المدونة

  • مُقتطفات من شِعر دوغين

    مُقتطفات من شِعر دوغين

    1

    منتصف الليل ، لا أمواج

    لا ريح ، القارب الفارغ

    مغمور بفيضان ضوءِ القمر..

    2

    طيور الماء تَذْهبُ وتَجيءُ

    لا تَتْركُ أثراً

    لا تتبع طريقاً ..

    3

    طيور الماء تَذْهبُ وتَجيءُ

    آثارها تَختفي

    لكنها لا تنسى أبداً طريقها …

    4

    لَنْ أَتوقّفَ

    عند ساقيةِ الوادي

    خوفا على ظِلّي

    أن يتدفق في العالمِ …

    *

    ترجمة: منير مزيد

  • ديلان توماس – القوة التي تدفع الزهرة

    القوة التي تدفع الزهر خلال السيقان الغضة

    تدفع عمري الأخضر، تلك التي تذرو جذور الشجر

    هي محطمتي.

    وأنا أعياني النطق أن أخبر الوردة العوجاء

    بأن شبابي تلويه حمى الشتاء نفسها

    .

    القوة التي تدفع المياه عبر الصخور

    تدفع دمائي القانية، تلك التي جفف النهيرات

    في مصابها تحيل جداولي إلي شمع.

    وأنا أعياني النطق أن أتفوه إلي عروقي

    كيف أنه عند الينبوع الجبلي نفسه الفم نفسه يرضع.

    .

    اليد التي تثير دوامات المياه في البرك

    تهز الرمال المتحركة، تلك التي تكبح جمح الريح الهبوب

    تشيد شراع كفني.

    وأنا أعياني النطق أن أخبر المشنوق

    كيف أنه من طينتي خلقت شجرة شاهقه..

    .

    حتى قمة الينبوع تلعق شفاه الزمان

    يقطر الحب ويتجمع، لكن الدم المراق

    سوف يشفي قروحها.

    وأنا أعياني النطق أن أخبر ريح الطقس

    كيف دق الزمان سرمديته عبر النجوم.

    وأنا أعياني النطق أن أخبر قبر العاشق

    كيف أنه على أوراق شَعري،

    تتهادي الدورة العوجاء نفسها.

    *

    ترجمة: محمد هاني عاطف

  • ديلان توماس – ريح أكتوبر

    خاصة حين تعاقب ريح أكتوبر

    بأصابعها الباردة خصلات شعري،

    مأسورا بالشمس السرطانية أسير علي نار

    وأطرح ظلا سرطانيا فوق الأرض،

    سامعا ضجيج الطيور علي شاطئ البحر،

    سامعا الغراب يسعل في غابات الشتاء،

    فإن قلبي المشغول الذي يرتجف كلما تّحّدٌّثّتْ

    يريق الدم المقطعي وينزف كلماتها.

    سجينا أيضا في برج الكلمات، ألحظ

    أشباحا في الأفق تثرثر لنساء كالأشجار

    يّسْرن، وصفوفا من أطفال يومئون

    كالنجوم في الحديقة.

    البعض يدعني أصنعك من حروف الزان اللينة،

    البعض من الأصوات السنديانية،

    من جذور أقاليم شائكة أسمعك أنغاما،

    البعض يدعني أصنعك من أحاديث المياه.

    من وراء آنية السرخس تخبرني الساعة

    المتهادية بكلمة الوقت، المعني العصبي

    يطير علي القرص القائم معلنا أفول النهار

    ومنذرا بالطقس العاصف ديك الرياح.

    البعض يدعني أصنعك من اشارات المرج

    العشب الناتئ الذي يخبرني بكل ما أعلم

    ينكسر مع الشتاء الزاحف كالدودة خلال العين.

    البعض يدعني أخبرك عن خطايا الغراب.

    خاصة حين تريد ريح أكتوبر

    (البعض يدعني أصنعك من تعازيم الخريف،

    من تل ويلز الصاخب عنكبوتي اللسان)

    أن تعاقب الأرض بقبضة من درنات،

    البعض يدعني أصنعك من كلمات لا قلب لها.

    أفْرِغّ القلب الذي و هو يلقي بسحره علي

    مسري الدم السيميائي أنذر بالغضب القادم.

    قرب شاطئ البحر اسمعي الطيور ذات المقاطع المظلمة.

    *

    ترجمة: محمد هاني عاطف

  • ديلان توماس – النور يبزغ حيث لا شمس تشرق

    النور يبزغ حيث لا شمس تشرق

    حيث لا بحر يجري، مياه القلب

    تدفع في تياراتها:

    وأشباح مفارقة تسطع رؤوسها كديدان متوهجة،

    أشياء النور

    تنفذ عبر اللحم حيث لا لحم يكسو العظم.

