المدونة

  • رنيم نزار – حب منزوع الذاكرة

    رنيم نزار – حب منزوع الذاكرة


    هذا الحب
    سيناريو لا ينتهي
    أعرف النهاية
    منذ أن يقول رجل جديد
    لي مرحبا!

    هذه الشمس
    طلة وجه امرأة،
    استوطن الشتاء بريقها،
    هذه الشمس
    بهجة العبوس الزائل
    لامرأة
    لبست حزنها المنكوب
    وخلعته
    الكلمة المفتاحية
    الحاضرة هذا الصباح
    هي : أحبك..

    نحن لا ننتظر
    البوح
    حبيبي الوسيم
    يقول أحبك
    بألف طريقة صامته
    وبغياب كثيف.

    مزاج الإله
    السماء لا تهدأ
    مرة تفور حزنا
    ومرة تسطع شمسها
    حقدا
    عدو الإله
    يتجول في الكون ..

    يا أيها الله
    هل سيكون عذابك
    اكبر
    مما يفعل بي الحب!

    اقلع روحي يا الله
    انزع الحذاء من جسدي هذا
    أريد ان اتحرر من رجس الحياة
    .. وأموت.

    فجر الثلاثاء
    لما تفجرت مفاجأة الله
    لما بث فيّ روحي واحياني من جديد
    الثلاثاء فجرا
    بعد ان سكبت في قبلاتك الروح
    نبي أنت
    تبث الحب المنزوع مني
    بشفاهك..

    يدي تلمس شفتي
    تراوغ الرجفة
    جسدي
    اقول في اذن نفسي
    الوحدة لا تشبهني
    ابقى.

    لها لقاءات سرية
    واطفال لا يكبرون
    وسر لا يعلن
    وعلى الملأ ينادي الكل بعذريتها
    فيضحك الحب خلسة

    أريد أن اراك
    ان تقول عيناك أني الابهى
    اريدها مرأة الاميرة

    اعد الخطوات التالية
    اللازمة لكي احضنك
    انا خلف الزجاج
    انتظر
    ورجل غائب
    ازوره
    في الظلام
    تتكاثر عائلة الغياب

    في غيابك
    استخدم المرآة
    لكي لا اشعر بعطب الوحدة

    لست واحدا
    انت كل الرجال الذين
    اراقب وجوههم
    وانا لست وحدي انا كل النساء اللواتي
    يتشاركن معك الوسادة.

  • تجلياتُ قديسة – ماجد العمري

    تجلياتُ قديسة – ماجد العمري

    هيَ تجلسُ هناكَ
    في دهاليزِ الذاكرةِ
    تقرأُ تجلياتِ الآخرينَ في روايةٍ
    تشربُ فنجانَ قهوةٍ بعدَ آخرَ
    تُشرعُ نافذةَ الليلِ لصدرِها
    ترتدي قميصاً عارياً
    إلا من كبرياءِ الاغنياتِ
    تتسلّى بشعرِها .. وتحلمُ…
    تحلمُ ان ترتبَ ما تبعثرَ من ليلِ عمرِها
    تتمددُ كقديسةٍ على آرائكِ ملحِها
    وتصبُّ كأساً للسماءِ
    من نبيذِ الكلماتِ !!
    هي لا تكتبُ من أحزانها حرفاً
    تختزلُ كلَّ الحروفِ
    في دمعةٍ مُستترةٍ
    في آهةٍ..
    في نظرةٍ حائرةٍ..
    بين الريحِ والأمنياتِ !!
    هي ..عينانِ من الضوءِ
    أو آلهتانِ
    تُطلانِ على نافذةٍ هناك
    كقبلةٍ تحجُّ إليها
    فكرةٌ ناسكةٌ
    وعازفِ ياسمينَ يُغني
    لها حنينَِ الطرقاتِ
    هي.. تُحْدِثُ اللَّحنَ في ضجرٍ
    وترقصُ على مهلٍ
    لئلاَّ توقظَ ما نام من جراحاتِ
    ترقصُ على مهلٍ
    كي لا تعودَ العصافيرُ
    من مواعيدِها الخضراءِ
    هي خلفُ الثلاثين
    جسدٌ يقتبسُ الربيعَ..
    زنبقةٌ لم تكبرْ بعدُ..
    أسطورةٌ إغريقيةٌ..
    تفاصيلُ الأنوثةِ كلُها..
    وغزلُ كلِّ النساءِ القاتلاتِ
    هي قابعةٌ هناكَ
    خلفَ دهاءِ الأنوثةِ
    قريبةٌ من بوحِ الياسمينِ
    المجرمةُ عمداً
    بوهمِ الاحتمالاتِ
    تحاولُ أن تضحكَ..
    أن تبكي..
    أن تحتميَ من عربدةِ البؤسِ
    في كتابِ شعرٍ
    أو روايةٍ.. او فيلمٍ
    أو ربَّما تلجأُ
    إلى ثرثرةٍ نسائيةٍ قديمةٍ
    تنقذُها من الشجنِ
    مِن الحزنِ ..من الفرحِ
    ومن كلِّ هذا الشتاتِ !

    ماجد العمري

  • اعتراف – ليلى سليماني – ترجمة: رولا عادل رشوان

    اعتراف – ليلى سليماني – ترجمة: رولا عادل رشوان

    لا أستطيع أن أخبركم باسمي، ولا باسم القرية الريفية التي جرت فيها أحداث هذه القصة. والدي رجل محترم يخشاه الجميع هناك، ولا أريد أن ألحق به أي من ألوان العار. وُلد أبي في هذه القرية ونشأ بين سهولها، ثم حقق ذات يوم نجاحًا مهنيًا أوصله للمدينة، حيث يعمل الآن ببذلاته الفاخرة وسيارته الشخصية الفارهة. عندما بلغت عامي السادس عشر، أرسلني إلى هذا “المنفى” لأتعلم عن الحياة الشاقة لأهل الريف، ولتقوية روحي وعضلاتي. “لا أريدك أن تصبح كهؤلاء الفتية الخاملين الذين يجوبون شارعنا طوال الوقت دون هدف.” قال لي. “هناك ستتعلم كيف تعيش”.
    ذكرياتي عن هذا الصيف ضبابية، تختلط كل الأيام لتظهر في صورة يوم واحد مكرر، لم أستطع أن أجد شيئا يمنع عني كل هذا الملل. ولقد عرضت أن أساعد في أعمال الحقل، ولكن رفض أي شخص تطويعي بمثل هذا العمل الحقير لكوني ابن القاضي ولقلة لياقتي بما يكفي لأداء المهمة.

    احتفظ المراهقون الآخرون بالقرية بمسافة بيني وبينهم. عندما اعتادوا الاجتماع ليلا لشرب زجاجات البيرة المسروقة، لم أتلق يومًا منهم أي دعوة لمشاركتهم الحدث. اعتدت سماع صوت ضحكاتهم وتجشؤهم من أثر الشراب المخمّر، بينما كنت راقدًا على سريري أراقب سقف الغرفة الترابي بلا نهاية.

    كان معظم أهل القرية من الأميين، لم تكن الكهرباء قد دخلت إلى القرية بعد، ولم يكن هناك من يملك حتى تلفاز أو حاسوب. اعتاد أهل القرية تسلية نفسهم بنشر شائعات أو حكي قصص صَعُب على فتى من المدينة مثلي الاقتناع بها. ذلك الصيف، كانت الحكاية الرائجة عن فتاة من المنطقة طردتها عشيرتها. قال الصِبية أنها قد لوثت شرف العشيرة بأفعالها الجريئة وأنها تحوم حاليا في الشوارع ككلب شريد. استمعت النسوة العجائز صامتات، وخفضن أعينهن، وتصورتهن يمنحن في الخفاء دعوات صامتة لروح الفتاة القروية الشابة. استمعت باهتمام للحكايات المروية عن المشردة الغامضة، منتبهًا دائمًا لأي تفصيلة أو معلومة قد تجد. كانت تلك الحكاية الدنيئة والمغامرات التي تُقصّ عن بطلتها كل يوم، هي مصدر تسليتي الوحيد. خلال تلك الأيام، وبينما كنت أساعد بهمّة فاترة في العناية بالحيوانات، اعتدت سماع الإشاعة تتناقلها الأفواه، مُضيفة لأحداثها مبالغة بعد مبالغة وتشويه إثر تشويه.

    في ظهيرة أحد الأيام، اقترح أحد الرجال؛ كان اسمه “عاشور”، أن أصحبه نحو السهول الخضراء لنحضر بعض العشب والحشيش لإطعام الحيوانات. كان “عاشور” رجلا ضخمًا قويًا، يقترب عمره من الأربعين، وله وجه مُدوّر لفحته الشمس. كان يرتدي طاقية صغيرة من الصوف، اعتاد خلعها من وقت لآخر ليحك فروة رأسه. عندما يبتسم، كان يمكنك رؤية لثته البنفسجية الخالية من الأسنان بوضوح. كان رجلا ربعة، ولقد شهدت بنفسي في مناسبات عدة حجم قوته المهولة. كان يتبعه ابنه ذو العشرة أعوام، وكان يبدو عليه كونه معتادا على عمل الحقل الشاق. سألت الولد ذات مرة إن كان يذهب إلى المدرسة، وهل يحب مُدرّسته. ولكنه اكتفى بالتحديق إلىّ بشك ماسحًا مخاطه بظهر يديه. بينما كنا نسير، حدثني “عاشور” عن والدي، وكيف أنه يدين له بالكثير. عاملني بتقدير زائد أشعرني بعدم الراحة، لذلك لم أتجاوب أو أجيبه بأي شيء. كنت مأخوذًا بفعل المناظر الطبيعية من حولي، بمرأي حقول القمح التي لمع لونها الذهبي في ضوء الشمس. استطعت أن أرى على البُعد حدود جبال أطلس، وكدت أقول شيئا عن هذا، ولكني لم أفعل، حيث علمت أن عاشور كان سيهز كتفيه حينها في استهانة، فتلك الحقول هي في الغالب آخر ما يعرفه عن حدود العالم. عبرنا بقطيع من الأبقار في طريقنا، كانت نحافتهم ظاهرة للغاية حتى لاستطعت عدّ أضلاعهم. كانت سيقانهم مربوطة لمنعهم من الهروب، وكانوا يمضغون الحشائش ساهيين في حركة رتيبة.

    وصلنا إلى وجهتنا. علمني “عاشور” الطريقة التي أستطيع أن أملئ بها الحقائب الكبيرة التي أحضرناها معنا بأقل مجهود. كنت أستمتع بالصمت، غارقا في أحلام اليقظة، عندما لمحنا امرأة علي بعد ياردات قليلة، تخطو تجاهنا في مقابل الشمس. في البداية، ظننتها هلوسة، وتساءلت إن كانت حكايات القرية قد أثرت علي عقلي، أو أنني ربما كنت أنظر إلى سراب. ولكن الظل كان يقترب، كانت امرأة شابة، تخطو نحونا. نظر “عاشور” نحوي، ومن النظرة التي رأيت في عينيه، كان يمكنني توقع أنه هو أيضًا يظنها ذات الفتاة الغامضة التي تحدث عنها أهل القرية مرارًا.

    “هذه لك”. صرخ “عاشور” بحماس مفاجئ. “إنك لا تصادف فرصة عظيمة كتلك كل يوم”. وكما من أبصر على البعد ماءا رقراقًا بعد أن كاد يذوي عطشًا، هرع عاشور نحو الفتاة. كانت الفتاة تنظر إليه قادما نحوها دون أي رد فعل من تجاهها، مثقلة بالتعب، مستسلمة لقدرها. إنها حتى لم تحاول الفرار. اليوم وبينما تراودني الذكرى، أفكّر؛ إلى أين بالأصل كان يمكنها الفرار من “عاشور”، في هذه الحقول المهجورة، البعيدة عن أقرب منزل بمسافة نصف ساعة علي الأقل. لم أقل شيئا. لم أحاول منعه؛ أولًا لأنه لم يمنحني الوقت حتى للاعتراض، وثانيا لأنني، في أعماقي، رغبت أن يحدث أي شيء لينقذني من الملل المقيت الذي كاد يقتلني طيلة ذلك الصيف. وصل عاشور إلى الفتاة وشجعني للاقتراب. عندما اقتربت منهما، سمعته يهددها بضربها إن هي صرخت أو أبدت ممانعة تجاه أي مما سأطلبه منها. أرقدها على الأرض بين سنبلات القمح الطويلة التي أخفت وجهها، ومزّق بنطالها الفضفاض من تحت جلبابها بوحشية. ثم دعاني بلفتة مرحّبة، كتلك اللفتة التي يدعو بها المرء ضيوفه ليتذوقوا أطباقًا شهية أعدها لهم. دعاني في ترحيب مشيرًا بيده الكبيرة الحمراء الصلبة. قبلت دعوته. دون كلمة واحدة.

