قالوا لهم.

    والحقلُ

    بدلاً من القمح أنبتت صلباناً.

    -5-

    الجندي في الثلج ظن أنه نخلة

    وأن ذراعيه مفعمتان بالتمر.

    -6-

    وفارس الصحراء ذاك يمضي

    مترنماً بين ظلال صنوبر متجمدة.

    -7-

    ماذا يعني طفل في الثلج ؟ ماذا يعني طفل ،

    يبكي، وحيداً، ويبحث عن قريته ؟

    -8-

    يرقد الجندي . انبرى

    كلب ينبح عليه هائجاً.

    -9-

    يرقد الجندي .أتى

    جدول ليسأل عنه.

    -10-

    يرقد الجندي . تنزل الغابة

    لتبكي عليه كل صباح.

    -11-

    يرقد الجندي .أتى

    طفل مع الهواء ليحدثه عن ضيعته.

    -12-

    يرقد الجندي.

    لا أحد

    استطاع معرفة اسمه. فكتبوا عليه:

    ابن القرية الساقطة في وَهْدة.

    -13-

    توقفي هنا أيتها الندف المتطايرة، توقفي أيتها الرياح.

    هل ثمة من هو قادر على تذكري ؟

    -14-

    لقد كنت جندياً، كنت عظاماً

    لتجسيد الوطن.

    -15-

    ليس لي وطن.يمكنك

    زرع عظامي إلى جانب أي نهر.

    -16-

    كم هو محزن غناء المرء وهو يعض شفتيه،

    واضعاً وسادة على الكلمات،

    وحزاماً على نبضات اللسان الحرة،

    ومنخلاً على دويّ الدم.

    *

    ترجمة : صالح علماني وعاصم الباشا

    من كتاب ( رفائيل البرتي، مختارات شعرية ) من ترجمة صالح علماني وعاصم الباشا، دار الفارابي، بيروت ـ 1981

  • رافائيل ألبرتي – لك أيضا، يا “بير باولو بازوليني “

    أنت، ما من كنت ملاكاً

    ضائعاً في جحيم هذا الزمن الذي بلا عَظَمة،

    لقد سخروا منك ، بصقوا عليك،

    غمروك باللعاب،

    لقد داسوك بنذالة.

    ليس لمرة واحدة

    وإنما لمرات حقودة لا متناهية

    داسوا جسدك القوي الساقط بلا دفاع،

    يا أخي، أيها الشهم،

    يا من كانت عندك لي كلمات صمت

    وحب، في الأيام البعيدة

    أيام لقائنا في روما،

    والآن، هذه الليلة،

    في هذا الفجر من بداية الربيع،

    تعود إليّ، وأشعر بك في نحيب

    البحر، المضيء بهذا النور البحري،

    على هذه الرمال التي شربت

    كل الدم المسكين،

    دمك، دم الشاعر

    الذي صار خالداً، أبدياً، منذ ذلك الفجر الحزين.

    ____________

    21/آذار/1976

    *

    ترجمة : صالح علماني وعاصم الباشا

    من كتاب ( رفائيل البرتي، مختارات شعرية ) من ترجمة صالح علماني وعاصم الباشا، دار الفارابي، بيروت ـ 1981

  • رسول حمزتوف

    رسول حمزتوف

    الصواريخ مضت تطوي الرحاب الشاسعات

    و مراراً وصلت للأنجم النائيات , النائيات

    ليتني يا أيها الناس لكم , كنت وصلت

    أنتم سامقة في كل وقت , كل وقت

  • رسول حمزتوف – اللقالق

    رسول حمزتوف – اللقالق

    جنود بلادنا من لم يؤوبوا راجعينا

    إلينا من ميادين القتال الداميات

    يخيل لي أحياناً

    بأن أولائك الغياب ما اجتدثوا أراضينا

    و لكن أصبحوا طيرا لقالق هائمات

    .

    و مذ تلك العهود من الزمان

    و هم أسراب أطيار تحلق و هي تدعونا

    أليس لذلك نصمت كلنا أحزان

    إذا نحو السماء رنت مآقينا ؟

    .

    و انى اليوم أبصر ساعة الغسق

    طيور لقالق بيضاء تسرب في الغيوم

    و تتبع نفس ما ألفت تسير به من النسق

    قديما حين كانت بشرا تمشى على نحو نظيم

    .

