المدونة

  • نزار قباني – ياست الدنيا يابيروت

    1

    يا ستَّ الدنيا يا بيروتْ…
    مَنْ باعَ أسواركِ المشغولةَ بالياقوتْ؟
    من صادَ خاتمكِ السّحريَّ،
    وقصَّ ضفائركِ الذهبيّهْ؟
    من ذبحَ الفرحَ النائمَ في عينيكِ الخضرواينْ؟
    من شطبَ وجهكِ بالسّكّين،
    وألقى ماءَ النارِ على شفتيكِ الرائعتينْ؟
    من سمّمَ ماءَ البحرِ، ورشَّ الحقدَ على الشطآنِ الورديّهْ؟
    ها نحنُ أتينا.. معتذرينَ.. ومعترفينْ
    أنّا أطلقنا النارَ عليكِ بروحٍ قبليّهْ..
    فقتلنا امرأة.. كانت تُدعى (الحريّهْ)…

    2

    ماذا نتكلّمُ يا بيروتْ..
    وفي عينيكِ خلاصةُ حزنِ البشريّهْ
    وعلى نهديكِ المحترقين.. رمادُ الحربِ الأهليّهْ
    ماذا نتكلّمُ يا مروحةَ الصّيفِ، ويا وردتَهُ الجوريّهْ؟
    من كانَ يفكّر أن نتلاقى – يا بيروتُ – وأنتِ خرابْ؟
    من كانَ يفكّر أن تنمو للوردةِ آلافُ الأنيابْ؟
    من كانَ يفكّر أنَّ العينَ تقاتلُ في يومٍ ضدَّ الأهدابْ؟
    ماذا نتكلّم يا لؤلؤتي؟
    يا سنبلتي..
    يا أقلامي..
    يا أحلامي..
    يا أوراقي الشعريّهْ..
    من أينَ أتتكِ القسوةُ يا بيروتْ،
    وكنتِ برقّةِ حوريّهْ؟
    لا أفهمُ كيف انقلبَ العصفورُ الدوريُّ..
    لقطّةِ ليلٍ وحشيّهْ..
    لا أفهمُ أبداً يا بيروتْ
    لا أفهمُ كيف نسيتِ اللهَ..
    وعُدتِ لعصرِ الوثنيّهْ..

    3

    قومي من تحتِ الموجِ الأزرقِ، يا عِشتارْ

    قومي كقصيدةِ وردٍ ..
    أو قومي كقصيدةِ نارْ
    لا يوجدُ قبلكِ شيءٌ.. بعدكِ شيءٌ.. مثلكِ شيءٌ..
    أنتِ خلاصاتُ الأعمارْ..
    يا حقل اللؤلؤِ..
    يا ميناءَ العشقِ..
    ويا طاووسَ الماءْ..
    قومي من أجلِ الحبِّ، ومن أجلِ الشّعراءْ
    قومي من أجل الخبزِ، ومن أجلِ الفقراءْ
    الحبُّ يريدكِ.. يا أحلى الملكاتْ..
    والربُّ يريدكِ.. يا أحلى الملكاتْ..
    ها أنتِ دفعتِ ضريبةَ حسنكِ مثل جميعِ الحسناواتْ
    ودفعتِ الجزيةَ عن كلِّ الكلماتْ..

    4

    قومي من نومكِ..
    يا سُلطانةُ، يا نوَّارةُ، يا قنديلاً مشتعلاً في القلبْ
    قومي كي يبقى العالمُ يا بيروتْ..
    ونبقى نحنُ..
    ويبقى الحبّْ…
    قومي..
    يا أحلى لؤلؤةٍ أهداها البحرْ
    الآن عرفنا ما معنى ..
    أن نقتلَ عصفوراً في الفجرْ
    الآنَ عرفنا ما معنى ..
    أن ندلقَ فوقَ سماءِ الصّيفِ زجاجةَ حبرْ
    الآن عرفنا ..
    أنّا كُنّا ضدَّ اللهِ .. وضدَّ الشّعرْ ..

    5

    يا ستَّ الدنيا يا بيروتْ ..
    يا حيثُ الوعدُ الأوّلُ .. والحبُّ الأوّلُ ..
    يا حيثُ كتبنا الشعرَ ..
    وخبّأناه بأكياسِ المُخملْ ..
    نعترفُ الآنَ .. بأنّا كُنّا يا بيروتُ،
    نُحبّكِ كالبدوِ الرُحّلْ ..
    ونُمارسُ فعلَ الحبِّ .. تماماً
    كالبدوِ الرُحَّلْ …
    نعترفُ الآنَ .. بأنَّكِ كُنتِ خليلتنا
    نأوي لفراشكِ طولَ اللّيل …
    وعندَ الفجرِ، نهاجرُ كالبدوِ الرُحَّلْ
    نعترفُ الآنَ .. بأنّا كُنّا أميّينَ ..
    وكُنّا نجهلُ ما نفعلْ ..
    نعترفُ الآنَ، بأنّا كُنّا مِن بينِ القَتَلَهْ ..
    ورأينا رأسكِ ..
    يسقطُ تحتَ صخورِ الرَوْشَةِ كالعصفورْ
    نعترفُ الآنَ ..
    بأنّا كُنّا – ساعةَ نُفِّذَ فيكِ الحُكمُ –
    شهودَ الزورْ ..

    6

    نعترفُ أمامَ اللهِ الواحدِ ..
    أنّا كُنّا منكِ نغارُ ..
    وكانَ جمالكِ يؤذينا ..
    نعترفُ الآنَ ..
    بأنّا لم ننصفْكِ .. ولم نعذُرْكِ .. ولم نفهمْكِ ..
    وأهديناكِ مكانَ الوردةِ سِكّينا …
    نعترفُ أمامَ اللهِ العادلِ …
    أنّا راودناكِ ..
    وعاشرناكِ ..
    وضاجعناكِ ..
    وحمّلناكِ معاصينا ..
    يا ستَّ الدنيا، إن الدنيا بعدكِ ليستْ تكفينا ..
    الآنَ عرفنا .. أنَّ جذوركِ ضاربةٌ فينا ..
    الآنَ عرفنا .. ماذا اقترفتْ أيدينا ..

    7

    اللهُ .. يفتّشُ في خارطةِ الجنّةِ عن لُبنانْ
    والبحرُ يفتّشُ في دفترهِ الأزرقِ عن لُبنانْ
    والقمرُ الأخضرُ ..
    عادَ أخيراً كي يتزوّجَ من لُبنانْ ..
    أعطيني كفّكِ يا جوهرةَ اللّيلِ، وزنبقةَ البلدانْ
    نعترفُ الآنَ ..
    بأنّا كُنّا ساديّينَ، ودمويّينَ ..
    وكُنّا وكلاءَ الشيطانْ
    يا ستَّ الدنيا يا بيروتْ ..
    قومي من تحتِ الرَدمِ، كزهرةِ لوزٍ في نيسانْ
    قومي من حُزنكِ ..
    إنَّ الثورةَ تولدُ من رحمِ الأحزانْ
    قومي أكراماً للغاباتِ ..
    وللأنهارِ ..
    وللوديانِ ..
    قومي إكراماً للإنسانْ ..
    إنّا أخطأنا يا بيروتُ ..
    وجئنا نلتمسُ الغفرانْ ..

    8

    ما زلتُ أحبُّكِ يا بيروتُ المجنونهْ ..
    يا نهرَ دماءٍ وجواهرْ ..
    ما زلتُ أحبُّكِ يا بيروتُ القلبِ الطيّبِ ..
    يا بيروتُ الفوضى ..
    يا بيروتُ الجوعِ الكافرِ .. والشّبعِ الكافرِ ..
    ما زلتُ أحبُّكِ يا بيروتُ العدلِ ..
    ويا بيروتُ الظلمِ ..
    ويا بيروتُ السّبْيِ ..
    ويا بيروتُ القاتلِ والشاعرْ ..
    ما زلتُ أحبُّكِ يا بيروتُ العشقِ ..
    ويا بيروتُ الذبحِ من الشّريانِ إلى الشّريانْ ..
    ما زلتُ أحبُّكِ رغمَ حماقاتِ الإنسانْ
    ما زلتُ أحبُّكِ يا بيروتُ ..
    لماذا لا نبتدئُ الآنْ؟

    نزار قباني

    بصوت: محمد الشموتي

  • إلى الفراشة المرتجفة يسارًا في صدري – رؤى عبد الوهاب

    إلى الفراشة المرتجفة يسارًا في صدري – رؤى عبد الوهاب

    رحلة بحث عن الأنا في كل الزوايا:

    حين يتحدث هذا المجهول في رأسي، أشعر بالخوف، حين تبدأ تساؤلاتي عما يكون سوى صرخةٍ ملتوية، في وجهِ السكون الداخليّ للقلق التام في صدر طمأنينة الوجوديّة، أتساءل عما يكونُ هذا المريض في داخلي سوى الحب، يتلوى من الألم. سوى الأنا تتعرَّى من حقيقتها. ولا زلت خائفة، ويتسلل الجهل في دماغي عما أكون، يبحث في زواياي عن إجابة، يبحث عني وقد خسرت الوجوديّة التي أحاطت بي بحقيقة تثبتني، حتى بدأت أتزعزع.

    ماديّة الألم المحسوس:

    لم يكن شيئًا محسوسًا هذا الألم بصدري، بقدر ماكنت أستطيع الإمساك به، بقدر ماكنت كل ليلة أحاول أن أقتلعه من جذوره. كان شيئًا ماديًا، يستحيل على دماغٍ ملوّث أن يراه، ويستحيل على ما يخلو من الإدراك أن يلامسه. أنت علمتني أنّ بإستطاعة المرء أن يسير في الأقدار بإتزان، فأصبحت أتأرجح، علمتني أنّ هنالك شيء مميز في أن تكون مختلفًا، فأصبح إعتيادي هذا الإختلاف، علمتني أن بإمكاني كلما هربت العودة متى شئت، فما إستطعت الحراك.

    كان كل شيء معك مدروسًا، وكنتُ أنا أخذ التعليمات بحذافيرها، و أكتب الملاحظات، أدقق وأركز. كنت أرسخ في عقلي وعيًا بكل الأشياء، حتى الفراغ بات إدراكه يسهل على عقلٍ ممتلئ كعقلي، علمتني أن ليس بإستطاعتي الآن أن أترك كل شيء، وأستسلم، بتُّ أدرك ذلك، 

    وليس بإستطاعتي مزاولة البقاء بحريّة، هذا ما لم تعلمني إياه.

    إلى الفراشة المرتجفة يسارًا في صدري:

    يتوّهج فيَّ الحاضر الذي أسير فيه بخطى ثابتة، نحوك. أنت كنتَ كالوعي الذي قتل في حضوره خوفٌ أطال بقائه فيَّ من الجهل المزعوم. أنت جعلتني أسير، دون أن ألتفت لشيء آخر سوى العاطفة المتقدة التي أحسّها تجاهك. جعلتني أطمئن رغم القلق الذي يحقنه القدر في وريدي، جعلتني أتقبّل أن لا شيء آخر يستطيع أن ينتشلني منالفرح مهما بلغ الجرح عمقه، ومهما إختلف موضعه. 

    كنتَ رقيقًا، في حاديّة كل ما حولي، كنت مبتسمًا، في حزن ينسدل مع شعر رأسي. كنت صادقًا، رغم الزيّف الذي جمّع حطامه الدامي على جسدي،

    أستمع لصوتك في رأسي، صوتك الذي يختبأ في زواياه فرح لامنطقيّ يسببه لي، لكن ليس عبثًا، وفراشات تتقاتل في صدري، “أحبكِ” أنت تقول. وماعدت أعي بعد ذلك سوى دوخةٍ تلمّني عن الأرض لأطير. أحبك أيضًا. رغم أني لا زلت أخاف غدًا لا أكون فيه معك. أحبك أيضًا رغم جهلٍ بالأمس أضعت فيه حقيقتي، أحبك أيضًا،

    ولا زال هذا الحب المستحيل، يؤجج رغبتي بالإمكانيّة.

  • المشهد السريالي لـ2020 – مشاعل بشير

    المشهد السريالي لـ2020 – مشاعل بشير

    خصلات الشيب تتدلى من الجذور حتى أطراف الملل، وهو ضَجرٌ من نفسه في عالم يزداد رماديةً، وأنا أكره الضباب…

    يأتي هذا الشهر، الذي أسموه رمضان، يأتي هذا العام دون الانشغال بمهاتراته المعتادة؛ هل فرش الأسنان ينقض الصوم؟ الانتصاب المباغت في يقظة الصباح؟

    يأتي هذا الشهر، رمضان، مشغولًا معنا بالجائحة…

    وكم أرهقتنا هذه المسرحية!