    اليوم، لا يمكنني تفسير ما قد دار بعقلي آنذاك في تلك اللحظة. كل ما أستطيع فعله هو أن أسرد كافة الحقائق وأحكي أنني قد ركعت أمام الفتاة، وبينما كنت أحل ربطات حزامي، سمعت “عاشور” قبل أن يبتعد وهو يوصي ولده بأن يحرس المكان. لا يمكنني التأكيد إن كانت ذكرياتي عن الفتاة تتفق مع الحقيقة بحذافيرها، ولكنها عندما تمرّ ببالي، يهيأ لي أنها كانت في حوالي السادسة عشر من عمرها. لها وجنتين مستديرتين كالأطفال، وهالات سوداء تحت عيون تظللها رموش طويلة، وعلى العكس من أغلب القرويات في عمرها، لم تبدو مجهدة من أثر أعمال الحقل الشاقة. كانت بشرتها ناعمة ولطيفة.

    لم تتفوه بكلمة. لم تقاومني. بينما اقتربت منها ورقدت فوق جسمها النحيل، أدارت وجهها قليلًا إلى جانبها، كما لو كان كل ما تملكه من حرية، هو استطاعتها على الأقل أن تحجبني عن نظرها. كان يبدو عليها أنها تقبلت فكرة أنه لم يكن لديها حقًا أي اختيار. اقتربت منها وحاولت تقبيلها، ولكنها لم تستجب. انعزلَت تماما، في استسلام تراخى جسدها، لا كمن تقدم جسدها بداعي الحب، ولكن كمن تحاول الهروب بلا وعيها من موقف مروع. لست أدري ما الذي حفّز لدي هذا الشعور المؤلم في ذلك اليوم الجميل المشمس، بأنني لم أكن أول من ثبتها إلى الأرض وفرض عليها سطوته. بينما أرتدي ملابسي، لاحظت بقعًا من الدماء تنتشر علي يدي. أيقظتني بقع الدماء على يدي، وعلي فخذها من سبات كان يلفني حتى تلك اللحظة.

    ساعدتها سريعا علي ارتداء ملابسها، والتقطت بنطالها الفضفاض الذي كان “عاشور” قد ألقاه جانبًا وأعطيته لها. نظرتُ بعيدًا بينما كانت ترتديه وحاولت التغلب على شعوري بالحرج بأن أبدأ في التحدث معها. سألتها عن اسمها، حاولت أن أعرف من أين أتت، وإلي أين ستذهب، أو أي شيء عن عمرها الحقيقي. كان كل ما قالته هو “أنا جائعة”، انتفضت واقفًا وكأنها أوكلت إلى مهمة مقدسة. كان “عاشور”، الذي قد رآني بينما شرعت في ارتداء ملابسي، آتيا نحوي، أشرت إليه بأن يقترب، متلهفًا لسؤاله عمّا يمكننا به سد رمق الشريدة الجائعة. إلا أنه، بفرحة غامرة، قد أساء فهم إشارتي، ورمي بكامل ثقله كالوحش علي جسد المرأة الصغيرة، والتي قاومت هذه المرة. صرخت الفتاة وأخذت تخمش وجهه بأظافرها. كانت مستعدّة لاقتلاع عينيه حتى. تدخلت وحاولت تهدئتهما.
    “إنها جائعة”، شرحت له. هزّ كتفيه في لا مبالاة وقال: “لنفرض”. في قريتهم كان الجوع أمرًا حاضرًا في كل وقت، عادة تشكّلت لديهم في الطفولة، يحاولون التغلب عليها في العادة بتدخين الحشيش وشرب البيرة المخمرة المصنوعة منزليًا. ولكني أصررت، وفي النهاية رضخ “عاشور” وأرسل ابنه إلى القرية ليأتي ببعض الطعام والشراب. “قل إنه من أجل الضيف الشاب. هل تفهم؟”، حفّزه “عاشور” بضربة علي مؤخرة رأسه وأنطلق الفتي ممتطيًا حمارًا وصائحا: “شي”!

    جلس ثلاثتنا في حقل القمح لما يقارب الساعة، كانت الفتاة تجلس علي بعد ثلاثة أقدام مني ومن “عاشور” أيضا، مادة ساقيها ومحملقة في الفراغ بصمت. كان عاشور يتسلى بمضغ قشّة، ثم ينهض ليستطلع الأفق، ثم يعاود الجلوس من جديد، ذاكرًا ولده بسبة تلو الأخرى، ولاعنًا بطئ الحمار، وغباء النساء. أخيرا، وصل الفتى حاملًا سلة من القش تحوي رغيفًا مدوّر وبعض الزبد وبرادًا من الشاي الساخن. ربما كنا لنمنح الفتاة طعامها ونذهب في حال سبيلنا، خاصة وقد قاربت الشمس علي المغيب، ولكن الفتى الصغير ظلّ يكرر “قالت أمي أننا يجب أن نُعيد إليها براد الشاي حين نفرغ من شربه. قالت أنها سوف تضربني إن نسيت.” جلسنا إذًا مجددا وبدأنا نشرب الشاي الساخن سويًا كأننا عائلة صغيرة سعيدة. هي كالأم الحنون المحبّة، و”عاشور” كالأب المخلص، وأنا كابنهم البكري الذي وجب عليه العناية بأخيه الصغير. بينما كنا نشرب الشاي، ظلت الفتاة تنظر إلينا في خوف، كانت تخشى أن نرحل ونتركها وحيدة في هذا الحقل المهجور. تلاقت عينانا أكثر من مرة، وشعرت كأنها تود اخباري بشيء ما ولكنها لم تكن تجرؤ على التفوه به في حضرة شاهدينا قليلي الإدراك. لو كنت شجاعًا، لو كنت علي الإطلاق شخص طيب، لكان لزامًا علي أن أنفرد بها لأسمع منها بينما تحكي في طمأنينة.

    كانت الشمس تزحف نحو مغربها، وتلوّنت السماء عقيقًا بلون الشفق، كان المكان يغرق أمام أعيننا في الظلام، أمسك الفتي البرّاد ورماه بداخل السلة. أصر الفتى أن أمتطي الحمار بينما يمسك بلجامه. تصنّعت لا مبالاتي بأمر الفتاة تحت عيون “عاشور” المتفحّصة، ولكنني التفت غيرّ مرة إليها، ورأيتها قد لفّت وشاحًا أسود حول شعرها، عاقدة ذراعيها تلتمس دفئًا. بقيت أفكر فيها طوال الطريق، وفي برودة الليل التي لابد حلّت عليها. بقيت أفكر في هجمات قد تغشاها سواءً من رجال، حيوانات أو حتى من أفراد قبيلتها راغبين في الانتقام لشرفهم. بقيت أفكر في الغطاء الذي ربما كان عليّ إحضاره إليها، في نقود كان عليّ منحها إياها لتشتري تذكرة على حافلة تهرب بها بعيدًا عن هذا المكان الذي لابد سيفني روحها.

    عندما وصلنا إلى القرية، كان “عاشور” يتحرق شوقًا لإخبار الرجال هناك عن مغامرتي. كانوا يستمعون إليه فاغري الأفواه، يسيل لعابهم من فرط المتعة. كانوا يضحكون، وكنت فخورًا بالطريقة التي كانوا ينظرون بها إليّ الآن. في تلك اللحظة، نسيت كل ما كان عن شعوري بالندم وحتى عن الليلة الباردة. قاطعت “عاشور” وبدأت في رواية الحكاية بنفسي، مضيفًا إليها بعض الحواشي والتفاصيل الماجنة، التي انفجرت في أعقابها ضحكات الصعاليك المستمعين. في نسختي من القصة، كانت الفتاة غامرة السعادة، عابثة، ممتلئة الصدر، عريضة الأرداف. تدحرجنا على الحشائش من تحتنا، ثم رقدنا عليها ضاحكين. سلبتُ لب المستمعين من الرجال وحزت رضاهم؛ ذلك أنهم قاموا إلي مهنئين، مربتين على كتفي في إيماءات مستحسنة.

    انتقل أبي للعمل ذلك العام في كازابلانكا، وبدأت أنا سنتي النهائية في المدرسة الثانوية. لم تأتي بعدها سيرة إجازتي الصيفية الطويلة وأيامها المهدرة، ولم يسألني أحد عنها. أصبحت دراستي هي شغلي الشاغل والوحيد. كنت، على حد قول أبي عنّي، “فخر العائلة”، ولقد أقام الدنيا وأقعدها في سبيل إلحاقي بإحدى الجامعات العريقة في فرنسا. بعد عام واحد من مغامرتي مع المشرّدة، انتقلت للعيش في بلدة فرنسية صغيرة. طوال الأسبوع، كنت أحرص على الدراسة حتى وقت متأخر من الليل، كنت آخر من يهجر مكتبه ليلًا في الحرم الجامعي. بينما في عطلات نهاية الأسبوع، كنت، كما كل أصدقائي، أطارد الفتيات، وأبالغ في شرب الخمر حتى أتقيؤه. كنت سعيدًا.

    وذات ليلة، راودني حلم. كنت أجلس في عربة يجرّها حصان. كان المقعد الجلدي ممزق وتطفح منه حشوات رمادية ذات رائحة عفنة، انتشرت تحتي بطول الألواح الأرضية الخشبية للعربة. كانت العربة تمضي بسرعة جنونية عبر أروقة مدينة جنوبية؛ بدت كما إشبيلية أو أصفهان. كانت العجلات تتقافز مرتطمة بحصى الطريق. قبضت بيدي على مساند الذراعين بإحكام حتى تخدّرت أطراف أصابعي واستحالت زرقاء. شعرت، في إثر كل هزّة أو حركة، بأنني سأتدحرج إلى الأرض وسترتطم بها جمجمتي وتنتهي محطّمة كتلك البرتقالات التي تسقط عن الأشجار مجاورة جذعها، وتفوح منها رائحة العفن.

    ظل السائق يضرب الحصان بسوطه، بشدة وقسوة، وبغضب صَعُب علي إدراك كنهه، وأحسست منه، لدهشتي، خجلًا عارمًا. أردت أن أطلب إليه أن يتوقف، أردت أن أدافع عن الحيوان المسكين، أردت أن أطلب إلى السائق أن يرحمه، ولكني لم أستطع أن أتخلى عن الدعامة الحديدية التي كانت تمنعني من السقوط. عندما وصلنا إلى أحد الميادين، استطعت أن ألمس بطرف يدي كتف السائق، حينها انهار الحصان المسكين. انقلبت العربة، ورقد الحصان العجوز المسكين على الأرض مفارقًا الحياة. بدأ جسده يتفسخ وعضلاته تذوب. بدا كمن استسلم للموت ممتنًا له. قفز السائق من العربة ورمي بكامل ثقله على الحصان. بجنون، ورعونة غير مبررة، حاول جرّه من قدميه، أمسك بأسنانه، غرقت يده في خبايا أنفه المتوهجة، ولكن عيون الحصان كانت محدّقة في الفراغ بغير استجابة. انحنيت نحو الجثة، نحو أضلاعها النافرة. لم ألاحظ من قبل كم كانت هزيلة. وضعت يدي لامسًا فخذها الغارق في العرق وتعرفت إلى رائحة مألوفة؛ رائحة طفولتي. الرائحة المريحة لعرق حيوان، رائحة الأرض، والثوم، والمياه المالحة.
    عندما استيقظت، كانت الشراشف غارقة في عرقي، وكانت يدي تتخبط في الهواء. احتاج الأمر مني بضع دقائق لأدرك الموقف. خشيت أن أفتح النور فأجد نفسي جالسًا في أحضان الجثة المريعة. راودتني رائحة حلمي هذا طوال اليوم. كانت رائحة الفتاة القروية، رائحة الحقل مختلطة بعرقها. خلال كل الاسابيع التي تلت تلك الليلة، لم أستطع التخلص من هذا الشعور، كنت أسيرًا لذكرى الرحلة المتخيلة في العربة. كنت أسمع وقع سقوط السياط علي لحم الحصان، وكانت تعاودني ذكرى انهياره، وانقبض قلبي للفكرة؛ سأموت على رصيف بلدة مجهولة. كنت أتجول في النهار وفي الليل، يصاحبني إحساس عميق بالحزن، ووعي بجريمة خفت حتى التلفظ بحروف حكايتها.

    ليلى سليماني
    ترجمها عن الفرنسية: سام تايلور
    ترجمتها عن الانجليزية: رولا عادل رشوان
    بصوت: محمد الشموتي

  • أبي الذي وجدتهُ في النصِّ – هبة صبري

    أبي الذي وجدتهُ في النصِّ – هبة صبري

    في كلِّ مرةٍ
    ينضم فيها طفلٌ إلى عائلتنا
    كانت ذراع أبي تتمددُّ
    حتّى ظنناه رجلاً خارقاً بأذرعٍ مطاطيَّة وجسد كبير
    والآن، حينما كبرنا
    وأخذنا نتفلَّتُ من ذراعهِ واحدًا تلوَ الآخر
    أصبح ينكمشُ على نفسهِ
    شيئاً فشيئاً
    حتى صار
    جنيناً كبيراً!