    شمعة في الحقوين

    تدفئ الشباب وبذرته وتحرق بذور الكهولة:

    حيث لا بذرة تثار،

    تتفتح ثمرة الإنسان وسط النجوم

    كثمرة تين متألقة

    حيث لا جسد ينمو، تبرز الشمعة شعرها.

    .

    الفجر يبزغ خلف العيون:

    من قطبي الجمجمة وأخمص القدمين ينساب

    الدم العاصف كالبحر:

    بلا سياج، بلا أوتاد، تنبجس آبار

    السماء إلي العمود

    كاشفة في بسمة زيت الدموع.

    .

    الليل يدور في المآقي

    كقمر مظلم، حد الأرضين:

    النهار يضيء العظم

    حيث لا يوجد برد، تخلع العواصف الهزيلة

    عباءاتها الشتوية،

    غشاء الربيع معلق من الجفون..

    .

    النور يبزغ علي الأنصبة السرية،

    علي رؤوس الفكر حيث تفوح رائحة الأفكار في المطر،

    حين يموت المنطق

    ينمو سر التراب خلال العيون

    ويقفز الدم في الشمس

    ويترنح الفجر فوق الحصص البائدة.

    *

    ترجمة: محمد هاني عاطف

  • ديلان توماس – هذا الرغيف الذي أكسر

    هذا الرغيف الذي أكسر كان يوما قمحا

    هذه الخمر كانت مغمورة في ثمرتها

    علي شجرة غريبة:

    الإنسان في النهار أو الرياح في الليل

    أسقطا سنابل القمح، أفسدا متعة الكروم.

    .

    مرة في هذه الخمر كان دم الصيف

    يسري في اللحم الذي زّيْن الكروم

    مرة في هذا الخبز

    كان القمح سعيدا في الريح:

    سحق الإنسان الشمس وهدم الريح.

    هذا اللحم الذي تكسر، هذا الدم الذي تريق

    مورثا العروق الآسي

    ما كانا سوي قمح وكروم

    ولدا من جذر الجسد وعصارته

    هي خمري التي تحتسيها، هي خبزي الذي تقضمه.

    عندما تري كل حواسي

    الخمس الريفية

    عندما تري كل حواسي الخمس الريفية

    ستنسي الأصابع إبهامات خضراء

    وخلال عين الهلال النباتية،

    وقشور النجوم الصغيرة ودائرة بروج قبضة اليد،

    سوف تلحظ كيف تقشٌّر الحب ويراه الشتاء في الصقيع،

    الآذان الهامسة سوف ترقب الحب وقد قرع طبول

    نسيم خامد وقوقعة إلي شاطئ صاخب.

    واللسان الفهدي يبكي مربوطا بالمقاطع

    لأن جراحه الأثيرة ضمدت بمرارة.

    أنفي تري أنفاسها تحترق كدغل.

    قلبي الوحيد والنبيل لديه شهود

    في كل بلاد الحب يتلمسون طريقهم يقظين

    وحين يلم النعاس الضرير بالحواس المستطلعة

    فالقلب إحساسي برغم غروب عيون خمس.

    *

    ترجمة: محمد هاني عاطف

  • بعد الجنازة – ديلان توماس

    في ذكري آن جونز

    *

    بعد الجنازة، تسابيح البغال، نهيقها،

    ألعوبة الرياح آذانها شكل الشراع، نعال مكتومة الحافر

    تدق سعيدة للقدم في قدم القبر الغليظة،

    إرخاء الستار علي الجفون، الأسنان المكللة بالسواد،

    العيون الباصقة، البرك الملحية في الأكمام،

    ضربة الصباح للجاروف موقظة النوم،

    تهز صبيا متوحدا يقطع رقبته

    في ظلمة التابوت وينزف أوراق شجيرات جافة،

    تدفع عظمة وحيدة إلي الإشراق في ثوب الدينونة،

    بعد عيد الزمان المحشو بالدموع والنباتات الشائكة

    في غرفة بها ثعلب محشو وسرخس بالي

    أقف أنا، لأجل هذه الذكري، وحيدا

    في الساعات العويلة مع الراحلة آن الحدباء

    والتي سقط مرة قلبها المحجب الينبوعي في برك موحلة

    حول عوالم ويلز الظامئة وأغرق كل شمس

    (رغم أن هذه الصورة تبدو لها شائهة مبالغ فيها

    مبالغة عمياء في سبيل الثناء، فإن موتها كان سقوطا هادئا

    فلم تكن تريدني أن أغرق في الفيضان المقدس

    لشهرة قلبها، ولسوف ترقد صامتة وخفيضة

    في غير حاجة إلي أي كاهن من جسدها المحطم).

