الواقفون على الأبواب .. واقفون على الأبواب، ثعبان يأكل ذيله.
لم أشعر سوى بصدرى يأكل صدرها .. لم أستشعر تفاصيل جسدية مغرية بعينها، كان داخلها هو المغري كالجحيم، كأننى وددت لو أمد يدي و لساني فى تجويف فمها المظلم، وٍأخرج أعضاءها الداخلية لأمارس معها الحب .. لن أخرج أعضائها، سأبقى هناك .. فالتجويف مغر بشدة، والظلام الرطب الدافئ يسلبنى عقلى.
( ليان ) لم يكن اسمها .. لم أكن أعرف اسمها .. لكن
هكذا تذوقتها .. (ليان) .. لم أكن أعرف شيئا عن – هل هى جميلة حقاً ؟ – كانت جميلة
بمقاييسى أنا .. لونها برجندى كزهرة العناب، لاذعة كرحيقها.
تنتفض بعد أن وضعت يدي على أعلى ظهرها بدقائق، وكأنما
استشعرت ارتفاع حرارة جسدي، لم أمِل يوما إلى الفتيات – ليس لدرجة ممارسة
الحب معهن على كل حال – لكنى الآن أشتهى أن أبتلع (ليان).
تتأوه وتبتعد برفق .. وعلى وجهها ابتسامة رفيقة .. لأول مرة أدقق في تفاصيلها .. ناعمة ..رطبة .. دافئة .. جلدها رقيق بشدة كجلد رضيع، لا أدرى كيف يحتمل جلد كهذا ثقل ثدييها و مؤخرتها الممتلئين، لم أتهيب جسدها العاري .. شعوري نحوه كان مزيج من الألفة والالتهام.
نظرَت للجسد المسجى على السرير الصغير هناك و همست لي:
“قبل أن توقظيها، خبئي غلالتي” واختفت ..
أرمق جسدها العاري في المرآة و أرى فوقه رأسي وعيناها
.. واسعة .. ممتنة، طالما تمنيت امتلاك جسدها .. لأول مرة أشعر بهذا الاسترخاء فى
عينيها وعضلات جسدها.
الغلالة الأرجوانية المزركشة التي تحمل رائحة جسدي .. خبأتها في
دولابي حيث تقطن دائما
(ليان)
إنه الاحتياج الملح لشم جلد معين.. جلد اعتدت رائحته حتى أصبح تذكرها أورجازم صغير يحتفى به جسدك.. نفس الاحتياج المرتبك الذى يجعلك تسقط طبق المانجو الشهي على الأرض لأن فكرة التهامه خدرت أعصابك تماما..
تأتينى بليل.. لا تترك إلا ابتسامة عابثة مسترخية، والكثير من زهر العناب متناثرا على جسدى.. وأنام.
إلي ما أنتِ ماضيةٌ، أيتها الوريقة الهزيلة، وتنأين، بعيدًا عن غصنك؟
جَرَفتني الرياح بعيدًا عن الشجر، حيثُ ولدتُ، وأمسيتُ أتناثرُ، مثلما تتناثرُ الرياح، أسافر معها من الغاب إلي المروج، ومن التلال إلي الجبال، متناسيةً كل شيء وحيثُ يفني كل شيء، أفني حيثُ تفني الزهور وأوراق الغار، أفني.
