المدونة

  • تشيسلاف ميلوش – وداعاً

    أتحدث اليك، يا بني،

    بعد سنوات من الصمت. لم تعد هناك فيرونا.

    لقد فتّتُّ غبار قرميدها في أصابعي. هذا ما يتبقى من حب المدن الأصلية “العظيم”.

    أسمع ضحكتك في الحديقة. وعبير الربيع المجنون يأتي نحوي عبر الورقات البليلة.

    نحوي، أنا،… من لا يؤمن بقوة منقذة، عمرت أكثر من الآخرين ومن نفسي أيضاً.

    هل تعرف كيف يشعر المرء عندما يستيقظ

    في الليل فجأة ويسأل،

    مصغياً الى القلب الهادر: ما الذي تريده زيادة

    من نهم لا يشبع؟ الربيع، عندليب يغني.

    ضحك الأطفال في الحديقة. نجمة صافية أولى

    فوق زبد من البراعم على التلال

    وتعود أغنية خفيفة الى شفتي

    وإذا بي شاب من جديد، كما كنت من قبل، في فيرونا.

    أن ترفض. أن ترفض كل شيء. هذا ليس هو الأمر.

    لن أحيي الماضي ولن أعود.

    نم، يا روميو، وأنت يا جولييت، على مسند رأسيكما المصنوع من الريش الحجري.

    لن أرفع أيدكما المقيدة من الرفات.

    لتذهب لقطة الى الكاتدرائيات المهجورة،

    بؤبؤ عينها يتوهج على المذابح. لتضع بومة

    بيضة على القوس القوطي الميت.

    2 ـ وداعاً

    تحت القمر الأبيض بين الأنقاض، دع الحية تدفئ نفسها على أوراق حشيشة السعال، وفي الصمت دعها تتكور في دوائر لامعة حول ذهب عديم الجدوى.

    لن أعود. أريد أن أعرف ما الذي تبقى

    بعد رفض الشباب والربيع.

    بعد رفض تلك الشفاه الحمراء

    التي فيما يبدو تنبثق منها الحرارة

    على الليالي المتقدة.

    بعد الأغنيات وعبير النبيذ،

    وأداء القسم والحسرات، الليالي الناصعة،

    وصياح النوارس مع الشمس السوداء

    متوهجة خلفها.

    من الحياة، من التفاحة التي قطعت بسكين ملتهب،

    أي حب من الحبوب سوى ينقذ؟

    بُنيّ، صدقني لا شيء يبقى.

    كدح البالغين فقط،

    غضنة القدر في راحة اليد.

    الكدح فقط،

    لا شيء أكثر.

    (كراكو، 1945)

    *

    ترجمة: أحمد مرسي

  • تشيسلاف ميلوش – الشاعر الفقير

    تشيسلاف ميلوش – الشاعر الفقير

    الحركة الأولى غناء.

    الصوت الحرّ، مالئاً الجبال والوديان.

    الحركة الأولى بهجة،

    لكنها أُخذت بعيداً.

    والآن وقد حوّلت السنون دمي

    وآلاف النُظم الفلكية قد وُلدت وماتت في

    لحمي،

    أجلس، شاعر ماكر وغاضب

    بعينين مُحولّتين باضطغان،

    أخطط لأنتقم

    أوازن القلم فينبت أغصاناً وأوراقاً، يغطّى ببراعم

    ورائحة تلك الشجرة وقحة، لأن هناك، على الأرض الحقيقية،

    لا تنمو مثل هذه الأشجار، ومثل أية إهانة

    للبشرية المعذّبة رائحة تلك الشجرة.

    البعض يجد ملاذاً في اليأس، وهو شيء حسن

    مثل تبغ قوي، مثل قدح من الفودكا احتُسي في ساعة

    الفناء.

    آخرون يكنّون أمل المغفّلين، وردياً كأحلام إيروتيكية.

    لا يزال هناك آخرون يجدون السلام في عبادة بلد،

    والذي يمكن أن يبقى لمدة طويلة،

    وإن كانت أطول قليلاً في القرن التاسع عشر.

    لكنّي أُعطيت أملاً ساخراً،

    لأنني منذ فتحت عينيّ رأيت فقط وهج الحرائق،

    المذابح،

    فقط الإجحاف، والإذلال، وعار المتفاخرين المثير للضحك.

