المدونة

  • دوريان لوكس – قصص عائلية

    دوريان لوكس – قصص عائلية

    كان لي صاحب حكى لي

    قصصاً عن عائلته، وكيف أن شجاراً

    كان يمكن أن ينتهي بأن يحمل أبوه

    كعكة عيد الميلاد المضاءة بكلتا يديه

    ويرشقها من نافذة الطابق الثاني. فكّرت

    أنه هكذا تكون العائلات الطبيعية: الغضب

    مرسلاً عبر النافذة ليحطّ في الأسفل كهدية

    تزيّن الرصيف.

    في عائلتي كانت ثمة القبضات والضربات المباشرة

    على المعدة، ولا أحد

    يسامح أحداً على الإطلاق، لكن في قصصه

    استطعت أن أصدّق أن الناس يحبّون بعضهم حقاً،

    حتى حين يصرخون

    ويركلون الأبواب بأرجلهم،

    أو يحملون كرسياً كزجاجة شمبانيا

    ويحطّمونه بالجدار،

    متشظّياً.

    قلت إنه غير مؤذ، ذلك الغضب

    الشغوف – المعقّد والمأسوي.

    قال إن هذه كانت لعنة

    أن يكون المرء كاثوليكياً من أصل إيطالي،

    وكان ذلك حين أطل وقتذاك من النافذة

    وكل ما رآه كان شيئاً يتحطّم بقسوة.

    أما ما رأيته فكان كعكة ميلاد رائعة

    من ثلاث طبقات تسقط منفتحة كزهرة

    على الرصيف، الشموع تتكسّر،

    أو تغوص عميقاً في الكريما، لكن كل شمعة

    ما تزال تضيء رافضة أن يطفئها

    شيء.

    *

    ترجمة:سامر أبوهواش

  • متى يمكننا الذهاب؟ – دوريان لوكس

    متى يمكننا الذهاب؟ – دوريان لوكس

    متى يمكننا الذهاب؟ الأغراض وضّبت في السيارة

    البرّاد محشور بين أكياس النوم

    وأطواق النجاة، والصحف والخرائط.

    لو يتوقّفان فقط عن الجدال، لو تسحب

    كلامها الذي أغضبه.

    أيمكننا الذهاب الآن؟ الأشياء وضّبت في السيارة،

    أخواتي الخمس يقفن على الشرفة الخلفية، متشابكات الأيدي،

    كنباتات في قدر، وهو يقول الآن (هراء)

    وهي تركل حذاءيها قائلة (إذا كان

    هذا ما تريده فهذا ما ستحصل عليه)، زوجة سمينة

    بنهدين مسطّحين وثمة دوماً من يرضع. هناك خفافيش

    في برج كنيستي، أوردة متسعة، والأولاد نائمون على الحُصر.

    متى يمكننا الذهاب؟ الأشياء موضّبة في السيارة،

    والآن ذهبت الطفلة إلى الحمّام

    بسروالها الداخلي، والكلب يلتقط القطة

    من رقبتها ويعبر بها فتحة

    في السياج المكسور. هو، نزع، غاضباً قبعة البايسبول،

    شعره مجدول إلى الخلف.

    يقول (إني راحل). أخرجوا الأغراض

    من السيارة. نستلقي جميعاً ونأخذ قيلولة.

    *

    نص: دوريان لوكس

    ترجمة: سامر أبوهواش

  • دوريان لوكس – أشباح

    دوريان لوكس – أشباح

    منتصف الليل وينزل مطر خفيف.

    أجلس على دَرَجات الشرفة الأمامية لأدخّن.

    عبر الشارع نافذة مضاءة، يملؤها

    سلّم يقف عليه شاب.

    رأسه ينخفض باتجاه إطار النافذة كل مرة

    يغمس فرشاته فيها بالطلاء.

    .

    إنه يطلي مطبخه بالأبيض، مغطّياً

    بأناة الأصفر الباهت بضربات طويلة.

    ينحني على عمله كعاشق، مخاطراً

    بفقدان التوازن، عائداً برشاقة

    إلى وسط الدَرَجة ليغمس فرشاته

    ويبدأ ثانية.

    .

    تظهر امرأة أسفل السلم، تستعير

    طلاء تغمّس به فرشاتها الرفيعة

    كلسان. كنزتها بلون

    الحامض. إنها بداية

    حبّهما، عار وبسيط

    كتلك الغرفة المبلّلة.

    .