La Foglia Lungi dal proprio ramo, povera foglia frale, dove vai tu? Dal faggio là dov io nacqui, mi divise il vento. Esso, tornando a volo dal bosco alla campagna, dalla valle mi porta alla montagna. Seco perpetuamente vo pellegrina, e tutto l altro ignoro. Vo dove ogni altra cosa, dove naturalmente va la foglia di rosa, e la foglia d allor
ستموت حزيناً صدقني ستموت وحيداً صدقني فلا شيء يدعو للقلق سوى العيش العيش في هذا الوقت كخليةٍ خبيثة تسكن في ثدي فتاة عذراء ستموت وانت تحاول أن تكتب قصيدة لعاهرةٍ ما ! ستموت وأنت تدخن فيخرج الدخان من رئتيك دفعة واحدة.. أو وأنت تبتلع أعقاب السجائر لأنك لا تملك درهماً لشراء علب الموت أو وأنت تلف عمرك كالتبغ بورق الأمل المفرط ستموت وأنت محدقٌ بـ كأس الخمر الذي شربك من فرط انتظاره ستموت وأنت مستاء ستموت وأنت على متن الوحدة مبحراً الى أعماقك المغشي عليها ستموت وأنت تسمع الموسيقى التي تكرهها وأنت تسمع الاغنية التي تذكرك بحبيبتك الحمقاء ستموت وانت ترقص من لفحة الحزن كطيرٍ اصابه سهم صاحبه ستموت قريباً صدقني وانت تقرأ جريدة تتصدرها عناوين دموية او ربما وانت على الشرفة تتصيد سيقان الفتيات الشقراوات ستموت وانت لا تعلم من انت! ستموت وانت قد اقفلت باب حياتك بواسطة الجحيم اقول لك ستصل قريباً الى سعادتك ولكن بجثةٍ متحركة، كلما تقلص حجمها تساقط منها قصائِد ممنوعة والحان جنوبية حزينة كأنت ستموت كثيراً صدقني وانت لا تعلم من أنت !
كتب في تغريدة له: “يمكنك الدخول في حياة الشاعر كشخص، ولكنك ستغادر دائمًا كقصيدة.” جمعت له عدة تغريدات كانت على مقاس نص شعري مكتمل، عما يبدو أنه قصة حب من طرف واحد، أو ربما قصة فراق، لا ندري أقصة حقيقية أم تنكرية، فمعاذ الجهني متنكرٌ بارع.
عودي يا لينةَ القُبل إلا على قلبي المسكين.. يا جميلة الهجر أما خفتِ على هذا الكوكب بعدكِ؟ يا قاطعة وصلي دون عذرٍ كيف سمحتِ أن يمضي يوم بدونكِ؟ كل الرتابةِ اقتحمت عالمي مجددًا، كل شيء ارتدى اللون الرمادي دون أن يمر طرف ثوبِكِ خلسة بين الأشياء، القهوة بدت بلا طعم دون أن تُحضرَها يداكِ، والكأس يبكي دون أن يُقبل شفاهكِ كل صباح، دون أن ترتشفي قهوتَكِ على طاولة الأيام.. إطار صورتكِ المعلق على الحائط يحن إليكِ. لقد ذبلت ورود دون أن تلمسَ يداكِ، لقد سقط المطر دون أن يفرح بكِ، لقد صُنعت أساورً بلا قدر دون يداكِ، لقد خُيّطت ملابس هدرًا دون أن تحتضنُكِ، كل النساءِ بلا أنوثةٍ عند حمرة شفتيك، ولا الضفائر الطويلةُ شيء أمام خُصلةٍ تداعبُ وجنتيكِ.. أنتِ الشمسُ في نورها، وأنتِ السماء في صفاءها أنتِ الغيوم في شموخها، أنت الربيعُ في تجليهِ أنتِ ساعات الفجر الأولى وإبتساماتً الرضيع الخاطفة، أنتِ التجاعيد المرسومة بدقة على جبين قلبي، أنتِ عمر الزهور لنبضاتهِ ،بكل شاردةٍ و واردة بكل صغيرةٍ وكبيرة أراكِ في الليل الطويل كسوادِ عينيكِ أراكِ، بدهشة الأطفال عندما يرون سقوط قطرات المطر لأول مرةٍ أراكِ، بِبُكاء وبفرحة الأمهات تودع الانتظار محتضنه إبنها عاد أخيرًا من الموتِ أراكِ.. في ضوء النجوم البعيدةِ التي تخترق ظلمة الليلِ ساطعةً أراكِ
إنه لا يعني غياب الأشخاص. بل يعني أن تستيقظ وتجد جثة الشخص مضربة عن الحركة. رافضة القيام من مكانها، رافضة العمل. رافضة الأكل والشرب. رافضة الوفاء بمسؤولياتها. رافضة دفع الإيجار والفواتير والديون العالقة. رافضة كل شيء هكذا ببساطة شديدة ودون مقدمات.