    الحقيقة الوحيدة في هذه المسرحية هو مدى حقارة الكائن البشري؛ عدم احترام الخوف، واستخفاف بالاكتئاب، وتنمرٌ على الملتزم بالتدابير. حقارة البشر تجلت بالعنصرية والغباء…

    وكم أنتم أغبياء… وليختنق أصحاب الطاقة الإيجابية بقيئهم، أصحاب “إنجازاتي في زمن الكورونا”…

    يشتهي لساني شتم الرحم الذي بزقكم في وجوهنا.

    في لبنان السيناريوهات متعددة والعبثية سيدة تجلس على قمة المشهد. الحرب قائمة في ليبيا ولم تنحني للجائحة. من يعتقد أن ترامب خسر الانتخابات الرئاسية فهو أحمق. فلسطيني توفى ليلة ذكرى النكبة. اتفاقية القرن تنتشي كعاهرة هزت تأوهاتها الصاخبة سرير الرب النائم، لكنه عاد إلى لامبالاته. في مصر سجال طويل على أحقية الزكاة لغير المسلم، والأزهر يدعو المسلمين والمسيحين لصلاة القضاء على كورونا…

    وجاري تحميل خارطة سوريا الجديدة… طريق القدس لن يمر منها، لكن حتما سيمر من بغداد.

    علماء اكتشفوا ان حشوة السيلكون انقذت كندية من رصاصة الموت، هلموا نحشي أثداءنا!

    إنهاء هذه الجائحة هو رهن إشارة بوتين…

    إلى ذلك الحين، استمروا بلعب دور الطبيب وافتوا، نعم أرجوكم افتوا كما يفعل علماء دين أمتكم! استمروا بنفاقكم وكذبكم واستحقار المختلف عنكم…

    ونحن، المغردون عكس تياركم، سنبقى غصة في وجودكم، نشعل سيجارة الأمل لخلق سرطانٍ ينهش عالمكم الرمادي، ونموت، نحن، انتشاءً من حسرتكم.

  • ستة أسباب للحنين إلى روبي – البراء أشرف

    ستة أسباب للحنين إلى روبي – البراء أشرف

    “إذ تنام الراقصة‏ /‏ المغنية على الأرض‏ (وهي نصف أو ربع عارية ثم تحرك ما يمكن تحريكه في جسدها بصورة غير موضوعية أو محايدة‏)‏ لأسباب لا تغيب عن بال أي مشاهد‏.‏ هذا الرقص أكثر وقعًا وتأثيرًا‏،‏ وهو يدهشنا تمامًا‏،‏ مما يجعلنا نستسلم لإغواء الصورة، ونرفع الرايات البيضاء والخضراء والحمراء وكل الألوان الأخرى‏،‏ إذ كيف يمكن للمشاهد أن يتفكر أمام هذه الصور الملونة بالألوان الطبيعية وغير الطبيعية لهذه الحسناء المتحركة الأفقية‏”.‏.

    من كتاب: الفيديو كليب والجسد والعولمة – عبد الوهاب المسيري

    الصورة المعتادة عن “الحنين”. أنه مؤلم. حزين. غامق.. على أن حنيني لها. تغلفه السعادة. وتملأه الألوان.

    الحنين لها منطقي. ما الذي يمنع الإنسان من حب المتعة. يقولون أن الله لا يحاسبنا على حب الخطيئة بعد التوبة عنها. من يكره الشهوة؟، من يرفض الجمال؟، تبقى الشهوة شهوة، والجمال جمال، والرغبة سحر، والرقص جموح، والجسد جسد.. عنده تبدأ الحكاية، وعنده تنتهي.

    لـ”روبي” في قلبي حنين. وفي بصري شوق، وفي عقلي انتظار. إليها. الفتاة العادية غير المعتادة. أحن. وأصوغ أسبابي. علها ترضى..

    1- محلية الصنع

    المرة الأخيرة التي أنتجت فيها مصر “مزة” بالمعنى الحرفي للكلمة – يمكن بشكل سريع وضع تعريف لكلمة مزة عند كاتب هذه السطور بالقول أنها الأنثى التي تظهر على الشاشة وتلعب عدة أدوار. منها الغناء والرقص والتمثيل. مع بعض الملابس الضيقة والألوان المزركشة. وتكون عادة ذات عيون مميزة، وقوام غير منتشر. وشفايف يصعب الحصول على واحدة مماثلة.

    المرة الأخيرة، كانت في الثمانينات، واسمها “لوسي” وهي آخر منتج مصري معروف في هذا المجال. وبالطبع فإن مقارنة سريعة بين “روبي” المنتج المززي الحديث، و”لوسي” سيظهر الفارق، وسيجعل للحنين أسباباً منطقية.

    على أن مشهد سينمائي حديث تظهر فيه المقارنة بشكل أوضح وأعمق. خاصة وأن صانعه أحد محترفي فن صناعة المقارنات.. “وحيد حامد”.

    في فيلم “الوعد” (2009)، تعمل “روبي” في مركز تجميل صغير صباحاً. و”أعمال حرة” بالليل، تحضر “لوسي” سيدة المجتمع لتخبرها أن الرجل الكبير يطلبها في مهمة جديدة. فتسألها “روبي” : “عجوز برضة؟”، فترد “لوسي” في استنكار : “ومالهم يا بت العواجيز.. ولا أنتي عايزة اللي يقسمك نصين؟”..

    لنتحدث عن تكوين المشهد قبل أن نحاول تحليل ما قيل داخله. “لوسي” تجلس على كرسي مرتفع. و”روبي” على كرسي أقل درجة. أو على الأرض ربما. وتمسك بأقدام “لوسي” لإجراء عملية تجميلية ما بها. ويدور الكلام.

    رداً على سؤال “لوسي” ترد “روبي” في ثقة وصراحة “بصراحة آه.. نفسي في حاجة كدة”.. تضيف “لوسي” : “يا بت العواجيز دول هما اللي ماسكين البلد من وسطها”.. ثم تمنحها شهادة حق في وجه جسد فائر.. “إنتي فرسة كسبانة.. لا محتاجة حقن ولا ماسك.. كل اللي محتاجاه.. دُش”.

    في كل معاجم اللغة، عامية وفصحى، لن نجد كلمة أفضل من “فرسة” لنطلقها على “روبي” رمز الانطلاق والتمرد والثورة، وحين تنطقها “لوسي” فهذا يعني أن ثمة راية يتم تسليمها، من “مزة” العصر الذي مضى، لـ”مزة” هذا الزمان. تلك التي تراهن على الشباب. ولا يشغلها عجائز يمسكون البلد من وسطها.. لا يهمها وسط البلد.. المهم وسطها هي شخصياً.

    لاحظ أخيراً الموسيقى المتشابهة بين “روبي” و”لوسي”. خاصة وأن الأسمين “أسامي دلع”، فـ”روبي” هي في الحقيقية “رانيا حسين محمد توفيق” مواليد 1981بالقاهرة، خريجة كلية الحقوق (بني سويف) في 2004. شاهدها الجمهور للمرة الأولى بأدوار صغيرة هنا وهناك. ثم بدأت الإحتراف على يد “شريف صبري” ومعه بدأت رحلة طويلة من الكليبات والأغاني.

    إذن، “روبي” صناعة محلية. مصرية مائة بالمائة. لا أب لبناني، ولا أم إيطالية. بل أن أمها كانت مدرسة ألعاب بمدرسة “فتحية بهيج الإعدادية بعابدين”. ويبدو أن صاحب المعلومة رأى أنها من الأهمية بحيث يضعها في صفحتها على “الويكيبديا”. ربما لصلة ما بين “روبي” و”بهيج”.

    لأجل الصناعة الوطنية الحرة التي تحاول أن تصمد.. لأجل مصر.. أحن إلى روبي.

    2 – سمراء

    روبي سمراء. فقط لا غير.

    الذين يقدرون الجمال سيعلمون معنى أن هناك أيقونة سمراء ترقص وتغني وتمثل. خاصة وأن الأيقونات المنافسة تبدأ عند “هيفاء” و”إليسا”. وتنتهي عند “مروى” و”بوسي سمير”. كلهن بيضاوات. ملونين. ببروز متفرقة هنا وهناك، وقدر من النفخ والهواء وضبط الزوايا.

    يمكن أن تتخيل “روبي” صغيرة تبحث عن فتى يحبها في دراستها الإعدادية، ويمكن أن تشعر بدموع غيرتها في الطفولة من فتاة جميلة تجذب فتيان شوارع “المنيرة” حيث نشأت وترعرعت.

    “روبي” لا تصدق جمالها. تعامله بشك، وتعبر عنه بشك أيضاً. والمدهش أن هذا النوع من التعبير يجذب عدد لا نهائي من المعجبين. وتوجد تجربة شبيهة، تحمل اسم “شيرين عبد الوهاب” التي تنتمي لنفس اللون مع اختلاف في الدرجة، ومع قيود في التعبير عن الجسد. “روبي” تعبر عن نفسها بطريقة مصرية خالصة. لكن “شيرين” تصر على استخدام الأدوات ذاتها التي فرغت من استخدامها “مزة” ملونة كـ”إليسا” أو “هيفا”.

    يمكن بسهولة الحصول على أخبار “شيرين” عن زيارتها المتكررة لمصفف شعر شهير في لبنان أو مركز تجميل معروف في وسط بيروت، لكن لا أحد يعلم أين تحافظ “روبي” على مظهرها، وأين تنال حظها من العناية ببشرتها. لها طريقتها الخاصة، غير اللبنانية على الأرجح.

    أتخيل “روبي” تغني في خلوتها، “صحيح أنا أسمر وكل البيض يحبوني..”. ويمكن تخيل هذا بسهولة بعد أن تسمع وتشاهد بعض أغنيات لها تعزز صورة السمراء المتمكنة من التعبير عن نفسها. شاهد مثلاً “أنا عمري ما استنيت حد”، أو “غاوي”، أو رائعتها الأولى “كل ما أقوله آه”.

    لأجل “محمد منير”، وتعاطفاً مع قضية أبناء النوبة، أحن إلى “روبي” السمراء.

    3 – تغني وحدها

    هل شاهدتها بصحبة أحدهم من قبل؟.

    هل أهانتك روبي كمشاهد، ورقصت لموديل أجنبي، هل فكرت في استغلال نجومية “مهند” ونامت في أحضانه خلال أحد الكليبات. هل غنت “روبي” لأحد سواك؟، هل قارنتك بأحد؟، هل سمحت لأحدهم أن يلمس جسدها أمامك؟.. لماذا إذن لا تحن إليها مثلي.

    “روبي” تحترمني، وتحترمك، وتحترم نفسها. تعرف أنها “أيقونة”، فريدة، وتدرك أن ما يؤكد فرادتها، أن تبقى منفردة. تغني وحدها، ترقص وحدها، وحولها، يمكن أن يظهر بعض المارة، أو الأشخاص العابرين.

    لم يحدث أن استخدمت “روبي” أي شخص من أي نوع ليظهر بجوارها في أي كليب، طوال رحلتها تحاول أن تؤكد أنها تغني لنفسها، وأنها تسمح لك شخصياً بالفرجة عليها، مستغلة كل أحلامك القديمة في التلصص على إحداهن تعبر عن جسدها بحرية وتراقبها أنت دون أن تشعر.

    تعرف أن محاولة تمثيل قصة أمامك ستبدو سخيفة وغير حقيقية. وبالتالي، فإن ما يمكن ملاحظته أيضاً على منتجاتها الغنائية، غياب أي نوع من أنواع الدراما. لا توجد قصة، ولا مشاهد تمثيلية. لا يوجد أكثر من “روبي”، دون أية إضافات قد تفسد الصورة، وتقلل من قيمتها.

    بالطبع فإن هذا التحدي ترفض أن تؤديه واحدة من الملونات اللبنانيات مع كامل احترامنا لهن. شاهد “إليسا” مثلا في “أجمل إحساس” مع شخص لم يترك مكان في رقبتها دون أن يلمسه. و”هيفاء” في “ابن الحلال” تسير في شارع طويل ممسكة بيد طفل صغير ساحبة إياه إلى المجهول.

    لكن “روبي” تكتفي بالرقص تحت سفح الهرم مع بعض الحكم التي يكتبها “شريف صبري” على الشاشة في “مشيت ورا إحساسي”. أو الإلتواء داخل حوض بخار بصحبة ثعبان وتدندن “ابقى قابلني”.