    أشعر بوجع في وركي الجاثم على الإسمنت الرطب،

    أمضي به إلى الداخل، وآتيه بوسادة

    ليستريح. صرت عجوزاً

    على الجلوس على الشرفة تحت المطر، ومشاهدة الصباح

    يشرق على السطوح.

    .

    عجوز على الرقص

    في دوائر في حانات قذرة، يد رجل

    مشدودة على ظهري،

    صندل زهري يتدلّى من أصابع متعبة. الحب،

    كبرت كثيراً عليه، ألسنة الغرباء

    الطليقة في فمي، أسنانهم التي قرعت

    على نهديّ من الحلمتين كأجراس ناعمة.

    .

    أريد أن أستعيدها. الأقراط الحمراء والصدريّة

    الزرقاء. الشفتان المشبعتان لعاباً. العضلات

    التي تنفتل كحبال المراكب في رياح عاتية.

    وحيث البطون تصير وسائد. لا هذا الوجع في وركي.

    .

    أريد الفتاة التي تخترق مكاتب المراهنة الزرقاء

    من الدخان والبيرة الذهبية، ثم تخرج وحيدة

    إلى ضباب صيفي لتقف تحت هالة

    مصباح الشارع الكهرمانية، وراحتاها الزرقاوان

    مكوّرتان على شعلة عود الثقاب.

    .

    كان يمكنها أن تحظى بحيوات كثيرة. أن تفرّ مع

    فتى إلى أريزونا، أن تعيش في مزرعة

    تحت تموّجات من الصخر المنحوت، ويداها

    تصطبغان بلون الرمل الأحمر المسطّح. كان يمكن أن تقول

    بلى لامرأة بأصابع مستدقة الأطراف كالشموع،

    أو لرجل ينام في خيمة قماش، الذي طرحها

    على فرشته العشبية حيث جعلت

    نفسها فارغة كحلقة من النار.

    *

    ترجمة:سامر أبوهواش

  • دوريان لوكس – أوكلاهوما

    دوريان لوكس – أوكلاهوما

    يمكن أن أكون هناك الآن، أستخرج الذرة من قشورها الجافة،

    وأخزّن الطماطم السمينة في الجرار الزجاجية.

    توقف المطر. على امتداد الحي تنقّط البيوت

    كساعات تتكتك. أطفئ الأضواء

    وأتحسّس طريقي إلى غرفة النوم، أدسّ أصابع رجلي

    الباردة بين الشراشف الزهرية، ألقي بصدري

    على ظهر رجل ينام بالبيجاما،

    بذلته معلقة بثبات في الخزانة، حذاؤه

    المرهق متجه إلى السقف.

    .

    هذا الرجل يحبني لذكائي، ولجرأتي،

    وللطريقة التي تمتد فيها ساقي من التنانير المهدّبة.

    حين يطوي جسده على جسدي أعرف

    أنه يشعر بشخص آخر. لا ألومه.

    أحبه حتى وأنا أتذكر رجلاً

    بيدين خيزرانيتين، باطنهما زهري كبراعم

    تتفتّح على صدري.

    .

    ويحضنني،

    حتى مع كل تلك الأصابع الأخرى تتصارع

    في داخلي،

    حتى مع كل الأكتاف الأخرى

    الملتصقة بكتفيه كالأجنحة.

    *

    ترجمة:سامر أبوهواش

  • دوريان لوكس – وقود سريع الاشتعال

    دوريان لوكس – وقود سريع الاشتعال

    إلى ريتشارد

    *

    قبل عصر الخدمة الذاتية

    حين لم تكن مضطراً إلى أن تضخّ بنفسك حاجتك من الوقود،

    كنتُ الشخص الذي يقدّم لك هذه الخدمة،

    الفتاة التي تخرج حين يُقرع الجرس

    حاملة خرقة زرقاء، رافعة شعرها إلى الخلف

    على هيئة ذيل حصان مستقيم وبشع.

    كان هذا قبل القواطع الأوتوماتيكية

    والأختام البخارية، ومرة فيما كنت أملأ خزّاناً،

    ضربت فقاعة هواء محبوس وارتدّ الوقود

    إلى أعلى، منبجساً من الفتحة على شكل قوس

    في موجة ذهبية لامعة وغمرني السائل – وجهي،

    نهدي، بطني، ورجلي. وكان عليّ أن أهرع

    إلى الكُشك، إلى حمّام الموظّفين الصغير،

    المكسور قفله، لكي أغيّر بذلتي،

    أن أنزع عن جلدي الثوب المشبّع بالوقود

    وأغسل نفسي في المغطس.