    أُعطيت الأمل في الانتقام من الآخرين، ومن نفسي،

    لأنني كنت هو الذي عرف

    ولم يأخذ منها ربحاً لنفسه.

    من “إنقاذ”

    وارسو 1944

    *

    ترجمة: أحمد مرسي

  • تشيسلاف ميلوش – ترتيلة

    تشيسلاف ميلوش – ترتيلة

    1ـ ترتيلة

    ليس هناك أحد بينك وبيني.

    ولا نبات يمتصّ نُسغاً من أعماق الأرض.

    ولا حيوان، لا إنسان،

    لا ريح تمحى بين الحُب.

    أجمل الأجساد مثل زجاج شفاف.

    أقوى الآلهة مثل ماء يغسل أقدام المسافرين المتعبة.

    أشدّ الأشجار خضرة مثل قصدير مُبرعم في عتمة الليل.

    الحبّ رمال تبتلعها شفاه عطشى.

    الكراهية قدح ملحي يُقدّم للعطاشى.

    تدفقي، أيتها الأنهار، ارفعي أيديك،

    أيتها المدن! أنا، ابن مخلص للأرض السوداء، سوف

    أعود الى الأرض السوداء.

    كما لو كانت حياتي لم توجد،

    كما لو كان قلبي، لو كان دمي،

    لو كانت إدامتي

    لم تخلق كلمات وأغاني

    لكن صوتاً مجهولاً، غير شخصي،

    بل الأمواج المتدافعة فقط، جوقة الرياح فقط

    والتمايل الخريفي

    للأشجار الفارعة.

    ليس هناك أحد بينك وبيني

    وقد أُعطيتُ القوة

    2 ـ ترتيلة

    لا أحد هناك بينك وبيني

    وقد أُعطيتُ القوة.

    جبال بيض ترعى على سهول برية،

    الى البحر تذهب، مكان سقيها،

    جديد وجديد، شموس تتكئ على

    واد لنهر صغير داكن حيث وُلدت.

    ليس لدي حكمة، ولا مهارات، ولا إيمان

    لكنني أتلقّى قوة، إنها تقسم العالم نصفين.

    سوف أخوض، موجة ثقيلة، على شواطئه

    وسوف تغطي أثري موجة صغيرة. آه أيتها الظلمة!

    التي خضّبها بريق السحر الأول،

    مثل رئة انتزعت من صدر مشقوق،

    إنّك تتأرجحين، إنك تغوصين.

    كما مرّات عديدة طفوت معك،

    مثبّتاً في منتصف الليل،

    سامعاً صوتاً ما فوق كنيستك التي اعتراها الرعب،

    صيحة طائر، حفيف المرج كان يطوفان داخلك

    ولمعت تفاحتان على المائدة

    أو تلألأ مقصّ مفتوح ـ

    وكنا متشابهين:

    تفاحتان، ومقصّ، وظلمة وأنا

    تحت نفس القمر غير المتحرّك

    الآشوري، والمصري، والروماني.

    3 ـ ترتيلة

    الفصول تأتي وتذهب، الرجال والنساء يتعاشرون

    الأطفال شبه نائمين يمدون أيديهم عبر الحائط

    ويرسمون أراضي بإصبع مبتلة باللعاب.

    الأشكال تأتي وتروح، وما يبدو منيعاً يتداعى.

    لكن وسط الدول البازغة من البحر،

    وسط الشوارع المهدومة حيث ذات يوم

    سوف تحدق جبال صُنعت من فلك هاو،

    في ظلّ ما مضى، وما سوف يمضي

    يدافع الشبان عن أنفسهم، زاهدين مثل غبار الشمس،

    لا يحبّون الخير ولا الشر،

    الجميع قُذفوا تحت قدميك الضخمتين

    حتى يمكنك أن تسحقها، حتى يمكن أن تدوسها،

    حتى يحرّك نفسك العجلة

    وتهتزّ بنية هشّة بالحركة،

    وحتى تعطيها الجوع، والآخرين نبيذاً، وملحاً، وخبزاً.

    صوت البوق ما زال لا يُسمع

    إذ ينادي المشتّتين، أولئك الذين يرقدون في الوديان.

    على الأرض المتجمّدة حيث لا هدير بعد للعربة الأخيرة.

    ليس هناك أحد بينك وبيني.