    هذه الوحدة، يمكن أن تكون في ذاتها رسالة. مثلاً في كليبها الأخير “يا الرموش”، تتوقع أن تجد فتاة ما بجوار “روبي”، فالكلمات كلها تتحدث عن بنت جميلة برموش قوية وخدود وردية. بالإضافة إلى أنه الكليب الأول لـ”روبي” الذي لا يحمل توقيع “شريف صبري” بل “أحمد المهدي” هذه المرة. لكن غياب الفتاة، يجعل عقلك يستجيب لفكرة أن “روبي” تصف نفسها، مستخدمة صيغة مختلفة في التعبير. وهو – إن سمحت لي – أسلوب في التعبير ذكي لأبعد الحدود، بل أنه يذكرنا برائعة وصف الذات “عبد الهادي” للمطرب الأسمر “شاندو”.

    لأن “روبي” ليست “شاندو”.. أحن إلى روبي.

    4- صامتة

    لأن “روبي” تعرف فضيلة الصمت وتلزمه. تدرك أن الثرثرة مفيدة داخل الأغاني فقط. وعليه، فلا تتوقع أن تجدها في برامج المقالب والاعترافات الساخنة، أو ضيفة حلقة آخر الأسبوع التي لم يجد لها المعد ضيف مناسب فأحضرها في آخر لحظة.

    لا يعرف أحد المبلغ الذي يمكن أن تتقاضاه “روبي” مقابل الظهور في حلقة من برنامج معروف، والسبب أنها لا تظهر أبداً. لا تحب الصحافة، على الرغم من أن الصحافة تحبها. وهذا درس تعلمته الجميلة من مخرجها “شريف”، وتعلمه شريف من مكتشفه الأول “عمرو دياب” الذي قرر منذ البداية أن يخاصم البرامج. لولا أنه جاء في النهاية وعوض صبره ببرنامج طويل يحكي قصة حياته. من بدايته لنهايتها!.

    صمت “روبي”، يجعل الجمهور يفكر في احتمالين، الأول أنها مشغولة للغاية بالفن والإبداع وتسجيل أغنيات جديدة والتحضير لألبوم جبار. وهو أمر جيد بالتأكيد. أو أنها تفعل شيء ما لا يستحق أن تتحدث عنه. شيء يستحب أن يتم في صمت، وأيا ما كانت درجة خصوبة خيال الجمهور، فإنه سيتخيل في كل الأحوال أشياء مثيرة، وهو أمر جيد أيضاً ويحسب لصالح النجمة الصامتة.

    لأجل الخيال المريض.. أحن إلى روبي.

    5 – تحاول أن تصبح فنانة

    رغم أنها فعلاً “فنانة شاملة”. بمعنى أنها تؤدي بالفعل عدد غير قليل من الفنون، تغني، تمثل، ترقص، (وتؤلف حالياً فيلم عن قصة حياتها) إلا أنها لا تزال تحاول طوال الوقت أن تصبح فنانة.

    فكر مثلاً، ما الذي يجبرها على القيام ببطولة ثانية أو ثالثة في فيلم غريب الأطوار مثل “الوعد”؟، لا أعتبره فيلماً سيئاً على الإطلاق، لكنه بحسابات النجوم قد لا يكون الأفضل الذي يمكن أن تطل منه فنانة بحجم “روبي” وإمكانيتها الجسدية.

    ما الذي يمكن أن يضيفه “وحيد حامد” وثلاثي “ياسين” (محمود ومحمد وآسر) إلى “روبي” إلا الفن؟. لا توجد أغاني راقصة، ولا مشاهد ساخنة بالمعنى الشعبي للكلمة، ولا حوار يمكن اعتباره مثيراً من وجهة نظر رواد سينمات وسط البلد.

    بنفس المنطق الذي دفع بـ”روبي” إلى “الوعد”، يمكن أن تبرر اشتراكها بالغناء في نهاية فيلم لن يتكرر (!!) في تاريخ السينما “ليلة البيبي دول”. ورغم أن عدد من الجمهور دخل الفيلم وهو يتوقع أن تكون “روبي” هي من سيرتدي البيبي دول، إلا أنه وجدها في النهاية تغني من ألحان “ياسر عبد الرحمن”، وتستعرض بعض الطبقات في صوتها وترتدي ما لا يلفت النظر، وما لا توجد علاقة بينه وبين البيبي دول.

    لا ننسى اشتراكها مع “يوسف شاهين” في “سكوت هنصوت”. ولا يفوتنا الإشارة إلى أن الفيلم الذي حمل في أفيشه صورة كبيرة لـ”لطيفة”، حمل في نسخة الفيديو منه صورة أكبر لـ”روبي” التي لم يكن الجمهور قد شاهد كليباتها حين عرض الفيلم للمرة الأولى، لكن بعد أن عرفها الجمهور، صار من الممكن مشاهدة أحد أغرب أفلام “شاهين” لأن صورة “روبي” تتصدر غلاف شريط الفيديو.

    ثم مشاركتها في “فيلم ثقافي”، في دور يهمل كل إمكانيتها الجسدية. زميلة أخو البطل، التي تشاركه من مصروفها في شراء كومبيوتر للعمل عليه. أحد الأصدقاء تخيل أن أخو البطل سيكون في الجزء الثاني من الفيلم اسمه “شريف صبري” وأنه سيستغل الكومبيوتر ليصنع من زميلته فنانة مصر الشاملة ومزتها الأولى.. “روبي”.

    إنها مجتهدة. يجب أن نعترف. ومنتشرة في مستويات عدة من الفنون. أفلام معقدة لـ”شاهين”، ومغامرات إنتاجية ناجحة للعدل جروب، ثم تجربة متهورة من “شريف صبري” في أحد الأفلام الأنجلو مصرية.. “سبع ورقات كوتشينة”، وهو فيلم صنعه مخرجه وهو يتخيل إمكانية صناعة فيلم له سبع نهايات مختلفة، تعرض كل نهاية في دار عرض، فكانت النهاية الوحيدة لمشروعه هو قدر من “سب الدين” حصل عليه من شباب وسط البلد الذين توقعوا مشاهدة أجزاء أخرى من جسد “روبي”.

    على مستوى الغناء، سيذكر التاريخ اسم “روبي”، فقط يمكن القول أن مشروعها الغنائي له ملامح، وهذا يكفي جداً في المرحلة الحالية. بالإضافة إلى ذلك، فإنها – وبشكل مستمر – تحاول أن تكتشف في صوتها مساحات جديدة. وبالتوازي تحاول أن تكتشف في الكلمات معان جديدة. كل هذا يمكن أن نتركه لمحبي الموسيقى، لكن تبقى حقيقة أن معظم أغنيات “روبي” يمكن أن تسمع باقية. وهذا مهم.

    لأجل شرف المحاولة.. أحن إلى “روبي”

    6- يمكن أن تصبح طائشة


    ستحلق “روبي” شعرها كله يوماً. وستدمن الكحول، وسترافق صحفي مغمور وسيراها البعض تسير فجراً في شوارع شرم الشيخ بملابس نصف عارية.

    هذا ما يمكن أن تتوقعه لـ”روبي”، إن كنت مثلي تؤمن أنها تملك الإمكانيات اللازمة لتصبح فنانة طائشة. وهو أمر لم يحدث بعد في التاريخ الفني المعاصر.

    لا نملك في مصر فنانة مثل “بريتني سبيرز” أو “باريس هيلتون”. لا نعرف مطربة يصعب السيطرة عليها، أو تقود بسرعة جنونية، أو ترافق عشرات الرجال في عام واحد.

    كلهن ملتزمات، يتحدثن عن الفضيلة، ينكرن الإشاعات، ويخترن الزواج والإستقرار وتربية الأولاد حين يوجه إليهن سؤال يتعلق بالمستقبل.

    لكن “روبي” لن تخذل محبي الطيش والجموح، وستظل كما عودتنا، مدهشة تملك القدرة على الجموح، وستصرح يوماً بما تؤمن به حقاً، تترك الصمت، وتبدأ في توزيع اللعنات بألفاظ تتلاءم مع فتاة تربت في “المنيرة” ودرست الحقوق بحيث تعرف الفارق بين السب والقذف، وبين الوصف والتعبير.

    أتوقع من “روبي” بعد سنوات مستوى ناضج من الفضائح وأخبار فقدان السيطرة. وسيتمكن جمهورها من معرفة أسباب اختفاؤها هذه الأيام، سيعرف الجميع الحكايات، وستكون “روبي” هي المصدر، فالفنانة التي تغني “أنت عارف ليه”. تعرف جيداً ما يمكن أن يحققه الطيش لها بين الجمهور المتعطش لمستوى آخر من الفضائح.

    لأجل روبي.. أحن إلى روبي.

  • صوفيات – السعيد عبدالغني

    ليس بى غيرك وكفري

    ولست الأوى إليك فى نشوتى أو ألمى .

    ليس بى سوى أبعادك ومفرى

    ليس بى لما اشهدك سوى قلبي

    ليس بى سوى قلبي .

    سدى أى درب تعضد به قدمي إليك

    سدى إيمانى وسدى كفري .

    منعتنى وحدتك وما منعتك وحدتى

    منعتنى كلك وما منعتك كلي .

    أستوحش من مريدوك الكثر

    وأنا المُشىء الفانى بلا شبهة إرادة أخرى فيّ .

    فارقتنى ورأيتك كما كنت فى جوارى

    امشِ عني .

    أقسمت بوحدتك على وحدتى

    أن مجاذبتي لك لألمك لا لألمى

    وأن فنائي بك لوجدى لا لوجدك .

    أقسمت بك يا تابو الانطولوجيا والميتافيزقيا

    إن مزج تكوينى الشري من خلقى اللائذ بالتشوف للمعنى

    ونزاعى معك لحجبك الشائعة والخاصة

    متى تُفعِل سلطتك الكلية عليّ

    وتهزم ضمى لكفرك

    وتغتصب لغتى بنورك ؟

    أنا قحط السائر وأنت خضاره

    أنا الفاتق وأنت الفالق

    أنا اللغة وأنت المعنى .

    خذ كلك مني لأفنى

    لتدمر الاكوان نفسها وبعضها وتفنى

    خذ كلك من المجاذيب وافنى

    إنها نشوة اللمس لعلتى وعلتك

    لن ينزف الزمن بعدها لُحظة

    وابن الالم إبليس خذ منه وجده وافنه معنا

    جلدى تجعد من نورك

    وجلده تجعد من نارك

    فوحد انشقاقاتك يا واحد

    ولا تستبقى ذرة .

    سكرت وما خيّلت غيرك

    وشبعت وما أظمأنى غيرك

    أى تجريد لا يٌدرَك أنت ؟

    أى اين يُلقى فيه كليّ بلا مقارنة ؟

    أى وحدة لا تستغني عن حجبها أبدا ؟

    أنا العائش على الخلق والتدمير ، لا اعرف .

    اغفر لى نواي الوجداني عنك

    ونزوح الغريزة نحو غيرك لا الإرادة

    اغفر لى رؤيتى غيرك

    وضيق قلبي عليك

    وثورة يداي على وحيك

    وفرط خلقي لطيفك

    وانقطاعى عن نورك .