    و ما هم يقطعون طريقهم في الأفق ممتدا

    ينادون بأسمائهم بعض الأهالي

    فما أشبه لهجاتنا الجبالية مدا

    بأصوات اللقالق و هي تصرخ في الأعالي

    .

    و ذاك مثلث من طيرها ضفرا

    ليذرع في الغروب السحب و هو مهلهل جهدا

    و أبصر في صفوف الطير موقع طائر صفرا

    لعل الموقع الخالي مكان لي أعدا

    .

    و حين يحل ميقاتي سأمضي

    أطير مع اللقالق في العتمة الزرقاء

    ألقلق من وراء الأفق في حزن أناديكم

    بأسمائكمو يا كل من خلقت فوق الأرض من أحياء

    *

  • هؤلاء الذين يحلمون بالشِّعر

    هؤلاء الذين يحلمون بالشِّعر

    ترجمة يارا المصري
    قصائد للشاعر الصيني: غي ماي

    حَسَنٌ، الآن أتقبلُ فشلي التام

    وزجاجات النبيذ الفارغة والبيضات ذات الثقوب الصغيرة

    حَسَنٌ، بإمكاني الآن أن أنجزَ انهياراً آخر مهماً

    فلأنجزه، هذه المرَّة، إنجازاً مثالياً

    أمَّا عن خمرنا والمسودات الجافة

    والحب، التصرفات، البصاق، والطموحات العالية

    بإمكاني أن أغليهم في قِدر

    وأقدمه لك، يا مَن تتوق إلى انهياري التام.

    غي ماي ـ من قصيدة “العهد”  

    وُلِد الشاعر غي مان عام 1967 في مقاطعة هيلونغ جيانغ، والتحق بقسم اللغة الصينية ـ جامعة بكين عام 1985، ووزع عام 1989 للعمل في مجلة “أدب الصين” التي كانت تصدر آنذاك، وبدأ محاولات كتابة الشعر حين التحق بالجامعة. ورغم أن تجربته الشعرية لم تدم إلَّا ست سنوات، إلَّا أنه ترك إنتاجاً شعرياً وضعه بين شعراءِ جيله المميزين، وفي مكانةٍ بارزةٍ في الشعر الصيني المعاصر.

    وفي الرابع من سبتمبر عام 1991 انتحر غرقاً في نهر وان تشوان في ضواحي بكين الغربية، وكان عمره 24 عاماً، لينضم كذلك إلى الشعراء المنتحرين من جيله كالشاعر الصيني خاي زي.

    كتب الشاعر شي تشوان عن رحيل أصدقائه بما فيهم خاي زي ولُوه يي خي وغي ماي قائلاً:

     كيف بإمكاننا التخلص من أثقال الروح؟ ورغم أننا لا نستطيع التحرر منها كلياً، كيف يمكننا أن ننعم بشيء من الطمأنينة ونحن نسير في دربنا، بدون أن نلتفت بين حين وآخر، متأملين بقلق، تلك الأرواح التي تتبعنا؟ ورغم أنني كتبتُ عن الراحلين الكثير من القصائد والمقالات لتخليد ذكراهم، لكنني لم أتمكن من محو ما تركوا في من كآبةٍ وحزنٍ بالكلمات. إنَّ حفظ ذكرى ما أمرٌ أخلاقيٌّ ونابع من الضمير، لكن ليس بإمكاني إنكار أن الموت يخترقُ رأسي، ويخترقُ ظهري كقشعريرة باردة، يأتي في حلمي كتجلي الرعب. لقد حلمتُ من قبل أنني أسير في درب ضيق في وادي جبل تتناثر فيه أوراق شجر متساقطة، يفضى إلى منزل مهجور خالٍ من البشر، وكل شيء داخله أزرق اللون؛ جدران زُرق، أرضية زرقاء، كراسي وطاولة زرقاء، أكواب شاي زُرق، تبعث فيك إحساساً ما بالبرودة، ثم رُفِعت الستائر الزُرق فجأة! لم يكن ذلك شغبَ عفاريت، بل كان الصمت، الخواء، وجهَ الموت الحقيقي”