    باريس 1935

    من (ثلاثة شتاءات)

    *

    ترجمة: أحمد مرسي

  • تشيسلاف ميلوش – جزيشوفسكي

    تشيسلاف ميلوش – جزيشوفسكي

    (من قصائده الأخيرة)..

    *

    مرة أخرى يزهر السوسن

    عندما يزهر من جديد، سوف ينتهي عمري.

    المحيط في الصباح يغشيه السديم.

    في مدخل البيت المفتوح على الحديقة يشغلني عدم التذكر.

    مع ذلك لا أستطيع أن أنساك، يا فيلسوف اليأس

    الذي شكك في صلاح الخلق.

    أرى أثراً مظللاً بأشجار البتولا فيما بين “ويلنو” و”مينسك”، بمجرى ملتوية في الوسط.

    لم تكن هناك وقتئذ أوتوموبيلات، أو طرق إسفلتية.

    أرسلت عربة يجرها حصانان الى محطة السكة الحديد لتنقل الضيوف.

    ربما استضاف فلاديمير سولفييف في قصره واستمع الى ما يمكن أن يقوله عن مصالحة الكاثوليكية الرومانية والكنيسة الأرثوذكسية.

    ربما ناقشوا أيضاً ما إذا كانت طيور البط ببركة الإقطاعية يمكن أن تحصل على خلاص.

    ما إذا كان قد عتقت نملة أو ذبابة

    من الذي أرسى على هذه الأرض قانون الألم للكائنات الحية؟

    لقد احتفظت حتى هذا اليوم بكلماته:

    “ومع مضيّ السنين، عندما خضت الى أبعد وأبعد داخل الحياة والعالم، أدركت بوضوح أكثر وأكثر عرض ألم أن هذا العالم، إذا اعتبر ككل، فوضى وجنون، وليس، كما علمونا، عمل العقل: إنه لم يخرج من يد الرب”.

    2 ـ جزيشوفسكي

    هنا يمشي الى حصة دراسية على شوارع كراكو.

    معه معاصروه: التل، والمخمل، والستان

    تمس أجساد نساء مثل السيقان النحيلة

    لنباتات الـ Nauveau Are الخاطئة.

    نظرات ودعوات من داخل الليل.

    في معركة كونية تبرق سيوف الملائكة،

    يتقدم أمير التمرد، يتراجع خدم النور.

    قسوة، تحجر،

    كيف أصفها على نحو آخر؟ بالرغم من أنه، وهو فيلسوف، لم يستطع أن يقول صراحة أنه كان يؤمن بعالم الشيطان.

    وحيداً في وليمة لونهم ولمسهم.

    “ليس هناك ربّ ـ الطبيعة والتاريخ يعلنان ذلك بالإجماع. لكن هذا الصوت حجبته هارمونية المزامير والتراتيل، وإقرار قادم من عمق روح الإنسان، بأن روح الإنسان مثل “تربة بلا مياه”. الرب. ومع ذلك، فإن حقيقة وجود الرب تتجاوز قدرة الفكر المعني بالعالم الخارجي. Le mon

    صوت الأجراس وحده،

    الق وعاء القربان المقدس وحده،

    الأصوات الفانية التي تعلن المجد

    3 ـ جزيشوفسكي

    الأرضيات بأديرة الرهبان الدومينيكان والفرنسيسكان

    التي داستها أقدام أجيال

    تحمينا. حتى إذا كان الوهم

    يوحدنا في هذا الإيمان بحياة أبدية

    نحن، التراب، نسدي شكرنا لمعجزة التراب المؤمن.

    صاحب الفخامة، لقد اقتربت منك ذات مرة، صبي، على درجات المكتبة تحت برج “بوزوبت” الملون بعلامات دائرة البروج.

    في مدينة انتزعها سلاح الفرسان البولندي من البولشفيك،

    انتظرت، واعياً “النهاية الدانية”.

    كان يمكن رؤيتك وأنت تمر في عربة، حوافر الحصانين تصدر دقات على الرصيف غير المستوي، لم تقبل أبداً الأوتوموبيل أو التليفون.

    مع رقصاتها، أزهار الليلك المتفتحة والكرز البري، مع طفو الأكاليل فوق النهر كانت المدينة تغرق.

    لقد مت في الوقت المناسب تماماً، همس أصدقاؤك، وهم يهزون

    رؤوسهم: “لقد كان محظوظاً”.

    تحققت النبوءة، كل ما كان موجوداً هناك قد غرق، أبراج الكنيسة

    فقط نتأت من القاع.