    اغفر لى كوني فاطر لنفيك

    ومضيع لوجدك

    اغفر لى نزعى لغيبك

    وهو أن المعنى والعالم على يديّ

  • قصائدُ غيرية – سلطان محمد

    قصائدُ غيرية – سلطان محمد

    آخَرُ الترجمَة

                    أنا كُثُرِي • والآخرونَ آحادي/ الشظايا • مسَاعيهُمو شتّى • ومَسعايَ نُثَارُ أرياشٍ يحلُمنَ، كلٌّ على حِدَةٍ، بالطيرَانِ، أبدًا • لي عَمَلِي الدؤوبُ • ما كُلِّفتُ من أحَدٍ • لو قلتُ كُلِّفتُ من قِبَلي؛ كذبتُ إذن ! • ترجَمتي • بنَقلِ النَّصِّ الذي هوَ ذاته دَمي حرفيًّا • بالحفاظِ على جِناسِ الأعصابِ في أوامرِها •  بالأصواتِ ذَواتها • أ جَداجِدَ روحٍ كانت أ مُواءً أم عُواءً • الغناءُ يندرُ لكثرَةِ الغربانِ فيَّ • بروحِ النصِّ • بحَذافيرِ الروحِ • بشوائبها من العدمِ الأوليِّ • بخُدوشِها آونَةَ النزول • وما الروحُ هذهِ المُترجَمةُ • من أنتِ يا دُرَّةَ الغَوَّاصِ في بَحرينِ مَا مُرِجَا ؟ • ما هي غيرُ خِضَمِّ الترجمَةِ • أ فَرَاشَاتٍ كُنَّ أو أطيارَ لغةٍ ميتاتٍ وباقٍ طيرانُهنَّ في المعنى أم حشرَاتٍ قياميّةً • ما هيَ غيرُ يديْ المترجم اللغويتينِ في اشتباكهما من جانبينِ • المترجِمُ وحدَهُ المُحاولُ، أبدًا، مصالحةَ هابيلَ بقابيلَ • والنصُّ الأخيرُ ليسَ، بالقطعِ، آدمَ • ولا حواءَ • لأنَّهُ، ببساطَةٍ، ذو سُرَّةٍ ! • وأنا قاطِعُ سُرَرِي ونفسي في ترجماتي • ومعضلتي لا هي النبشُ عن مترادفاتِ المعاني • لا التقديمُ لتأخيرِ طعنةِ القوافي • لا التفاوُضُ والوزنَ في وجودِ الإيقاعِ • معضلتي الأسمَاءُ • معضلتي مجْدُ آدمَ في البدءِ • وإذن : ماذا أسمي النتنَ الخارجَ من عيني إذا أبصرتُ طاغيةً ؟ • بأيٍّ سأدعو الخُلدَ الذي ينامُ وسْطَ إرادتي إن فكَّرتُ في غَدٍ ؟ • كيفَ أنادي الحِدْأةَ التي طارتْ مرةً من صوتي معَ الآهَةِ ؟ • مَن مِنَ الكلماتِ التي كتبتُ تستطيعُ تسميتي ؟ • لَفَذٌّ هوَ الذي سمَّى اللهَ باللهِ • التسعون البواقي وأكثرُ تنويعٌ من لسانِ العجزِ • لستُ في هذا، إذن • في المتاهَةِ مقلوبةً • في حَيرَة الغراب بعد الحمامة • في اضطرابِ إيكاروسَ ساعةَ الذوبان • في كلِّ هذا • لستُ، إذن، بمُتَرجمي :

                                           أنا نَصَّيَ المطموس !

    الهُنَاكَ المَحضُ

           غُرفَةُ الصَّهْدِ • فضةٌ . فضةٌ هي الجُدُرُ • فضةٌ تَبلَّرَ في أرجائها الصوتُ • مرآةٌ لمرآةٍ • عَينٌ مُسطحَةٌ • تنظرُ ثَـمَّ • عَينٌ محدَّبَةٌ • تنظرُ ثَـمَّ • عينٌ مُقعَّرَةٌ • تنظرُ ثَـمَّ • وجهٌ • وجهٌ، شائِهٌ، حُلوٌ، غائرٌ، مَلويٌّ بهَمٍّ، مطويٌّ بهُمْ، سارِحٌ في هُوَ، سانِحٌ لهِيَ، صامخٌ في جَناحِ الحصانِ • وجهٌ • عينانِ • عينانِ، تتقلبانِ، تريا هُوَّةً/ ليسَ دانتي • المعرِّي • فجوَةً تتسربُ الأعضَاءُ • جُرفًا ينداحُ شَحْمٌ • قناةً تَنِقُّ ضفادِعٌ دمويةٌ • تتقلبانِ، تريا قارَ الرُّخِّ إذ يعبرُ الغيمَ • طشيشَ الحُلمِ أعلى • فأعلى الفناءَ • في الجوانبِ الأرياشَ إما من ملائكةٍ أو نتائفَ شِعْرٍ • تُحْوِلانِ، تريا الآخرينَ/ إيهِ •

                  أيها الآخرونَ، يا مرايانا الصَّدِئةْ !/ 

                                                  طحالِبَ ذهبيةً • نَزَّ جرحٌ بصديدٍ، أحمرَ عابرًا، أخضرَ خاطِفًا • تُحْوِلانِ نحوَ أخرى • تريا أزرقَ • ترمشانِ، تريا لاشيءَ! • تُغمضِانِ، تريا نمورَ الرؤى في شَدِّ أوتارِ المطاردَةِ فَرطًا : الغزَالةُ أينَ ؟ الظباءُ؟ • وجهٌ • عينانِ • فَمٌ • فَمٌ، راجفٌ، واجفٌ، خائفٌ، راعِفٌ بينَ القوافي • عسَلٌ بَشريٌّ – لهنَّ حَسْبُ – لآلئُ موطوءَةٌ بالقولِ • صمتٌ : إيجازٌ شنيعٌ • وجهٌ • عينانِ • فَمٌ • غرفَةُ الصَّهْدِ • شُبَّاكٌ من زفيرٍ • زُفَّ القلبُ إلى عروستِه الكآبَةِ • فضةٌ • فضةٌ مورقَةٌ بالكواعِبِ • لا نواهدَ غيرَ قلةٍ – أسَفٌ يتورَّمُ – • غرفةُ هناكَ حيثُ الأنَا آخَرُ ميَّالٌ، تحتِ، جهةَ المَعيِّ وأدنى : هناكَ حيثُ دهاليزُ المعنى • هناكَ حيثُ خُطى الحقيقَةِ جُرَرٌ ساطعاتٌ …

                                                                        وَلَكِنْ، بكلِّ النقصِ هذا

                                                                        بفدَاحَةِ أحرُفِ العطفِ فيَّ

                                                                                        أنى لي أقولُ !!

    بهلَوانُ العَبَث

                    يَودُّ الرحيلَ ولا يَرحلُ/

        يرى في الآخرينَ من نفسهِ شيئًا • عرَضًا تافِهًا • مِزَقةً من خِرقَةٍ • يرى صدًأ • من بَعيدٍ يراهُ كذبةَ لمعَانٍ • مالي وللغرابِ أنا ؟/ يقولُ لهذي المرايا الخالِطَة • مالي والتصاويبَ الغالِطَةْ ؟ • وإذ، خطًأ، إلى نفسهِ ينظرُ • يرى آثارَ مخالبٍ • لُذوعَ نيرانٍ صغيراتٍ • يرى ما من شأنهِ أن يكونَ في حنجرَةِ الذئب من فرط العُواءِ • يرى ما الناسِكُ من بُحَّةِ الدعاءِ أحقُّ بهِ • يرى نَهَرَ التغيُّرِ • سَمَكَ اللاثباتِ • أ هذهِ أثارُ الآخرينَ إذ بجانبي عبروا ؟ • يسألُ لاأحدَ الشخصيَّ الذي مَعَهُ ! 

                   إنما في عينهِ خَلَلُ/

          يقولُ : هذي بلادٌ وتلكَ بلادٌ • ترابٌ واحدٌ لأوجُهٍ شتى • جمهَرَةٌ من الألوانِ غفيرةٌ كلُّ شيءٍ • كثرَةٌ • مآلُها واحدُ؛ الأبيضُ أو ظلهُ الأسودُ • لكنني الموقوعُ بي في بينِهِمَا • شاسِعٌ هو بونُهمُا كانفتاحَةِ عين أُنثَى إذا ارتذَّتْ • في الرماديِّ موقوعٌ • أم واقعٌ ؟ • لكلِّ إرادَةٍ أخرى • والأخرى إلى أينَ ؟ • وأينُ مَن هذا ؟ • هكذا تتوالَدُ الأزهارُ – في البينِ الذي أوقِعتُ فيهِ – أنيابَ أسئلةٍ • أرضٌ خصبَةٌ إن سألتَ • بوارٌ للإجابَةِ • يبابٌ كلسَانِ ابنِ منظورَ بعدَ اندثارِنا/ العربِ/ بينَ يديْ أُميٍّ مِنْ – مَثَلًا – أهالي الصينِ !

                     خُرِّقَتْ، دونَ قصدهِ، القُلَلُ/

             مَن يقولُ : مَاءٌ • ستسمَعُهُ الصحراءُ • وتعطيهِ السرابَ • مَن يُسْلِمُ للسرابِ خِصَاهُ لن يقومَ قائمُهُ • مَن يلتفُّ قائمُهُ حوالى نفسهِ غيرُ مَاشٍ • واللابِثُ هذا في مَقامِ النَّفي حَجَرًا يصيرُ • إليهِ • إلى الحَجَرِ سيأتي شاعرٌ • سيلحَسُ صلعتَهُ بلسانهِ اللغويِّ • ليبعثَ نارَهُ • ليوقدَ ماءَهُ الجوفيَّ • مغلوبٌ، ككلِّ شاعرٍ، وموهومٌ • سيموتُ في مَقامِ المحاولَةِ • سيأتي جارِحٌ جائعٌ على جُثمانهِ • سينقرُ العينينِ، حَسْبُ • ففيهما من الشبعِ الكثيرُ • أليستَا من شَاعرٍ ؟ • سيُفغَرُ، جهةَ السماءِ، المِحْجَرَانِ • ستحنو • سترسلُ غيمَةً • ستمطرُ • فأينَ كانت آنَ كانَ هنا مَن يقولُ : مَاءُ ؟

                    كثيرَةٌ عطاياكَ، ربِّ، والحِيَلُ/

    بعَينينِ خابيتينِ، بعَرَقٍ ناضحٍ، بزيتِ حُمَّىً في الوريدِ مُحمَّىً يقولُ

              آتٍ يا شِتَاءُ بكُلِّ سلاحِكَ الثَلجيِّ • آتٍ لتَقتُلَني ثُمَّ تُحييني لتَقتُلَني • كلما جئتَ قلتُ : بروڤةٌ للجحيمِ دنيويةٌ بإخرَاجِ الزمهريرِ • تَكرَارٌ وما اعتدتُكَ، بَعدُ، وما صبرتُ عليكَ، مرةً • غريزَتي في البقاء تنامُ حينَ تجيءُ • آتٍ أنتَ • آتٍ بَعدُ • آنُكَ ليسَ في أيلولَ • فمَن هذه التي أرسلتَ لي ؟ • لمَ ارسلتَها قبلَ الأوَانِ • خَلِّ العِلاقةَ بيننا صحيَّةً : مرَضي إذ تجيءُ يكونُ وصحَّتي في غيابِكَ • من هذي الرسولَةُ ؟ • أ أنتِ سيدَةُ النَّارِ أم أختُ الحياءِ • سلامًا ! يا أحمَد الثاني • كلما نامَ الخلقُ وتسلَّقَ سُرَّاقُ سَماءِ الدنيا، على أكتافِ بعضٍ، نَفضتني كمُلاءَةٍ ! • كلما أصابَ شهَابٌ فردَتني على عَرَقِي • كلما آهَ دَمي من طبيخِ الحُمَّى مسَّتْ جبهتي بشَرَارِةِ الثلجِ نُدفَةً • لا أقولُ، يا شِتَاءُ : خُذ عنيَ قُنيتَكَ، الآنَ، لكن أنمِهَا قليلًا كي أنام • جسدي خِرقَةٌ مِبتَلَّةٌ كما لُغَتي جَسَدٌ بالآخرينَ مُبتَلٌّ : سأدخلُ، عَاريًا، في خِضمِّكَ يا شتاءُ، أوائلَ أيلولٍ، فإما انتصرتُ عليكَ وإما، سويًّا، نموتُ آنَ فيكَ أموتُ !

    لَيمونَةُ المَنام

               في غَابةٍ سوداءَ، لوحدهِ • حَلُمَ بأنهُ في غابةٍ سوداءَ، لوحدهِ • أم رأى أنه في غابةٍ سوداءَ، لوحدهِ • أم كانَ في غابةٍ سوداءَ، لوحدهِ • أم أنه، بالفعلِ، في غابةٍ سوادءَ، لوحدهِ • ؟ • غابةٌ جرداءُ بلا شَجَرٍ • حَجَرٌ وراءَهُ حَجَرٌ وراءَهُ حَجَرٌ • يحملقونَ ببعضٍ ببُغضٍ • صخورٌ ضخام سوداواتٌ • عَوالٍ عن الأرضِ قليلًا؛ بمِقدَارِ ريشَةٍ • إن لَمِسَ واحدةً منهن نَدَّتْ صرخةٌ عنها • حَلُمَ أنهُ رأى واحدَةً تُكلِّمهُ : اُلْقُمنِيَ ينثالُ الغناءُ من عينيكَ • فرأى أنه يحلُمُ بالتقَامِ وَاحِدَةٍ أخرى ونامَ • ليرَى أنه يطاردُ صخرةً، كمشبوقَةٍ إلى يوسُفَ، أنه كلما اقتربَ تناءَتْ فقُدَّ فؤادُهُ من قِبَلِ الغرامِ : أينَ الغناءُ ؟ •

                عَثُرَ، في السعيِ، من حَجَرٍ •

                 جثى من خيبَةٍ ومن تَعَبٍ •

                          وَنَى فنامَ • 

          وفيهِ ذَهَبَ إلى هناكَ في البُعدِ، وراءَ التخومِ • ورأى شبِيهًا بهِ يرفَعُ آخِرَ حَجَرٍ في اللغةِ :

                         هل وَجَدَ وردةً ؟!