    *

    كلَّما أخرجُ من البيت
    أحملُ حقيبة يدٍ كبيرةٍ
    أضعُ فيها قدمَ أبي .. التي نسيَ أن يأخذها معه..
    هكذا
    نسيرُ أنا وأبي كلَّ الطريق جنباً إلى جنب!






    *نص: هبة صبري

  • رنيم نزار – ملاءات سرير الوحدة

    رنيم نزار – ملاءات سرير الوحدة


    غدا عندما يخلص مخزوننا من الأطفال
    على سرير النشوة
    غدا عندما تضيع كلمة ماما
    بين اقدامي
    ويفر منك نداء عاجل
    بابا
    بابا
    وتنصهر احضان لم نعشها
    في غرقة المعيشة
    في يوم ولادة ابنتنا البكر
    في تخريج ابننا العظيم
    ويوم زفاق طفلتنا التي لن تكبر

    غدا عندما احيض كل ابنائنا
    الكثر
    ونستنزف قواك فوق سراب
    منتهي قبل ان يجيء

    غدا لما تفز منك اروح قتلى
    على افخاذ موطن حيواناتك الميته

    غدا عندما نرتكب
    نشوة مستعجلة على ركبة الليل المكسورة
    وتفور من شهوتنا ،
    ابوتك وامومتي واللذة
    ونخسر مخزون الحب إلى الأبد

    غدا عندما تضيع بالدور
    منا ليال الحب
    ولا تعود
    تقترب اكثر النهاية
    ويطب العقم قلوبنا

    غدا عندما لا نعلق في فك
    الفراق
    ونمارس كل نشوتنا
    خسارة
    وتضيع منا فرص
    النجاة
    لحياة أكثر سعادة
    واناقة

    غدا ..
    ترى
    من يرحم اجري
    بإبنائي الذين تركهم
    فحل الحب فوق ملاءات سرير الغواية
    وهرب
    من سينادي ماما
    من سوف يقوم برضاعة حناني الذي يغلي
    في اثداء تتدلى ولا لهاث لها إلى افواه الثعالب ؟

    من سيخرج معلنا الفوز
    لشهوة الحب
    وانتصار المعركة
    تلك التي خسرناها معا
    وحطمنا سقف البيت الذي لم يبنى بعد
    بماء وفير من النشوة
    وقتلنا ابناء كانوا يصهلون من أجل القدوم في أحلامنا
    لنحرر لحظة حب لا روح فيها
    اليوم خسرتنا على الاقل ابناء
    لم يفروا من رحم الأمان
    اليوم لا أريد ان اخسر
    فلماذا تساعدني على خسارتك إلى الأبد..

  • نوستالجيا – جمان الوليد

    نوستالجيا – جمان الوليد

    ‏أعنِي . بأني أعرف معنى أن تكون حياتك مِثالية لحد ما ، ليس الحد الذي يصف ماهيّتها ، لا ، إنما إلى سنةٍ ما ، حيثُ تنتهي جميع الأشيَاء التي كنت تعتبرها عملًا عاديًا أو فكرةً مُكررة و تؤُول إلى الزوَال، رائِحة طعام مُعين على سبيل المِثال و التي تغشاك عند أول خطوة وضعتها في منزلك، بينما ليست تمامًا تلك التي تحبّها لكنها شبيهة بها، ضحِك الرفاق على السخائِف في ساحات المدرسة الواسِعة لأن المعلّم اليوم قد شرَح درسًا ما عن الحيوانات المنويّة أو شكل مبيَض الأنثى، أن يُصيبك البحر بالموج حتى بعد أن تعُود إلى فِراشك في محاولة واسِعة للإبقاء على هذا الشعُور، على أمل أن يستمِر إلى يوم غدٍ، بينما أنت تعلم جيدًا أنه لن يفعل، أن تخلُد للنوم بينما ملابس العيد تُحدّق بك بإلحاح بارح و لكنك لا تستطيع أن تفعل شيئًا حيال هذا.

    أن تفكر فتاة في الخامِسة عشر بأن إهدائها لملابسها الداخليّة إلى فتىً ما قد يضمن لها قلبه، أو أن يكون الوجُود بأكمله فكرة تتلخّص في إسطوانة تحمِل صور شخصيّات كارتونيّة في إحتمالية أن يقوم جهازك بتشغيلها أو لا .

    ستدرك فيما بعد بأن هذه الأشيَاء الصغِيرة كانت الجذر الذي ضمَن بقائك إلى الآن ، لأن التمسّك بها  – على الرغم من عدم رغبتك بهذا في الماضي – قد صنع منك القصِيدة التي أنت عليها اليوم، بغض النظر بالطبع عمّا إذا كنت رثاءً أو غزلًا أو حتى شطرًا ناقصًا .

    ثم ستبدأ مُحاولاتك الباهتة بالعثُور على ما كنت تملك، أعنِي الحنِين المُزعج إلى الطفل المتكرّر الذي كنته، والذي كنته، و الذي كنته، ستحاول أنت في إخلاصٍ فانٍ أن تعيد دهشتك الأولى تجاه الأشيَاء، ربما ستنزح إلى الوجه الذي كانك قبل أن تطفو السنوات عليه، أو أن تنام في الليل على الرُغم من أنك تكره ضوء النهَار، و أن تربّي نبتة، تعلم جيدًا بأنها ستموت سريعًا من قلّة اهتمامك بها. و لكنك على الرُغم من هذا تحاول، و بكل ما تحمله أفعالك القصيرة اليديّن، أن تعود حياتك، مثلما كانت قبل القصِيدة، مثاليّة .

  • كاتدرائية نوتردام – كشكول تاريخ وذكريات – 5 مساهمات

    كاتدرائية نوتردام – كشكول تاريخ وذكريات – 5 مساهمات

    تحديث: مارس 2021

    في مطلع 2021 بدأت أعمال إعادة الإعمار في كاتدرائية نوتردام. وتأمل حكومة فرنسا أن تكتمل إعادة الإعمار بحلول ربيع عام 2024، في الوقت المناسب لافتتاح دورة الألعاب الأولمبية الصيفية 2024 في باريس.

    مدخل تاريخي لنوتردام

    كاتدرائية نوتردام (بالفرنسية: Notre Dame de Paris)، وتعني بالعربية (كاتدرائية سيدتنا العذراء لباريس).
    تأسست نسختها الأولى عام 528م حيثُ كانت كنيسة بديعة التصميم بُنيت على يد الملك شيلدبرت الأول، ملكُ الفرنجة، ثم أصبحت كاتدرائية باريس في القرن العاشر الميلادي، وتم إعادة بنائها بوصفها كاتدرائية عام 1160م تحت قيادة الأسقف موريس دي سولي، واكتمل بناء الشكل والتصميم الذي نعرفه اليوم عام 1260.
    تقعُ كاتدرائية نوتردام في قلب باريس، في الجانب الشرقي من جزيرة المدينة على نهر السين، وهي واحدة من أكثر الرموز الحضارية والثقافية المعترف بها على نطاق عالمي، حيث يزورها ما يقارب اثني عشر مليون زائر سنويًا، وتكون بذلك المَعلَمَ لأكثرَ زيارة في باريس.

    للمزيد عبر ويكيبيديا

    الواجهة الجنوبية لكاتدرائية نوتردام على نهر السين

    إعادة ترميم كاتدرائية نوتردام بمساعدةٍ من مصدرٍ غير متوقع: لعبة فيديو

    مهندسو ترميم كاتدرائية نوتردام استخدموا مصدرًا غير متوقع، هو النسخة الرقمية للكاتدرائية في لعبة Assassin’s Creed Unity وذلك لتتبع كافة التفاصيل المهمة أثناء الترميم، لأن تصميم الكاتدرائية بداخل اللعبة بالغ الإتقان لدرجة التطابق مع المبنى الحقيقي في كافة التفاصيل، وحتى في مقياس الرسم (باستثناء بعض الكابلات المضافة للعبة وبعض اللمسات البسيطة).

    المصممة Caroline Miousse وفريقها اعتكفوا لأكثر من 14 شهر فقط لتصميم النسخة الديجيتال من المبنى، مع مراعاةِ أدقِّ التفاصيل، التي تصلُ لوضعِ كلِّ حجرٍ في مكانه الصحيح.


    وتم استشارة مؤرخين وعلماء آثار عن الأماكن الصحيحة للوحات والجداريات ومختلف العناصر الأثرية التي تضمها القلعة، لنسخها بدقةٍ شديدةٍ داخل اللعبة.

    الجدير بالتنويه هو أن الشركة الصانعة للعبة Ubisoft تبرعت بأكثر من نصف مليون يورو لجهود الترميم، وفتحت اللعبة مجانـًا على أجهزة الـPC.

    صور الكاتدرائية من داخل لعبة Assassin’s Creed Unity

    حريق كاتدرائية نوتردام أثناء الترميم 2019

    أثناء خضوعها للتجديد والترميم، اشتعلت النيران في الكاتدرائية في 15 أبريل لعام 2019 وأُصيبت بأضرار كبيرة، بما في ذلك تدمير ثُلثي الأسقف والأبراج. وقد أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه سيُعاد بناء نوتردام، قائلاً “إنه جزء من مصير الإنسانية، ومصير فرنسا، ومشروعنا المشترك على مدى السنوات المقبلة. وأنا ملتزم به”.

    اندلع الحريق في سطح مبنى كاتدرائية نوتردام الساعة 18:50 بتوقيت وسط أوروبا الصيفي. اجتاحت النيران الجزء العلوي من الكاتدرائية بما في ذلك برجي الجرس والمستدقة المركزية التي انهارت. وصفت عمدة باريس آن هيدالغو الحادث بأنه حريق “رهيب”. تم إخلاء جزيرة المدينة التي تقع بها الكاتدرائية.


    انهار كل من البرج وسقف الكاتدرائية المكونان أساسا من الخشب، وألحقت النيران أضرارًا بالغة بمحتوى الكاتدرائية، خاصة منطقة الجدران العليا ونوافذ الكنيسة، كما أتت النيران على العديد من الأعمال الفنية. لحسن الحظ، وجود تحصين حجري لمنطقة أسفل السقف، ساهم بتخفيف انتشار النيران من قمع نزولها إلى باطن الكاتدرائية، مما ساهم بإنقاذ باقي المبنى وتقليل التلف.

    حريق كاتدرائية نوتردام
    سقوط البرج الكبير أثناء حريق كاتدرائية نوتردام الكبير

    من قال ألا بيت لي في باريس – صبا طاهر

    كتبت لك ذات مره :
    خجلى منك يا باريس
    فليس لي فيك بيت !
    وأنا التي كانت فصلاً من فصول جحيم آرثر رامبو
    كنت أغنية إديت بياف La vie en rose – Edith Piaf
    كنت الشجرة في قصائد إيف بونفوا
    كنت الخياطة و الزنبق في وادي بلزاك.
    كنت الثلج في Tombe La Neige – Salvatore Adamo
    كنت الغصون التي نبتت عليها أزهار شر بودلير
    مرضت لأيام مع serge lamaعندما غنى je suis malade
    عرفت أنني وجودية حتى النخاع قبل أن التقي بسارتر
    لم أنسى مشاعر الغيرة من سيمون دي بوفوار
    كنت العطر في زجاجة عطر كوكو مودمازيل من شانيل
    فمن قال أن لا بيت لي في باريس .. باريس كلها بيتي.
    من قال أن لا بيت لي في باريس .. باريس كلها بيتي.
    وأقول لها بصوت لارا فابيان:
    Je t’aime Paris
    Je t’aime

    كوازيمودو – سكتش من رسومات الكاتبة والرسامة أمينة جاد

    أمينة جاد تكتب وترسم كوازيمودو

    حين عرفت بحريق كنيسة نوتردام صرخت وبكيت كثيراً ليس لأجل المبنى الأثري، فالمباني يعاد بناءها وترمم من جديد وتصبح نسخة ربما أفضل من سابقتها، بكيت وصرخت لأني كنت لا أزال أعيش في الحكاية وكل ما فكرت به هو كوازيمودو، هل سيموت حرقاً أو مختنقاً؟! هل سيتمكن من القفز من أعلى البرج فيموت مهشم العظام؟ هل سينجو مشوهاً بحروقه فيزداد بؤسه أكثر وأكثر.

    كنت أضرب الاحتمالات كيفما أتفق، وكأن الرواية لم تنته بعد.
    الرواية التي قرأتها في العام ٩٦، وكانت نسخة أخي الكبير، سرقتها من غرفته، وقرأتها خلال نهاية الاسبوع، في نهايتها بكيت بكاءً مهيباً حتى شعرت أن قلبي سيخرج من صدري، ولم يكن من السهل إخفاء كل هذا البكاء عرفت أمي بقراءتي للرواية وأنزلت هي وأبي عقاباً على أخي الكبير لعدم إبقاء كتبه بعيداً عنا.