هذا بالضبط هو الموت. إضراب ساخر وعصيان مدني فردي مفتوح وغير قابل للتفاوض. إنها ليست مشكلة الجثة بل مشكلتك أنت. لا يمكنك تركها هناك في الداخل ولا إخراجها إلى الشارع لإسنادها على الحائط والعودة إلى البيت كأن شيئا لم يحصل. معضلة كبيرة، طامة عظمى. لقد مات الشخص وذلك يعني أنه تنازل عن نفسه. لم يعد يريد جثته. لم يعد محتاجا إليها. غادر وتركها هنا كخردة النفايات. كمن يستبدل حذاء قديما بحذاء جديد. يرتدي الجديد على كرسي مقابل لجسر أو لميناء، يعقد خيوطه جيدا، يرفع ياقة معطفه إلى أقصاها ضد نزلات البرد وضد نزلات الحنين، ينهض ويغادر دون أن يستدير، تاركا الحذاء القديم فوق الكرسي قبالة السفن الغريقة والنوارس.
ماذا سنفعل الآن بعد أن مات الشخص؟ بعد أن غادرت روحه تاركة لنا فقط الحذاء، المعطف، القبعة، اللحم والعظام. ماذا سنفعل بكل هذه الخردة؟ ماذا سنفعل بدولاب ثيابه الكبير الذي من دون قفل؟ بأحذيته المهترئة، بكتبه القديمة، برائحته على السرير، ببصماته على الأثاث التي لم تعد لأحد، بفرشاة أسنانه وبماكينة حلاقته التي تركها بالأمس قرب حوض الأسماك الذي لا أسماك فيه. ماذا سنفعل الآن بأنفاسه التي مازالت عالقة بين الغرف؟
إنها ورطة حقيقية. لا يمكن تركه هنا. أيضا لا يمكن إخفاؤه خلف الستائر ولا تحت السرير. لا يبدو أن هناك حلا معقولا لهذه الكارثة.
يجب التخلص منه فحسب على ما يبدو. كان عليه فعل ذلك بنفسه لكنه لم يفعل. ترك هذه المهمة العصيبة لنا.
والآن حتى وإن حنطناه فسيظل نائمًا فقط، رافضًا القيام بأي نشاط. نائمًا وفقط كأنَّ العالم كله ليل. كأنَّ النوم هو الخلود وكأن الحركة هي الفناء.
لكن التحنيط ليس بالحل الأمثل. لو أن البشر حنطوا كل الذين ماتوا لكان الآن عدد الموتى الأحياء أكبر من عدد الأحياء الموتى.
تخيل ذلك: عالم مصنوع من المحنطين. لن يجد الأحياء حيزا على هذه الأرض يمشون فوقه ولا حقلا يحرثونه ولا حديقة ينزهون فيها كلابهم الكنيش الصغيرة المشعرة الجميلة والمسلية. ستتحول الأرض إلى متحف هائل للجحيم. كل من مات يجب أن يحنط؟ كأنك تعترض على إرادة الموت وسطوته وسلطانه. كأنك تقول: لقد مت؟ حسنا هذا جيد، لكن ابق هنا إلى الأبد فوق سطح الأرض كأنك حي. غير مرئي للموت. ابق هنا وفقط، لا تفعل شيئا، فقط ابق هكذا هادئا ولطيفا ومرعبا للأطفال.
طبعا لا يمكن للأحياء قبول شيء كهذا. إنهم يرفضون أن يبقى الأموات هنا. يرفضون أن يشاركهم الموتى الحياة. لا يريدون تذكر أنهم أيضا سيموتون. لذلك يشيدون المقابر عند أطراف المدينة وليس قرب حديقة الألعاب. لا يجب أن ترى المقبرة وأنت ذاهب إلى العمل أو إلى احتفال.