    أعطِهِ لو ..

           يأتي، الليلَ، كجَابٍ يطرقُ البابَ – أنا الذي أودُّ – : هاتِ من الإرادَةِ حصتي ! • فأبكي له ويَجلدُني • بسياطٍ بدَمِ الحُلمِ منقوعَةٍ/ دَمٍ مالَحٍ وتحتَ الشمسِ، سنينَ، مَسكوبٍ • هاتِ، يابنَ الكلبِ، من الإرادَةِ، حصتي ! 

    أ تحسَبُ عبثًا تجيءُ إلى هُنا وتمضي بلا دَفعٍ ؟ • أزُمُّ نفسي إلى نفسي في لحافي وأصيحُ : مَن أنتَ ؟ • أنتَ ! • ويُشهرُ لي وجهيَ الطفلَ وأيري المُراهِقَ أولَ ما خَشُنَ الصوتُ : أنتَ ! • أمضي، هاربًا، إلى رُكني الأثيرِ/ إلى لُغتي • فيهدِمُهَا على رأسي بنَفختِهِ : ليست، حتى هذهِ، مَجانيّةً – ويسوطُ – هاتِ، هيا، حِصتي! • فأنفرُ فيهِ : لو أنتَ أنا – وأمسكُ بالسوطِ من يدهِ، أشُدُّ  – فلا تأمرُنَّ أباكَ، لا تَسرِقَنْهُ؛ تأديبًا تريدُ، تعالَ أنتَ، الآنَ، إليَّ هاتِ من ظهرِكَ حِصتي – وأسوطُ أعنفَ سوطتينِ.. فأصرُخُ – حتى تَهدَّمُ جُدُري – إذ بي سطتُ ظهري، إذ لا هنا إلا أنا، إذ غارَتْ منهُ ( السوطُ ) ذؤابَةٌ في الروحِ حَكَّتْ عينَ إرادَتي فصَحَتْ : ونمتُ، مُغمىً عليَّ بالرُّعبِ نمتُ !

    عَينٌ تبتلعُ ما تَر

             هذا القلبُ • قلبُ ظلي • يُرَبِّي الشوكةَ حتى تكبُرَ خِنجرًا • وحتى تموتَ دمعةً ! • هذا القلبُ • قلبُ ظلي • وهل ظلي أنا آخَرُ ؟ • هل قلبهُ نَبضي ؟ • سأنكثُ عهدي وأقولُ : يا نَفسُ، هيا نصطلح ! • وأصرعُهَا بقُبلتينِ على فَراشِ الحُلمِ • متى يتعلمِ الخنجرُ لُطفَ الريشِ ؟ • ومن سيخبرُ الشوكةَ بأنَّ الوردَةَ أمَّهَا ؟ • قلتُ : هذا القلبُ قلبُ ظلي • وظلي ؟ • هوَ عَبدي في النهارِ وسيدي في الليلِ • لستُ في الظلمةِ أُنكرُ فُحشَهُ • لكنني لا أردُّ لهُ الصاعَ، في النهارِ، صاعينِ • لماذا ؟ • لأنَّ النهارَ فضيحَةٌ، ببساطةٍ ! • قلتُ للشوكةِ ليلةَ إذ نَهُدَتْ واشتهَتْ – في تَخنجُرِها ! – دَمًا : أفسحي للقلبِ أن يستوعبَ الأمرَ، كالأبِ إذ يعي أنَّ لابنتهِ شهوَةً تجاهَ آخرَ، ثُم افعلي ما شئتِ ليلةً أخرى • لم تُطعني وصبَّتْ دمَ القلبِ دمعةً دمعةً حتى انعمى وانتمَى ليعقوبَ • فمنْ هوَ آتيني بقميصِ يوسُفَ وهو خرافَةٌ ؟ • الآتي ؟! • حينَ قلتُ : يا نَفسُ، هيا نصطلح ! • كنتُ أكذبُ • لم تستمع لي وإذِ اقتربتُ ركلَتْ خصيتيَّ ومضت لمرآتِها تتعرَّى وتحكُّ صورتَها بنهديها ! • ليسَ الأمرُ لُغزًا • حسَنٌ • أخذتُ، في النهارِ، بيدِ ظلي وهمست له في زُقاقِ العواطفِ : هاكَ، خُذ عقلي قُمَاشةً وضعهُ بينَ الشوكةِ والقلبِ • لم يرفُض • فكانَ الشَكُّ عوسَجًا في دَمي • وها في الضياعِ أسألُ : أيُّنَا ظِلُّ صاحبهِ ؟!

    كَشْطُ السَّمَاء

             يُدَندنُ وحدَهُ : وكانَ المساءُ مَعدِنًا من الكآبَةِ • استفِق يا أنتَ • انظُر لي • وانظُر فَعَالي / وجعلتُ لهُ نورًا يمشي بهِ/ ووضعتهُ في الخُطوتينِ/ وعرَّفتُ بهِ الجِبالَ/ وأمررتُهُ مِن سَمِّ الخِياطِ/ وأوصيتهُ : إذ تصلُ السحابَ سلِّمْ لي عليهِ !/ وأدركتهُ حينَ أوشَكَهُ السقوطُ بريشتِي/ وعدَّلتُ قَامتَهُ بالأناشيدِ/ وأطعمتهُ كَعبيَّ ليقوى على السيرَانِ أعلى الماءِ/ وقلتُ له : لا ترحمنَّ الساقَ/ إذا انقطعت فأبدلِها بأحلامِ الكسيحِ • 

                            كانَ يُدَندنُ : هذا المساءُ قُرْصُ غَمٍّ صقيلُ • استفِقْ ! • من أنتَ ؟ • لاقِمُ الجَملِ سرابَهُ • أينَ مضى ؟ • في أمثولَةِ المسيحِ عن الغَنيِّ • متى سيعودُ ؟ • إن ذهبتَ إلى الصحراءِ تعجنُ سَيرًا بهَواءٍ لسرابٍ • يدايَ واهنتانِ • تستعفيانِ بالعمَلِ • وجهُكَ ضاحكٌ بَاكٍ معًا • ليسَ وجهي • وجهي ؟ • لستُ مرآةً • نَهَرٌ • حَجَرٌ على نَهَرٍ • متى يمشي ؟ • إذا تعبَ النهرُ • ومتى ؟ • حينَ يمشي الحَجَرُ • صافحني • يدي في البيتِ ليسَ معي • لو معكَ صافحتُكَ بوردَةٍ • الوردَةُ، في الإرادَةِ، عطرُها، حَسْبُ/ والوردَةُ، في الهُويةِ، الأشواكُ؛ فأيٌّ ستُعطيني ؟ • سَوَاءٌ، لا إرادَةٌ دونَ هُويةٍ/ والعكسُ • هذا لساني ! • لم أمصصهُ ! • وكيفَ أتاكَ ؟ • على طريقتهِ • في دورانهِ، بينَ النواطقِ، لانهايتُهُ • شاركني الطعامَ • أيٌّ ؟ • طعامي • أينَ ؟ • هنا • كيفَ ؟ • في كلامي • أكثرَ ؟ • أنتَ، حَسْبُ، تشرَبُ • سآكلُ • اللحمُ جهمٌ، هذا، ومُرٌّ • سأحاولُ • كُلْ من لحمةِ الكتفينِ • عاليَةٌ • سأرفعُكَ • سأسقطُ • سأدوسُكَ • ستسودني • ألا ترى انقلابَةَ الأحوالِ ؟ • تبًّا ! • لا تغضبنَّ • تبًّا ! • دوامُ الحالِ … • لا تضحكنَّ • فمي لازمٌ قلبي • وأنا لازمٌ أنتَ • وأنتَ ملزومُ هوَ • من أنا ؟ • لُعِنتَ • من أنتَ ؟ •

                                                     أنتَ         أو أنا

                                                         أو أنَاتَ !

    قاتِلُ الأُغنيات

                  هاتِ يا غرابُ لونكَ • وانسكبْ – لكَ قلبي دَواةٌ – انسكبْ حِبرًا • دَمي التخفيفُ • فتعالَ • وطِرْ فيَّ الكلامَ الغميقَ

                                                              الغميقْ :

                             كانَ وحدي • أجلسُ وحدَهُ • وحيدَانِ • أنا وأنا • ننظرُ صوبَ مَاءٍ ما هوَ البحرُ • أقتلُ عصفورَةً • يربِطُها، مَيْتةً، بكَعبي اليمينِ • ثُم نمشي • هُوَ وهُوَ • نخوِّضُ في الماءِ • ولا تقومُ من كعبي • فنقولُ صدىً : ليسَ مجمعَ البَحرينِ، إذن ! • يعاودُ وحدَهُ جلوسي • أعاودُ وحدتي في جُلستهِ • على حَجَرِ الأزلِ واحدٌ • وآخرُ، ثَـمَّ، على حَجَرِ الأبد • والماءُ جارٍ، ما يزالُ، بيننا • وننظرُ

                      لا توافقُ نظرتي عينيهِ • أراني جميعًا أمامي فيهِ • الملامحَ • التقاطيعَ • عُقدَةَ الحاجبينِ • الجبينَ وما يحوي • نفرَةَ الأُذنينِ • الحَرْقَ عندَ الكوعِ • حبةَ الخال فوق الأنفِ • إنما العينينِ، لا • بذاتِ قانونِ الشمس معَ النظراتِ تستعصيانِ • أرى الشفتينِ تَنفرجانِ • ولستُ بسامعٍ ! • أرى الشفتينِ تنطبقانِ • وأسمعهُ :

                                  مُرَّ يا سُلطانُ 

                                  اُعبرْ، إليَّ، من ضفةِ الأبدِ

                               – خُذ بيدي !

                                  ما اسمُكَ يا سلطانُ ؟

                                – ما تناديني بهِ

                                  أنا أُناديني … !!

                   ويدًا يمدُّ • أمدُّ يدًا • فأسقطُ من كُسٍّ إلى دنيا • منكسِرًا على صلابَةِ ماءٍ • لم أفكر قطُّ بأنَّ لعلهُ مرآةٌ لأعلى • وأصيحُ/ أشدُّ عُياطَ الطفلِ، لدى الولادَةِ، على آخرِ أوتارِ الفجيعَةِ • … لكن ما يحيرني، يا غُرابي، أنهم – كيفَ ؟ – عرفوا اسمَهُ وسموني بهِ •

                                  فَهَل يكونُ أنا

                                  أم أكونُ هوَ :

                      مَن قَتَلَ الأُغنياتِ – وسْطَ العينِ –

                      أ كلامهُ – فلا مرئيٌّ جميلٌ – أم كلامي ؟

           قُل لي

              وأنتَ تمشي فيَّ، 

                              مُقلِّدًا خُطُواتِ الحَمَامِ …

    تَلعينٌ

             أُغَمِّسُني بشَمسِ وَحدتي في الليلِ • حتى أطِقَّ شرَارةً ! • وأمشي إلى ذاتي هُنيهَةَ ما بينَ النارِ والماءِ • في لامكانِ المادّةِ ألبثُ آنَ أنظرُ صوبَ مرآتي • كُحليَّةٌ هيَ/ عتيمُ انعكاسَتِها بصيرَتي ! • لو ناظرٌ غيري إليها لَبِالإنكارِ انعمَى، إذن : لاشيءَ ثَـمَّ – يقولُ ! • أقولُ : صوتُ المفتاحِ في البَابِ أغنيَةٌ رماديةٌ منسيةٌ • وحَكُّ الخِصيتينِ للفَخذِينِ تنبيهٌ بالحَياةِ • أقول كَذَا أنا الماشي • وأواصلُ • لا وُجهَةٌ أو جِهَةٌ تناديني • مَن هُناكَ سوايَ في فكرتي عن هُناكَ؟ • كلُّ هُناكَ مُشتهىً ومرذولٌ كلُّ هنا ! • إنَّ الوحيدَ شتيتُ أماكنهِ • فالمَكانُ الحَقُّ حَقٌّ بآخرَ ما • والمكانُ فردوسًا بآخرَ ما مَلاكٍ • والمَكانُ جحيمًا بآخرَ ما غُولٍ • لن أقولَ : المَكانُ بالبشريِّ آخرَ حُفرَةٌ/ لا بئرٌ فلا ماءٌ ولا يوسُفُ ! • حسَنٌ، سأقولُ ! • 

            أُغَمِّسُني بشمسِ وَحدتي في الليلِ • فأُخرِجُ لُعابَ أنايَ لَزِجًا دَبِقًا دمَ حيوانٍ ما بدائيٍّ أخضرَ أو كتمَةَ قُرمزيٍّ • كنتُ أحسبُني سأخرجُ كما يخرجُ خيطُ الذهبِ من الشمس ! • 

            الوَحدَةُ ترَفٌ إلهيٌّ باهظٌ على البَشريِّ • كيفَ تَرَى مَن يُعطي الفقيرَ ملعقةً من ذَهبٍ ويتركهُ بلا طَعامٍ بلا مَاءٍ وسْطَ صحراءٍ ؟ • هوذا الوحيدُ، إذن : مأدُبَةٌ حولَهُ ولا يدانِ لهُ، ولا فَمٌ ليأكُلَ أو يقولَ لصورتهِ في السرابِ :

                                                                                             شارِكني !