    خفيفة الرأس، عارية، شعرت

    بالذهول والصفاء – كيف صقل

    الوقود الكهرماني جلدي، السّفع،

    الألم الخفي الناتج منه،

    الوجع واللمعان على جلدي الذي توهّج

    كزيت قوسقزحي على الرصيف.

    كنت في العشرين. وكنت، بعد بضعة أسابيع،

    سأغرم للمرة الأولى بذلك الرجل الذي ينتظر

    بصبر في مستقبلي كنبتة حمراء

    على الرصيف؛ ذلك النوع من الجمال

    الذي يتطلّب أن يُرى.

    كيف كان لي أن أعرف

    أن الأمر سيبدأ على هذا النحو:

    كل خلية من جسدي

    تشتعل بجمال خطير، الهواء حولي

    هالة ضوئية ستحملني

    عبر الأيام،

    وكيف حين وجدني بعد أسابيع،

    كان سيجدني على هذا النحو،

    امرأة عادية يمكن أن تشتعل فيها

    النيران، وليس عليه سوى

    أن يقترب مني ويلمسني.

    *

    ترجمة:سامر أبوهواش

  • دوريان لوكس – من أجل الغرباء

    دوريان لوكس – من أجل الغرباء

    أياً يكن الحزن ووزنه

    فنحن مجبرون على حمله.

    ننهض ونحشد قوتنا الدافعة،

    تلك القوة البليدة

    التي تقودنا عبر الحشود.

    ثم، وبحماسة شديدة، يدلّني فتى

    على وجهة السير. وتبقي سيدة الباب

    الزجاجي مفتوحاً وتنتظر بصبر

    لأعبر بجسدي الفارغ.

    يستمر هذا طوال اليوم، كل لطف

    يقود إلى الآخر، غريبٌ

    يغني للاأحد بينما أعبر

    الممر، الأشجار

    تتيح ثمارها، طفل

    معوّق يرفع عينيه اللوزيتين ويبتسم.

    على نحو ما يجدونني دائماً، ويبدو

    حتى إنهم ينتظرونني، مصمّمين على

    إبقائي بعيدة من نفسي، من الشيء الذي

    يناديني

    كما ناداهم مرة حتماً

    تلك الغواية بأن أقفز عن الحافة

    وأسقط بلا وزن، بعيداً

    من العالم.

    *

    ترجمة:سامر أبوهواش

  • دوريان لوكس – محاولة إنهاض الميت

    دوريان لوكس – محاولة إنهاض الميت

    انظرني. أنا الواقفة الآن على شرفة

    وسط أوريغون. ثمة أصدقاء داخل المنزل. هذا

    ليس منزلي، وأنت لا تعرفهم.

    إنهم يحتسون الخمرة ويغنون

    ويعزفون على الغيتارات. تحبُّ

    هذه الأغنية، أتذكر، (أوفيليا)

    ألواح خشب على النوافذ، بريد

    عند الباب. أهمسُ الأغنية معهم

    بحيث لا يحسبونني مجنونة.

    فهم لا يعرفونني جيداً،

    أين أنت الآن؟ أشعر بالحمق.

    أحادث الأشجار، ووريقاتها

    التي تتطاير في الهواء الأسود، أحادث النجوم

    التي تلتمع وتختفي على الظلال

    التي على هيئة قلوب، أحادث القمر

    نصف المضاء والقاحل، العالق كفأس

    بين الأغصان. أي شيء

    أنت الآن؟ هواء؟ ضباب؟ غبار؟ ضوء؟

    أي شيء؟ أعطني إشارة. عليّ أن أعرف

    إلى أين أرسل صوتي.

    اعطني اتجاهاً ما. هدفاً ما. حبي يحتاج

    إلى مكان ليستريح. قل شيئاً. كلّي إصغاء.

    إني جاهزة لأصدق حتّى الأكاذيب لا يهمّني.

    قل (شجيرة تحترق). قل (حجراً). لقد توقفوا

    عن الغناء وعليّ الذهاب حقاً.

    لذا قل لي، بسرعة. إنه نيسان. أنا

    في شارع سبرينغ. تلك سيارتي الرمادية

    التي على جانب الطريق. إنهم يضحكون

    ويرقصون. أحدهم سيأتي

    قريباً. إنني ألوّح.

    أعطني إشارة إذا كنت تستطيع رؤيتي.

    إنني الوحيدة هنا الجاثية على ركبتين.