    لكني أنا، شاعر آن فوق صرح مقام،

    أدعو كل البحار للصلاة إلي أن يسمع خرير فضائلها

    خشبية اللسان مثل عوامة ذات أجراس فوق الرؤوس المرتلة،

    أحني جدران الغابات السرخسية والثعلبية

    حتى يغني حبها ويتمايل عبر كنيسة سمراء،

    أبارك روحها المنحنية بطيور أربع كهيئة الصليب.

    كان جسدها خانعا كالحليب.. لكن هذا النصب الصاعد

    إلي السماء بصدره الجامح وجمجمته العملاقة المباركة

    قد نجحِتّ منها في غرفة رطبة النافذة

    في منزل شديد العويل في سنة عوجاء.

    أعرف أن يديها الناصعة المتجهمة خاشعة

    تقعي موثقة في رهبانية، أن ملابسها الرثة

    تهمس بكلمة واهنة، أن فطنتها حرثت خواء،

    أن قبضة وجهها علي ألم مستدير ماتت مسّمٌّرة.

    سبعون عاما من الحجر هو عمر تمثال آن المنحوت،

    تلك الأيادي المرمرية المغموسة بالغمام،

    هذا الجدل التذكاري للصوت وللإيماء وللترنيم المنحوت

    يعصف بي أبدا فوق قبرها

    حتى تنتفض الرئة المحشوة للثعلب صارخة للحب

    ويضع السرخس المتخايل بذوره علي العتبة الداكنة.

    *

    ترجمة: محمد هاني عاطف

  • ديلان توماس – أربع وعشرون سنة

    أربع وعشرون سنة تذكٌر الدموع بعيني

    (ادفنوا الموتى خشية أن يسيروا إلي القبر مجهدين)

    في حنايا المدخل الطبيعي أقعيت كخائط

    أخيط كفنا لرحلة

    في ضوء الشمس آكلة اللحوم.

    وإذ تسربلت للموت، بدأ اختيال الحس،

    وعروقي الحمراء متخمة بالنقود،

    في الاتجاه النهائي للبلدة الأولية

    أتقدم دوما مادام الأبد.

    *

    ترجمة: محمد هاني عاطف

  • ديلان توماس – قصيدة في أكتوبر

    كان عامي الثلاثون محلقا إلي السماء

    صحوت علي سماعي من الميناء والغابة المجاورة

    من المحار في البرك ومن الشاطئ الذي

    قدسه مالك الحزين

    الصباح يومئ

    مع ابتهالات المياه ودعاء النوارس والغربان

    وارتطام القوارب الشراعية بالجدار المنسوج كشبكة

    لذاتي أن تنشر خطاها

    تلك اللحظة

    في البلدة الهاجعة ما تزال وتقلع

    بدأ يوم ميلادي بطيور الماء

    وطيور الأشجار المجنحة تحلق باسمي

    فرق المزارع والخيول البيضاء

    ونهضت

    في خريف ماطر

    وسرت خارجا في وابل من كل أيامي

    كان المد عاليا ومالكا يغوص

    وأنا أتخذ طريقي عبر التخوم

    وكانت بوابات البلدة تغلق

    بينما البلدة تصحو.

    ربيع مليء بالقبرات في سحابة متدحرجة.

    وأحراش جانبي الطريق مترعة بالشحارير الصادحة

    وشمس أكتوبر

    *

    ترجمة: محمد هاني عاطف

  • ديلان توماس – صيفية

    علي كاهل التل؟

    كانت هنا أجواء أغرمت بها و مغنون عِذّاب

    يحلون فجأة في الصباح حيث كنت أهيم

    وأنصت للأمطار وهي تعصر الغمام

    الريح تهب باردة

    في الغابة شديدة الابتعاد تحتي.

    .

    مطر شاحب فوق الميناء المتضائل

    وفوق كنيسة بللها البحر حجم قوقعة

    تبدت قرونها وسط الرذاذ وقلعتها

    سمراء كطيور البوم

    لكن كل حدائق الربيع والصيف

    كانت يانعة في الحكايات الأسطورية

    وراء التخوم وتحت السحابة المليئة بالقبرات

    بعيدا هنالك كان ليوم ميلادي

    أن يدهشني بعجائبه

    لكن الطقس تقلب..

    استدارت بعيدا عن الريف السعيد

    وعبر أجواء أخري وسماء تتحول للزرقة

    تدفقت أعجوبة صيف جديدة

    تصحبها أشجار التفاح

    والكمثري والكوم الأحمر

    وفي وضوح شديد رأيت عند المنحني

    صباحات منسية لطفل كان يسير برفقة أمه

    عبر أمثولات

    ضوء الشمس

    ومعجزات الكنائس الخضراء،

    .

    وعبر حقول الطفولة المحكية مرتين

    حتي أحسست بدموعه تحرق وجنتي وبقلبه ينتفض بداخلي.