            مِخلَبُ الوَحدَةِ نائمٌ في القلبِ • ملعونَةٌ ساعةُ يقظتِه !

    الوَحيدُ يَلهو

              كمَن يَلهو باللَّهَاةِ • يلهو الوحيدُ بقلبهِ قُبيلَ النومِ • باللِّسَانِ يلهو • هل هوَ الكلامُ أم ذُرَاقُ اللغةِ في الأفواهِ ؟ • يلهو ويَحكُّهُ كمَن يقولُ : خَاء ! • من أينَ يأتي النومُ ؟ • من الإرهاقِ أم منَ اللهِ ؟ • وليكُن، أيُّ فَرقٍ هُنا ؟ • يَتَنَحنَحُ، يدعَكُ عَتبةَ الغِناءِ؛ لكنه لا يُغنِّي • هذه لُعبَةُ الوحيدينَ، حَسْبُ، المُتَمرِّسينَ بالتحديدِ، مَن وصلوا بساتينَ الوَحدةِ . صاروا بسَاتِنَةً ينتقونَ أيَّ وردَةٍ للَّهوِ غُفْلٍ ويعبدونَها بالسَّقي • بمعنى : أن تغورَ أدنى، لا أن تُكَلِّمَ القلبَ/ أن تَتَكلَّمَ القلبَ • أ هوَ كلامٌ آخرُ ؟ • من أنتَ، يا قلبُ ؟ • كلامٌ باطِنيٌّ ؟ • خُطوةً للورَاءِ : ما الكلامُ ؟ • بَذْرُ الأنَا في أراضي الآخرينَ البُورِ • إن أثمَرَ، مرَّةً، بمُعجِزَةٍ أشرقَ القلبُ يدًا للنَّمَاءِ • خطوتينِ للأمَامِ : ما الحُبُّ : أ ليسَ تشذيرَ القلبِ في كِتابِ الحياةِ • خطوةً جانبيةً : ما كتَابُ الحياةِ هذا ؟ • وَسْمُهُ : طِلَّسْمُ الوجودِ • آ ! • اقلِبَها يتَضِحْ معنىً • خطوةً في مكانِها : ما القلبُ ؟ • لِمَنْ، أيْ أيُّ قلبٍ ؟ • هُنا مُعَجَمٌ لانهائيٌّ، إذن، تتشاطَرُ مفرداتُهُ هكذا بلا سَببٍ؛ كالذَّرَاري قُبيلَ العَهدِ ! • خَلِّ التصوُّفَ جَنبًا، هاتِ ماديَّةً ما لنفهمَ • كمرايا لانَهائيةٍ هي القلوبُ بمَزِيَّةِ الخائفِ في التَلفُّتِ • خطوةً في النَّهرِ : وعليهِ، فالصُّوَرُ رَجرَاجَةٌ، أبدًا، بفعلِ خَفْقِ المرايا بينَ إصبعيْ الوحيدِ الأولِ الأبديِّ إذ يلهو … 

  • الموت من شدة البهجة – عماد عبد اللطيف سالم

    الموت من شدة البهجة – عماد عبد اللطيف سالم

    أنا الآن .. طاعنٌ في السِنّ.
    هناك من يقول .. ” لقد بلغتُ منَ الكِبَرِ عِتِيّا”.
    هناكَ مَنْ يَدّعي .. “أنّ هذا أرذلُ العُمْر” .
    امرأةٌ في الخمسين ، تهمسُ في أُذْنِ صديقتها .. “هذا رجلٌ عجوز”.
    صديقٌ في الستّين يقول .. لقد “راحَتْ عليكَ” ، و على شَيْباتكَ يارَجُل .. ولم يَعُد فيك ، ما يُثيرُ بعوضة.
    هناكَ من يُناديني .. “حَجّي”.
    النساءُ الصغيرات الرائعات ، يَقُلْنَ لي .. “عمّو”.
    أنا أُحِبُّ “عَمّو” هذه كثيراً
    وأُفَضِّلها على غيرها من التسمياتِ المُميتة.
    لستُ سعيداً بهذهِ الأوصافِ طَبعاً
    ولستُ حزيناً أيضاَ
    ولكنّني أشعرُ بالدهشةِ
    لأنّني مازلتُ حيّاً
    مع أنّ أكثرَ من حربٍ
    قد تركَتْ وحلها فوق روحي.
    أشعرُ بالدهشةِ لأنّني لم أمُتْ
    مع أنّ ماعشتهُ في حياتي
    لم يكُنْ بوسعِ حيوانٍ
    أنْ يتحمّلَهُ قَطْ.
    أشعرُ بالدهشةِ ، لأنّ كُلّ الذينَ أُحِبُّهم ماتوا ،
    دونَ سبَبِ كافٍ
    يُبَرّرُ الرحيلَ المُبَكِّر.
    مَثَلاً .. أنّ أحدهم ماتَ ، بعدَ وَجَعٍ في القلب ، دامَ بضعَ دقائق.
    والأخرُ ماتَ بعدَ إنْ غادرَ البيتَ ، ليشتري للعائلة ، سندويجَ “فلافل” .. فجاءَ أحدهم ، وحزَ عنقَهُ بسكّينٍ ، وتركهُ يرفسُ في الشارع.
    والآخرُ ماتَ ، لأنّ شخصاً لا يعرفهُ ، قد اطلقَ عليهِ الرصاص ، وكأنّهُ كيسُ من الرمل ،
    كانَ يُنجِبُ أطفالاً ، يشبهونَ صغارَ السمَك ، وهاهُم يلبُطونَ الآنَ على الأرصفة.
    وهُناكَ من ماتَ من الجوعِ ، بعدَ إنْ أفلتَ من الكوليرا.
    بلْ أنّ أحدهم كانَ أبلَهاً .. فمات ..
    لأنّ كُلّ الذينَ يكرَهَهُم .. ماتوا.
    وتصَوّروا .. أنَّ إحداهُنَّ ماتت .. لا لشيء .. إلاّ لأنّها ، أحَبّتْ رجُلاً غيري.
    كُلُّ هذهِ .. أسبابٌ غيرُ عميقةٍ للموت .
    وهي ذاتها التي تركتني أعيشُ ، الى هذه اللحظة ،
    في انتظارِ سببٍ وجيه
    يستَحِقُّ أنْ أموتَ لأجلِه ..
    كأنْ أغفو ذاتَ مساء
    مُبتَسِماً لوجهها العذب
    ولا أصحو بعد ذلكَ أبداً
    الى أنْ يُستَهلَكَ هذا العالم ..
    أو .. الى أنْ تاتي تلكَ الرسولةُ فعلاً ،
    وتغفو فوقَ صدري
    قادمةً من الحُلْم
    فأموتُ أخيراً
    من شِدّةِ البهجة.

  • أسرعُ طريقةٍ لإنهاء حرب هي أن تخسرها – نجوى الكناني

    أسرعُ طريقةٍ لإنهاء حرب هي أن تخسرها – نجوى الكناني

    أذكر أني قررت أن أخسر أمامك .

    أذكر تماماً أني تخليتُ عن نصفي

    في سبيل أن تكتمل أنت

    أذكر حين ذابت سكاكر الحب

    في فناجين القهوة الوحيدة

    كان صباحاً غائماً

    أوشكت فيه الطيور على هجر أعشاشها

    حبل الغسيل يومها كان مشدوداً لآخره

    والفساتين التي غسلتها بالأمس

    تبخرت !

    وجهي كان أولى ضحايا الحرب

    ذبل عند أول ريح خريفية عابرة

    الغربان استوطنت النافذة

    العصافير الثائرة تساقطت

    كندف الثلج

    أذكر جيداً .. خوفي

    كان ينبت تحت الأسرة

    كالعشب

    البكاء الذي كان يبقيه حياً

    صار نهراً جارفاً

    حمل معه الستائر والطاولة

    حمل الأكوابَ والمفارش المطرزة

    حمل صور الحائط وتذكارات السفر

    وترك جثثاً من الكلمات .

    لقد غيرت الحرب معالم المدينة !

    – نجوى الكناني –

  • نشوة – ماري محمد

    نشوة – ماري محمد

    كان ذلك متوقعًا.

    فهي أعادت تشكيل هذا المشهد في ذهنها سلفًا مئات المرّات. وبشكل أكثر احتدامًا في كل مرّة.

    كانت امرأة. كان رجُلًا.

    استطاعت تقليص اختناقات الإثارة التي شعرت بها في كل مرّةٍ تواجدا فيها معًا إلى هذه المعادلة. لم تكن امرأةً عاديّة. إذ لم توشّحها الآلهة -التي لم تؤمن بها يومًا- فقط ذلك التأثير الأنثويّ الذي يتصدّع الرجال أمامه، وتنهار تلقاءه كل مقاومة تحاول أن تقف في سبيل الانقياد إليه. بل كانت لديها، أيضًا، القدرة على تمييز الرّجل الذي سيداعب شعرها بحنانٍ -لا يقل شهوانيّة- بعد أن تذوب بين يديه، والذي لا يهتمّ -وإن أبدى خلاف ذلك- سوى بالفوز برهانٍ عقده مع عُقدة نقصٍ عشّشت في تجاويف هشاشته بأنه سيستطيع في نهاية المطاف، ومهما كلفه الأمر، مباعدة ساقيها.

    لا يبدُو أي من أنواع الرّجال الذين اعتادت أن تسمّيهم قرودًا مهمًا الآن. لأنها بين يديه. هو. هذا الرّجل. الذي تذكّرت -بينما أصدرت مواءً متقطّعًا- أول مرةٍ رأته فيها. يظهر بعض الرجال في حياة النساء، اليائسات مثلها، مثل باخِرةٍ شقّت الأفق على نحوٍ غير متوقع لإحداث نقلة هائلةٍ في حبكة هلاك على وشك الحدوث.

    أسفر لقاؤها الأوّل به عن صعقةٍ أعادت لما ظنته ميتًا فيها حياته من جديد. وعن تواطؤٍ شهيّ، وقرارٍ، كان لعوبًا، وحاسمًا: ثياب داخليّة حريريّة سوداء، كل يوم. شعرت أسفله بنهديها كعصفورين طليقين. وحين تشبّثت بكتفيه كقارب نجاة، غرزت -بشبقٍ واضح- أظافرها التي لم تكن لتقبل بعد الآن بأي هُدنة. ولعقت شفته العُلويّة التي انسدل عليها شاربُه الذي أثارها إهمالُه منذ الوهلة الأولى.

    حفّزها ذلك الوخز الرجوليّ الذي أشعرتها به كثافة شاربه على تعرية جوعِها إليه. فالتحمت شفتاهُما كجُرح آخذ في الالتئام. طافت بها محطّات عذاباتها -أثناء ذلك- كشهاب آفِل. وأدهشها دفق ما يمكن أن يتذكره المرء، ويفكر به، خلال اللهاث المتسارع للحظةٍ حميميّة. لكن أيقظها وجهه من ومض تلك الفكرة. وأثارتها حدّة تحديقِه الذي ظنت أنه قد رأى من خلاله روحها من الدّاخل.

    يمكن للنظراتِ أيضًا أن تكون جنسًا.

    قادتها تلك الحقيقة الملمُوسة إلى التحديق فيه ملء ألمها، شبقها، وطبيعتها التي لطالما آمنت بانتمائها للقِطط. ظلَّت تلهث. وما انفكّت وتيرته الضاجّة داخلها عن إشعارها بشظاياها عائدةً لتتسق كما كانت يومًا صورةً كاملة. استغرقت رمقها الأخير تلك الصّرخة المحمّلة بكل ما شكّلها كامرأة. فأغمضت عينيها في ومضةٍ بدا معها أن للّذة عمقًا لا يمكن إدراكه إلا بالتسليم التّام لتلك العِتمة. وهناك، بوضوحٍ كامل، رأت الله.

  • روبرتا هيل وايتمان : تنويعات علي صوتين

    أين نعيش؟

    تحت جنح الغروب.