    الذين لا يرون ضوءَ الشمسِ بعد موتِهم

     الَّذين لا يرون ضوءَ الشمسِ بعد موتِهم… أناسٌ غيرُ محظوظين

    هم ملائكةٌ بأرديةٍ بيْض مقطوعةٌ رؤوسُها

    تسيرُ بكآبةٍ رائحةً غاديةً في الدربِ الضيِّقِ الذي يُفضي إلى الدير

    تُغنِّي بصوتٍ خفيضٍ… صوتٍ يصلُ إلى آذانِ الغربانِ الصغيرة

    الساكنةِ أسفلِ إفريزِ الباغودا

    والماعزُ الأسودُ الحالمُ بالروثِ في طريقِه

    يمكنه أن يلمحَ أشجارِ الحورِ الكثيفة. أمَّا أنا

    فأكون سوطاً شرساً

    يجلدُ تلك التخيلاتِ الملعونةَ بالموت

    هذا عَلَم… عتمةٌ تخفق

    بعد الموت، من بإمكانه أن يرى الشمسَ مجدداً؟ والحياة

    بديلٌ مهيب… انْتَظَرَ طويلاً

    عيناه معبأتان بصوفٍ بُنِّي

    باستطاعتِه أن يصيرَ نجوماً في سماءٍ ليلة

    بعد موتِنا لن نستطيع رؤيةَ الشراراتِ المنبعثةِ من حِمم اللافا

    بعد موتِنا لن يمكننا أن نحلمَ بهؤلاءِ الذين يحلمون بالشعر

    وكأنَّ الأمرَ أشبه بزجاجةٍ سحريةٍ ذاتِ مدخلٍ مُحبَّبٍ إلى النفس

    تدفعنا الهوامُ والبذورُ نصفَ المشقوقة

    إلى الحُلمِ بالشِّعر… أمَّا في كلماتٍ القصائدِ الكئيبة

    ثمةَ هناك الذين لا يرون ضوءَ الشمسِ بعدَ موتهم.

    شخص

    شخصٌ يحيا في لغتِه

    شخصٌ يحيا في مياهِه

    شخصٌ يحيا في ضوءِ النجومِ الساطع

    شخصٌ يحيا في قلوبٍ طيبةٍ لأشخاصٍ آخرين

    بَسَطتُ شباكَ الحكمةِ في الطريقِ لأحبائي

    وبالطبع يمكنني الحصولَ على طعامٍ رخيص

    لكن إذ أسكبُ اليودَ الحلوَ على كُمِّي

    يتهادى من بعيدٍ بحرُ دموع.

    إذ أُرافقُ صديقاً إلى الكنيسة

    ثمةَ ثلاثُ حيواتٍ لم تختبرها بعد

    ثمةَ ثلاثةُ طيورِ سنونو أمسكتُ بها في حجرتِك

    ثمةَ ثلاثةُ معتقداتٍ حفرتُها في الشجرة

    ثمةَ ثلاثةُ أنهارٍ لم يطأها إلَّا طرفُ قدمِك

    ثمةَ ثلاثةُ مراسمَ تُعقَد قربك

    ثمةَ ثلاثةُ أزمنةٍ تعبرها في حُلمِك

    ثمةَ ثلاثةُ قناديلَ أخمدتها الريحُ في حُجرتِك

    ثمةَ ثلاثُ نوافذَ تُفتَحُ وتُغلقُ في حياتِك

    ثمةَ ثلاثُمائةِ خيطِ ضوءٍ، تُفضي إلى دربِ الرب

    ثمةَ ثلاثةُ آلافِ حجرٍ، هي زهورٌ خفيةٌ عن أعين الناس

    ثمةَ ثلاثونَ ألفَ سهمٍ، تشيرُ إلى وجهةِ الموت

    ثمةَ ثلاثُمائةِ مليونَ سفينةٍ، غرقت واحدةٌ تلو الأخرى يومَ ولادتِك

    ما يُسَمُّونَه الحبَّ ما هو إلَّا سعادة

    وما يُسَمُّونَه الألمَ ما هو إلَّا خطأ

    الحَدّ

    أن أرى نفسي كتاباً، أمرٌ مستحيل

    والتحليقُ مستحيل.

    وأن أعيشَ داخلَ ثمرةِ جوزٍ، أمرٌ مستحيل.

    وجيتارٌ ذو ثلاثةِ أوتارٍ، يُمَنِّي بسعادةٍ ناقصةٍ، أمرٌ مستحيل.

    وأمرٌ مستحيلٌ أن أملأ الحقولَ بالألم.

    وأن أملكَ شغفاً، أمرٌ مستحيل.