    بعد انتشار خبر الحريق بنصف ساعة يهاتفني أخي الكبير، يطمئن يقول: “لا يمكن لي نسيان بكاءك في نهاية الاسبوع تلك. كيفك؟”
    كنت أريد الرد عليه وطمأنته أنني كبرت ولم تعد قصة أن تبكيني، لكني انهمرت في بكاء غريب، ترك أخي مناوبته وفاجأني بقدومه المنزل.

    رفضت مشاهدة فيلم الأحدب الكرتوني، لم أرد أن يمحو هزل الكرتون مأساة الأحدب، وبقيت أتخوف إعادة قراءة الرواية؛ لأني أخشى ألاّ تأثر بقراءتها كما السابق، فيزول سحرها.

    حين رسمت كوازيمودو الليلة، رسمته الطفلة التي قرأت الرواية في نهاية الاسبوع وما أن أنهتها لم تعرف أن هذا العالم يتسع لهذا البؤس.
    كل ما أردته قوله لاسمرالدا وأنا أرسم:
    افتحي أبوابك، فالأحدب غريب في مدينته، والمدينة المظلمة تنيرها ألسنة لهب احتراق قلبه، ولا وطناً سيطفئ بؤسه كحضنك.

    من الاقتباسات التي لا أنساها أبداً:
    “إن القلب البشري لا يستطيع أن يحتوي إلا على كمية محدودة من اليأس”

    بقلم أمينة جاد

    فيكتور هوجو – أديب وشاعر ورسام فرنسي

    فيكتور هوجو يظهر تقديره للفن المعماري لنوتردام من خلال شخصية الأحدب في الرواية

    جيني آفينز – ترجمة رولا عادل رشوان

    عن نظرية فيكتور هوجو في رائعته “نوتردام باريس” 1831 والتي اشتهرت في نسختها العربية تحت اسم “أحدب نوتردام”
    بدأ هوجو حملته العامة كأحد حماة فن العمارة في عام 1825، عندما نشر كتيبًا بعنوان “Guerre aux demolisseurs !” أو “حرب على المدمّرين” وكان يهدف بنشره ونصوصه إلى لفت الانتباه إلى العمارة القوطية التي اعتبرها جزءًا أساسيًا من الثقافة الفرنسية.
    قبل ما يقرب من قرنين من الزمان، كانت نوتردام تعاني من التجاهل والإهمال ولا تحظى بشعبية كبيرة بين الباريسيين لدرجة أن فيكتور هوجو شعر بأنه مضطر لكتابة كتاب دفاعًا عنها.
    كتب ريتشارد بوداي في عام 2017 عن “نوتردام باريس، ووصفها بأنها رواية قوطية عن مبنى قوطي. تركز الرواية على مسرح الأحداث؛ كاتدرائية نوتردام. تساهم العمارة في رسم أحداث الرواية وتؤثر في مصائرهم. علي عكس الشائع عنها، فإن الشخصية المركزية للقصة ليست شخصًا؛ وإنما مبنى اعتبره هوجو صديقًا وطفق يحكي عنه بإسهاب”.
    يطرح فيكتور هوجو في الرواية فرضية أن الهندسة المعمارية كانت في التاريخ القديم إحدى أعظم الطرق التي ابتدعت لتأريخ الإنسانية، وأن طموحاتنا وأفكارنا وأحلامنا على مر الأزمان قد سُجلت ونقشت على الحجر. كان ذلك حتى ظهرت الطباعة إلى النور، وأصبحت البشرية تسجل أحداثها وفنونها على الورق وباستخدام الكلمات، الكلمات التي ستدوم مادامت الإنسانية.
    ومن هنا جاءت إشارة هوجو إلى أن هذا “الكتاب” سوف يطيع بذاك “فن العمارة”. الحديث عن العمارة كأحد فنون الأدب والتدوين عن الفنون من أهم ما خط هوجو داخل الرواية.
    يقضي هوجو فصولًا كاملة يصف فيها الكاتدرائية والمدينة، ويرسم بكلماته عن خطوط الحجر والأبراج والإضافات والتعديلات على المباني العظيمة والآراء والاتجاهات المعمارية، هذه فصول يتخطاها العديد من القراء لأنها فصول سردية تميل للوصف المفصّل الخالص ولا تأتي علي ذكر أي شخصية من شخصيات الرواية – لكن تلك الفصول هي جوهر الرواية حقا، كما أن هوجو قد أبدع فيها رسما وتوصيفًا.
    فهل أصاب توقّع هوجو عن أن الاهتمام العالمي بالطباعة والتدوين سيطغي على اهتمام الإنسان بفن العمارة والآثار الحجرية؟ خاصة مع الدعاوي الأخيرة الداعية لترميم مبنى الكاتدرائية بعد انهياره وتحمس العديد من المتبرعين لتمويل عملية التمويل.
    كتب هوجو عن ارتباط كوازيمودو “الأحدب” بمبنى كاتدرائية “نوتردام”:
    “كانت كاتدرائيته تكفيه عن الحياة. كان محاطًا في جلسته بأشكال رخامية – لملوك وقديسين وأساقفة – لم تنفجر ضحكاتهم ساخرة في وجهه يومًا، وما حملت نظراتهم يومًا إليه سوى الود والأمان. أما التماثيل الأخرى، تلك الوحوش والشياطين، فلم تكرهه يومًا ولا ازدرته لحظة.”
    كان كوازيمودو وحبه للكاتدرائية هو الشخصية النموذج الذي حكي من خلاله هوجو عن ارتباطه بنوتردام وصب في روحه من حبه وتقديره للمبنى ولفن العمارة في العموم.

    كتبتها: جيني آفينز لـموقع “كوارتزي”
    ترجمة: رولا عادل رشوان

    أحدب نوتردام – رواية فيكتور هوجو

    د. حسن مدن يكتب: نوتردام، الحريق والرواية والعاطفة

    يمكن النظر إلى حالة الحزن التي أصابت العالم كله جرّاء حريق كاتدرائية نوتردام وسط باريس، على أنها علامة أن البشر، على ما بينهم من اختلافات وصراعات، يشعرون في قرارات أنفسهم، حتى وإن كان ذلك بنسبٍ متفاوتة، أنهم أبناء حضارة إنسانية واحدة أو مشتركة، رغم اختلاف اللغات والثقافات والديانات.

    الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تعهّد بإعادة بناء المعلم التاريخي، وهو في ذلك يعبر عن رغبة جمعية، لا في فرنسا وحدها وإنما في العالم كله بألا يمحى هذا المكان من ذاكرة البشر. وإذا كان ما تعرضت له الكاتدرائية نتاج حريق لم يتسبب به فاعل بسابق إصرار وتعمد، فما أكثر المعالم التاريخية في مختلف بقاع الأرض، التي يعود تاريخ بعضها إلى أبعد بكثير من تاريخ كاتدرائية نوتردام، قد حرقت ودمرت بأيادي البشر أنفسهم، في اللحظات التي يعود فيها هؤلاء إلى بدائيتهم وتوحشهم.

    هل بوسعنا، مثلاً، نسيان ما نال جامع النوري الكبير ومنارته الحدباء المشيدة في القرن الثاني عشر في مدينة الموصل، والتي تعد من أبرز معالم العراق التاريخية، على أيادي عصابات «داعش»؟ وهل بوسعنا نسيان ما حلّ بكبريات المدن الأوروبية في الحرب العالمية الثانية من تدمير قامت به الطائرات الحربية الألمانية بتوجيه من هتلر، وهو يسعى لتحقيق حلمه الجنوني في إخضاع القارة، لا بل والعالم كله، له؟

    كاتدرائية نوتردام هي من أشهر الأماكن التي قدّمها إلينا الأدب والفن، فليس كل البشر المصدومين بالحريق الذي أتى على أجزاء مهمة من الكاتدرائية قد زاروا المكان ورأوه بأم أعينهم، ولكن الكثيرين منهم، إن لم تكن غالبيتهم، يعرفون اسم الكاتدرائية من خلال الرواية الشهيرة لواحدٍ من أهم أدباء فرنسا والعالم: فيكتور هوجو، رواية «أحدب نوتردام» التي تعدّ من أهم الروايات التي خلّدتها السينما، فمن لم يقرأوا الرواية شاهدوا حكايتها على الشاشات عبر واحد من الأفلام المتعددة التي استوحت أحداثها.

    أول مرة قدّمت السينما الرواية كانت في العام 1923 على يدي والاس وورسلي ولون شاني، ليتعاقب بذلك ظهور «أحدب نوتردام» في السينما على أيدي مخرجين آخرين، ويذكر أن المسلسل السوري «جواد الليل» مستوحى أيضاً من أحداث الرواية.

    قال النقاد إن أهمية «أحدب نوتردام» لا تكمن فقط في قصة الحب بين الأحدب وإزميرالدا، وإنما في توق البشر إلى دفء الجمال الإنساني، كما تبدى ذلك في عشق الأحدب للفتاة، محاولاً التضحية بحياته عدة مرات من أجلها، هي التي عطفت عليه ولم تسخر من عاهته أو تشوّه جسده.

    عن جريدة دار الخليج

  • ديالا بسام الحجار – نشوات الفجر

    ديالا بسام الحجار – نشوات الفجر


    تَغرق عينَاك ، كالغيومِ بالغسق..
    وانا بخور من الأشواك والعود..
    أناديك..
    والسهام المُغرية العزل..
    بريقها بالبوح يَقتُل..

    البحر يصارع امطارها بشغف..
    لعلها تغيث ، و لعلها تحبُل..
    شواطِئها الرملية ، من العنف تتبعثر..
    ليزورها اعصار كحولٍِ معطر..
    يمزج لونها بلأحمر..
    قلي هل استمر..
    و عروق الكتفين ، تدعو شفاه التوت
    كلما مسها الطّل..

    و أنتظر .. أبواب الجنة
    ان تشتعل.. تحت لمىً خضبها العنبر..
    مثل حُبً أتى ، و الميعاد تأجل..

    ملامح وجهك ، ترمي خشوعي بالسعادة..
    و تغيب عن خيالي
    فوق وسادتي ، حين أبادلها القبل..
    ثم اسكر..
    آخذ برها ،ضمن استراحة لجولات الغزل..
    مثل ثلجة في قدحِ خمر ، كي تذبل..

    في مملكتي أمزق قميصك ، و ماضيك المر..
    غيرتي شرقية حمقاء
    تجهل الحب بأمتزاج اللذة و العسل..

    و لكني..
    أخجل و أهم بالرحيل..
    فـ تناديني لهفة الذعر
    اذا تركت المرج بالمار العتيق يغتسل..
    و كأني ناسكُ أجيد التهاليل
    و الموالد و الرقص المبجل..

    أنا و ثوبي وما تبقى
    من تقرحاتِ دخانك عليه..
    و باقي نبيذ سَكبته نشوات الفجر..
    تراويح غيابك نُرتل..

    أصابني ما أصابني.. و بقيَتَ في غسقِكَ تعتمر..
    و بقيتُ انتظرُ غيومك ، في كل ارضِ..
    لها ترحل..

  • أحذية ضيقة للغجر – سالي علي

    أحذية ضيقة للغجر – سالي علي

    (1)

    أنا الغجرية المهذبة.
    لي جناحان من دخان ثقيل؛
    مثل وشوم على ظهري،
    أنشرهما، وأرفرف..
    كما ترفرف ورقتان من قلب ديوان
    كأنني يمامة، أرفرف؛
    وأكاد أن أرتفع

    ككيس أبيض فارغ،
    هرب من السوق.
    ظن لوهلة أنه ملكٌ كريم.
    أرفرف ..
    وأشعر بأنني أطير.
    أرفرف ..
    وأهمس لنفسي:
    إيكاروس وابن فرناس لم يكونا ببراعتي!
    أرفرف ..
    فلماذا مازلت في غرفتي؟

    (2)
    أنا عاصفة،
    تحلم بأشجار تعانقها.
    بعيدة هي الغابات.
    موغلة هي الطرقات.
    رائعة هي أحلامي.
    وليس لي أقدام
    لأكمل هذا الكفاح المتكسر.
    المسيرة حلم.
    أنا أحلم ..
    والطريق كابوس لا تنتهي.
    أنا أحلم ..
    لا تيقظوني!

    (3)
    أنا أغنية
    تتوق لمستمع طيب.
    على أرضي البيضاء،
    ينام أطفال أفكاري:
    كسرب عصافير مرهقة.
    أصواتكم
    شظايا من نار.
    تنادونني: ألم تكوني معنا؟

    (4)
    أنا مطر خفيف
    يكره المظلات السوداء.
    هل في كتفيك متسع لعناقاتي؟

    (5)
    أنا أرض خضراء.
    اخلعوا أحذيتكم،
    وكونوا خفيفين:
    لا تدهسوا زهور الحواف!
    ماء الغدو مالي
    في رحلتي الرمادية إلى العودة.
    اشربوا ماشئتم،
    أنا لن أعود.

    (6)
    أنا خوف
    يرتعد شوقا
    إلى الشطآن.
    هاتي ملحي،
    أنا آلاف من الغرقى.