    تلك كانت الغابات والنهر والبحر

    حيث همس صبي

    في صيف الموتي المتصنت

    بحقيقة فرحة

    للأشجار والأحجار والأسماك في المياه..

    وظلت الأحجية

    تغرد في حيوية

    عبر المياه والطيور الصادحة.

    .

    بعيدا هنالك كان ليوم ميلادي أن يدهشني

    بعجائبه لكن الطقس تقلب.

    والفرحة الصادقة للطفل الذي مات منذ زمان بعيد

    كان عامي الثلاثون

    إلي السماء محلقا

    وقفت هناك ساعتها في ظهيرة الصيف

    رغم أن البلدة تحتي استلقت تحفها أوراق أكتوبر الدامية.

    آه عسي أن يظل صدق قلبي أنشودة

    علي هذا التل العالي في منعطف عام.

    *

    ترجمة: محمد هاني عاطف

  • ديلان توماس – طقس بعد غارة جوية

    1

    أّنْفسي

    أيها الحزاني

    احزنوا

    فوسط الشوارع احترقت حتي الموت الذي لا يتعجب

    طفلة عمرها ساعات قليلة

    وفمها الضاغط

    تفحم علي الثدي الأسود للقبر

    الذي حفرته الأم، وأحضانه ملأي بالنيران.

    .

    ابدأوا

    بالغناء

    غنوا

    الظلمات اشتعلت عائدة إلي البداية

    عندما أومأ اللسان المعقود في عماء،

    تحطم نجم

    داخل مئات أعوام الطفلة

    إحزنوا الآن أّنّفسْي، فالمعجزات لا تستطيع أن تعوضنا.

    .

    اغفروا

    لنا اغفروا

    امنحوا

    لنا موتكم ليتسنى لأّنفسي المؤمنة

    أن تقبض عليه في فيضْان عظيم

    حتي ينبجس الدم

    ويشدو الرماد مثل طائر

    بينما تتطاير الحبوب، بينما يكبر موتك، في حنايا قلبنا.

    .

    باكية

    موتك

    أبك

    ياطفلتي خلف الديك الصائح، بجوار الشارع الذي قزمته النيران نحن نشدو والبحر الطائر

    في الجسد المجرد.

    الحب هو الضوء الأخير المنطوق. آه من

    بذرة الأبناء المتروكة في حقو القشرة السوداء.

    2

    لاأدري أيٌ منهم

    آدم أم حواء، الثور المقدس المؤدان

    أم النعجة البيضاء الصغيرة

    أّم العذراء المصطفاة

    تفترش ثلوجها

    علي مذبح لندن؟

    لا أدري أيٌ منهم مات أولا

    في فحم الجمجمة الصغيرة،

    آه.. العريس والعروس

    آه.. آدم وحواء معا

    مستلقين في الهدأة

    تحت الصدد الحزين لشاهد قبر

    أبيض مثل هيكل

    جنات عدن.

    أعرف أن أسطورة

    آدم وحواء مالها أن تصمت لثانية

    واحدة في صلاتي

    علي هؤلاء الموتي الصغار

    علي تلك الصغيرة

    التي كانت الكاهن وخدمه،

    الكلمة والمرنمين واللسان

    في فحم الجمجمة الصغيرة

    التي كانت سدول ليل

    الحية وتفاحة تشبه الشمس،

    رجل وامرأة ما اكتملا

    بداية تحطمت عائدة إلي الظلام

    مجردة مثل حضانات

    جنة البرية.

    3

    داخل أنابيب الأرغن والأبراج المستدقة للكاتدرائيات المنيرة،

    داخل الأفواه الذائبة لديك الطقس

    يتموج في دوائر الرياح الإثنتي عشرة،

    داخل الساعة الميتة تحرق الوقت

    فوق آنية أيام السبت

    فوق أخدود الفجر الدائر

    فوق خيمة الشمس وحارة اللهيب

    والأرصفة الذهبية الممدودة في الترانيم

    داخل مراجل التماثيل

    داخل الخبز في حقل قمح من لهب

    داخل النبيذ المحترق كالبراندي،

    حشود البحر

    حشود البحر تحتنا

    حشود البحر جالبة الأطفال

    تثور براكينها، تفور، وتدخل لتردد إلي الأبد

    المجد المجد المجد

    لمملكة رعد التكوين القصوى المشطورة.

    *

    ترجمة: محمد هاني عاطف

  • ديلان توماس – فوق تل السير جون

    فوق تل السير جون

    مازال الصقر الناري معلقا.