    ربما أنا مثل الرجل الذي أخفى نفسه في برج كنيسة سان جون، عندما لم يكن هناك مهرب من الترحيل الى “الغولاق”، فنجا. ظبية معها وليدان اختارت أن تقيم على النجيل خارج نافذتي. حلقة عنيدة للميلاد والموت، يا صاحب الفخامة. لقد دربت نفسي لمدة طويلة على ضبط النفس.

    ولأني أكثر دهاء منك، تعلمت عصري، مدعياً أني كنت أعرف طريقة لنسيان الألم.

    *

    ترجمة: أحمد مرسي

  • تشيزاري بافيزي – أنتِ مثل أرضٍ

    أنتِ مثل أرضٍ

    لم يقلها أحد قطّ

    لا تنتظرين شيئا

    سوى الكلمة التي ستنبجس من قاعك

    كثمرة من بين الأغصان.

    دائماً تأتين من البحر

    وصوتكِ مثل صوته أجشّ.

    *

    الترجمة: جمانة حدّاد

  • تشيزاري بافيزي – تمضي الصباحات صافية ومقفرة

    تمضي الصباحات صافية ومقفرة .

    مثلها كانت عيناك

    تتفحتان في ما مضى .

    كان الصباح بطيئاً يمضي ،

    وكان لجة من النور الجامد .

    صامتاً كان ومثله كنت وأنت حية،

    الأشياء كانت تنطق بالحياة تحت عينيك

    ( لا حزن، لا حمّى، لا ظلال )

    مثل بحر عند الصباح ، صاف .

    .

    حيث أنتِ، أيها النور، يرى الصباح النور !

    الحياة كنت والأشياء.

    وكنا فيك نتـنفس يقظين

    تحت هذه السماء التي ما زالت فينا.

    لا حزن لا حمّى إذن،

    ولا ذاك الظل الثـقيل

    لنهار طافح ومختلف.

    أيها النور، يا صفاء بعيداً،

    يا نفساً يلهث ،

    وجّهي أنظارك الجامدة والصافية إلينا .

    مظلم هو كل صباح يمضي

    من دون نور عينيك.

    *

    الترجمة: جمانة حدّاد

  • تشيزاري بافيزي – لك دمٌ، ولهاثٌ

    تشيزاري بافيزي – لك دمٌ، ولهاثٌ

    لك دمٌ، ولهاثٌ

    جسدٌ

    شعرٌ ونظرات.

    الأرض والزرع

    سماء آذار والنور

    تتموّج وتشبهك.

    ضحكتك وخطواتك مثل مياه ترتعش

    جسدك الطري مرج وسط الشمس

    الخطوط التي بين عينيك

    كم تشبه قطاف الغيوم!

    .

    لك دمٌ ولهاث

    تعيشين على هذه الأرض

    تعرفين نكهاتها

    فصولها ويقظاتها

    تلعبين في الشمس

    ومعها تتكلّمين

    يا ماء صافياً يا سليلة الربيع

    يا غيمة تتدفق كنبع من الأعماق

    وثمرة حلوة تسطع تحت سماء مبرعمة

    في صمتكِ المغمد تكمن قوتك

    ومثل عشبة حيّة في الهواء

    ترتعشين وتضحكين.

    أنتِ الزرع

    وجذوره المفترسة

    أنت الأرض التي تنتظر.

    *

    الترجمة: جمانة حدّاد

  • تشيزاري بافيزي – سيجيء الموت وستكون له عيناكِ

    تشيزاري بافيزي – سيجيء الموت وستكون له عيناكِ

    سيجيء الموت وستكون له عيناكِ

    هذا الموت الذي يرافقنا

    من الصباح الى المساء

    أرِقاً، أصمّاً،

    كحسرة عتيقة

    أو رذيلة بلا جدوى.

    ستكون عيناك حينئذ

    كلمةً قيلت سدى

    صرخة مكتومة، صمتاً ستكونان

    مثلما تتراءيان لكِ كل صباح

    حين تنحنين على ذاتك في المرآة.

    في ذلك اليوم يا أملاً غالياً

    نحن أيضاً سوف نعرف

    أنّ الحياة أنتِ وأنك العدم.