    (7)
    أرتب ألوان رايتي:
    من قاتم إلى أغمق.
    كأنني أستعد للتسمر على جدار متحف.
    وهذا الخنجر الفضي شفتاكِ
    أوجاع من اليقظة – –
    فانظري في عيني، واطعنيني،
    كي أكمل حياتي.

    .

    سالي علي

  • محمد الترهوني – هذا وجهكِ في رذاذ الأزرق الضبابي

    محمد الترهوني – هذا وجهكِ في رذاذ الأزرق الضبابي

    هذا وجهكِ في رذاذ الأزرق الضبابي كأنه إعادةُ اختراعٍ للعالم الإغريقي، كأنَّ وجهكِ هو وجه فينوس وهي تضحك عندما نتساءل جميعًا عن سبب عدم التوازن في دورة اقتصاد العالم، أوعن التقسيم غير العادل للممتلكات بين المحرومين و الذين يمتلكون كل شيء،تضحكين مثل فينوس و تقولين: “ياله من عالم الذي تعيشون فيه” نرحل أنا و أنتِ و معنا دولوز من بيت رواقي إلى آخر، و ليس لدينا شعور بالعار لأننا من عالم يموت فيه إنسان يوميًا بسبب الجوع، أنظرُ إلى حقيبة ظهرك كأنها لوحة “حديقة المسرات الأرضية” للفنان الهولندي هيرونيموس بوس، أنظر إلى التكافل بينها وبين جسدكِ، فيها برتقالة لي و أصوات الشجار بين سيوران و الفلسفة بسبب الأخطاء التي ترتكبها، فيها قطعة كيك لي و صوت دولوز وهو يصلح أخطاء الفلسفة كي يبتسم سيوران، فيها نهر أجلس على ضفته و أراقبُ دموع نيتشه بسبب هروب الفلسفة في اللحظة التي ظن أنه قبض عليها فيها، فيها قطعة شوكولا لي و قصيدة كتبها بيكاسو و تحدث عنها ليريس، فيها منديل لمسح الحزن من على جبيني و الدموع من على خد رامبو وهو ينظر إلى ساقه المبتورة.

  • رنيم نزار – برومو النساء الحزينات

    رنيم نزار – برومو النساء الحزينات

    ١

    أبارك للموتَ الفاضل
    الذي اغتصب
    وولج
    قلبَك
    عملٌ لم يقدر قلبي على إنجازه

    ٢

    زهرتي التوليب
    في صدري حلمتي
    نابزة
    تنتظر المطر
    يسقى رحمة
    من فمك
    يسقي كل هذا العذاب

    ٣

    يوقد فتيله
    ويصمت
    أشتعل كجمرة
    من يشتري ناري
    لأحرقه.

    ٤

    تنضجُ على يدك
    انوثتي؛
    رجولتك توبّخ اشتعالي
    فنحترق.

    تتلاشى تحت أقدامك
    أنوثتي؛
    تجتاح فحولته
    هضابي.

    هدنة المساء

    ٥

    ثم يعود الذئب يعوي
    إلى سريري
    راجيًا
    كي يرضع من حليب
    إدمانه.

    ٦

    النساء الحزينات
    عاهرات الرجال الذئاب
    أولئك
    اللواتي ولج أجسادهن التعب
    وهربن منه إلى مخدع
    ليختبئن من شتاء طويل
    غزسن فوق عريهن
    وصلن بعد طريق
    الخوف
    إلى قبضة
    النشوة.

    ٧

    تطلب أن يطفئ النور
    لا تريد
    أن ترى الخوف
    في وجه الثعلب
    الذي يمتطي صهوة السرير
    في ليلة المعركة.

    رنيم نزار

  • رنيم أبو خضير – منديل البكارة

    رنيم أبو خضير – منديل البكارة

     

    1.
    أنا امرأة بدائية
    كل ما لدي
    مرآة ومشط
    وأفخاذٌ تخبأ فرجي
    وسريرٌ يحمل جسدي العاري
    وسروال أحمر..


    2.
    متعبة
    يصفعني برد الشتاء
    وتحرقني نار الصيف
    عارية فوق سرير الوحدة


    3ّ.

    مثل منديل البكارة
    الأبيض
    الذي يزينه الدم في
    حداد الطفولة ..
    أنفجر

    ..
    4.
    مثل انكسار الزجاج في
    غرفة الوحدة الموحشة
    أنت الهواء الذي اغتصب
    الدفء
    والركود
    ..اتحطم
    ..
    5.
    مثل تباهي الشمس في
    زيارة
    شرفة أعمى
    ..أشع نارًا
    ..
    6.
    وصراخ أطفال الحي
    أمام بيت العاقر
    الثكلى
    ..أعاند
    ..
    7.
    مثل امرأة تشحذ الحياة
    من رجل نهش السرطان رجولته
    ..أرجو
    ..
    8.
    ومثل قطار يمشي فوق مدينة خاوية
    لا زائر فيها
    ولا ساكن
    إلا أشباح الماضي
    الهرم
    ..فارغة

    ….
    9.
    مثل نضوج أزهار الصيف
    أمام ذبول قلب وحيدة
    ..شامخة
    ..
    10.
    ومثل ولوج فرج امرأة
    تسكن لحاف الخوف
    وتشعل أنوثتها في
    ثلاث اصابع
    ولا تهدأ
    ..أمارس عادة الليل
    ..
    11.

    مثل عضة رجل غائب على عنق زوجتة
    بحميمية مفترس
    الزوجة الخائنة
    تخاف أن يشاء جسدها على النطق
    بعدد مرات الحرب فوقه
    ترتجف
    ..أذبل
    ..
    12.
    أما أنا هذا كله
    أنفجر، أتحطم، أُشعُّ نارًا، أعاندُ، أرجو، فارغة، شامخة، أمارسُ عادة الليل، أذبل
    ..

    13

    أنمو بداخلي،
    أعض على كتف صبية، وأشنق غيرتي بشعر أشقر لأخرى، لا تضيق المكان علي..
    ..
    14
    من يقضم قضيب الليل عني ؟
    من يحتاح فحولته
    ها هو يلج بين أفخاد ناصعة البياض
    وشديدة الاحمرار
    من سادية الحزن الذي يرافقه
    َفي فرج اهترأ وحدة
    وشراسة ليل
    لا يرحم


    15
    أيها البائعُ الجوال
    هذا قلبي
    أتشتريه بحضن !

    ..
    15
    في الحانة
    الذكرى تسكن الزجاجات
    الفارغة.


    16
    فاتورة الحزن
    يبكي جسد امرأة
    ثكلى
    حليب
    ترضعه الايام


    17
    فيض
    في البانيو
    يفيض جسد امرأة
    طعم الغبار

    ..
    18
    هذه هي حبات الخوخ الناضجة
    ذابلة في جسد المغدورة
    تلمع في فم الليل


    19
    رغبتة بي
    جدا نقية
    كالماء
    بلا اي حب

    20
    أستحم من رجس
    الوحدة
    العابرون
    لا أحدٌ فوق مرفئ
    جسدي
    وحدي..

    21
    أمرر يداي على نهدي
    واقول: آه
    إنها الوحدة، ولا شيء
    إلا التعب
    اللذة تهجرك
    ولا شيء، معك إلا نزيف الحاجة

    ..
    22
    يا جسدي العاري
    تبرأ من رجس الحاجة
    وارقص!

    رنيم أبو خضير

  • سيلفيا بلاث – قصيدة لوريلاي

    سيلفيا بلاث – قصيدة لوريلاي

    لا ضوءَ هنا للغرق
    القمرُ مكتملٌ، والنهرُ ينهمر
    يبعثان انعكاسًا أسودًا لطيفًا
    .

    ضبابُ الماءِ الأزرقِ يقطر
    وترًا تلو وتر
    كشِبَاكِ الصيد
    رُغمَ أنَّ الصيادين نائمون
    .

    ِأبراجُ القلعةِ العظيمة
    تضاعفُ انعكاسَ نفسِها في الزجاج
    ٌكلُّ شيءٍ صامت
    ومع ذلك
    كلُّ هذه الأشكال تطفو فوقي
    فتعكرُ وجهَ الصمت
    .

    من القاعِ تمتدُّ أطرافُهم جميعًا
    ٍبغزارة
    وبشعرٍ أثقلُ من شعورِ التماثيل الرخام
    يتغنون بعالمٍ يمكنُ صنُعه
    ًأكثرَ اكتمالاً وصفاء
    من هذا العالم
    .

    يا أخواتي
    أغنيتكنَّ تحملُ عبئًا ثقيلًا
    ِعلى مسامعِ العالم
    هنا
    ٍفي هذا البلدِ المحكومِ بقوة
    ٍتحت حكمٍ متوازن
    تُشوِّشُّه الأنغام
    .

    بنظام دنيوي
    أصواتكن محاصرة
    وأنتن نازلات على كوابيس
    الشعاب المرجانية الصارخة
    تؤكدن وعود الرسو في المرافيء
    في يوم
    تزاح فيه حدود العتمة
    وتزاح فيه أيضا حواف النوافذ المرتفعة
    .

    لا شيء أسوأ من أغنيتكنَّ الماجنة
    أكثرُ من صمْتِكُنَّ؛
    ِمصدرُ هذا النداءُ المثلجُ للقلب
    وثُمالةُ الأعماق العظيمة
    .

    ُيانهر!
    أرى الانجرافَ عميقًا
    يحملُ إلهاتِ السلامِ العظيماتِ هؤلاء
    ِفي تدفقاتكَ الفضية
    فاجعلني حجرًا
    ْواحملني للقاعِ هناك

    .

    Lorelei
    by Sylvia Plath / USA
    Translated by: Sally S. Ali / UK

    لوريلاي

    قصيدة لـ سيلفيا بلاث

    ترجمة: سالي س. علي

  • صباح الخير – عماد أبو صالح

    صباح الخير – عماد أبو صالح

    صباح الخير
    على ذبول عينيكِ
    صباح الخير
    على عريشة شعرك
    على نقطة العسل
    السائلة فوق المخدة
    من فمك
    على الدبدوب الكسلان في حضنك
    على الحمامتين المحبوستين
    اللتين تنقران شبابيك الدانتيلا
    في حمالة صدرك
    على الملك المستبد
    الذي فشلت طعنات ليلة أمس
    في زحزحته
    عن عرش جسدك.

    صباح الخير
    على الملابس المتسخة
    في سلة غسيلك
    على بقايا طعام العشاء
    في صحون مطبخك
    على الفنجان
    الذي يحبس أنفاس القهوة
    لتبقى ساخنة
    في انتظار قبلتك
    على التراب العالق بنعل جزمتك.

    صباح الخير
    ، كرامة لخاطرك،
    على كحة أبيكِ
    وروماتيزم ركبتي أمك.

    صباح الخير
    على العصافير المختبئة
    من أصوات الرصاص
    في شرفتك.
    على ذبابة وجه
    ابن بواب عمارتك
    على كلب جيرانك
    وزبّال شارعك.

    قصيدة “صباح الخير” من ديوان “جمال كافر” 2005

  • مختارات من غليان الطين – سرد وموسيقى – صبا طاهر

    مختارات من غليان الطين – سرد وموسيقى – صبا طاهر

    إلى الإنتحار،
    يا مغويًا وجامحًا، يا مفعمًا بالشهوة.
    لماذا أنتَ مغرورٌ إلى هذا الحد إذا كنت لا تملكُ جدولاً بمواعيدِ الموت!
    لماذا، وأنت غيرُ قادرٍ على مصادقةِ ملاكِ الرحمة !
    لماذا ؟!

    أثناء القراءة، يُمكن الاستمتاع بالموسيقى المصاحية لكل نص.

    “الموت فنّ
    على غرار كل ما عداه
    وإني أمارسه بإتقان “_سيلفيا بلاث

    أنا صبا.
    ولدتُ وفي قلبي رصاصة، مع كل نبضةٍ شعرتُ بآلامها، لكن الكبرياء منعني عن الكلام، حاصرني وجعٌ فوق طاقتي على الاحتمال، فاخترت العزلة طوق نجاة لي، خلقتُ معها حياة سرية داخل حياتي، كانت السور الذي حمى هشاشتي وضعفي من اختراقات البشر، البيت المحمي لقلقي من السقوط في هاوية لا تشبهني، من ذوباني في كائن آخر.
    كانت عالمي المثالي الذي اعتنيت فيه بدماغي، وصَّفيتُ الصور المشوشة التي تسكنه.
    عزلتي كانت علاجي من الخوف، ضمانتي ألا أفقد ذاتي في عالم العمى.

    أنا صبا.
    انهرتُ أخيراً،
    أتحسَّسُ قلبي وأواسيه، محاولةً بكل شجاعة إنهاء كتابنا الأخير، فلم يعد ثمة وقت كاف لكل هذا !
    بالكلمات سنودعك أيتها الكلمات، وحدك تعرفين كم كانت أياماً صعبه تلك التي تجاوزناها معاً، كم شعرت فيها أن ثعباناً يعتصر جسدي وروحي. أياماً ظننتُ فيها أني مِتُّ كشجرةٍ نائمة، كما تموتُ أشجارُ أهالي الجبال حين يقطعون أخشابها بعد منتصف الليل، في الربيع عند اكتمال القمر، حينها فقط لا تشعر الأشجار بالألم.