    وأن أنسى الكلمات، أمرٌ مستحيل.

    وأن أبقى أمرٌ مستحيل.

    وأن أقضي الليلَ مع الرب، أمرٌ مستحيل.

    والموتُ مستحيل.

    في يومٍ ما

     في يومٍ ما، سأربح العالم

    في يومٍ ما، سأسترجعُ خسائري.

    في يومٍ ما، لن أتوقف عن قهرِ ماضيي.

    وأنتَ يا من احترمتني، لم تكن زائفاً

    لذا سأجعلُ من لحمي ودمي ذهباً، وطعاماً

    وأهديه إلى وقاركَ واتساعِ أفقِك

    ويا من أحببتموني، إنِّي لم أخذلكم

    رغم أن انتظاركَم، كان كئيباً وحائراً

    فإنَّ الحقيقة ستنجلي في يومٍ ما

    وسيُعَوَّضُ عن كلِّ قطرةِ عرقٍ

    مُرَّة.

    إلى نجمةِ الغسق

     ارتفعت نجمةُ الغسقِ من الأرضِ والبحر

    حيث كنتُ أقفُ أنا في نهايةِ العتمة

    وأرى الغسقَ يشبه تمثالاً أبيضَ عارياً

    أنا نجمةُ السماءِ الوحيدةِ اللامعة

    وفي تلك اللحظةِ الحرجة

    بدا وكأنَّني رأيتُ أمساً آخرَ للبشرية

    حين كان ثمةَ ثلاثةُ أشياءٍ تتقاتلُ فيما بينها:

    الغسقُ، الشيءُ الوحيدُ الذي يلمعُ في السماء

    النجومُ، فراشُ ابنةِ الليلِ الكئيب

    أنا، أنا الظلامُ الكامنُ في حياتي

    وفي تلك اللحظةِ الأخيرةِ، كان باستطاعتي أن احلم

    بهذه الأرضِ القاحلة، وآخرِ بذرة

    بهذا الزمنِ المُعلَّق، وآخرِ صوت

    وهذا العالمِ، وآخرِ ما فيه، نجمة الغسق.

    [التقديم والترجمة عن الصينية: يارا المصري]

     المصدر

  • ماهي الثقافة؟ .. حوارٌ مع تيري إيجلتون

    ترجمة وتقديم: لطفية الدليمي

    هذه ترجمة للحوار المهمّ الذي أجراه (ديفيد إيبوني David Ebony) مع تيري إيجلتون في 26 آب (أغسطس) 2016 ونُشِر في مطبوعة (Yale Books Unbound) التي تصدر عن جامعة ييل الأمريكية، ظهر الحوار بمناسبة صدور كتاب (الثقافة Culture) عن جامعة ييل عام 2016.
    يعمل ديفيد إيبوني في الوقت الحاضر محرّراً مساهماً لمجلّة (Art in America)، وهو مقيم في مدينة نيويورك الأمريكية ويعمل فيها، وقد أصدر عدداً من الكتب التي تتناول شؤوناً سياسية وثقافية عالمية مختلفة.