الموتى يفقدون كل نفع باستثناء إخافة الأحياء. شخص نائم ولا يتكلم ولا يتحرك، إنه كارثة حقيقية. ماذا يقصد بذلك؟ لا أحد يعلم. ماذا يريد بالضبط؟ لا أحد يدري. والأدهى من ذلك لم يعد خائفا من أي شيء. تخيل أنك تسند رقبة ميت بركبتك وتبكي. ثم فجأة يقتحم المكان أسد هائج. ستهرب دون شك بينما سيظل الميت ثابتا في مكانه بشجاعة. عندها الميت هو من يجب أن يبكي عليك وليس أنت.
يغلق الناس أعين الموتى، يرتدون السواد ويقيمون العزاء. هذا مضحك. الموتى هم من يجب أن يقيموا العزاء للأحياء وليس العكس.
ليس للميت ما يخسره ولا ما يربحه، بالتالي لماذا عليك الحزن لأجله أو البكاء. أنت لا تبكي في حقيقة الأمر سوى على نفسك.
لقد تنصل الميت من كل شيء. نكث بكل وعوده وعهوده. لم يعد يخيفه قانون ولا أمراض ولا أوبئة ولا مجاعات ولا فقر ولا غنى. لم تعد تخيفه جيوش ولا أسلحة ولا سموم. حتى الموت نفسه لم يعد بإمكانه إخافته، ببساطة شديدة لأنه مات وانتهى الأمر. مات فهزم حتى الموت. مات، كمن وجد حلا أبديا لنفسه. حلا نهائيا لكل الأسئلة والأجوبة التي بلا طعم وبلا معنى وبلا هدف. حلا ناجعا. لو لم يكن الموت حلا ناجعا لعاد كل الموتى إلى الحياة للبحث عن حلول أخرى. سوى أن ما يحدث بالضبط هو: لا أحد يعود. لا يمكن لعاقل ترك الراحة الأبدية بعد أن ذاق حلاوتها والعودة إلى قرف الحياة وقلقها ورهابها
إنهم كمن يعبر الجسر بعد خوف وتردد وريبة. يصلون أخيرا إلى الضفة الأخرى. بينما ما يزال الأحياء هنا خائفين، مترددين ومرتابين، عالقين في مخاوفهم وترددهم وارتيابهم. يمكنهم التمتع بالآيس كريم وبالشمس الدافئة وبالطعام وبكل شيء في انتظار الموت. يمكنهم السفر وممارسة الرياضات والهوايات والحب لكن لابد من عبور الجسر ذات يوم. لابد من التشجع، وإن لم تتشجع فالجسر هو الذي سيعبرك. لا مفر من ذلك.
الحس الآيس كريم لكن حدق في الجسر الذي يحدق فيك والذي يستدير أينما أدرت عينيك. أما الميت فقد فعلها وانتهى الأمر. لقد عبر. لقد تخلص ولم يعد محتاجا للآيس كريم. عبر وورطك في جثته. تخفف منها قبل العبور كي لا تغرقه. قذفها في اتجاهك وغادر من الشقوق ومن درفات النوافذ والأبواب. لقد هرب وتركك وحيدا داخل الأسر رفقة جثة.
ماذا ستفعل الآن بهذا اللحم الذي سيتعفن في غياب صاحبه؟ وبهذه العظام التي ستهترئ؟ التحنيط لن ينفع معها، وبالضبط لن ينفع معك. تركها في صالون الضيوف أيضا لن ينفع. الصراخ في أذنها ببوق لن ينفع. صعقها بالكهرباء لتستيقظ لن ينفع. نغزها بسفود محمى لتنتبه لن ينفع، لا شيء سينفع..
وبالضبط لن ينفع معك. تركها في صالون الضيوف أيضا لن ينفع. الصراخ في أذنها ببوق لن ينفع. صعقها بالكهرباء لتستيقظ لن ينفع. نغزها بسفود محمى لتنتبه لن ينفع، لا شيء سينفع..
قذفها في اتجاهك وغادر من الشقوق ومن درفات النوافذ والأبواب. لقد هرب وتركك وحيدا داخل الأسر رفقة جثة. ماذا ستفعل الآن بهذا اللحم الذي سيتعفن في غياب صاحبه؟ وبهذه العظام التي ستهترئ؟
التحنيط لن ينفع معها، وبالضبط لن ينفع معك. تركها في صالون الضيوف أيضا لن ينفع. الصراخ في أذنها ببوق لن ينفع. صعقها بالكهرباء لتستيقظ لن ينفع. نغزها بسفود محمى لتنتبه لن ينفع، لا شيء سينفع..