    لقد مِتُّ قليلاً، لولا أن ذئب الليل الغريب عاد، كان يفرك جرحه بجذعي، ودمه يغرق جذوري، و أغنيته تهز كتفي :

    عودي إلي،
    وخذي جلدي فرواً يحميك من ظلم الشتاء
    عودي إلي،
    معكِ أتمرد على تَوَحُّشِ أجدادي
    و أرى العالم من خلالك
    كما يراه الظبي الذي يلهو بظل الحشائش
    عند المنحدر الشمالي.

    “يلزمني كائنات تشبهني”_ لوتريامون

    لستُ كتاباً يعيشُ في المجتمعات الرأسمالية، ليس لي معنى في لغة الاقتصاد، لا علاقة لي بمكافحة غسيل الأموال والضمانات البنكية، لا ترجمة لي في تفاسير الأحلام، و لا تعنيني أبداً محاكماتُ التجارب الشعرية !
    إنني دفترُ مذكراتٍ صغيرٍ يعيش في المناخات الاستوائية وعلى شواطئ البحار، يتنفس ساعات الليل الأخيرة، والأفق البنفسجي.

    قد أكونُ وقائعَ حياتيةٍ أو مجردَ خيال، أحلامَ يقظةٍ، وقد أكون مرآتك.
    من الممكن جداً أنني معمل لتحميض الصور ( النيجيتيف ) القديمة التي التقطتها عدسة الروح،
    كما أنني بالتأكيد لست هنا من أجل مكتبتك!
    فلنقل أني جزء من أفكارك التي لم تعبر عنها بعد، الحنينُ الذي لا يتكررُ؛ لكنه يتشابه في اللوعة.
    أنا كائنٌ مستقلٌ بذاته، تستطيع أن تصادقني و تأخذني معك إلى الغابة والبحر، سأكون معك ضد العالم
    والكلماتِ الجارحةِ، ضدَّ القسوةِ، سنكتب شعراً للقلوب المرهفة الحس.

    أنا وأنت سنتعرف علينا في العالم الموازي، نرسل لنا الرسائل والهدايا ونتبادل الأفكار، وعن أرواحنا سنرى من كانت في حيواتنا السابقة، سنقرر ماستكون عليه في حيواتٍ أخرى.
    سنخلق لغتنا المشتركة و ستعرف حينها أنني لست كتاباً تقرؤني وأنت تفكرُ بمؤشر الأسهم وارتفاع سعر الدولار، ومتابعة قرارات هيئة سوق المال، وقنوات الموضة وعروض الأزياء، ولا برامج الـ Real Show،
    لكنك – أيها الغريب -تستطيع قراءتي وأنت تَشتُمُ الحياة و تشعر بثقل الظلام على وجهك، تحس بالحب يسحرك و يعتصرُ قلبك، يسعدك لكنه يؤذيك !
    وأنت تتخيلُ طرقاً مضمونةً ومؤكدةً للانتحار، فتنحازُ للطف الحبوب المنومة، حتى لا تزعج من تحب بمنظر الدم، ولا تقلقُ غيرك بتنظيف الفوضى من بعدك.
    وأنت تضغط بيديك على صدرك حتى لا ينفجر، وأنت تتعذبُ وتنهار من الألم وكأن الأفعى تبتلعك، وجسدك كله في طريقه إلى بطنها.
    سنبكي معاً حينها، سأكون بجانبك، أضمُّك إليَّ، سنكون روحاً واحدةً تصرخ في وجه العالم.

    “الأيام الجميلة دمرتني”_ أورخان لي

    موسيقى: الخيميائي – زيد ديراني

    أمي غزالةٌ و أبي الكهف: ولدتُ في الجبلِ البحري “وادي شجرة الرمان”
    إحداثيات الولادة: 12/1977 : 04:17am
    إحداثيات الـوفاة: 2005 : 02.31 am
    لا أتذكر الكثير عن موتي، لكني مازلت أحس بطعم الطين وماء السيل في فمي، وأشعر بذراعيها – شجرةُ العِرَار العتيقة أعلى التل- تحتضنُ جسدي بقوةٍ، مرتعبةً أن ينفلت منها إلى الوادي، ويدها تشد على عيني حتى لا أرى !
    روحي المعلقةُ بين حياتين عادت في عام 2011 إلى الإرض على هيئةِ كتاب أسميته “ما من يدٍ على وجهي”.
    في الوقت الذي كنت ميتةً فيه، مر نصفُ يومٍ بتوقيت أهل الأرض رأيت فيه “ميراثي من الأجنحة والهلاوس”، نبتت على جسدي أشجارٌ صغيرةٌ لا أعرفُ أسماءها، لكن أنفي يحتفظ برائحتها، شعري صار طويلاً طويلاً، مربوطةً في أطرافه الكثير من الزوارق الملونة.
    لا أفهم كيف صحوت من موتي هنا !
    رأسي غارق في ملح البحر، و قلبي هناك، يتمشى بذراعين مشدودتين إلى ضبابه بين الجبال.
    هذه أنا، أسبحُ كحوريةٍ ذهبية، ومع كل نفس تلتفت روحي إلى تراب الجنوب، للقرية الصغيرة في حضن الجبل، حيث ولدت.
    كان الوقت شتاءً، قبيل الفجر، و أمي تفكر كيف تنقذ حملَها، وهي التي كانت تدعو أن تلد
    ملاكاً يستقبلها في السماء عند باب الجنة، عندما يحين الوقت.
    أتيتُ أخيراً، وكم هو غريبٌ أنَّ عذابَ تسعة أشهر، ينجب أغرب أطفالك، أحنَّهم عليك و أحبهم لروحك.
    تقول أمي : عندما ولدتُ لم أبكِ، لكني ابتسمتُ لها أجملَ ابتسامةٍ رأتها على الإطلاق، وأنها ندمت حينها على كل لحظةٍ فكرتْ فيها باحتمال عدم وجودي.
    عندما أكملتُ عامي السادس، أخذتني إلى جدتي لتعلمني كل ماتمنت أن أبني عليه حياتي.
    وتحت ظلِّ شجرةِ تينٍ عتيقةٍ؛ وضعتْ في يدي كمشةً من تراب الأرض، وفي اليدِ الأخرى غصنَ ريحانٍ كانَ معقودًا في شعرها، تفوحُ منه رائحةُ الحنة.
    قالت لي: أنت ابنة فلاح – أبداً لا تنسي ذلك – كان يزرعُ الأرضَ ويصلي أن تُمطرَ السماء. حقولُ القمح هذه أمامك لها ألفُ حكايةِ صبر وانتظار، ليالٍ طويلةٍ من القلق والدعاء، كي لا يذهب في لحظةٍ عاصفةٍ كلُّ هذا التعب.
    مثل هذا الريحان ليكن قلبك، أخضر، يترك عطراً في يد من يلمسُه، تضحكُ أوراقُه لنورِ الشمسِ وانهمارِ
    المطر.

    هذه البئر لن تبدو لك بعمقها الحقيقي مهما نظرت إليها، فكري دائماً فيما هو أبعد، يستطيعُ كلُّ الناس أن يلمسوا السطح، لكن العمق لا يصل إليه إلا من أتعبه الحفر، فكري في جوهر الأشياء، حاولي.

    موشومٌ ذقن جدتي بخطٍ طويلٍ أخضر، قالت لي وهي تضع إصبعي عليه: هل ترين هذا الوشم! لقد تحملتُ ألمَ إبرة الخياطة ليختلطَ الدمُ بالكحلِ من أجل أن أبدو أجمل، أنت جميلةٌ دون أن يخبرك أحدٌ كيف تكونين كذلك، فقط اتبعي قلبك وحينما تنظرين إلى المرآة ستخبرك أنكِ أخذت من الربيع كل أزهاره، ومن قوسِ قزح ابتسامته.
    اجعلي قلبك قوياً مثل هذه الهضبةِ التي نجلس عليها، متحدياً كجذعِ شجرةٍ، و ليناً في يد من يحبك بصدقٍ، كالطينِ رهن خاطر المطر .
    عندما انغرست شوكةٌ في باطن قدمي، بكيت حتى نزعتْها وهي تقول: يا ابنتي في كل مرةٍ سيحدث لك هذا، سيأتي ما يؤلمك، ولن تجدي من يداويك، تعلمي كيف تكونين درع نفسك، ولا تستسلمي، عيشي كهذه الشجرة، أحبي و أعطي وفكري مثلها تماماً، كوني حرةً كهذا العصفور لكن لا تطيري مع سربِ طيورٍ لا تشبهك، فتؤذي قلبك، ولا تخدعك السماء، حتى هذا الأزرق له حدوده.
    آهـٍ يا طفلتي، منذ الآن أحس بروحك مرهفة وعنيدة وحساسة، لا تدعي ذلك يصيبك بالمرض، فإذا شعرت أن حياتك كلها مجرد حلمٍ، تذكري دائماً يدي وهي تكتبُ على جبينك: “أحرسكِ” لا تنسي أن يد الله تمسحُ على قلبك.

    صلي و أنتِ تغمضين جفنيك، بأن لا تتركي الخيط الذي يربط بين الواقع وخيالك مشدوداً أكثر من اللازم، أرخيه قليلاً حتى لا ينقطع، حافظي على هذه المسافة فلن يُدينكِ أحدٌ بالجنون.

    “إن الثيران والدببة لا تستطيع أن تحطم باب القدر، و لكن قلب حمامة يستطيع ذلك”_ نيكولاي كيلويف

    كما مراتٍ،
    أخلعُ ملابسي كلها برغبة لا حد لها في الإنكار، في العري والذوبان مع الهواء.
    أرميها بسرعة وكأني معها أتخلص من كل شيء، حتى من فكرة كوني بشراً !
    أقف في حضن شجرةٍ أسميها حياتي، تلامسني أوراقها الرطبة و تخدشني بلطفٍ أغصانها الصغيرة، أغمضُ عينيَّ بهدوءٍ، مشرعة ذراعي لأقصى ما يفرد طائر جناحيه.
    أقف صامتة بخشوع، حتى تتحد أنفاسنا أنا وشجرتي، لا تنكرني. لا تخاف مني.
    أتجرد من كل شيء عرفته وتعلمته، من الإجابات، الأفكار، الأسئلة الوجودية، الحقائق، الموت، القوى الخارجية،
    من البشر والغبار والغضب والحرية والفرص والخسارات،
    من وجهي و ذاكرتي والمكان والزمن. من الحب والخوف والغثيان والنهايات
    أخرج من العالم الذي أعرفه ولا أنتمي إليه، في أعماق الظلام، بفردانية لا حد لها، أتوحد مع كل ذرةٍ من حولي، لا أرتبك لا أخاف، لا أفكر.
    لا حزن لا سعادة، لا رغبة، لا آلهة، لا قلقٌ، ولا كآبة
    أشعرُ بنفسي تحل بنفسي، أو أني أعودُ إلى الغيب حيث كنتُ عبثَ الفكرة في وجودي.
    شيئاً فشيئاً أشعرُ أني كائنٌ لا مرئي، أني امتدادٌ للطبيعة، جسدي هذا الضبابُ الخفيفُ، و شعري عشُّ العصافير البردانه، فمي أفكارُ وردةٍ مجهولة، وجهي غيمة تتعلم كيف تمطر للمرة الأولى، قلبي ألم الكائنات الضعيفة تحت هذا الليل.

    كما مراتٍ،
    أرتكبُ هذا العُريَ أحياناً لأني لم أعد أعرفُ أين أقفُ ولا من أنا ولا ماذا أريدُ ولا بما أشعر، لأني لا أستطيعُ فهمَ كلِّ هذه الفوضى التي تتربى في دمي !
    غاضبة من كل شيء، أحس بنفور غريب من كل الكائنات دون أن يؤذيني أحد، حتى الذين أتصوفُ في محبتهم.

    كما مراتٍ،
    أفعلُ هذا العُري أحياناً لأني لا أريدُ أن أكونَ لحظتها أكثر من نجمةٍ
    مطفأة أو ورقةِ خريفٍ أو ريشةِ طائرٍ مهاجرٍ، ، لا تهتمُ بقدَرِها ولا بالكائنِ الذي انفصلت عنه ولا بالغيبِ الآتي.

    كما مراتٍ أخرى،
    أفعلُ هذا وكأني أودُ قتلَ هذا الجسد الساخن الذي أسكنه، أن أحطِّمَ هذا الرأسَ المحشو بالانهزام واليأس والكآبة والضعف والأفكار الجبانة، أن أتحرَّرَ من كوني إنساناً، أن أعودَ إلى أصلي الذي لا أعرفه و أتوقُ إليه بكلِّ روحي

    كما مراتٍ،
    أتعرى وكأني أتمرد على قيمة الأشياء ومزاياها الكاذبة، على أوهامي التي خلقتها وعظَّمتُها، على الاختناق و اعتراض عقلي، على هوسي بالتِّيهِ و مشيي اللانهائي والمرتعب ويدي بيد الضياع.