    ثمة الكثير في أخبار اليوم ممّا يشيرُ للثقافة : صراعات الثقافة، حروب الثقافة، الهوية الثقافية، النقاء الثقافي،،، الخ. يبدو معنى (الثقافة) مفهوماً متمدّداً ومطّاطاً ويمكن تطبيقه تقريباً على أيّ موقف أو تعبير أو جهد إنسانيّ. تيري إيجلتون : المنظّر الثقافيّ والناقد والفيلسوف البريطانيّ اللامع – والإشكاليّ أغلب الأمر – حاول من جانبه تقديم محاولات مثيرة لتعريف (الثقافة) أو في أقلّ تقدير المساعدة في تحديد معايير الثقافة وعناصرها ذات الدلالة المميزة.
    كتابُ إيجلتون الأحدث (الثقافة Culture) هو عمل غاية في الإشراق وباعث على الدهشة ويمكن فهم مضامينه من غير مشقات متطلبة، وتتماهى طريقة إيغلتون ومنهجيته في التعامل مع موضوعات كتابه هذا مع خصائص بعض أكثر الكُتّاب إثارة للفكر الخلّاق عند التعامل مع موضوعات يمتدّ نطاقها من الدين والإرهاب حتى إدموند برك Edmund Burke، أوسكار وايلد Oscar Wilde، تي. إس. إليوت T. S. Eliot، مونتي بايثون Monty Python. إنّ أطروحات إيغلتون الدقيقة والصارمة – والتي لاتعوزها روح الدعابة – بشأن الثقافة ستبدو مثيرة للمشاعر وبخاصة للأمريكيين في وقتنا الحاضر وحيث البلاد واقعة في لجّة انتخابات رئاسية غريبة الطابع تبعث المرارة في النفس (أجري الحوار قبل إجراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية وفوز ترامب، المترجمة) ؛ إذ نشهد في طور ما من تلك التحضيرات الإنتخابية إنحداراً ثقافياً موسوماً بمحاباة الأقربين الذين لايمتلكون من أسلحة إنتخابية سوى شكلٍ من أشكال الأيقونية الشائكة : هذه الانتخابات هي ببساطة جولة صراعيّة بين سطوة رجلٍ أبيض ذي جاه وإمتيازات وفّرها له المال بالضدّ من داعية مفترضة للحقوق النسوية الإجتماعية (واضح أنّ الإشارة هي إلى دونالد ترامب وهيلاري كلينتون، المترجمة).
    يتناول إيجلتون في كتابه هذا موضوعات الثقافة الجمعية والكيفية التي بات فيها التمييز بين الثقافة والمجتمع في السنوات الأخيرة غير محدّد الخصائص وعلى نحوٍ لايفتأ يتزايد يوماً بعد آخر. يكتب إيجلتون بهذا الشأن في كتابه (الثقافة) :

    إستحالت السياسة وعلى نحوٍ متزايد مسألة صورة، وشكل أيقونيّ، ومشهديات مُصمّمة لإمتاع الجموع…

    ثمّ يضيف قائلاً :

    التجارة والإنتاج باتت تعتمد أكثر فأكثر على التغليف، والتصميم، ومنح العلامات التجارية ذات الشهرة العالمية، والإعلان، والعلاقات العامة ؛ أمّا العلاقات الشخصية فصارت موضوعاً خاضعاً لوساطة النصوص والصور التقنية…

    إنتقادات إيجلتون للثقافة المعاصرة قد تكون لاذعة أحياناً ؛ لكنها ليست أبداً ساخرة أو باعثة على تشويش القارئ. يكتب إيغلتون في مكان آخر غير كتابه هذا فيقول :

    الثقافة يمكن أن تكون نموذجاً للكيفية التي نعيش بها، أو شكلاً من هيكلة الذات أو تحقيق الذات، أو ثمرة زمرة من أشكال الحياة المعيشة لجماعة كبرى من الناس، وقد تكون الثقافة نقداً للحاضر أو صورة للمستقبل…

    نشأ إيجلتون (المولود في سالفورد، بريطانيا، عام 1943) لأسرة كاثوليكية ينتمي الأب والأم فيها لجذور إيرلندية. عاش إيغلتون في دبلن وهو يقيم في إيرلندا الشمالية في الوقت الحاضر، وقد كتب بكثافة خلال العديد من السنوات بشأن السياسة والثقافة الإيرلندية. إستأنس إيجلتون في وقت مبكّر من نشاطه الثقافيّ الموضوعات الخاصة بالإشتراكية الإجتماعية، وصار محرّراً – وهو لمّا يزل طالباً شاباً – لمطبوعة (Slant) الدورية الكاثوليكية ذات التوجهات اليسارية المتطرفة. درس إيجلتون في جامعة أكسفورد وتطلّع للحصول على مهنة في حقل التعليم وظلّ هناك ناشطاً في السياسات اليسارية. مُنِح إيجلتون عام 2001 كرسي الأستاذية للنظرية الثقافية في جامعة مانشستر ؛ أما اليوم فهو أستاذ (بروفسور) للأدب الإنكليزي في جامعة لانكستر.
    يمكن إعتبار كتاب (الثقافة) من بعض الجوانب إستمرارية منطقية لكتاب إيجلتون السابق المنشور عام 2000 بعنوان (فكرة الثقافة The Idea of Culture)، وقد كان هذا الكتاب المدهش سبباً مباشراً جعل من إيجلتون واحداً من كُتّابي المفضّلين.
    الحـــــــوار
    ———-

    * كنتُ كتبتُ من قبلُ مراجعة لكتابك (فكرة الثقافة) عام 2000 في مطبوعة (Lacanian Ink) التي تُحرّرها (جوزفينا آيرزا) التي تكنّ إعجاباً عظيماً بأعمالك. قرنتُ في مراجعتي تلك كتابك مع الأعمال السرية للفنان البرازيلي العظيم (تونغا Tunga) الذي كان ينجز أعماله وسط جموع المشرّدين في ريو العاصمة.
    – نعم، نعم. رأيت مراجعتك تلك.