    *

    ترجمة:سامر أبوهواش

  • دوريان لوكس – كيف ومتى

    دوريان لوكس – كيف ومتى

    ها أنتِ، مرهقة من ليلة أمضيتها باكية، مكوّمة على الكنبة،

    على الأرض، قرب السرير، وأي مكان تقعين عنده، تقعين باكية،

    نصف مندهشة مما يمكن الجسد فعله، معتقدة أنك لن تستطيعي

    البكاء أكثر. وها هي الأشياء، جورباه، قميصه، ملابسك التحتية

    وقفازاك الشتويان، كلها في كومة فضفاضة قرب باب الحمام،

    وتقعين ثانية. ذات يوم، بعد سنوات من الآن، ستكون الأشياء

    مختلفة، سيكون البيت، لمرة، نظيفاً، وكل شيء في مكانه، النوافذ

    تلمع، والشمس تدخل بسلاسة، منزلقة على لمعان الشمع

    على الأرضية الخشب. ستكونين هناك تقشّرين ليمونة أو تتفرّجين على طائر

    يطير من حافة سقف البيت المجاور، ملاحظة كيف

    لبرهة يقف جسده في الهواء، ثانية واحدة قبل أن يستجمع

    الإرادة ليرفع جناحيه إلى مستوى الطوق ثم يفعل ذلك:

    الطيران. ستكونين هناك تقرئين، ولبرهة ستكون هناك كلمة

    لا تفهمينها، كلمة بسيطة مثل (الآن) أو (ماذا) أو (هو)

    وستتفكّرين فيها ملياً كطفل يكتشف اللغة.

    ستقولين (هو) مراراً وتكراراً حتى يصبح لها معنى،

    وعندها تحين اللحظة التي تقولين فيها، للمرة الأولى، وبصوت مرتفع: (هو) ميت.

    (هو) لن يرجع. وستكون المرة الأولى التي تصدّقين فيها ذلك.

    *

    ترجمة:سامر أبوهواش

  • دوريان لوكس – مقبرة في وادي (هيرد)

    دوريان لوكس – مقبرة في وادي (هيرد)

    قبره مكسوّ بالفضلات ثانية،

    محارم مجعّدة، ملعقة بلاستيك، كوب

    نايلون أبيض مقلوب، أثر أحمر شفاه لامع

    على هيئة هلال على الحافة.

    أريد أن أوبّخها على الفوضى التي خلّفتها وراءها،

    العشب الذي سوّي بالأرض والعنب المسحوق،

    لكنني رأيتها تسير باتجاه الأشجار،

    جسدها الفارغ يتقلّص، وظلّها

    يتبعها. أنا الدخيلة هنا،

    لم آت لأندب جسداً محدّداً

    بل لأستريح تحت شجرة، أصابعي تتحسّس

    صفوف الرخام المتوهّج،

    ومنحدرات التلال التي تغطّيها الغيوم.

    دائماً أنتحي الزاوية نفسها،

    إلى جوار الشاهدة التي حفر عليها (أمي)،

    تاريخا الولادة والموت محفوران تفصل بينهما شرْطَة،

    شقّ وجيز وعميق كاستعارة للحياة.

    هل تهمسُ شيئاً، أتساءلُ، للذي

    تحبّه، أم ببساطة تأكل وتنام،

    راضية لساعة فوق سرير عظامه؟

    أظنّ أنها تأتي له بالبرتقال والأسرار،

    وبرباط يومها الممزّق والمعقود.

    ليس لدّي أحد على هذه التلال أتناول الغذاء معه.

    أنا مباركة. كل الذين أحبهم ما زالوا أحياء.

    أعرف أن الله غير موجود، لا حياة أخرى،

    لكن ثمة هذه الدعة، ملاك (*) الغرانيت

    بجناحيها المكسوين بالطحلب، والتي شيئاً فشيئاً

    صرت أحبّ وجهها، ابتسامتها الحزينة

    كذلك الحزن الذي نحسّه بعد الجنس،

    تلك الساعات القليلة الهاذية حين لا نحتاج إلى شيء

    سوى النَفس والجسد، بعد أن نحلّق عائدين

    إلى أنفسنا، إلى أجسادنا الثقيلة الناقصة،

    قبل أن يعاودنا ذلك الجوع الرهيب.