    يرتدي الموت نظرةً لكل منا:

    سيجيء الموت وستكون له عيناكِ

    سيكون له طعم التخلّي عن رذيلة

    سوف يشبه رؤية وجه مضى

    ينبثق من الخيال

    كما الإنصات الى شفتين مغلقتين سيكون.

    آنذاك

    سوف ننزل إلى الهاوية بسكون.

    *

    ترجمة: جمانة حدّاد

  • تشيزاري بافيزي – الرجل الوحيد يصغي الى الصوت الهادىء

    تشيزاري بافيزي – الرجل الوحيد يصغي الى الصوت الهادىء

    الرجل الوحيد يصغي الى الصوت الهادىء

    بنظرة منفرجة،

    وشبه نفس يرقد على وجهه،

    نفس صديق يرتقي، عجيباً، الى زمن مضى.

    .

    الرجل الوحيد يصغي الى الصوت القديم

    الذي سمعه آباؤه في ما مضى، جلياً

    وموحّداً.

    صوت يكفهرّ عند السماء

    كما خضرة المستنقعات والقبب.

    .

    الرجل الوحيد يعرف صوتاً من ظلال، عذباً،

    يتفجّر في أنغام النبع السرّي الهادئة:

    يشربه مأخوذاً، مغمض العينين،

    فلا يبدو انه قربه.

    .

    ذلك هو الصوت الذي استوقف يوماً

    والد والده، وجميع ذوي الدم الميت.

    صوت امرأة هو، يُــعزَف سراً

    على عتبة المنزل، حين ينسدل الظلام.

    *

    الترجمة: جمانة حدّاد

  • زبيغنيو هربرت – مدينة عارية

    *

    في السهول

    تلك المدينة

    مبسوطة مثل صفائح من الحديد

    بيد مبتورة من كاتدرائيتها

    مخلب ممدود

    بأرصفة هي لون الأمعاء

    بيوت محرومة

    من جلدها

    المدينة

    تحت موجة صفراء من الشمس

    و موجة طبشورية من القمر

    أيتها المدينة

    أي مدينة

    أخبرني

    ما اسم تلك المدينة

    تحت أية نجمة هي

    على أي درب

    أما الشعب:

    هم يعملون في المسلخ

    في مبنى شاسع

    من طوابق إسمنتية خشنة

    تحيط بهم

    روائح الدم

    و صلوات حيوانات مؤمنة و بلا خطايا

    هل هناك شعراء

    ( شعراء صامتون )

    هناك أرتال من الجيوش

    و ثكنة صاخبة واسعة

    في الضواحي

    في يوم الأحد

    و خلف الجسر

    في غابات كثيفة فوق

    رمال متجمدة

    فوق أعشاب ميتة

    البنات تستقبلن الجنود

    هناك أيضا بعض الأماكن

    الخاصة بالأحلام

    السينما

    بجدار أبيض

    و عليها ينعكس ظل الغائبين

    قاعات صغيرة

    حيث ينسكب الكحول في أكواب

    رقيقة أو سميكة

    و أخيرا هناك كلاب

    كلاب تتضور من الجوع و تنبح

    و هذا السلوك يدل

    أننا عند حدود المدينة

    آمين

    .

    أنت لا تزال تسأل

    ما اسم تلك المدينة

    التي تستحق كل هذا الغضب

    أين هي تلك المدينة

    على أية حبال للريح هي

    تحت أي عمود من الريح

    و من يقطن هناك

    هل هم شعب لهم نفس لون بشرتنا

    أم شعب لهم نفس وجوهنا ، أم…

    ____________

    المصدر :

    The Polish Experience , by :Zbigniew Herbert, translated by Stanislaw Baranczak and Claire Cavanagh, Polish Literature, Krakow, 2001.

    *

    ترجمة / صالـح رزوق

    من قصائد مجموعته : التجربة البولندية

  • زيلكه شويرمان – قدّاس لكوكب ولد للتوّ

    قدّاس لكوكب ولد للتوّ

    بإشعاع كثيف

    *

    لكن ما الذي يقبل حين نكون

    قد قصصنا لبعضنا البعض كلّ القصص آلاف القصص السّاخنة

    ويكون معجم قلاعنا الهوائيّة منطوق الحروف كلّها

    ونكون قد قسنا نجمنا عرضا وطولا كمثل الأريكة

    التي عليها تعارفنا على بعضنا البعض بدقّة شديدة

    حين عندئذ نجلس بكما لدى النّافذة وندخّن

    لياليَ من هدوءِ تقريبا كاملٍ

    فيها فقط تتردّد جُملك الأخيرة بصدى

    تحدّثتْ عن أنّنا كلينا

    في الحقيقة كوكبان سماويّان

    لهما جاذبيّة كبيرة

    بحيث لا يرسلان حتّى ضوءيهما الخاصّين

    هكذا إذن لا يشعّان بل هما أسودان

    على لسانيهما قصصيّان محترقان.