الحل الوحيد إذن هو حفر الأرض ودفنها، أو جمع الحطب وإحراقها، والعودة إلى البيت للبكاء. البكاء على أنفسنا طبعا. فالميت لم يمت فقط، بل في كل الأحوال ورطنا أيضا في إخفاء جثته، دفنها أو حرقها لإخفائها عن العيان كما يفعل القتلة بالضبط. مات وحولنا إلى قتلة.
في حياتي السابقه لم انعم لحظة واحده بالخلاص كُنت دائماً ابحث عن الطرقات المظلمه لأسير من خلالها رائحة الشوارع الفارغه من البشر كانت تُلهم انفاسي في الاستحضار مره اخرى شُرب النبيذ كان يُعيد عقلي الي موضعه الحقيقي كُنت ألهث من الركض بداخلي للوصول الى ماهيتي، دائماً ماكُنت غائباً عن الوجود تأتيني غرابة افكاري لتملأ وحدتي وبطريقةً ما كُنت استمع الى الأصوات المُهيمنة داخل رأسي لتُخبرني بأنني مُحارب قوي ضد الحياه منتظراً ذلك الشئ الوحيد الذي لم اقرره بنفسي وهو خلاصي!!
لعنة التوقيت آتية من هناك ، رغم الغيب نحدد توقيتاً لكل شيء ، نحاول أن نصطنع القوة والإرادة نحاول فعل الإختيار ، لكننا لا نختار ! ربما القُساة فقط هم مَن لا ينسون أبداً ، يتوعدون بالإنتقام ، يوم الحساب المعلوم مسبقاً ، لا أحد يدري متى سيكون الحدث ، سوى أصحابه ، أولئك لا يعرفون أن الأيام دُول ، أننا نتبدل او نتغير ، أننا ربما نخطأ ونصيب ، أننا عُرضة للسقوط في اي وقت ، للفشل او النجاح ، لا شيء نكاد نضمنُه ، من اين نضمن العشق ، الصداقة ، الموت ، والولادة ، والحساب ، كما أننا نضع شروطاً واحكاماً وخططاً واستراتيجيات بكل ثقة! ، نحاول تفصيل الأمور على مقاس قلوبنا الهشة ! ، على أمزجتنا وأهوائنا المضطربة ، نقفز أحيانا فجأة من هنا إلى هناك ، نحلم ونتراضى عن تحقيق بعضها ، نخشى الحياة ونعتزلها كثيراً وقبل الخروج نرسم طريقاً لا نسلكُه حتى النهاية ، ونظن أننا نُحب ..!
لا ينبغي تسميةُ فراشاتِ العثِّ التي تطيرُ في النهار فراشاتِ عث؛ إنها لا تثير ذلك الإحساسَ الساحرَ لليالي الخريفِ المعتمةِ وزهرِ اللبلابِ الذي لا تخطئ فراشةُ العثِّ ذات الجناحِ الباطنيِّ الأصفرِ، نائمةً في ظلِّ الستارةِ، إيقاظَه فينا. إنها كائناتٌ هجينةٌ، فلا هي زاهيةٌ كالفراشاتِ ولا هي قاتمةٌ كجنسِها. بَيْد أن النموذجَ الماثلَ أمامنا، بأجنحتِه النحيلةِ بلون القشِّ، مُهدَّبا بشرّابةٍ من اللونِ نفسِه، بدا قانعاً بالحياة. كان يوما لطيفا، منتصفَ أيلول، معتدلاً، هادئاً، إلا أن له نسمةً أحمى من نسمةِ أشهرِ الصيف. كان المحراثُ قد بدأ يخدشُ الحقلَ المواجهَ للنافذةِ، وحيثما مرّت شفرةُ المحراثِ، فإن الأرض قد سُوِّيت وتبرق نداوةً. دخلتْ تلك الحيويةُ متدفقةً من الحقولِ والسهبِ البعيد لدرجة أن إبقاءَ النظرِ مركزاً على الكتابِ غدا صعباً. الغربانُ أيضا كانت تقيم أحدَ احتفالاتِها السنويةِ، وهي تحلّقُ فوق رؤوسِ الأشجارِ حتى بدا الأمر وكأن شبكةً عريضةً بآلافِ العُقَدِ السوداءِ قد رُميت في الجو، ثم نزلت ببطءٍ بعد لحظاتٍ قليلةٍ على الأشجارِ حتى بدا كلُّ غصنٍ بعُقدةٍ في نهايتِه. ثم تُنفضُ الشبكةُ مرةً أخرى في الهواءِ، في دائرةٍ أوسع هذه المرة، بأقصى ما يكون من صياحٍ وجلبةٍ، كما لو كان رميُها في الهواء واستواؤها ببطءٍ على قممِ الأشجارِ تجربةً في منتهى الإثارة.