    ____________

    * تصورة الشاعر الماك بوصفه أنثى

    *

    ترجمة:سامر أبوهواش

  • دوريان لوكس – إذا كان هذا هو الفردوس

    دوريان لوكس – إذا كان هذا هو الفردوس

    (المرئي هو لغز العالم المرئي…)

    (أوسكار وايلد)

    *

    إذا كان هذا هو الفردوس: أشجار، قفير نحل،

    صخور. وهذا: قمر أجرد، شهب،

    شمس صغيرة. إذا في يديك

    كان هذا فردوساً: لحم حسّي،

    عظام خفية، عيناك

    تنفتحان، فلمَ علينا أن نتكلّم إذاً؟

    لم لا نصعد إلى كل يوم كالحيوانات

    التي هي نحن في الواقع ونمضي صامتين

    إلى أشغالنا الحقيقية: صيد

    الماء، والثمار، ولحم الفطر

    القليل، نتعثّر عابرين الأعشاب التي ترتفع إلى خصورنا

    بلا سبب، نجد ظلاً ونرتاح فيه،

    وأطرافنا ممدودة تحت السماء البلامعنى،

    نجد عطر العاشق

    ونتزاوج بوحشية. إذا كان هذا الفردوس

    وكل ما علينا فعله أن نولد ونحيا

    ونموت، فلمَ نلتقط العود أصلاً؟

    لمَ نرى العجلة في الصخرة؟

    لمَ نجلب معنا من الحقول المشتعلة

    وعاء مليئاً بالنار ونزعم أنه سحر؟

    *

    ترجمة:سامر أبوهواش

  • دوريان لوكس – Homecoming

    دوريان لوكس – Homecoming

    في مباراة كرة القدم في الثانوية، تحسّس

    الصبيان عضلاتهم الناشئة، ورطّبت البنات شفاههن

    بألسنة تفوح منها العلكة، أو الكراميل،

    أو القرفة. في تنانير المشجّعات التي يطوينها لتقصر

    يعدن إلى بيوتهن معاً، متمرّنات على الهتافات،

    وتبرز سيقانهن الطويلة العارية في العتمة.

    تحت أضواء الملعب المقبّب تقف فتاة

    في رداء الحفل المخملي إلى جوار السياج المعدني،

    وطوق من الزهور يتدلّى بين نهديها.

    أبوها الهزيل في بذلته القطن يتكئ على السياج. بينما

    تتحدّث والفتى تروح تخرج قدمها وتدخلها

    في خفّها الأبيض الجديد، وتمرّر أصابعها

    على خصلتها الفرنسية، وعلى قرطيها اللمّاعين.

    يمكن أن يكونا صاحبين في موعدهما الأول، هي

    حييّة بعض الشيء، هو محاولاً التأثير عليها

    بوقفته غير المبالية. هذه هي اللحظة

    التي ستتعلّم فيها ما ستحبّه: ليلة دافئة،

    إحساس النايلون بين فخذيها، الشعرات الناعمة

    على ذراعيها تنتصب حين تمر

    نسمة هواء عبر المدرّج، السيارات أُشعلت محرّكاتها

    استعداداً للانطلاق، رجل ينحني عليها،

    مشتماً الزهور التي حول عنقها.

    *

    ترجمة:سامر أبوهواش

  • دوريان لوكس – مشعل النيران

    دوريان لوكس – مشعل النيران

    إلى رايموند، ابن أختي

    *

    منذ الصباح وهو يشعل صندوقاً

    كاملاً من أعواد ثقاب (سايفواي)، تلك

    التي رسمت عليها وجوه الرؤساء

    بالأحمر والأزرق والأبيض.

    لا يرضيه عود واحد كل مرة.

    يحبّ أن يشكّ الرزمة كلها في المنفضة

    ويشعلها كلها دفعة واحدة، الشعلة على بعد

    أقل من إنش من أصابعه

    بينما يحترق آباء الأمة.

    لا تعنيه الديموقراطية،

    أو حتى الفوضوية، أو الرسالة التي

    داخل كل رزمة التي تعده بالالتحاق بمدرسة فنون

    بنصف الرسوم إذا ما أكمل رسم وجه امرأة

    وقام بإرسال الرسم. يحترق عنوان الشارع،

    والرمز البريدي ورقم الهاتف، وتواريخ ميلاد

    ووفاة الرؤساء،

    ووجه المرأة غير المكتمل. أخشى

    أن يفعل ذلك حين لا أكون متواجدة لأمنعه

    من إشعال الستائر والكنبة.

    يشعل عوداً بعد الآخر، محرقة صغيرة

    على طاولة المطبخ. أظن ينبغي أن أخبره

    حكاية بروميثيوس والنسر، وعن النيران

    الضارية التي تشتعل الآن في تلال أوريغون.

    أريد أن أقوم بما يفترض بي

    القيام به وأن أبث الخوف فيه، لكن وجهه

    يلمع، متوهجاً بالقوة،

    ولا أستطيع إبعاد ناظريّ عن الضوء.