    *

    ترجمة: عبد الرحمن عفيف

  • ساتشيداناندان – كل يوم

    ساتشيداناندان – كل يوم

    كل يوم ينكسر فيه كوب

    تتدفق الشمس منه

    فائرة

    كل يوم تنكسر فيه بيضة

    يرتفع الربيع منها بأجنحته

    ذات الألوان الخمسة

    وهو يغني

    كل يوم ينفجر فيه الربيع

    يتدفق الأطفال منه

    ضاحكين

    كل يوم ينكسر فيه قلب

    يخرج منه الشعر متدفقا

    ويتجمد.

    *

    ترجمة: د. شهاب غانم

  • تشارلز سيميك – ضـــد الشتـــاء

    الحقيقة داكنة تحت جفنيك…!

    فماذا ستفعل بشانها…

    الطيور صامتةَُ

    وما من أحد تسأُله…

    ستمضي طيلة النهار محدّقا بالسماء الرمادية…

    وحين تعولُ الريح

    سترتجف مثل قشة

    وسينمو لك صوف

    مثل حملٍ ذليل

    منتظرا أن يطاردوك بمجزاتهم الهائلة

    الذباب يحوم حول فمٍ مفتوحٍ

    وما يلبث أن يهوي

    كما الأوراق…

    تتبعها الأغصان العارية

    بغير جدوى

    الشتاءُ.. يحلّ.

    مثل بطلٍ أسطوري في جيش مهزوم

    بينما تظلّ في مكانك

    كاشفا رأسك لنديف الثلج الأول

    لحين وصول جارك

    الذي يصرخ بك…

    أنت أكثر جنوناً من الطقس .. يا شارلي

    *

    ترجمة: عبود الجابري

  • تشارلز سيميك – كتابٌ مليء بالصور

    أبي الذي درس ” اللاهوت ” بالمراسلة

    يستعدُ للإمتحان..

    وأمي واجمة..

    هادئاً جلستُ مع كتاب مليء بالصور

    وحين هبط الليل

    كانت يداي الباردتان

    تلامسان وجوه الراحلين

    ملوكا.. وملكات

    .. ثمة معطف أسود

    يتدلى من سقف غرف النوم العلوية..

    ترى.. من وضعه هنالك..؟

    الصلبان السريعة

    التي خاطتها أمي بمخرزها الطويل

    كانت سوداء

    كتجاويف رأسي

    الصفحات التي قلبتها..

    أصدرت صوتاً كحفيف الأجنحة..

    الروح طائر.. قالها ذات مرةٍ

    في كتابي المليء بالصور

    هدير معركة ..

    رماح وسيوف تشتبك مثل غابة شتائيةً

    بينما قلبي يتشظىّ وينزف

    على أغصانها.

    *

    ترجمة: عبود الجابري

  • تشارلز سيميك – عيون مثبتة بالدبابيس

    كيف يعمل الموت..؟

    لا أحد يعلم

    في اي يوم طويل سيحط رحاله

    الزوجة الوحيدة دائماً

    تكوي غسيل الموت

    البنات الجميلات

    يقمن بأعداد طاولة عشاء الموت

    الجيران يلعبون الورق في الفناء الخلفي

    أو يكتفون بالجلوس

    على العتبات

    يحتسون البيرة

    وفي غضون ذلك

    وفي جزءٍ غريب من المدينة

    يبحث الموت عن أحدً

    يسعل بشكلٍ رديءٍ

    غير أن العنوان مضلّلٌ نوعاً ما

    وحتى الموت لم يستطيع الإهتداء اليه

    بين تلك الأبواب المقفلة جميعها

    … وحيث يشرع المطر بالهطول

    في ليلةٍ عاصفة…

    هكذا

    يموتُ بدون حتى جريدة تغطي رأسه

    ودونما قطعة نقدية تمكنه بالأتصّال بمن يغيثه…

    متثاقلا يتعرى على مهله…

    ويوثق عاريا

    الى جهة الموت في السرير…

    *

    ترجمة: عبود الجابري

  • سارة تيزدايل – عيون رمادية

    سارة تيزدايل – عيون رمادية

    كان ربيعا عندما أتيت لي أول ما أتيتْ

    وعندما نظرتْ

    للمرة الأولى إلى عينيكْ

    كنت كمن نظرتُ نظرتيَ الأولى إلى البحرْ

    .