    فوق خيمة مرفوعة، عند هبوط الغسق،

    يسحب لمخلبيه ومشنقته،

    فوق أشعة عينيه، صغار طيور الخليج

    وعراك العصافير الطفولي الصاخب

    وأولئك الذين يشدون شدوهم الأخير، غسقا،

    في سياج شجر متشاحن، وفي مرح يتصايحون

    إلي منصة الشنق النارية فوق تشابك الدردار

    حتي يهوي الصقر بحبله الشانق كالومض

    ومالك الحزين بخطوه القدسي الشامخ يتصيد

    أسفل نهر الطاوي و في بطء يحني شاهد ضريحه المائل.

    .

    كالومض، والريشات تتقصف

    وتل السير جون العادل يرتدي قبعة

    من غربان سود، والطيور المخدوعة

    تهرول ثانية نحو الصقر الناري،

    بارتفاع حبل المشنقة، فوق زعانف

    نهر الطاوي، في دويٌ من الريح.

    هنالك، حيث الطائر الصياد الحزين يطعن ويجدف

    في الماء الضحل والبردي المليء بالحصى والأسماك

    يصيح الصقر العالي ‘ياللروعة ياللروعة،

    تعالوا إلي حتفكم’.

    افتح صفحات الماء علي فقرة من مزامير وظلال

    بين سرطانات الرمل الواثبة ذات الكّلاٌبات.

    وفي صّدّفّة أقرأ الموت واضحا كجرس الطافية

    المجد كله للصقر الناري في الغسق الصقريٌ العين

    عندما يتدلي فتيله الأفعواني

    منعقدا باللهيب تحت جناح من جمر

    وبوركت الفراخ الفتية الخضراء في الخليج والآجام،

    في صياحها’ ياللروعة ياللروعة!

    هلموا دعونا نلاق حتفنا’.

    يملؤنا الشجن علي الطيور المرحة

    وهي تغادر بلا رجعة الدردار والحصى،

    مالك الحزين وأنا،

    أنا يعسوب الفتي أروي الخرافات حتي ساعات

    الليل الأولي بجوار وادي الأنقليس الظليل،

    .

    والقديس مالك يرتل في وهدة الميناء البللوري البعيد

    المرصع بالأصداف حيث حصى البحر يقلع،

    وموانئ المياه حيث ترقص الجدران

    وتسير الكراكي البيضاء علي سيقان كالعصي.

    إنه مالك الحزين وأنا، تحت تل السير جون القاضي

    والحاف بأشجار الدردار

    نحّدث عن ذنب الطيور الضالة المشيع بالنواقيس

    ليرحمها الله لأجل صدورها المغردة

    وليحفظها الله في صمت زوبعته

    هو من يمنح العصافير تحاياها

    من أجل غناء أرواحها.

    علي الحافة المعشوشبة الآن يأسي مالك الحزين.

    أري مالكا من خلال نوافذ الغسق والماء يميل

    ويهمس عاكسا صورته ذاهبا للصيد في مجري نهر الطاوي

    بينما يغمر الثلج ريشه المنكوش

    لا شيء سوي نعيب بومة مكتوم

    ورقة عشب تحملها الريح إلي كفين مكورتين،

    في الأشجار السليبة،

    ومامن صوت يسمع الآن لصياح الديكة الخضر أو الدجاج

    فوق تل السير جون.

    في أرض الأمواج الضحلة الحرشفية كاحلاه

    ينظم مالك الحزين كل الأنغام.

    وأنا من يسمع لحن النهر المتهادي لابسا ثوب الحداد

    أنقش قبل ولوج الليل تلك النغمات

    فوق هذه الصخرة التي يؤرجحها الزمن

    إكراما لأرواح الطيور الذبيحة المقلعة.

    .

    لا تمض بيسر

    في هذا الليل الآسر

    .

    لا تمضي بيسر في هذا الليل الآسر

    فالعمر الطاعن يجب أن يشتعل ويصخب عند انتهاء النهار

    فثر.. ثر.. لانحسار الضياء.

    .

    الحكماء قرب النهاية يعرفون أن الظلام حق

    لأن كلماتهم لم تثر البروق لكنهم

    لا يمضون بيسر في هذا الليل الآسر.

    .

    الأخيار إذ تغمرهم الموجة الأخيرة يأسون علي البهاء

    الذي كان لأعمالهم الواهية أن ترقص به في خليج أخضر

    يثورون.. يثورون لانحسار الضياء.

    .

    الجامحون الذين أمسكوا بالشمس وشّدّوْا لها في انطلاقها

    وعرفو أخيرا أنهم أحزنوها علي دربها

    لا يمضون بيسر في هذا الليل الآسر.

    .

    العقلاء الذين يرون قرب الموت ببصائر غاشية

    أن عيونا عمياء يمكن أن تلمع كالشهب وأن تمرح، هؤلاء

    يثورون .. يثورون لانحسار الضياء.