    *

    ترجمة:سامر أبوهواش

  • دوريان لوكس – التخطيط للمستقبل

    دوريان لوكس – التخطيط للمستقبل

    لم أحلم أبداً بأن ابنتي ستبلغ السادسة عشرة

    إلى أن عادت إلى البيت ذات يوم بسيارة مليئة بالفتية

    والبالونات والطعام المكسيكي الجاهز

    وكعكة آيس كريم (باسكن روبنز) (*).

    بعد أشهر قليلة صار لها صاحب

    في قبعة بايسبول وسروال فضفاض وقرطين ذهبيين

    دائريين ورأس حليق. إنهما سعيدان.

    بعد دوام المدرسة ينجزان فروضهما معاً،

    ممدّدين على سريرها، والباب مفتوح

    إلى الحد المشروع.

    كل سؤال تاريخ ينجز يستحق

    قبلة. إنهما محرجان من الاسمين اللذين

    اخترعاهما لبعضيهما،

    من عذوبتيهما. أول المساء

    يشاهدان (أم. تي. في)، يخفضان الصوت ويخطّطان للمستقبل:

    الجامعة، ثم الزواج، ثم الأطفال،

    ما سيأخذانه معهما – كلبه،

    فأرها. أنا سعيدة من أجلهما، حتى مع أني أعرف

    ما سيحدث -ـ الهدية الأخيرة، القبلة

    الأخيرة، هي جاثمة على سريرها، يعميها

    وجعها الشخصي الواضح. ويمكنني أن أرى بوضوح

    اليوم الذي سترحل فيه، مفاتيح في علاقة،

    حقيبة ترتطم برجليها.

    وعندها يبدأ عمل الأمومة الحقيقي،

    مهمة الانتقال إلى كل صباح، برجاء.

    _____________

    * سلسلة متاجر أميركية معروفة

    *

    ترجمة:سامر أبوهواش

  • مُقتطفات من شِعر دوغين

    مُقتطفات من شِعر دوغين

    1

    منتصف الليل ، لا أمواج

    لا ريح ، القارب الفارغ

    مغمور بفيضان ضوءِ القمر..

    2

    طيور الماء تَذْهبُ وتَجيءُ

    لا تَتْركُ أثراً

    لا تتبع طريقاً ..

    3

    طيور الماء تَذْهبُ وتَجيءُ

    آثارها تَختفي

    لكنها لا تنسى أبداً طريقها …

    4

    لَنْ أَتوقّفَ

    عند ساقيةِ الوادي

    خوفا على ظِلّي

    أن يتدفق في العالمِ …

    *

    ترجمة: منير مزيد

  • ديلان توماس – القوة التي تدفع الزهرة

    القوة التي تدفع الزهر خلال السيقان الغضة

    تدفع عمري الأخضر، تلك التي تذرو جذور الشجر

    هي محطمتي.

    وأنا أعياني النطق أن أخبر الوردة العوجاء

    بأن شبابي تلويه حمى الشتاء نفسها

    .

    القوة التي تدفع المياه عبر الصخور

    تدفع دمائي القانية، تلك التي جفف النهيرات

    في مصابها تحيل جداولي إلي شمع.

    وأنا أعياني النطق أن أتفوه إلي عروقي

    كيف أنه عند الينبوع الجبلي نفسه الفم نفسه يرضع.

    .

    اليد التي تثير دوامات المياه في البرك

    تهز الرمال المتحركة، تلك التي تكبح جمح الريح الهبوب

    تشيد شراع كفني.

    وأنا أعياني النطق أن أخبر المشنوق

    كيف أنه من طينتي خلقت شجرة شاهقه..

    .

    حتى قمة الينبوع تلعق شفاه الزمان

    يقطر الحب ويتجمع، لكن الدم المراق

    سوف يشفي قروحها.

    وأنا أعياني النطق أن أخبر ريح الطقس

    كيف دق الزمان سرمديته عبر النجوم.

    وأنا أعياني النطق أن أخبر قبر العاشق

    كيف أنه على أوراق شَعري،

    تتهادي الدورة العوجاء نفسها.

    *

    ترجمة: محمد هاني عاطف

  • ديلان توماس – ريح أكتوبر

    خاصة حين تعاقب ريح أكتوبر

    بأصابعها الباردة خصلات شعري،

    مأسورا بالشمس السرطانية أسير علي نار

    وأطرح ظلا سرطانيا فوق الأرض،

    سامعا ضجيج الطيور علي شاطئ البحر،

    سامعا الغراب يسعل في غابات الشتاء،

    فإن قلبي المشغول الذي يرتجف كلما تّحّدٌّثّتْ

    يريق الدم المقطعي وينزف كلماتها.