    * أتساءل بدءاً كيف تغيّر أو تطوّر مفهومك للثقافة منذ نشر كتابك (فكرة الثقافة)؟
    – لم أطالع كتابي (فكرة الثقافة) منذ فترة من الزمن، وقد قصدتُ عامداً أن لاأطّلع عليه في الوقت الذي كنت منهمكاً فيه بكتابة كتاب (الثقافة). أرى أنّ الثقافة باعتبارها الأرضية الخصبة التي تنشأ وسطها السلطة هي موضوعة لطالما تفكّرتُ فيها كثيراً وبخاصة عندما يختصّ الأمر بأدموند برك : رجل الدولة الإيرلندي والمنظّر السياسيّ الأشهر في القرن الثامن عشر. العلاقة بين الثقافة والسلطة السياسية موضوعة حيوية لم أكن قد تناولتها بكثير من التدقيق والتمحيص في كتابي الاوّل ؛ بل ولم أورد أية إشارة لِـ (برك) في مناقشات ذلك الكتاب.

    * أعتقد أنّ كتابك الجديد (الثقافة) هو أحد أكثر كتبك قدرة في بلوغ فهم القارئ وإثارة تفكيره، وبالإضافة لذلك فهو كتاب مُسلٍّ وهزلي في مواضع محدّدة منه. ثمة سطور كتبتَها في ذلك الكتاب هي جزءً حيوي من مناقشتك لموضوعة (الثقافة والطبيعة)، ومن بينها السطور التالية :

    من الطبيعيّ أن نقلق لسماع صوت صياح وحشيّ على حين غرّة وسط سكون الليل، مثلما هو طبيعيّ للغاية أن لايحبّ بعضنا راسل كرو.

    كم أنت مسكين راسل كرو!!
    – بالكاد أعرف من يكون راسل كرو!. أنا في العادة أشير لِـ (توم كروز) في سياق الموضوعات الثقافية التي أتناولها ؛ لكنّي إعتزمتُ هذه المرة أن أحلّ وثاقة بي وأمنحه فرصة استراحة قصيرة ليغيب فيها عن كتاباتي.

    * نقرأ في كتابك أيضاً السطور التالية :

    لايجد معظمنا إمتلاك طائرة خاصة أمراً لاغنى عنه للبقاء البشري ؛ ولكن قد يشكّك البعض في صحّة هذه الحقيقة بالنسبة لشخصية مثل (المغنّية العالمية) مادونا