    ها نحن ذا سويةَ

    وقد مضى أربع نيساناتْ

    نراقب الأوراق فوق غصنْ

    صفصافة مياسة يخضرْ

    .

    لكنني وكلما التفتْ

    لكي أرى عينيك بلونهما الرمادي

    فإنني كأنما نظرتْ

    للمرة الأولى إلى البحرْ

    *

    ترجمة : د. عادل صالح

    **

  • سانتوكا تانيدا – هذه الطريق الضيقة

    سانتوكا تانيدا – هذه الطريق الضيقة

    هذه الطريق الضيقة

    تفضي الى بيت جميل

    هو محرقة الجثث

    (يوي ميجي جا يوي تاتمونو اي ياكيبا ديسو)

    تمثال بوذا

    يجب ان يقف تحت المطر

    من اجل الناس

    (هيتو نو تامه ني سيجوريته هوتوكيسامه)

    تلاوة النصوص المقدسة

    لايكفي ضد ضوضاء الجاز

    (اوكيو تودوكاناي جازو نو شوون)

    النساء جميلات بشكل خاص

    حينما يسقط الثلج في الربيع

    (هارو نو يوكي فورو اونا وا ماكوتو اوتوسوكوشي)

    هل يعرف ضوء القمر الحاد

    اين ستسقط القنابل؟

    (تسوكي نو اكاروسا وا دوكو او باكوجيكي شيتا ايرو كوتو)

    الثمار الحمراء لشجرة الدراق

    وسط ضوضاء صفارات الانذار

    (كوشو كيهو رويروي تو شيتا كاكي اكاشي)

    مع الصخرة كوسادة رأس

    رُفعتُ بعيدا

    باتجاه تسلكهُ الغيوم

    (ايشي او ماكورا ني كومو نو يوكو اي او)

    اقذف بجسدي

    نحو الجبال الغرقى بالمطر

    (كارادا ناجيداشيته شيجارورو ياما)

    هنالك كان وجهي

    المرآة كانت باردة

    (سوره وا واتاكوشي نو كاو داتا كاجامي تسوميتاكو)

    الثمالة ترقص

    وسط شارع الشتاء

    (آما نو كاوا مايوناكا نو يويدوره وا ادورو)

    حينما يهبط الظلام

    يطلع القمر البارد

    من بين البنايات

    (فوكيرو تو سوزوشي تسوكي جا بيرو نو آيدا)

    حينما يكون النهار في اوجهِ

    يُسمع صوت ضفدعة

    مُزدردةٍ من افعى

    في العشب العميق

    (هيرو فاكاكو كوسا فكاكو هيبي ني نوماريرو كاإيرو نو كوه)

    النهار الذي منحتهُ صمتي

    يتحول الى ليل من شعاع قمرٍ أرِق

    (ايشينيشي مونو ايوازو نوموريناي تسوكيو تو نارو)

    العنكبوت يوسّع شبكته

    وانا اكفلُ نفسي

    عند نفسي

    (كومو وا اميهارو واتاكوشي وا واتاكوشي او كوتي سورو)

    القمر موجود هناك ايضاً

    مناظر طبيعةٍ جديدة

    في قاع النهر

    (تسوكي مو ميناسوكو ني تابيسورا جا آرو)

    تحت ظل القمر

    اشعُّ في وحدتي

    كسنبلة رز

    (تسوكي كاجه هيتوري نو كومه او توجو)

    *

    ترجمة: سلام صادق

  • تاراس شيفتشينكو – قال يخاطب عين الله

    تاراس شيفتشينكو – قال يخاطب عين الله

    و أنتِ , ايتها العين التي تبصر كل شيء !