    .

    وأنت.. يا أبي.. هناك فوق القمة الحزينة

    العّنٌِي.. باركني.. الآن بدموعك الملتهبة.. أتوسل،

    لا تمض بيسر في هذا الليل الآسر.

    ثر.. ثر.. لخمود الضوء الغامر.

    *

    ترجمة: محمد هاني عاطف

  • ديلان توماس – في صناعتي أو فني المشؤوم

    في نتاجي، أو قل في فني المشؤوم

    تمرست بالليل الهادئ

    حين لا يثور غير القمر

    ويستلقي العشاق على أسرتهم

    يلفون بسواعدهم كل أحزانهم.

    أنني أعمل في الضوء المفرد.

    لا أرمي من وراء ذلك إلى طموح أو خبز.

    أو غطرسة أو صناعة طلاسم

    على

    المسارح

    العاجية.

    ولكن لأظفر بأجري المعتاد.

    أنتزعه من أدق أسرار قلوبهم.

    أنا لا أكتب للإنسان المتكبر البعيد عن القمر

    الثائر على هذه الصفحات المتناثرة.

    لا أكتب

    للموتى

    المتشامخين

    بعنادهم وتراتيلهم.

    ولكنني أكتب للمحبين،

    لسواعدهم التي تحيط

    بآلام الأجيال.

    المحبين الذين لا يدفعون

    لي أجراً ولا ثناء

    ولا يبالون

    بصناعتي

    أو فني.

    *

    ترجمة: ناديه الياس

  • ديلان توماس – ولن يتسلط عليهم الموت بعد

    ولن يتسلط عليهم الموت بعد.

    رجال عراة أموات يصيرون واحداً

    مع الرجل بالريح وبقمر الغرب

    حينما تقتطف عظامهم وجُمَّ ما نُظف يضيع

    مرفق وأخمص _ قدم يتحلون نجوماًً.

    وإن يعتهون, عاقل هو كيانهم

    يعودون فيصعدون رغم غرقهم بأغوار البحر

    ورغم ضياع الأحبة لا يضيع حبهم

    وبالتالي لن يتسلط عليهم الموت بعد.

    .

    وبالتالي لن يتسلط عليهم الموت بعد.

    أسرى في متاهات البحر

    ممددين لا يُحّمَلون بالرياح إلى موتهم

    يلتوون ممزقي الأوردة على الكِسَر

    الإيمان ينفلق بأيديهم إلى شطرين

    وإصابات أحادي القرن تخترق جسدهم

    نواحيهم تهتريء فلا يتخللها شق

    وبالتالي لن يتسلط عليهم الموت بعد.

    .

    وبالتالي لن يتسلط عليهم الموت بعد.

    وبعد لن تنادي بمسامعهم النوارس

    إلى حيث انتشل لن يعود الزهر

    لينصب رأسه أمام سياط المطر

    بلا وعي أموات الحجر لكنهم رؤوس حروف

    بالعنفوان تشق طريقاً بهياً

    يميلون إلى الشمس إلى أن تميل الشمس

    ولن يتسلط عليهم الموت بعد.

    *

    ترجمة: فرج بصلو

  • ديلان توماس – اليد التي مضت على الوثيقة

    اليد التي مضت على الوثيقة اجتزت مدينة

    خمس أصابع حاكمة أتت بنفسها الهلاك

    ضاعفت البسيطة الموتى, أنتصفت المملكة

    خمسة سلاطين أتت بالمنى على سلطان الهلاك

    .

    اليد العظيمة تسير إلى كتف ساقطة

    مفاصل الأصابع مدموغة بالطباشور

    ريشة أوزة أنهت المذبحة

    التي أنهت الحديث.

    .

    اليد التي على العقد أنجبت حمّى

    والجوع تصاعد والجراد حطَّ

    عظيمة هي اليد المتحكمة بالإنسان

    بقوة إسم مخربش…

    .

    الملوك الخمسة يحصون الموتى فلا يليينون

    القرح, يدهم لا تعطف على الجبين

    يد حاكمة بالعطف كحكم يد بالغمام

    وليس للأيادي رذاذاً من الدمع

    *

    ترجمة: فرج بصلو

  • ديلان توماس – الهواء الذي ستتنفسين

    الهواء الذي ستتنفسين يخترق الحدود

    حلْقي علمتُ إنه تلافيف الرقبة

    عدوي شعركِ لا يتحرك

    من قوة قبلتي

    ايضاً قوس-الغمام ساقكِ ليس مهيئة

    لعشق الثور المجنح

    لذا لا تختلسيها أيتها الريح ذي الساق المشعرة

    أتركيها ولكن إحترميها

    فإن عشقتها الآلهة

    ستراها بعيون كالتي تخصني

    لكنها لا تستطيع مثلي لمس

    حلاوة فخذكِ المثيرة

    وشعر الغراب الذي تملكينه.