    كم من الوقت مضي علينا؟

    منذ وفاة جدك

    حيت أيي الحرب من دون جهد

    ولم تكن القلوب

    تملك دمعة أو نصرا.

    إننا نقف في حقل الغريب،

    ما وراء الاعتذار.

    ماذا نفعل؟

    نختبئ. نعقد صفقة.

    نجيب عن كل سؤال

    بغضب صعب،

    نرسم خريطة لوجع القلب

    ومطحن العظام العتيقة.

    متي يحين الوقت؟

    الوقت هو ذاك الشحاذ

    الذي يعيش في القبو

    يملي علينا

    متي نتحرك، وكيف نحلم.

    اركضي وستجدين أنه هناك

    ينتظر عند المنعطفات

    حاملا  المسافة لقفص أضلاعك

    والدبابيس لعينيك.

    من سيأتي ويخلصنا؟

    لا أحد. لا شئ.

    مع ذلك حين تهب الريح

    أسمع أصواتا تنادينا

    داخل ندف الثلج

    سمعتها في تلك الليالي

    حين يئن الثلج قبل الربيع.

    لا نصغي أبدا.

    لا تصغي أبدا.

    لا تصغي

    ماذا بإمكان الثلج أن يجلب معه!

    نبذة عن الشاعر


    روبرتا هيل وايتمان ولدت الشاعرة الأمريكية روبرتا هيل وايتمان في عام 1947، وتنتمي إلي قبيلة أونيدا الهندية, في ولاية ويسكاونسن. درست علي الشاعر والناقد المعروف ريتشارد هوغو، ديوانها الأول الصادر عام 1984 بعنوان (لحاف النجمة) وتتحدث فيه الشاعرة عن الدلالات الروحية والجمالية للزخارف التي يحيكها أصابع النساء الهنديات في فن التطريز. ويمتاز شعر الشاعرة روبرتا هيل بأنه غارق بالفقدان، ويمزج الشخصي والتاريخي، في محاولة إستبطان للماضي، كما يتمحور شعرها حول القطيعة التي يعيشها الإنسان المعاصر تجاه المخلوقات الأخري في الطبيعة التي تشكل عالما مستقلا، غامضا وبدائيا، ولكنه في طور الإنقراض الأن، ونبحث بالشعر بالنتائج الكارثية المترتبة علي الأنفصال عن ذلك العالم.

  • نيكي جيوفاني: لست وحيدة

    ترجمة: د.عابد اسماعيل

    أنا لست وحيدة

    ولا أنام وحيدة

    أتظن أني خائفة

    لقد كبرت

    ولا أبكي

    أملك سريرا رحبا، شاسعا،

    أتدحرج فيه كيفما شئت

    ولا أحلم أحلاما سيئة

    كتلك التي تعودت على رؤيتها عنك

    وأنت تهجرني

    ألآن، بما أنك قد هجرت،

    لن أحلم،

    ومهما ظننت بي

    لست وحيدة

    لا أنام وحيدة.

    نبذة عن الشاعر

    ولدت الشاعرة نيكي جيوفاني في نوكسفيل، تينسي، عام 1943،وأمضت طفولتها في مقاطعة لينكن هايتس في أوهايو، وإلتحقت بجامعة فيسك في سن السادسة عشر، ولكنها سرعان ما طردت منها بسبب نشاطها في حركة الحقوق المدنية للزنوج، قبل أن تلتحق بها مرة ثانية وتحصل علي درجة في الأاداب بعد ثمان سنوات، وقد تأثر شعرها بقضايا الزنوج ونظمت في ولاية سينسيناتي، أول مهرجان فنون للأمريكيين السود، ويتضح الطابع الراديكالي في شعرها، زمن أهم أعمالها (عدالة أفريقية) عام 1968، و(إعادة خلق) عام 1970،بالإضافة ل ( الليل يهبط ناعما) الصادر كذلك عام 1970. وقد حصلت علي العديد من الجوائز الأدبية المرموقة أبرزها جائزة المكتبة الوطنية للأدب عام 2001.

  • الرجل الطاعن في السن

    ألبرتو ريوس

    ترجمة: د. عابد اسماعيل

    في كل عام، كان ينبت للرجل سن جديد،
    وهذا، علي الأقل بين أصدقائه،
    خلق حوله نوعا من الشهرة،
    لكنها شهرة إعتاد عليها الجميع،
    ولذلك كانت مصدر متعة لبعض الوقت فقط.
    راح فمه يزداد ضخامة،
    أو في الحقيقة، عظام فكه، وبالتالي،
    راح يتحدث عن خاصية الذئب
    بالرغم من أن لأسنانه الحجم نفسه تقريبا
    تبين إنه كان في الخامسة والأاربعين،
    وقد أمضي لياليه ولم يزل عازبا
    لإنه يبدو الأن مثل ذئب أفلام الكارتون القديمة
    يقذف قطعة نقدية في الهواء، ويطلق الصفير،
    بعدما تخلي عنه جميع أصدقائه
    بالكاد يستطيع أن يتذكر أحدا منهم،
    مع كل سن جديد، كان يهجره صديق،
    كما كان عليه الحال في الأيام الخوالي،
    عندما كان يربي صديقا.


    وبعد خمسة عشر عاما،
    صار وحيدا الأن، ولم يعد بمقدوره ولم يعد بمقدوره أن يجد عملا.
    كان الناس يهربون عندما يمشي في الشارع
    واذاك قرر المكوث في شقته،
    لا يبرحها تقريبا، يوصي بالطعام من الخارج.
    أصدقاؤه قالوا إن الوضع افضل هكذا،
    لكنه تذكر أنهم لم يعودوا أصدقاء،
    وأن الأمر سيان.


    راح يحلم بالجميه ذات السن نصف المكسو،
    كلل ليلة، وفي أخر المطاف إختطفته.

    نبذه عن الشاعر

    ولد الشاعر ألبرتو ريوس في ولاية أريزونا عام 1952، ويتمتع بموهبة السرد القصصي إلي جانب شعره علي الحدود المكسيكية، وصدر ديوانه الأول (أهمس لأخدع الريح) عام 1981، وصدرت مجموعته القصصية (قاتل السحلية) عام 1984، وأخر أعماله الشعريه ديوتن(أصغر عضلة فيي الجسد الأنساني) الصادر عام 2002، وقد نرجما أعماله إلي العديد من اللغات، وأدرجت في العشرات من الموسوعات الشعرية، ويستخدم ريوس لغة صاجمة مدهشة غنية بالمفردات والعوالم في أعماله .

  • شتاء دافئ أحيا من أجله – عبد العزيز الجهني

    شتاء دافئ أحيا من أجله – عبد العزيز الجهني

    لا أفعل شيئًا أُريده، مجرَّدٌ أنا حتى من نفسي، بلا رغبة ولا دافع ولا إرادة، ومثل قشَّةٍ في مهابِّ الأشياء التي تجري حولي، أستيقظ كل يوم أنتظر شيئًا يحدث، أي شيء ليأخذني، ليعبُر بي هذا اليوم.

    لقد طالت الأيّامُ عليَّ واستطالت: يبدو لي اليوم في أوّله مثل جبل، جبلٍ أجردَ في قيظٍ غاضب، وأنا لم أعد أبحث فيه عن وَهمٍ مثل إرنست بلوخ، كان يدعو كل صباح أن يُمنَح وهمه اليوميَّ، أوهامي تحترق يا سيّد بلوخ، تعال وانظر، لا ظل ههنا ليتفيَّأه وَهم أو حُلم، يومي رماديٌّ مُحايد، مثل وجهي الذي تنقصه التعابير، أقطع يومي بتعبير واحِد من أوّله إلى آخره، لياقتي في الحفاظ على حالة اللاتعبير تُذهلني أنا نفسي. “سباق المسافات البئيسة” ربما كنت أفوز لو كان ثمة شيء من هذا القبيل، أحاول أن أبتسم، اخرجي أيتها الابتسامة، ولكنّها لا تحدث برغمِ أنني أحرك مالا أعرف كم وأربعون من العضلات، تبرز أسنان وترتفع شِفاه، ولكن لا ابتسامة، أعرف حتى قبل النظر إلى المرآة، والناس أيضًا تعرف، ثمة أناس لديهم قدرة غامضة على رؤية الابتسامة، هؤلاء يُخيفونني، أرتاح إلى مَن يسهل خِداعهم، أولئك الذين لا يهمّهم إن كنتَ تحرّك عضلات وجهك لمجرّد أنه الموضِع المناسب لذلك في الحديث، حاول ألا تكون فجًا في حديثك وحسب، ثم ستسير الأمور على أفضل حال، وإن ضافت بك المواضيع فاللغة، مُنقذنا الأبديّ، تطفح بالتعابير الفارغة والجمل الجوفاء، أحرف تصطدم بأحرف ويخرج كلام، مرحلة تتحوّل فيها أنتَ والذي أمامك إلى ما يُشبه الآلات، لا تعي ولكن تعرف كيف تجيب.

    ولكن ما الحاجة إلى الوعي أصلًا؟ صدِّقني نحتاج شيء آخر غير الوعي، أمر لا يحثُّ على بحث يائس عن معنى لكل شيء أو هواجس حول الأسباب والغايات، الواجب الصارم مثلًا، ألا فتعال أيُّها الواجب، أنقذني من حيرة السؤال، تعال ولا تتركني فارغًا تقتلني الفِكرة وتحرقني الذِكرى، وما الفكرة والذكرى؟

    لا شيء على وجه التحديد، محض شعور مبهم بالخواء، سمّيته ذكرى وفكرة لأنه مغلّف، مثل هذه الأشياء المجرّدة، بالضباب، ولأني لا أملك له اسمًا، ولكنِّي أحسُّه، هذا اللعين، لا، ليس مجردًا، أكثف من ذلك، شعور ضاغط وخانق، أعني ما أقول، يخنقني حرفيًا، تضطرب عملية تنفسي الفيزيائية، يلذعُني احتراق مّا في القصبة الهوائية، أتجرّع ألسنة من لهب، أحسّها مثل آلاف الخيوط التي تحفر آثارها على جدران حلقي،  ثمّة حريقٌ في داخلي، هذا يلسع يا رفاق، ولكنّي نسيت كيف أتنفّس، جُهدٌ ذهنيٌّ مزلزل هذا الذي أحاوله لكي أضبط تنفّسي، تنفّسي الذي نسيته، الذي كان يمضي دون أن أشعر به، كيف كان يحدث ذلك لي؟ نسيت كأنه لم يكن، كأنني أفعله للمرة الأولى، ولكنّي خائف وأرجف، ما هذا الرعب الذي نَفَض أطرافي وزلزل جسدي قبل أن أدركه؟

    شيء مّا يلمع في ذهني، لقد وصل إلى دماغي، شيء مّا للتو أدركته: لن يكون بمقدوري النوم، لن أتنفس وقتها، سأموت، تبًا، إنني أنسحق تحت وطأة محاولة التحكم بالمعضلة المعقّدة هذه، ماذا؟ لم تفهم كيف أنني نسيت أن أتنفس؟ يبدو شيئًا مثل أن تنسى المشي وتذكر الطُرقات، ولكن لا تُكمل، فأنا في عزِّ التعب ولكن بلا حلم لأفتش عنه وأستند إليه، التنفس عملية صعبة يا رفاق، الحق أقول لكم، بهذا التعبير الدينيّ الصارم الذي وجدته في كتاب مقدّسٍ مّا، إنني مُتعب وأتعثّر في تنفّسي وأيّامي، الحقَّ أقول لكم، ثقيلٌ أنا على نفسي ولا أدري كيف كنتُ أحملني وأمضي بي طوال كل تلك السنين، لا شيء أفعله يخرج، كما السابق، من صميم ذاتي إلى العالَم، يخترقني الآن العالَم، يُملي نفسه عليَّ بصفاقة، ولكن لا، لا تظن أنني منزعج، فكل ما أتمنّاه في بداية يومي هو أن يأتي إليّ العالَم ويملأ هذا الفراغ الموحش في داخلي، عملٌ مّا مُكلّف به ولم أضطلع بعبء اختياره، تنقذني الجامعة في هذا الصدد، مؤسسة عظيمة تليق بعصرنا التافه، تضغطك بأشياء ثقيلة ومُجهِدة وبلا معنى، تستنزف وقتك وجهدك وأفكارك، الوصفة المثاليّة لمَن يُريد أن يَعبُر يومَه، أطمئن إلى تلك الأيّام حيث تأخذني الواجبات من فور استيقاظي وتستفرغ كل ما لديّ من طاقة، تُنهكني حتى أنام بلا أحلام، نومي مثل يومي، محايِد وساكن وبلا اضطرابات.