الطاقةُ نفسها التي ألهمتِ الغربانَ والفلاحينَ والخيولَ، بل وحتى الجناحَيْن الهزيلَيْن العاريَيْن بزغبِهما، دفعتْ فراشةَ العثِّ إلى الرفرفةِ من جهةٍ إلى أخرى في حيّزِها من لوحِ النافذةِ الزجاجيِّ. لم يكن بوسع امرئٍ ما تفادي مشاهدتِها. بل إن هذا المرء كان واعيا لشعورٍ غريبٍ بالشفقةِ حيالَها. بدت احتمالاتُ المتعةِ ذلك الصباحِ هائلةً جداً ومتنوعةً جداً حتى غدا الاقتصارُ على دَوْرِ فراشةِ عثٍّ في الحياةِ، وفراشةِ عثٍّ نهاريةٍ فوقَ ذلك، قَدَراً قاسياً، وبدت شهيتُها في التمتعِ الكاملِ بالفرصِ الضئيلةِ التي تمتلكها بائسةً. طارت بنشاطٍ إلى ركنٍ من مقصورتِها، ثم طارت إلى الآخر بعد ثانية من الانتظار. ما الذي بقي لها سوى أن تطير إلى ركنٍ ثالثٍ ثم رابع؟ كان ذلك كل ما بوسعها القيام به، على رغم حجم السهوب وعرض السماء والدخان البعيد للمنازل والصوت العاطفي، بين الحين والآخر، لسفينة في البحر. قامت بما بوسعها القيام به. بدا الأمر حين مشاهدتها وكأن ليفاً من الطاقة الهائلة للعالم، دقيقاً جداً لكنه نقي، قد دُفع في جسدها الضعيف والصغير. وكلما عبرت اللوح الزجاجي كنت أتخيل أن خيطاً مفعماً بالحيوية يتبدى للعيان. كانت صغيرة أو لا شيء سوى الحياة.
مع ذلك، لأنها كانت صغيرة جداً وشكلاً بسيطاً من الطاقة التي كانت تتدفق عبر النافذة المشرّعة وتقود طريقها عبر كثير من الدهاليز الضيقة والمعقدة لدماغي وأدمغة سائر البشر، كان هنالك شيء مدهش عنها ومثير للشفقة أيضاً. كان الأمر كما لو أن أحداً أخذ خرزةً صغيرةً من جوهر الحياة، وبعد تزيينها بألطف ما يمكن بالزغبِ والريشِ وضعها راقصة ومتأرجحة ليُريَنا الطبيعة الحقيقة للحياة. لا يمكن لامرئ أن يتجاوز غرابتها، وهي معروضة بهذه الهيئة. بل حريٌّ به نسيانُ كل شيء عن الحياة، وهو يراها محدبةً ومسيطَراً عليها ومزخرفةً ومُثقلةً بحيث عليها أن تتحرك بأقصى درجات الحذر والوقار. ومرة أخرى، دعته فكرةُ كيف كانت الحياة ستكون لو وُلدت فراشةُ العث في أي شكل آخر، إلى أن يتابع حركاتها البسيطة بنوع من الشفقة.