    *

    ترجمة: فرج بصلو

  • ديلان توماس – ها هنا في هذا الربيع

    ها هنا في هذا الربيع, تطفو نجوم العِدَمْ

    ها هنا في هذا الشتاء المكلل

    الطقس عاري وماطر بشدة

    فهذا الصيف طير الربيع أعدمْ.

    .

    فعندما رموزاً مختارة متمهلة أدارت

    حلقة شواطيء أربعة فصول السنة

    نار ثلاثة فصول تُدّرس في الخريف

    وأنغام عصفور أربعة.

    .

    عليَّ تشخيص الصيف بالشجر, السرءُ

    يشخص عواصف الشتاء, ربما

    أو جنازة الشمس

    عن صوت الوقواق بالربيع أدري

    والحلزون يعلمني ما هو الخراب.

    .

    اليرقة تشير للصيف أحسن من الساعة

    الحلزون _ روزنامة حية للأيام

    ماذا تقول لي حشرة لا زمان لها

    أتقول إن حياة الدنيا تتلف؟

    *

    ترجمة: فرج بصلو

  • دانييل فالب – سيّارات

    سيّارات ب إم دبليو المقلوبة، الوصف الدّقيق للخسارة الماديّة

    في النّور اليوميّ و

    هكذا الكثير من السّياحة؛ رأيت عضلات في كلّ مكان وخلال الملامح

    نافذا عبرها رأيتُ البحرَ. لعدّة أيّام كانت “تينا” تدير الحفل

    ثمّ

    غابت فجأة والجميع حدسوا شيئا ما. في غرفة الفندق

    كان يوجد تلفزيون الكابل، تفرّجنا على نشرة الأخبار، الإرهابيّون كانوا

    بالفعل مصنَّعين جيّدا.

    *

    ترجمة: عبد الرحمن عفيف

  • دريك والكوت – الأنشودة السابعة

    تخيل! الى حين تكون الرمال الآن، تزحف حمم

    الخرسانة العسكرية، وتندي كل الدروب دموع اكتئاب شديد

    لإرادة الناس، ويجلب الاستبداد

    على المستعمرات هذا التقلب في الجو. وينشب شيطان جديد

    مخالبه البرونزية فوق الحدائق العامة، بينما يستمر انعقاد مجلس العصافير في تنظيم صفوفه على الإدراك

    لجدولة أعماله المعتادة، ولا يزال بمقدور ثلاثة رجال أن يتجادلوا

    بجوار إشارة مرور تتغير ألوانها، ولكن تبدو الشوارع أكثر خلواً

    والحلق جافاً. تخيل الهستيريا المنهكة من الإعلانات المستنزفة، ولاحظ كيف تملأ كل الإعلانات المبتذلة

    نظام الحكومة. وعندئذ ربما ستقول: نعم، ولكن هنا جبال،

    ومقاعد في المتنزهات، ونافورات تنثر الماء، وفرقة نحاسية

    تعزف أيام الآحاد،

    وهنا لا يزال الخباز يمارس بتصرف خاص حرفة والده، حتى يشرق صباح أحد الأيام وتلاحظ

    أن الرجال الثلاثة أصبحوا يتحدثون بصوت خافت، وأن الأمهات ينادين

    من نوافذ خاصة على أطفالهن ليعودا الى المنازل،

    وأن أصغر كتيّب مختوم بنجمة واحدة.

    وعندئذ تبدو الأيام أطول، ويتشبه الناس بسياراتهم

    الرمادية اللون مثل أزيائهم. وفي العيد الألفي ينام معظم الرجال في الليل وأعينهم متجهة قبالة الحائط.

    *

    ترجمة: نزار عوني

    من ديوان: (منتصف صيف)

  • دريك والكوت – الأنشودة الرابعة

    وهذا الميناء الاسباني، القرصاني التنوع ذو الفنار أحادية العين، وهذا البحر الضوضائي الملعون، وهذا المرفأ المصفر الباهت، المغطى بالسخام، يقدم

    عبر الشرفات البيضاء ذات الحديد المشغول مشهد للقرن التاسع عشر. ويمكن أن نتطلع في ملامحه الى القسمات الافريقية في كل لحظة ـ فأسقفه المغطاة ساخنة كالمقالي

    تتبلها الصرخات، وما بين عربات الوجبات السريعة

    لا يستطيع المسلمون الملحقون كالملائكة أن يسكنوها.

    وفي لفحة الظهيرة يصبح أحد المطالب

    هو عجلات التجديف بصدئها وصراخها الببغائي،

    تصفر عندما تستدير، والسيد كريتز (1) عن الأبرار.