    سجينا أيضا في برج الكلمات، ألحظ

    أشباحا في الأفق تثرثر لنساء كالأشجار

    يّسْرن، وصفوفا من أطفال يومئون

    كالنجوم في الحديقة.

    البعض يدعني أصنعك من حروف الزان اللينة،

    البعض من الأصوات السنديانية،

    من جذور أقاليم شائكة أسمعك أنغاما،

    البعض يدعني أصنعك من أحاديث المياه.

    من وراء آنية السرخس تخبرني الساعة

    المتهادية بكلمة الوقت، المعني العصبي

    يطير علي القرص القائم معلنا أفول النهار

    ومنذرا بالطقس العاصف ديك الرياح.

    البعض يدعني أصنعك من اشارات المرج

    العشب الناتئ الذي يخبرني بكل ما أعلم

    ينكسر مع الشتاء الزاحف كالدودة خلال العين.

    البعض يدعني أخبرك عن خطايا الغراب.

    خاصة حين تريد ريح أكتوبر

    (البعض يدعني أصنعك من تعازيم الخريف،

    من تل ويلز الصاخب عنكبوتي اللسان)

    أن تعاقب الأرض بقبضة من درنات،

    البعض يدعني أصنعك من كلمات لا قلب لها.

    أفْرِغّ القلب الذي و هو يلقي بسحره علي

    مسري الدم السيميائي أنذر بالغضب القادم.

    قرب شاطئ البحر اسمعي الطيور ذات المقاطع المظلمة.

    *

    ترجمة: محمد هاني عاطف

  • ديلان توماس – النور يبزغ حيث لا شمس تشرق

    النور يبزغ حيث لا شمس تشرق

    حيث لا بحر يجري، مياه القلب

    تدفع في تياراتها:

    وأشباح مفارقة تسطع رؤوسها كديدان متوهجة،

    أشياء النور

    تنفذ عبر اللحم حيث لا لحم يكسو العظم.

    شمعة في الحقوين

    تدفئ الشباب وبذرته وتحرق بذور الكهولة:

    حيث لا بذرة تثار،

    تتفتح ثمرة الإنسان وسط النجوم

    كثمرة تين متألقة

    حيث لا جسد ينمو، تبرز الشمعة شعرها.

    .

    الفجر يبزغ خلف العيون:

    من قطبي الجمجمة وأخمص القدمين ينساب

    الدم العاصف كالبحر:

    بلا سياج، بلا أوتاد، تنبجس آبار

    السماء إلي العمود

    كاشفة في بسمة زيت الدموع.

    .

    الليل يدور في المآقي

    كقمر مظلم، حد الأرضين:

    النهار يضيء العظم

    حيث لا يوجد برد، تخلع العواصف الهزيلة

    عباءاتها الشتوية،

    غشاء الربيع معلق من الجفون..

    .

    النور يبزغ علي الأنصبة السرية،

    علي رؤوس الفكر حيث تفوح رائحة الأفكار في المطر،

    حين يموت المنطق

    ينمو سر التراب خلال العيون

    ويقفز الدم في الشمس

    ويترنح الفجر فوق الحصص البائدة.

    *

    ترجمة: محمد هاني عاطف

  • ديلان توماس – هذا الرغيف الذي أكسر

    هذا الرغيف الذي أكسر كان يوما قمحا

    هذه الخمر كانت مغمورة في ثمرتها

    علي شجرة غريبة:

    الإنسان في النهار أو الرياح في الليل

    أسقطا سنابل القمح، أفسدا متعة الكروم.

    .

    مرة في هذه الخمر كان دم الصيف

    يسري في اللحم الذي زّيْن الكروم

    مرة في هذا الخبز

    كان القمح سعيدا في الريح:

    سحق الإنسان الشمس وهدم الريح.

    هذا اللحم الذي تكسر، هذا الدم الذي تريق

    مورثا العروق الآسي

    ما كانا سوي قمح وكروم

    ولدا من جذر الجسد وعصارته

    هي خمري التي تحتسيها، هي خبزي الذي تقضمه.