    ومراتٍ،
    كما لو أن الليلَ سيصبغني بسواده الحزين، فأتحولُ إلى عتمةٍ خالصةٍ لا تفكرُ إلا بنفسها، يؤلمها أنها بهذا الغموض المر تسألُ: فكرة من كانت أن التواء عنق الريح هو أنينها !
    من الغاضب الذي قرر أن مصيرها هو أن تفتح صدرها دائماً لطعنات الجبال، وأن هذه البحار ستنشف يوماً لولاء بكائها ..
    أتعرى أحيانا لأنها طريقتي في الهرب من زيف الحياة و الكذب والبكاء لساعات بدون سبب، أتعرَّى وكأني أحرقُ بيتي و أتبرأ من فكرةِ اللجوء والاحتواء.
    لو أنى أملكُ حريتي، لجعلت من حياتي القصيرة كل هذه الأرض، وأنا أتبعُ إشاراتِ قلبي الغامضة حتى النفس الأخير.

  • أعمق من المعنى، أشفُّ من البلور – بلقيس الملحم

    أعمق من المعنى، أشفُّ من البلور – بلقيس الملحم

    بدمي الأبيض
    وغزالتك الهاربة أكتبكِ،
    وجهك الساطع
    عيناك اللؤلؤيتان
    ثغرك العسلي
    جسدك القطني
    حبيبتي قبل ألف عام
    حبيبتي الليلة وغدًا وحين حملك بين ذراعي
    بأحبار اللوز أرسم على زندك غصنين
    لا تبالين
    تمررين لسانك وتغلقين سيجارتين كوبيتين
    كنت تلفينهما على فخذيك
    أعصرك وأردد:
    أحبك!

    هل تسمعين صوتي؟
    جربي أن تجمعيه من حناجر العصافير
    لا يمكن رميها بحجر
    ولا أن تحط جميعها على أغصان يديك
    حتى ذراعيك الطويلتين لا تكفي لاحتضانهما
    أردد أغنية قصيرة بطول الحب
    أين تذهب أنفاسكِ حينها؟

    تنبتين في فمي
    أتمدد دون أن أجرحك بجذوري
    بقصيدة رطبة أتلوها
    تنسكبين
    كأسًا أشربك
    كأسين تشربينني
    في الإغماض الخفيف
    في الهمس
    في الزحف بطيئًا على بطن المسافة
    توجد نقطة
    أسميها بذرة الكون
    حاء الحسن
    باء الفضاء
    فوق العالم
    تحت بذور لم تنبض بعد
    بين هضبتين
    وأشجار الرمان الكثيفة
    من نافذة مهملة تسربت أرواحنا
    وتمددت جوار بحر من الظلام والنور
    سيطلع القمر غدًا ويغيب
    دون سديم يغشى السماء
    ألف نجمة باردة وُلدت من قُبلنا
    فتعاقبت
    أعرف بأن بعضها اختفى
    بعضها ضاع
    وبعضها هبط من لهيب الأنفاس

    قولي
    من أين تأتين بجيوشك؟
    تُلغّمين الهواء
    تفتحين قلاع العالم
    ينصاع الماء
    ولا تعصيك الزهور
    ثم تنفجر كل هذه القبل الطويلة
    تنزلقين كزيت عطري
    فلا أجدك

    إلى أين تذهبين بعقلي الذي غرست به جناحين فطار؟
    يا بحرًا من الحلوى
    ومنديل حرير
    أفيك يتجلى الكمال السرمدي؟
    أين تذهبين بي يا حلمًا يبتسم بينما الليل يتكدس في الطريق
    تقولين وأنت السرمدي في قلبي
    هات نبالك وارمي بها صيدك
    يوم كان التنور يفور
    والطوفان أصعب الأسئلة
    كنا نتشبث بجذع شجرة
    كانت الشجرة طيبة وفوق هذا كله
    قطف منها الثمار
    مرة أطعمتك أصابعي
    مرة أطعمتني أصابعك
    ومرات غفونا ونحن نرضع منا
    امنحيني يا شهية الصمت شيئًا من الجنون
    كوني حريقًا
    أو مأرز الرغبة
    عطر العفة
    نور الجبين
    حزنًا داكنًا
    فرحًا ناصعًا
    فوضى وعبث
    وهدوء تام

    كوني آخر قوسين يغيبان
    أول شمس تطلع
    رحيق زهرة
    بقايا دخان
    خطأ منزهًا
    لعنة لن تتكرر
    كوني كل شيء
    لكن إياك إن تدفني ذكرانا
    فيحل ظلام لن نراه أو يرانا!

    15-6-1440هـ

  • الأبواب – محمد الحكيم

    الأبواب – محمد الحكيم

    لا تموتي مُبكرًا
    لا تموتي أبدًا
    واطرقي قلبي،
    قد تجدين إرثًا
    لا يعودُ لأحد.
    هو لكِ إن ابتسمتِ
    لي هذا النهار.

    أفتحُ الأبواب للحب،
    كي لا يدخل
    كي لا يخرج
    كي يطمئنَّ على الطريق
    وترقصَ أعضاءُه سرورًا

    أيها الولدُ العاشقُ،
    لا ظلَّ لك
    لا أنتَ لك
    لا مُلك لك

    أنظرُ الأفق
    صحراء تصنعها عيني مُمتدةً
    صحراءُ زرقاءُ
    مُبتلةٌ وجافةٌ

    أستدعي الوقتَ الساكن
    كلما عبرَ البحرُ من موتي،
    أنتشي غرقًا.

    سقينا بملحِ الماء
    خرائبَ تسكننا
    فنبتت الريحُ في الرؤوس

    هل كان على الحب أن يكون مخاتلاُ إلى هذا الحد؟
    جميلاً إلى هذا الحد؟
    حقيراً إلى هذا الحد؟

    على مفترق موت
    يغدو النسيانُ نافذة
    والسؤالُ خنجرٌ أثلمٌ يُداعبُ
    عنق الغواية فينا.

    ..

    الأبوابُ المفتوحةُ كلها
    تحملُ العبورَ على
    أكتافها، وترحلُ.

    من يحملُ الآن عبء النهاية؟
    من يجرؤ الآن على البداية؟

  • نتوءات – محمد الحكيم

    نتوءات – محمد الحكيم

    العالَمُ ليسَ ازدِهارُ الرغبةِ،
    إنه احتفاءُ الغربةِ.

    *
    كم كُنتُ أحلمُ،
    أنا، وأنتِ،
    اثنانِ بلا وطنٍ،
    نعيشُ ضدَّ كُلِّ العالمِ.
    كَم كُنتُ أحلمُ !

    *
    عندما كنتُ فارساً لكِ،
    لم تكوني مطيتي،
    كنتِ حُلمي بالفروسية.

    *
    أقرأُ لأتزودَ بوقودٍ للأحلام،
    يكونُ الأمر جيدًا إذا كانت الألفاظُ
    لا تدلُّ تمامًا على المعاني،
    هذه فُسحةُ الخيال.

    *
    فُحشُ الكلام
    يكسرُ روتينيةَ القول،
    ويقلعُ الأبجدية.

    *
    الإصغاءُ للشكلِ خطيئة.
    ولا يمكنُ مدحُ الصحراء،
    بشتيمة الثلج.

    *
    ثمةَ منفعةٌ أدبيةٌ فيما يبدو،
    حينَ أكونُ مُفلسًا.

    *
    لا يُمجدُ الشخصُ المتشردُ شيئًا،
    مثلَ المراحيضِ العامة.

    *
    في التردد والشك دليلٌ على النزاهة،
    أما اليقينُ المطلق،
    دجلٌ مطلق.

    *
    أيها الوطني فينا،
    لا تذهب،
    ثمةَ مُتسعٌ لمزيدٍ من الخيبة.

    *
    يا امرأةً من ماء،
    كانَ البحرُ أضيقُ من دمك،
    فلماذا تخثرتِ دونما طوفان؟

    *
    أخافُ عليكِ من التوق إلى عدم العودة،
    أخافُ عليك منكِ،
    من ليلِ غيابك،
    أخافُ أن تتأخري،
    فلا تجدي،
    قطاراً، ولا نجمة.

    *
    تُعوزني الحقيقةُ، أي تُذلني.

    *
    الأمل،
    أكبرُ داعرٍ يقيمُ فينا،
    ونستطيبُ مُقامه.

    *
    فليكن،
    لابدَّ لنا من نخبٍ جديد.

  • مذكرات الموسيقي الروسي ديمتري شوستاكوفيتش في امبراطورية الرعب – ليلى عبد الله

    مذكرات الموسيقي الروسي ديمتري شوستاكوفيتش في امبراطورية الرعب – ليلى عبد الله

    وُلد ديميتري شوستاكوفيتش (Dmitri Shostakovich) في سانت بطرسبرغ – روسيا، في 26 سبتمبر، 1906، وتوفي في موسكو، في الثامن من أغسطس عام 1975، يمكنك الاستماع لموسيقى ديميتري شوستاكوفيتش  بينما تقرأ قصته في امبراطورية الرعب.

    كتبت ليلى عبد الله

    أن تقرأ سيرة الموسيقي الروسي العظيم في زمن السوفييت ” ديمتري شوستاكوفيتش” التي نشرتها دار المتوسط وأعدها لها سولومون فولكوف الشغوف بموسيقى هذا العبقري وصديقه أيضا رغم فارق السن الكبير بينهما وترجمه محكمة من محمد حنانا . أن تتسلل في سيرته وأنت تشاهد بصريًّا أداءه الموسيقي المذهل للسيمفونية الثانية الذي رقص على أنغامها كل من الممثلين ” كيرا نايتلي ” بدور آنا كارنينا والممثل ” أرون جنسون” بدور البطل بدور فرونسكاي . الفيلم الذي اقتبس من رواية تولستوي الشهيرة ” آنا كارنينا”. المعزوفة الشهيرة نفسها جسدت رقصات في عديد من الأفلام والمسرحيات التي وظفت الموسيقا في نصوصها الدرامية. تتواصل القراءة له وأنت تُمتع أذنيك بسماع أوبرا “الأنف” مبنية على قصة غوغول الذي خرج معظم كتاب الروس من معطفه كما صرح العملاق الروسي دوستويفسكي بنفسه. أو موسيقا فيلم ” بابل الجديدة”، وموسيقا مسرحية ” بقة الفراش” وبقية سيمفونياته الآسرة التي مثلت على خشبة المسرح وأخرى ظهرت في أفلام خلدت في التاريخ صيته كموسيقي عالمي له طابعه الفريد.

    ديمتري شوستاكوفيتش ولد وسط التناقضات في 25 أيلول عام 1906م في بطرسبورغ عاصمة روسيا الإمبراطورية التي كانت لم تزل ترجع صدى الارتعاشات الثورية لعام 1905م حيث النزاع بين الحكام والشعب لم يتوقف أبدا. العام الذي حمل العديد من الذكريات والخيالات الكابوسية، ترعرع في أسرة كانت تطرح حوادث هذه الثورة مثل بقية العائلات الروسية التي توقفت عن الايمان بالقيصر الذي كان سفاحًا للدماء، حيث عربات محملة بجثامين الأطفال، الجنود الذين كانوا يطلقون النار على أطفال كانوا يراقبونهم بنشوة الفضول من على أغصان الأشجار، الأطفال أنفسهم كانوا يسقطون كالعصافير الضاحكة إذ كانوا قد قتلوا على حين غرة فلم يسنح لهم الوقت ليشعروا بالرعب؛ لذا كانوا يموتون والبشاشة تملأ وجوههم الغضة بالبراءة!

    لقد نشأ شوستاكوفيتش على ذاكرة سياسية، ذاكرة مزدحمة بالطغاة وبأفعالهم الدنيئة في حق الشعوب والأطفال لاسيما الضعاف منهم، لقد ولد ثائرًا منذ طفولته ومسؤولاً كذلك عن توفير لقمة العيش لأختيه بعد أن توفى والدهم بمرض ذات الرئة في الوقت الذي شاع فيه الجوع وأغلقت المعامل وتوقفت وسائط النقل، لقد كان كل شيء قاسيًّا ومرًّا على شاب فتي مثله، وفوق ذلك عليل الصحة، وجد في تأليف الموسيقا نوعًا من المقاومة، لكنه كان يصطدم بواقع لم يكن يختلف كثيرًا عن وقائع ثورة 1905م من حيث القبضة العسكرية والعنف.