    فلتنتظرن على الضفة اليمنى في الحلم الامبراطوري

    لنهر التايمز وليس لنهر الكونغو. ومن الأشرعة التي تحتضنها الجزيرة الصغيرة

    في حوض السفينة الشراعية الى الواجهات ذات الألواح الزجاجية

    لفندق “هوليداي إن” خطوة واحدة، ومن الفاقة الى الجشع

    عبر النهر المكتظ بالمرور الدائري

    خطوات أخرى قليلة. وليس لدى العالم وقت ليتغير

    الى زي الاستقبال المزركش من لباس الخصر الافريقي

    لذلك، عندما تسدل المتاجر الستائر مثل الامبراطورية المضمحلة

    وتخبو حركة البنوك مثل قمم مملكة الكش الهندوسية،

    تهب ريح خفية، مصممة مثل جامع القمامة على الإلقاء بالفضلات

    في البالوعات. ومن العسير أن نغمض العين عن صورة

    الماضي لأعمدة النور تلقي بأفرعها فوق شوارعها المسيجة،

    بينما المساحات العامة قد شققتها بذور أدغالها الغاضبة.

    *

    ترجمة: نزار عوني

    من ديوان: (منتصف صيف)

  • ديوان “نحتاج بعثًا كي نعود” للشـاعرة جيلان زيدان

    قراءة: مؤمن سمير

    لا أظن أن هدف الشاعرة “جيلان زيدان” الوحيد من إصدار ديوانها الجديد” نحتاج بعثاً كي نعود” في طبعة الكترونية هو التغلب على تأخر النشر في المؤسسات الحكومية وعلى طمع أصحاب الدور الخاصة ولكني أراها أيضاً تود أن تُصدر ديوانها بالشكل الذي يروق لها وفي الميعاد الذي تحدده هي وأن ترسله للمتلقين كهدية بسيطة تليق بوحيد يبحث عن بصيرة صديق يقترب من حزنه ويحكي مع قلبه..

    لا يمكن كذلك تجاهل “الحرية” كهدف بدأ، ربما، منذ اختارت قالب “قصيدة النثر” المنفتح والمتسع والهارب من أي رقابة سابقة على النص..حريتها في الكتابة وحريتها في النشر وكذلك في الابتعاد عن الطريقة المعتادة في دنيا صناعة الدواوين.. تنثر جيلان أسئلتها الحارقة منذ النص الأول “سحابة مزاجية في رأس السنة” الذي تكشف وتقرأ معنا فيه البطاقة النحاسية المحفور عليها أن الميتين هم الأحياء في الحقيقة ثم يقابلك عنوان النص التالي” أين تكمن الحقيقة” ليتأكد عندك الإحساس بأن هذه الذات قلقة لا تملك يقيناً ولا حائطاً تستند إلى ظلاله ،لا تطمئن للظاهر والمستقر وتحفر طول الوقت ليتقشر الصدأ الذي نعاني من وطأته ولم نكن بالضرورة سبباً في استفحاله.

    تقدم جيلان شعرية متوترة تبدأ من ملاحظة الظواهر الخارجية والعلاقات المتناثرة في الشوارع وعلى المقاهي وتربطها بذاكرتها التي تخونها هي الأخرى أحياناً وتتحول من سخونة الحياة إلى برودة الموت وعدم الرغبة..لا ترى فرقاً بين قيم بسيطة أو معقدة ولا ألفاظ دارجة وأخرى فخمة فالمشهد والذاكرة والرؤية هو جماع هؤلاء و الفروق والفواصل بالأحرى مصنوعة..إنها تقدم ما يشبه الاعترافات الشعرية المنفتحة التي تصنع مجازات كلية هي النصوص بذاتها وتتساءل” من أين نبدأ الحديث؟”، مع الذات أو مع الآخر أو حتى مع المطلق وتقرر أن الخوف لا عتبة له ولا مدخل ثابتاً ومعروفاً لأذرعه الطويلة وإنما يتعدد بتعدد أشكال ومظاهر تورطنا في لعبة الحياة ..تلك التي لا تمنحنا سوى الغربة التي تتسلل من باب الشقة وتحتل منا الروح.، ليمضي الوقت في الرهان على انبعاث الحياة من القصاصات والصور لكنَّ هذا التأمل الممزوج بالأمل لا يفضي عادةً إلا إلى العدمية التي تتساءل عن جدوى الكتابة وتدبيج النصوص وعن فائدة الذاكرة الممتلئة بالأرواح والأحلام والأصوات المضللة..وهكذا .. فكلما افترسنا الوقت سنحتاج بعثاً كي نعود إلى مرايانا وإلى ذواتنا وملامحنا المبعثرة في ملامح الآخرين.

    يمكنكم تحميل الديوان >> من هنا