    عندما تري كل حواسي

    الخمس الريفية

    عندما تري كل حواسي الخمس الريفية

    ستنسي الأصابع إبهامات خضراء

    وخلال عين الهلال النباتية،

    وقشور النجوم الصغيرة ودائرة بروج قبضة اليد،

    سوف تلحظ كيف تقشٌّر الحب ويراه الشتاء في الصقيع،

    الآذان الهامسة سوف ترقب الحب وقد قرع طبول

    نسيم خامد وقوقعة إلي شاطئ صاخب.

    واللسان الفهدي يبكي مربوطا بالمقاطع

    لأن جراحه الأثيرة ضمدت بمرارة.

    أنفي تري أنفاسها تحترق كدغل.

    قلبي الوحيد والنبيل لديه شهود

    في كل بلاد الحب يتلمسون طريقهم يقظين

    وحين يلم النعاس الضرير بالحواس المستطلعة

    فالقلب إحساسي برغم غروب عيون خمس.

    *

    ترجمة: محمد هاني عاطف

  • بعد الجنازة – ديلان توماس

    في ذكري آن جونز

    *

    بعد الجنازة، تسابيح البغال، نهيقها،

    ألعوبة الرياح آذانها شكل الشراع، نعال مكتومة الحافر

    تدق سعيدة للقدم في قدم القبر الغليظة،

    إرخاء الستار علي الجفون، الأسنان المكللة بالسواد،

    العيون الباصقة، البرك الملحية في الأكمام،

    ضربة الصباح للجاروف موقظة النوم،

    تهز صبيا متوحدا يقطع رقبته

    في ظلمة التابوت وينزف أوراق شجيرات جافة،

    تدفع عظمة وحيدة إلي الإشراق في ثوب الدينونة،

    بعد عيد الزمان المحشو بالدموع والنباتات الشائكة

    في غرفة بها ثعلب محشو وسرخس بالي

    أقف أنا، لأجل هذه الذكري، وحيدا

    في الساعات العويلة مع الراحلة آن الحدباء

    والتي سقط مرة قلبها المحجب الينبوعي في برك موحلة

    حول عوالم ويلز الظامئة وأغرق كل شمس

    (رغم أن هذه الصورة تبدو لها شائهة مبالغ فيها

    مبالغة عمياء في سبيل الثناء، فإن موتها كان سقوطا هادئا

    فلم تكن تريدني أن أغرق في الفيضان المقدس

    لشهرة قلبها، ولسوف ترقد صامتة وخفيضة

    في غير حاجة إلي أي كاهن من جسدها المحطم).

    لكني أنا، شاعر آن فوق صرح مقام،

    أدعو كل البحار للصلاة إلي أن يسمع خرير فضائلها

    خشبية اللسان مثل عوامة ذات أجراس فوق الرؤوس المرتلة،

    أحني جدران الغابات السرخسية والثعلبية

    حتى يغني حبها ويتمايل عبر كنيسة سمراء،

    أبارك روحها المنحنية بطيور أربع كهيئة الصليب.

    كان جسدها خانعا كالحليب.. لكن هذا النصب الصاعد

    إلي السماء بصدره الجامح وجمجمته العملاقة المباركة

    قد نجحِتّ منها في غرفة رطبة النافذة

    في منزل شديد العويل في سنة عوجاء.

    أعرف أن يديها الناصعة المتجهمة خاشعة

    تقعي موثقة في رهبانية، أن ملابسها الرثة

    تهمس بكلمة واهنة، أن فطنتها حرثت خواء،

    أن قبضة وجهها علي ألم مستدير ماتت مسّمٌّرة.

    سبعون عاما من الحجر هو عمر تمثال آن المنحوت،

    تلك الأيادي المرمرية المغموسة بالغمام،

    هذا الجدل التذكاري للصوت وللإيماء وللترنيم المنحوت

    يعصف بي أبدا فوق قبرها

    حتى تنتفض الرئة المحشوة للثعلب صارخة للحب

    ويضع السرخس المتخايل بذوره علي العتبة الداكنة.

    *

    ترجمة: محمد هاني عاطف

  • ديلان توماس – أربع وعشرون سنة

    أربع وعشرون سنة تذكٌر الدموع بعيني

    (ادفنوا الموتى خشية أن يسيروا إلي القبر مجهدين)

    في حنايا المدخل الطبيعي أقعيت كخائط

    أخيط كفنا لرحلة

    في ضوء الشمس آكلة اللحوم.

    وإذ تسربلت للموت، بدأ اختيال الحس،

    وعروقي الحمراء متخمة بالنقود،

    في الاتجاه النهائي للبلدة الأولية

    أتقدم دوما مادام الأبد.

    *

    ترجمة: محمد هاني عاطف