حطت بعد حين، وقد أرهقها رقصها فيما يبدو، على حافة النافذة تحت الشمس، ونسيتُها، بينما المشهد على انتهاء. بعد ذلك، وبينما كنت أرفع بصري، استرعت انتباهي. كانت تحاول استئناف رقصها، لكنها بدت إما من التصلّب أو من الخراقة بمكان بحيث لم تقدر سوى على الرفرفة إلى أسفلِ لوح النافذة، وعندما حاولت أن تطير عبر النافذة فشلت. منصرفةً إلى شؤون أخرى، قضيت وقتاً في مشاهدة المحاولات غير المجدية هذه من دون تفكير، وأنا أنتظر بغير وعي أن تستأنف طيرانها، كما ينتظر أحدهم آلةً توقفت عن العمل هنيهاتٍ أن تعمل من جديد من دون النظر في سبب إخفاقها. بعد محاولة سابعة، ربما، انزلقتْ من الحافة الخشبية وسقطت على ظهرها، مرفرفةً بجناحيها، على حافة النافذة. حرضني عجزُ سلوكها. دار بخلدي أنها في ورطة، فهي لم تعد قادرة على رفع نفسها، كما أن سيقانها كانت تصارع عبثاً. لكنني أدركت، وأنا أمدّ قلمَ رصاص بنيّةِ مساعدتها على تعديل هيئتها، أن الإخفاق والارتباك كانا لدنوّ الموت. وضعتُ قلم الرصاص مرة أخرى.
هزت السيقان من جديدٍ بعضها. بحثتُ عما يبدو العدو الذي كانت تصارعه. نظرتُ إلى الخارج. ما الذي حصل هناك؟ من المفترض أنه منتصف النهار، وأن العمل في الحقول قد توقف. أخذ السكونُ والهدوءُ مكانَ ما كان من حيوية. طارت الطيور بعيداً لطلب القوت في الجداول. الخيول واقفة في أماكنها. لكن الطاقة كانت هناك على حالها، محشودة بالخارج غير مبالية، غير شخصية، غير مصغية إلى أي شيء تحديداً. كانت معادية، بطريقة ما، لفراشة العث الصغيرة بلون القش. لم يكن هناك طائل من محاولة القيام بأي شيء. كل ما يمكن لامرئ فعله هو مشاهدة الجهود الاستثنائية التي تبذلها تلك السيقان الضئيلة في مواجهة موت آزف، كان بإمكانه، لو أراد، أن يغمر مدينة كاملة، ليس مدينة فحسب، بل جموعاً من البشر. ما من خيار لأي شيء حيال الموت، كما أعرف. بيد أن السيقان ارتعشت ثانية بعد فترة من الإعياء. كان رائعاً هذا الاحتجاج الأخير، وغاية في الاهتياج لدرجة أنها نجحت أخيراً في تعديل هيئتها. كان تعاطف الإنسان متّجها بأكمله إلى صفّ الحياة. أيضاً، عندما لم يكن هنالك أحد يهتم أو يعرف، فقد أثار المرءَ بغرابةٍ هذا الجهدُ الضخمُ من جانب فراشة عث تافهة صغيرة في مواجهة قوة مفرطة في الحجم، للاحتفاظ بما لم يقدّره أو يرغب في الاحتفاظ به أحد سواها. مرة أخرى، بطريقة أو بأخرى، رأى المرءُ الحياةَ خرزة خالصة. رفعتُ قلم الرصاص من جديد، على رغم إدراكي لعدم جدوى فعلي. لكن حتى وأنا أقوم بذلك، برزت أمارات الموت جلية. ارتخى الجسد، وحالاً أخذ في التصلب. انتهى الصراع. عرف الكائنُ الحقير الصغير الموتَ الآن. وبينما كنت أنظر إلى فراشة العث الصريعة، غمرني بالدهشة هذا الانتصارُ الجانبي التافه لقوة بالغة العِظم على غريم دنيء. فكما أن الحياة كانت غريبة قبل بضع دقائق، فإن الموت الآن غريب. استلقت فراشة العث الآن وقد عدلت هيئتها في غاية الاحتشام والهدوء دون تشكٍّ. أجل، بدا أنها تقول: الموت أقوى مني.