    هل تتعمّدُ توظيف الفكاهة في عملك كوسيلة تدميرية لبعض المواضعات السائدة؟
    – أعتقد أنّ كتابي الأوّل في باكورة كتاباتي كان مفرطاً في تقمّص المهابة والجلالة وعلوّ الشأن الفكريّ ؛ غير أنّ الحقيقة هي أنني نشأتُ مع خلفية ثقافية إيرلندية يشيع فيها الكوميديون والممثلون والمسرحيّون وحيث حسّ الفكاهة حاضرٌ دوماً في تلك الثقافة، وقد تطلّب الأمر مني جهداً كبيراً لكي أتواءم مع التعليم الإنكليزي الذي دفنتُ نفسي فيه لسنوات كثيرة. عندما بلغت باكورة أواسط العمر إكتشفتُ الموهبة الكامنة في أن يُبقي المرء على حسّ الفكاهة حياً فيه وعلى الأقلّ في حالات الكتابة وإلقاء المحاضرات، وعرفتُ أنّ حسّ الفكاهة يمكن أن يحافظ على التجانس والطواعية في روح المرء ويجعلها أكثر قدرة على إدامة روح التواصل مع الآخرين. في واقع الأمر أنجزتُ للتوّ كتاباً عن الفكاهة سيكون أحد الكتب التي ستُنشَرُ عن مطبعة جامعة ييل ضمن سلسلة كتبي التي دأبت على نشرها، وقد أنجزتُ كتابة كتاب آخر عن المادية *. أعاني في الحقيقة من معضلة تتضادّ مع المعضلات السائدة لدى غيري : أنا أكتب بكثرة وكثافة بالمقارنة مع الآخرين، ولطالما تظاهرتُ – مدفوعاً بحيرتي وارتباكي – بأنني أعمل على إنجاز كتابٍ واحد بعينه في الوقت الذي أكون فيه منشغلاً بإنجاز ستة كتبٍ تنتظر في لائحة الإنجاز أمامي. كتاب (الفكاهة) سيرى النور قريباً.
    * بالنسبة لي فإنّ لمسات الفكاهة في كتابك كان لها أبلغ الأثر في بعث الإسترخاء في نفسي وجعلي أكثر تقبّلاً للمفاهيم التي طرحتها في كتابك والتي لطالما حفّت بها الكثير من الإشكاليات.
    – عندما تكتبُ كتاباً أو تلقي محاضرة فليس ثمة طريقة أكثر تأثيراً في روح المتلقّي من إضافة بعض الفكاهة في المادة التي تعمل عليها، كما أنّ هذه الفكاهة تمكّنك في الوقت ذاته من إستكشاف بعض الخفايا في موضوعاتك. بالنسبة للطلبة فإنّ عنصر التهويل حاضرٌ دوماً بأعلى المستويات، كما أنّ بعض الحاضرين في المحاضرات (وبعض القرّاء كذلك) يتهيّبون دوماً عندما يُواجهون بأفكار أو موضوعات جديدة. يمكن للفكاهة أن تمدّ يد العون دوماً.

    * تُشيرُ في كتابك (الثقافة) إلى كلود ليفي شتراوس Claude Levi-Strauss وعبارته العتيدة المذكورة في كتابه (مداريات حزينة Triste Tropiques :”أن يجعل فردٌ ما طريقته في العيش مفهومة للثقافات الأخرى يعني أن يتشرّب الفرد ذاته بطريقته الخاصة في العيش ويفهمها بطريقة أكثر إكتمالاً من ذي قبلُ.”. كيف تشعر بخاصة تجاه العلاقة بين الثقافة والأنثروبولوجيا؟
    – غدت الثقافة مفهوماً أنثروبولوجياً في القرن التاسع عشر، وأراه أمراً بالغ المشقة إذا ماحاولنا تفكيك روابط العلاقة الوثقى بين الأنثروبولوجيا والتراث الإستعماري. ثمة إحساس مشابه بأن مفردة (الثقافة) طالها التلوّث أيضاً وبخاصة من قبل التيارات القومية ذات التوجهات اليمينية. تبدو مفردة (الثقافة) وكأنها ظاهرة توحّد الكثير من الموضوعات تحت لوائها، والتي إذا ماوُضِعت بين الأيادي المسيئة فستتجاوز عن رؤية الكثير من مظاهر التنوّع والإختلافات وستستحيل ظاهرة شريرة وخطيرة. الثقافة، حالها حال الكثير من المفاهيم الجوهرية سواها، لها محدودياتها الخاصة.

    * لو وضعنا في حسباننا خلفيتك الكاثوليكية، كيف إنتهى بك الأمر مُقيماً في إيرلندا الشمالية؟
    – عشت في دبلن قرابة العشرين عاماً، وأقيم في إيرلندا الشمالية اليوم ببساطة لأنّ زوجتي تدرّس في جامعة ألستر. إيرلندا ظلّت دوماً حاضرة في عقلي متى ماأعملتُ تفكيري عميقاً في موضوعة (الثقافة). الثقافة – بالمعنى الأضيق وليس بالمعنى الانثروبولوجيّ الأعمّ – ربّما هي المادة الرئيسية التي تصدّرُها إيرلندا ؛ إذ أنّ إيرلندا بلد محايد، وليست عضواً في حلف شماليّ الأطلسيّ (الناتو)، كما أنّ الثقافة أمرٌ عظيم الأهمية في هذا البلد مثلما هو جوهريّ للإقتصاد الإيرلنديّ.
    أزاح مصطلح (المثاقفة Culturalism) في إيرلندا الشمالية، على كل حال، الموضوعات السياسية والإقتصادية وحلّ محلّها، وعلى الشاكلة التي وصفتُها في الكتاب، ومع وجود تقليدين ثقافيين (كاثوليكي وبروتستانتي) تصبح الثقافة هناك عنواناً لعقار مسكّن يحاول تجاهل التباينات الصارخة، وهي بهذا السياق تُخفي من المصائب بأكثر ممّا تكشف عنها وبما يجعل الثقافة أقرب لألعاب خفّة اليد في نهاية المطاف.
    أرى في الكتاب نوعاً من التحذير بشأن محاولة ضغط مفهوم الثقافة وتركيزه في محض توصيفات مشدّدة وبخاصة بعد أن صار أمراً عادياً للغاية النظر إلى الثقافة وتثمينها من وجهات نظر متباينة كثيراً ؛ لكن ينبغي في كلّ الأحوال أن يكون المرء متحوّطاً للمحدوديات الكامنة في مفهوم (الثقافة) ومدياتها، وهذا هو بالضبط جزءٌ ممّا حاولت جاهداً فعله في كتابي.