    يبدو انك في غفلة

    عن مئات السجناء الابرار

    الذين يُساقون في الأصفاد

    الى سيبيريا

    ليموتوا هناك

    .تمزيقا, و صلباً , و شنقاً

    ألعلك ما عرفت بذلك ؟

    أم لعلك ابصرت عذابهم

    دون ان تصابي بالعمى؟

    , لا , لا , ايتها العين

    انك لحسيرة

    .و انك لفي غفوة هنيئة

  • بيير باولو بازوليني – لمعان

    بيير باولو بازوليني – لمعان

    كان دمكَ ايها المسيح

    قطرة ندى عارية

    على وردة عذابكَ

    وكنتَ ترانا

    يا شاعراً مطمئناً

    يا أخاً جريحاً

    بأجسادنا البهيّة

    في اعشاش الخلود!

    ثم متـنا.

    فهل كانت قبضاتـنا

    ومساميركَ السوداء

    لتـلمع

    لو لم يكن غفرانكَ ينزل علينا

    من نهار رأفتكَ اللا نهائي ؟

    *

    ترجمة: جمانة حداد

  • بيير باولو بازوليني – رماد غرامشي

    خرقة حمراء ،

    كتلك المعقودة في أعناق الأنصار

    و قرب المرمدة ، على التربة الغبراء ،

    غرنوقيّان ، من أحمر مغاير.

    ها أنت إذن ، منفيّ ، في رعايتك الصارمة ،

    اللاكاثوليكية ، مدوّن بين هؤلاء الموتى

    الغرباء : رماد غرامشي … متجمّدا بين الأمل

    و ارتيابي القديم ، أقترب ، قادما ،

    صدقة إلى هذه الهضبة الناحلة ،

    قبالة قبرك و إلى روحك الباقية

    على الأرض بين هؤلاء الناس الأحرار ( أو لعله شيء

    مغاير ، شيء أكثر انتشاء

    و أكثر تواضعا أيضا ، اتحاد فتوّة ،

    و جنس و موت )…

    في هذا البلد ، حيث وجْدُك أبدا

    ما هدأ ، أحسّ بما كان عيبك

    – هنا ، في سكون القبور – و في الآن ذاته

    كم كنت على حقّ – في مصيرنا الحزين

    – في كتابة ورقاتك الأخيرة

    خلال أيام اغتيالك.

    أرى هنا ، شاهدا على البذار بعدُ ما اندثر

    من السلطان العتيق

    هؤلاء الموتى المقيّدون إلى سلك

    يغمر في قاع القرون فظاعته

    و عظمته : و أيضا لجوج هو

    تذبذب السّندانات ، في خفية

    مختنقا و مؤلما – منذ الحيّ المتواضع –

    لكي نشهد النهاية.

    و ها أنا ذاتي … فقيرا ، مرتديا

    ثيابا يلمحها الفقراء في واجهات

    ذات بهرج فظّ عليها يبست

    قذارات الطرقات الأكثر ظلمة ،

    و مقاعد القطار الكهربائي ، التي تشوّه ،

    لي أي نهار : عندما استطعتُ ، في تناقض ،

    أن أعرف مثل هذه الراحة ، في قلق المقاومة ؛

    و إذا حدث

    و أحببت العالم ، فلن يكون ذلك إلاّ

    حبّا فاسقا و عنيفا و ساذجا ،

    تماما كما كرهته ، فيما مضى ، مراهقا ، مرتبكا ،

    عندما كان يؤلمني منه ، بورجوازيا ،

    و جعي الشخصي ، البورجوازي : و إذا كان العالم

    – عندك – الآن منقسما ، فهل هناك موضوع لحقد ،

    لاحتقار شبه روماني ،

    إلاّ للقِسم الذي يمتلك السلطة ؟

    مع ذلك ، فبدون عنفك ، أبقى ،

    إذ أنّني لا أختار إطلاقا . أنا أحيا لا راغبا في شيء ،

    في هذا الوقت ما بعد الحرب مغشيا علي :

    عاشقا لهذا العالم الذي أكرهه – في بؤسه ،

    محقّرا و ضائعا – بفضيحة غامضة

    من سريرتي …

    ____________

    ترجمة : محمد بن صالح

    ____________

    1954

    – هذه القصيدة من ( زريبة الخنازير ) لبازوليني. و كانت قد صدرت بشكل مختارات تغطي كافة مراحله الشعرية من أول مجموعة و حتى ما بعد وفاته. و تضم مجموعات بازوليني التالية : حزن على عيسى و ماركس ، عندليب كنيسة الكاثوليك ، دمع الوردة ، لغة ، بول و باروخ ، تراجيد

    *

    منقول عن ألف