    كان تلميذًا نجيبًا في كل شيء لاسيما في تعلم الموسيقا. عمل عازفًا للبيانو في مسرح ” البكرة اللامعة” لصاحبه ” فولينسكي” الذي كان يمعن في استغلاله شر استغلال فلم يكن يدفع له أجرته مقابل عزفه بل من وقاحته يتبجح في مواجهته عندما يطالب الأخير بأجرته كحق من حقوقه، فيصدمه بسؤال وهو يحدق فيه بقذارة كما لو أنه آثم: أيها الشاب، هل تحب الفن العظيم السامي الخالد؟ فكان شوستاكوفيتش يجيبه بنعم . فيرد عليه بوقاحة: أيها الشاب، إن كنت تحب الفن، فكيف تستطيع أن تتحدث معي الآن حول ربح قذر؟

    فولينسكي الذي كان يرفض أن يدفع له أجره حين كان حيًّا من سخرة القدر أن توجه له دعوة بعد سنوات عديدة ليحيي ذكرى هذا الرجل الجشع بعد موته!

    وجد هذا الموسيقي – الذي صار شهيرًا – نفسه في زمن كان كل شيء فيه خاضعًا لسلطة الدولة، بل لسلطة القائد الوحيد الذي هو القانون، ولكي يكون المرء مفضلاً وليعيش بسلام؛ ينبغي عليه أن يدخل في جهاز الدولة وينفذ ما يكلف بمهمات وفق ما يرى القائد.

    هذا القائد كان ” ستالين” الطاغية الذي كان يصر على حضور المسرحيات التي تعرض، وعلى الاستماع للموسيقا التي تؤلف إن كان تشكل خطرًا عليه وعلى مركزه العسكري كان يأمر بقطع رأس مؤلفها. فكلمة ستالين كانت قانونًا، فهو القائد والمعلم ولا يحتاج إلى إصدار أمر. كانت المسألة التي تشغل الفنان والمبدع وقتذاك إلى أي حد أو إلى أي درجة يحب القائد عملك؟ كان هذا شاغلهم، بدا الجميع خائفًا بل مرعوبًا؛ لأنه ملاحق وإبداعه محل تهديد من قبل طاغية لا يفهم في الموسيقا ولا الإبداع، بل ترعبه فكرة أن تشكّل الموسيقا تهديدًا لسلطته. لقد كانت حتى مسرحيات شكسبير ممنوعة رغم أن العالم الآخر كان يحتفي بها غير أن في السوفييت كان بعضها يعرض تحت رقابة شديدة أما ” هاملت” و” الملك لير” فقد منعا لسنوات من العرض على المسرح السوفييتي. كثير من الفنانين أضحوا ضحايا لنظام استبدادي، لقد دفعوا ثمن إبداعهم وعدم خضوعهم .

    ولقد تحدث شوستاكوفيتش مطولاً عن هذا الأمر، عن ستالين . عن القائد الذي يتدخل في كل شيء ويقمع كل شيء وضربه مثالاً لكل الطغاة في العالم” يحب الطغاة أن يقدموا أنفسهم كرعاة للفنون. تلك حقيقة معروفة. لكن الطغاة لا يفهمون شيئا في الفن. لماذا؟ لأن الطغيان هو انحراف. والطاغية منحرف. يبحث الطاغية، لعدة أسباب، عن القوة، يدوس الجثث. القوة تغري . تفتته فرصة سحق الناس والسخرية بهم”.

    تأثر شوستاكوفيتش الشاب الغضّ بقواعد ميرخولد الفنية والنقدية كمخرج مسرحي له مكانته في الأوساط السوفيتية وقتذاك قبل أن يقع في براثن السلطة وقبل أن تصير شقته مرتعًا للرعب في جانب من ذاكرته حيث قتلت زوجته الجميلة المتأنقة المكابرة بوحشية بعد أن أختفى زوجها الشهير الذي كان يحيط نفسه بأشياء ثمينة وبأشياء جميلة أيضا كزوجته الفاتنة. والاختفاء في زمن السوفييت كان يعني الاعتقال، فالناس كانوا في تلك الأيام يختفون ببساطة من دون أي كلمة رسمية، كان مصيرهم يظل مجهولاً. يتم تصفيتهم في أقبيتهم المظلمة حيث تم اخفاؤهم دون أن يجرأ أحد على الاعتراض، أو السؤال عنهم!

    ميرخولد الذي أخرج معظم مسرحيات غوغول، وكان شوستاكوفيتش عازفًا للبيانو في مسرحياته. وتأثر بقواعد الإبداعية في عوالم الفن، القاعدة الأولى تمثلت في أن يخلق الفنان كل جديد، أن يصدم جمهوره في كل مرة بعمل مبتكر ومختلف. والقاعدة الثانية من درس ميرخولد أن تجعل عملك الأفضل أو أن تجعله على طريقتك الخاصة، بمعنى على المبدع أن يبتعد عن التقليد وعن تكرار الآخرين في أعماله.

    والقاعدة الثالثة كانت تمس الجانب النقدي وكان ميرخولد يعلنها صريحًا في كل مرة: ” إذا أرضى نتاجك الجميع، عندئذ اعتبر ذلك فشلا كليا. ومن ناحية ثانية، إذا انتقد كل شخص عملك عندئذ يمكن أن يكون عملك شيء جدير بالاهتمام. يأتي النجاح الحقيقي حين يجادلك الناس حول عملك، حين يكون نصف الجمهور مبتهجا، والنصف الآخر جاهزا لتمزيقك”.

    ببساطة كان المبدع مقموعًا بعدة أساليب ومسميات أيضا، فقد شاع في زمن شوستاكوفيتش ورفاقه المبدعين مصطلحات تتناسب وعصر الرعب كمصطلح ” شقة مشاع”، بمعنى أن المبدع ليس من حقه أن يكون مستقلاً في بناء مستقل لوحده فهذه الحياة البرجوازية التافهة ليست من حقه، بل تدينه، وينبغي عليه أن يعيش في انسجام تام مع غيره وأن لا يقفل على نفسه في حصون مقفلة باسم الإبداع، وباعتراف شوستاكوفيتش في مذكراته” يمكنك قتل الكائن البشري من خلال أشياء بسيطة، بأسلوب الحياة، بالشقة المشاع” أي بمعنى انتهاكه وتدميره من خلال التدخل في خصوصياته. وكان انتظار الإعدام الثيمة التي ظلت تلاحقه كمبدع طوال حياته. ومصطلح ” أرخبيل غولاغ” وهو عبارة عن شبكة من السجون ومعتقلات التعذيب في الاتحاد السوفييتي سابقا، واشتهرت هذه العبارة بعد رواية التي ألفها الكاتب سولجنيتسين بالاسم نفسه. لقد كان المبدع أي كان مجال إبداعه متأهبًا للقبض عليه في أي لحظة؛ لذا كان يحتفظ بحقيبة صغيرة تحتوي حاجاته الضرورية وهو ينتظر في الظلام أمر اعتقاله من القائد.

    في الوقت نفسه كان هناك مبدعون خاضعون، نوع من الفنانين الذين باعوا أنفسهم للسلطات والذي سبق وأطلق عليهم المسرحي والناقد الألماني الشهير بريخت بالمثقف التوي، أي المثقف الذي يبيع آراءه للناس. كانت هذه الظاهرة أيضا متفشية في السوفييت في زمن ستالين، وقد ضرب مثالاً للموسيقي ” ماياكوفسكي” كان أنموذجًا للكاتب الذي يعمل خادمًا للسلطات. وقد خدم ستالين بإخلاص . أضاف ثرثرته لتمجيد صورة القائد والمعلم الخالدة. وقد أسهب شوستاكوفيتش الحديث عن صفاته:” ماياكوفسكي يجسد كل الصفات التي أمقتها: الزيف، حب إشهار الذات، الشهوة للحياة المرفهة، والأهم هو احتقاره للضعيف، وخنوعه أمام القوى. كانت القوة هي القانون الأخلاقي الأعظم”.

    ويبدو جليًّا أن شوستاكوفيتش كان قارئًا جيّدًا للأدب الروسي ومتأثرًا بنصوص معظم كتابه الذين برزوا في تلك الفترة، فالعلاقة ما بين الأدب والموسيقى تكاد تكون وثيقة وكلاهما يكمل الآخر ويضيف له جمالية خلاقة. وقد خصّ ” تشيخوف ” بحديث مهيب في مذكراته ” في الحقيقة، أنا مولع بتشيخوف، إنه واحد من كتابي المفضلين وقد أعدت قراءة ليس قصصه ومسرحياته بل مذكراته ورسائله أيضا”. كان تشيخوف تحديدًا كاتبًا واقعيًّا، وقد نقد تفاصيل حياة الروسيين وحياتهم بواقعية حكائية محكمة وجريئة أيضا. شغفه بنيكولاي غوغول لا يقل عن نظيره تشيخوف، فلكليهما التأثير الأعظم على حسّه الموسيقي كمؤلف.

    في نهاية مذكراته يصف شوستاكوفيتش حياته التي كانت مفعمة بالأسى والحزن فلقد كان إنسانًا بائسًا، عليلاً منذ طفولته، ونشأ في زمن ستالين حيث الرقابة والقبضة العسكرية والرؤية الأحادية، كان الجميع بائسًا حتى رفاقه من المسرحيين والموسيقيين والمبدعين. شهد بعضهم نهاية مأساوية ومروعة، ومات آخرون نتيجة معاناة رهيبة. وكم تمنى أن يمسح ذاكرته عن تلك الفترة السوداء، غير أنه في وقت ما تراجع عن قراره بجسارة، وقرر أن يتذكر كل شيء بل ويدونه على هيئة مذكرات تبقى للتاريخ، للشباب من بعده، ليمضوا في حياة أكثر صلابة . ولتكون هذه المذكرات التي تناولت في صفحات وفصول مطولة سير الآخرين وعرضت معاناتهم كمبدعين ومؤلفين موسيقيين. كما كتب في بداية مذكراته معترفًا :” هذه ليست ترجمة حياتي. هذه مذكرات حول آخرين. الآخرون سيكتبون عنا. ومن الطبيعي أنهم سيكذبون بوقاحة. لكن ذلك شأنهم” .
    ديمتري شوستاكوفيتش في مذكراته يتحسر على كثير من المبدعين الحقيقيين طوت سيرتهم بموتهم ناهيك عن موسيقاه التي كانت محظورة، والشبان الذين كانوا مولعين بالموسيقا يدرسون مؤلفاته بالكتمان وبسرية. لقد أتخذ من تأليف الموسيقا أداة مقاومة . مقاومة ضد القائد الظالم وضد القائد الذي جعل نفسه القانون حيث يحاكم الناس العزل ويسفك دماؤهم و يخضع حتى الموسيقا لقواعده المجحفة!

    لذا كان هذا الهاجس يكاد يشغل ذهنه طوال كتابته لهذه الذكريات، هذا التوثيق الذي جاء نوعًا من التخليد لرفاقه الذين رحلوا ولمشواره الموسيقي أيضا . وحقق مساعيه في ذلك بجدارة، فها هي مؤلفاته الموسيقية توظف في أهم الأفلام والمسرحيات، وهي في متناول سمع أي محب للموسيقا في زمن اليوتيوب. هذه السيرة التوثيقية مفعمة بالأسى جديرة بالقراءة وتكاد تماثل في تفاصيلها حيوات كثير من المبدعين تم قمعهم والتضييق على إبداعهم في إمبراطوريات الرعب، حيث يفنى الطغاة ويخلّد المبدعون!

    __________

    * نشر في مجلة الجوبة

  • الحب الذي لا عيد له – حنين الصايغ

    حاولت أن أفهمكِ كما يفهم الرضيع قبضته
    كما يلتفّ خطّ حول نقطة
    كما يفهم السكّين عقدة
    حاولت أن أفكّ لغزكِ
    كما يفكّ جاهل عقد أصابعه كلّها
    فيصاب بعقدةِ الجاذبية
    الشريط يعرض تفاصيل لا تنتهي
    بالأسود والأبيض
    مطر
    مظلات
    أحذية ….
    حاولت أن أفهم
    الحب الأحمر
    الحب الأسود
    الحب الأبيض
    الحب الذي لا لون له
    ولا عيد له
    الحب الذي لم يتنبه لوجوده أحد
    كالهواء….

    الشريط يعرض تفاصيل لا تنتهي
    مطر
    أحذية
    مظلات
    قلت سأنتظر كي أرى نفسي فيه
    فضحكتِ مني
    “الإنتظار هو موافقة ضمنية على مرور الوقت.
    وماذا لو لم توافقي؟
    هل سيتوقف الوقت عن المرور؟ ”

    صوتكِ يغيب
    ضحكتكِ تغرق في بركة الصّدى
    والشريط يستمر…
    أطفال
    وأحذية
    وأرصفة
    ربما لا أكون فيه
    قد أكون كل احتمالات الأبيض والأسود
    وكل احتمالات الضجر في رأس مراهق
    قد أكون كل مربعات رقعة الشطرنج
    على التوالي
    أبيض أسود
    أبيض أسود
    حتى أخرج من المعادلة نهائياً
    حتى أعود إلى اللالون
    كالحب الذي لا يتنبّه لوجوده أحد
    كالحب الذي لا عيد له
    كالهواء.