    * ذكرتَ في كتابك أنّ الثقافة إذا كانت أمراً يسمحُ لنا بالنماء والإزدهار فهي أيضاً”أمرٌ يجعل بعض النساء أو الرجال مدرّبين على قتل سواهم.”. هذه الأفكار، بالطبع، لها رنينها الخاص في أيّامنا هذه وبخاصة إذا ماوضعنا في حسباننا الهجمات الإرهابية الأخيرة في بروكسل، باريس، أورلاندو، نيس،،،،،، الخ.
    – أؤكّد هنا مرّة أخرى أنّه أمرُ نادرٌ أن يجري التأكيد على الجوانب السلبية للثقافة. يمكن أن تكون الثقافة أمراً أشدّ خطورة بكثير ممّا نعتقد، وهي أشدّ خطورة ممّا يدرك الناس ؛ ومع ذلك لم يزل ثمة من يفكّر في الثقافة بمفردات تخصّ باخ وبيتهوفن فحسب!.

    * إذن هل ترى الإرهاب ظاهرة ثقافية في المقام الأوّل؟
    – الإرهاب ظاهرة سياسية ؛ لكنّها تتقنّعُ بقناعٍ ثقافي أو ديني، وهي جزءٌ من من ضمور النسق الثقافي، وفي العادة يقدح شرارتها أناس من خارج ذلك النسق ؛ لكنّي أقول أنّ ظاهرة الإرهاب متجذّرة عند البعض بسبب مفاعيل القلق وليس الكراهية. القلق بالطبع يمكن أن يفضي إلى الكراهية وهو الأمر الذي يحصل في ظاهرة الإرهاب التي هي في نهاية المطاف آيديولوجيا قاتلة يتبنّاها هؤلاء الّذين يتملّكهم شعور طاغٍ بأن الركب قد سبقهم وتخلّى عنهم وجعلهم سقط متاعٍ مهانين يطوّقهم الإحساس بالإذلال وعدم القدرة على التصالح مع العالم.
    المعضلة الجوهرية في عالمنا اليوم هي أنّه بات مستقطباً بشدّة بين هؤلاء الذين يحملون أقلّ الإيمان في دواخلهم (نحو فكرة أو فعلٍ أو موضوع، المترجمة) وهؤلاء الذين يكتنزون إيماناً عظيماً نحو الأمور ذاتها. الأصوليون بالطبع هم بين أعضاء الفئة الثانية الذين يدّخرون إيماناً عظيماً في دواخلهم، ويعمل النسق العلمانيّ البراغماتي الغربي المتنوع الخصائص والأشكال على إذكاء نار الأصولية لدى هؤلاء، ومن ثمّ يُبدي الأصوليون ردّات فعلٍ تتمظهر في التشبّث بأنساقهم الإعتقادية الإرتكاسية العتيقة وإعلاء شأنها واعتبارها شكلاً من أشكال تأكيد الهوية المضادة، وكلّ طائفة من هؤلاء تدفع بالطوائف الأخرى نحو الزوايا المظلمة في لعبة هي أشبه بالممارسة الديالكتيكية الجامدة بين الطوائف المتناحرة.

    * تُرجِم هذا الكتاب إلى العربية ونشرته دار المدى عام 2017. (المترجمة)

    أودّ الإشارة هنا أنّ ترجمتي لكتاب (الثقافة) لتيري إيغلتون ستظهر في الأشهر الأولى من عام 2018 عن دار المدى.
    المترجمة

    ((المدى))