إنَّها تريدُ تذكيرنا ! كَمَا لو أنَّ الكلمات لها القدرةُ على التذكير! لأنَّ الكلمات مثل متسلقي جبالٍ سيئين. فهم لا يجلبون الكنوز، لا تلك التي في أعالي الجبال ولا تلك التي تختبئُ في أعماقِ الجبال!
هناك تَذَكُّرٌ حَيويٌ، يَمُرُّ عابراً في كلِّ قيمِ التذكرِ، يُمسدها برقةٍ مثلَ يدٍ حَنون. وإذا تَصاعدَ لهبٌ من هذا الرماد، مشتعلاًً وحاراً، قوياً وعنيفاً بينما تبحلق أنت بثبات، كما لو كنت مُسَيَّرَاً من قُوىً سحرية، فيعني… لكن في هذا التذكرُ الوجلُ، لا يستطيعُ المرءُ كتابةَ اسمه بيدٍ غشيمةٍ وآلةِ عملٍ يدوية خشنة، في هذه الأوراق البيض، القنوعة التي ترضى بالقليل.
ليس للسفينة اقرب لقلبها من البحر الا الريح ما بالك وان كان عاصف!
…
انا في السفينة ابحر نحو النجاة كان الموت بثقب إبرة و… أحبك.
….
الصبية التي لم يمس فمها قبلة الحزن تلون بلون الصدئ
… خواء ادق باب قلبي ارسل لي رابط مباشر لأغنية عاطفية واقول لنفسي أحبك.
…
رنيم بحزن عميق نبأ الأماني المؤجلة من النوم الشمس التي لا تمل اشعتها من السطوع والعتم الذي لا ينتهي والساعة المكسورة عقاربها والمخذولة رحم الموت الذي لا موعد لسقوطة … الشمس ايضا تعبت اقدامها من الوقوف خلف الكواليس في الليل اندلع الحزن القمر محاق! …
اعرف السكينة في وجه أمي والشراسة في محمود لا يسمى والتودد في عاصف جدا والتسرع في رنيم الأم والمسافة في اخوة متلاحمة والخيبة في كل ما ذكرت والاحق الموت في وجه ميم حزين واشبع من خواء طويل واحفظ جدا مشاعر الندم! …
اسمها حياة تلك التي تلبست موتي وصرت رنيم. … في موسوعة غينيس اكبر بركان هائج بالحمم والغليان .. قلبي. …
عنوان لقصيدة شاعر مفتون بطلة وجه متهاهة، الغرق في عمر الصبية.
تعدادٌ آخر إلهٌ صغير صوتٌ عتيدٌ مرتجف رأسُ قلمٍ مكسور الواقف أبدا على خط الخيال والموت حين يقترب من سجيتك تموت انت لحظتها في نفسك فقط أنت حي ايها القلب في شخص آخر وانك لم تولد على الإطلاق في مكانٍ آخر تموت أنت وتحيا على ملامح مكانٍ ما ..
***
الشحبُ مني والشئم فيه لا علاء على السحق النيّر فالنور فيه والفكرةُ مني .
***
الفكرة بي مندلعة تزيح التقمص عني مقشعة التقليد بإلهاء مبتدع سعيدٌ بحريتي في إيثار القيد .
***
الحرب ثغرة إلى التجديد والتجديد ثغرة إلى الحرب ماضون في دهليزٍ مغلق ( نحن )
***
الرّقمُ أنا سيرة الحدِّ في دائرة الوجود والعقرب رحّالٌ عليَّ وعليَّ
***
لسانٌ مقطوعٌ.. لساني متى ما فكّرت أنا أكتب بلغتي صدري يغلي المرءُ مهانٌ بلا لغة ..
***
أفكر ، ما قد يحدث للمرء إن غادرهُ المكان ، ما الهواجس التي سيصاب بها . هذا القلب المشطوب من الهيكل ، حتما هو المكان . هذا الذعر الملقي على وجهي الذي يلتبس الضياع ، هذا الوَهنُ الزاحف إلى جبيني ، يجمد ملامحي . انت كنت المكان ..