    ولكن يُنقذني العالَم الخارجي. شيء مادّي جدًا، وشتويّ للغاية، مثل نسمة باردة تعبر الأنف، تذكّرني بأشياء جميلة، ومن دون أن أتبيَّن الرابط بالضبط، تطفو على صفحات ذهني فكرةُ مبهمة قِوامها أنَّ الشتاء أبيض، وتتداعَى سائر الأشياء البيضاء من ثمّة. “الشتاء دفء الحالمين” قُلت في نفسي وأنا أنحدر في مستويات اللونِ من أبيضِ الشّتاء إلى أحمرِ شعرها، توقّفتُ كأنّما أصطلي بذكرى تلك الشُعلات، تبدو أبدًا متقدةً في تحدٍ صارخ لكل الألوان والأشياء والأوقات، من بينها الشتاء نفسه الذي طالما ظهرَ في خيالاتي بلونٍ أبيضَ ناصِع، أي لونُ جِيدِها بالتَّحديد. ألوان ولكن أحلام أيضًا، تختلط في كُلٌ واحد يضطرب في داخلي، ولأسمِّي هذا الاضطراب شوقًا، نعم، يبدو مثل شوق مُمِضّ لا شك، رغبة لاذعة في الوِصال مع ألمِ انتفاء القدرة ومرارة العجز، رفضٌ يائس لكل أشكال العوائق والعقبات، ليس المسافة والسور والباب والحارس، كما قال شاعر ظريف ذات مرة، لا، أشدّ العقبات يا حبيبتي هو أمرٌ لا فَكاك منه، هو الحقيق بأشد عبارات الرفض المستحيلة:

    أرفض أنك شيء آخَر غيري، أرفض أننا اثنان لا واحد، أرفض أنني لستُ أنتِ.

    أنا الذي أريد أن أكونك وأتملَّاك وأمتلئ بك، وبأعمق رغبةٍ للرفض، هناك تحت طِباقٍ عميقة في دخائلي المعتِمة، ثمّة رفضٌ لنفسي مُجرَّدًا، أرفض أناي العارية الوحيدة، أرفضني يا حبيبتي، يا عنائي وهنائي، أرفضني بلاك، أرفضني لولا بسمتك وضحكتك، لولا لهب شعرك القصير وملمس جلدك الحرير، ولولا طعم الأيام الذي أذوقه في شفاهك وأسمعه في ترجيع ضحكاتك. ذكّرتني بك نسمة باردة، ذكَرني بك الشتاء. تعرفين أنه يتضاعف الدفء هذا الفصل؟

    قلتُ لك هذا ذات مرّة وأنا أتأمّل شعرك الأحمر، لأنّهُ، ببساطة، يُعمِّق التباين دومًا قوّة الإحساس بالأشياء.

    أجمل ما يحدث هو أنَّ كل اللحظات الجميلة الدافئة التي لم يعد المرء متأكدًا من وقتها وتاريخها تُنسَب، مباشرةً، للشتاء، يغدو الشتاء خزَّانًا لملَّذات الروح التي تتَّسم بالدفء، مما يجعلها تُستعَادُ، في انفجارٍ حُلُميٍّ ملوّن كالذي حَدث حين ذكرتك، مع أضأل نَسمة باردة، حيث تبدو ألوانُ المسرّات والمباهِج المتعالية على الزمان، مرآك أنتِ مثلًا وصُورة مّا من رواية أو فيلم، تبدو انطباعاتها اللذيذة تنتمي إلى شتاءٍ مّا، ولو أنّها كانت في غيره، الصيف، نقيض الشتاء والحُلم، واقعي على نحوٍ فَج، لا يُحضِر مثل تلك الذكريات لأنه لا يَليق أن تكون قد حدثتَ فيه، لا يُمكن، مثلًا، أن أجمعكِ والصيف في فكرة واحدة، أنت شتويّة، ذكراك باردة وبيضاء، ككل شيء جميل وحالِم، شيء مّا لا أزل أحيا من أجله، يشحن قلبي برغبة العيش، أن أواصل حتى شتاءات قادمة، فقط لأن نسمة باردة قد تذكّرني بك، وتنقذتني، ببرودة لطيفة، من لظَى نفسي حيث لا أود أن أبقى، تائهًا في قِفار أيّامي الحارِقة، وحيدًا بلاك، بلا نسمةِ شتاء باسِمة تذكّرني بك، ناسيًا، ولو لوهلة، أنني بلا رغبة ولا دافع ولا إرادة.

  • الإنسان شئٌ لابدَّ من تجاوزه – ريناد الرشيدي

    الإنسان شئٌ لابدَّ من تجاوزه – ريناد الرشيدي

    إنسانٌ مصنوعٌ من كرات الثلج 

    لا يكون هناك للدفء المحسوس به في أيّ زاوية من العالم إيقاع شامل لحيوان صحراوي نُفي في صدرٍ قطبي. تُنسى فراشات الربيع ولا أحد يتذكر كيف تنمو الزنابق إذا كانت كل الوديان ثلجية؛ عندما تنسى الأقدام طريقها إلى المنزل، وتصبح الضواحي تأخذها إلى ما يذكرها بكم هي دافئة كلمة منزل، تعرف عبر باطن قدمين باردتين، حتى دون أن تكون حافية: تعرف أن ليس هناك برد مميت أكثر من البرد الذي يلمس روح المرء من الداخل، لطالما كانت اللمسة التي توخز الروح، شائكة على جسدها.

    إلى أين تمضي الأنا بي 

    استصعبت مشاهدة ذاتي تهيم في الآمال، كنت خائفة أن يخيبها الهيمان. ولا زلت أشاهدها وأنا خائفة دون وجود القدرة على ردع ذلك. استصعبت مضي كل محاولاتي التي علقتها على سياج الحياة، في بركة مليئة بالعجز. استصعبت الرؤية العميقة التي تلمس شيئًا من الحدّة ليجرح العين. استصعبت المضي في طريق ممتلئ بالأسربة لملاحقة كلّ منهم على حده. وبعد كل هذا: أستصعبُ فكرة التوقف عن التوّهج في هذا الكتمان.

    لمسة من المؤاخذات 

    أفقد في كل ظل بعدًا يصلني بالسحب التي تحجب كيفية الظل. أفقد في كل رؤية لطيرٍ مكسور الجناح تلك القدرة المستحيلة للتحليق، أفقد الغد في كل يوم يموت فيه طفلٌ ذو أحلامٍ قصيرة. أفقد الحقيقة في كل كلمة تعكس للحاضر الأبدية التي لا أحد سيعرفها. وأنسى تلقائية الشهيق والزفير في كل غبار يجسّد لي مأساة قديمة. تتبعثر أمامي الأبجدية حيث لا جملة وكلمة يمكنها أن تتشكّل لتقنع طفلاً تخلى عن التصديق قبل أن يكتمل تصديقه. تتبعثر القواعد أجمع في وجه انكسار لغوي عجز عن وصف الجسور التي يمشي عليها الأموات قبل أن يعيشوا. لا زلت لا أفهم كيف تسلكني كل هذه المؤاخذات حيث لا أحد هنا كيلا يؤاخذني. لا زلت لا أفهم متى تنصرف عن ذهني تلك النظريات التي لم تجد برهانًا ليثبتها، ومتى أنسى أن هنا الوجهة الوحيدة لعصا ذلك الأعمى في داخلي.


    *ريناد الرشيدي، كاتبة من السعودية

  • إنّ للأبديّة خشخشة الأوراق المكومة – ريناد الرشيدي

    إنّ للأبديّة خشخشة الأوراق المكومة – ريناد الرشيدي

    بحيرة ظلال أبريل

    في الأول من أبريل: تقفُ عقارب الساعة والوقت يتحرك، أفقد ساعة وأكسب أخرى، أعرف دقيقة وأجهل التي تعقبها، أطارد الدقيقة الـ٥٩ من كل ساعة وأفقد أثر الدقيقة الـ٦٠

    الوقت يطاردني ويطارد ذاته، ولا أعرف كيف تختبئ البراهين الزمانية من نفسها.

    في الثاني من أبريل: أشعر على عنقي بهواءٍ يوثّق أنفاس الموتى، وتختلس أنفي رائحة الأقحوان الذابل، تصدحُ في أذنيّ نبراتُ الأبكم، وأُبصر بعينيّ منظور الأعمى. 

    في الثالث من أبريل: صوت المطر الحزين على الأرض الجدباء، بذور الأزهار في تربةٌ رملية، طائر مهاجر في سماءٍ استوائية. موت يرقة قبل تحليقها.

    في الرابع من أبريل: إنه البريق الذي يلمع في كل زاوية، البريق الذي يصرخ بك بعيدًا لمدى انطفائك. ثمَّة عندليبٌ يغني عند كل بداية متوسلاً عدم انطفائها، متوسلاً بالحرارة والاتقاد السابق لهذا الانطفاء البارد. 

    في الخامس من أبريل: أنا تلك الضواحي القديمة التي لا يمر بها أحد حتى صدفةً، الأينية الضائعة في ٧٩ معجم، أنا العملة المعدنية المرمية في بئرٍ يصل عمقه إلى ١٥٠ مترًا لتراهن على أمنية أبعد من كل هذا العمق. أنا الدمعة التي تنزل بعد تجاعيد ابتسامة تداري الوجع، ولا يمكنك أن تجدني في حروف أسمي.

    في السادس من أبريل: القدر يهتف بسيموفنيّة صاخبة وتهدأ في لحظة مفاجئة، العازف البارع لا يعرف الأنماط التي تخرج كل هذا الصخب؛ واضعًا كلا يديه على أذنيه مستنشدًا بعدم انشقاق طبلة أذنيه.

    في السابع من أبريل: مجاعة داخلية لا يلجمها حقل قمح كامل، تلتهم كل شيء فتسلب الروح من داخلها إلى ظمأ شديد، ظمأ البحث عن ارتواء طويل، ظمأ يعقب الشبع المؤلم.


    رصاصةٌ في صدرِ الكلمة

    كان الوقت يفصلُ بين الرصاصة وصدره المُتلقي؛ ليتأهّب من أجل رثاءٍ واحد، لحظة خوف واحدة، إنقاذٍ محتملٍ يصرفُ بهجةَ الموتِ عنه، اتجاهٍ آخرٍ كيلا تنغرس المساراتُ في صدره.

    رصاصة واحدة، كافية كي يعرف المرء كيف تتجمّد الكلمة في النطق، كافية كي تأكل الديدان ما يتبقى. كافية كي تُسقط الهاوية نفسها، وكافية كي أعرف، أعرف كيف تفقده الكلمات، أعرف كيف ضاع لسانه من يد الصوت. كانت رصاصة واحدة كافية كي أعرف لماذا يدفن الناس أمنياتهم. ولأحرث ما تزرعه لحظات الصمت التي تعيش في حلق الأمكنة، وتخنقُ جُمَلَها.


    رسالة تدّمر نفسها

    كنت قد جمعت ما عزلته سنينك الأخيرة من عطاء وأخذت تتحتمه منحدرات ميّتة، قد جررت يدين تتعبّد أمام بدايات الموت بمفاصل متلهفةٍ إلى معبدٍ آخر يلمس لها ما تتعنّوَنُ به ثلاجاتُ الموتى. لقد تركت فساحة الأراضي التي لا تدلها القنابل، ولجأت إلى الطريقة التي شرّدتك بها الأراضي التي حفظت دخانها. 

    كنت قد حفظت الأفق في عيونٍ من رماد؛ لأنك شاهدت كل شيء يحترق بعينين سوداوينِ يستقبلان الموت من تلك الطرق التي تسير إلينا. 

    علمتني أن القلوب التي تتحطمُ في المساء، كانت تحاولُ أن تجد وسيلة للتداعي، علمتني أن مَن يُعلن حداده صباحًا لا يشيب. وأن دائمًا؛ كانت هي الوعود مَن تنقض نفسها.


    إلى الكارثة الأكبر

    تعصفُ بحقول صمتي رياح من القصائد عند كل مشهد مؤلم يستدرج روحي إلى الحداد الذي يسبب الخلل في موازين البهجة. إذْ لمحت ذلك السهل الذي يمتدُ لمدىً يردد صدى لأنين الحيوانات العالقة، بلحظة ألمس نبرة الصدى المتجرحة، وأفقد صوتي. بلحظة أستديرُ لبقايا الصمت الذي يضرب بذرة روحي من عمقها، ثم أُدرك أنني لا أعرف أرضًا أخرى عدا هذه الحقول كي أرسل إليها جذوري. 

    كل الأراضي تشرّد روحي، كل الأراضي تنهبُ كل ما يؤثر بروحي ببهجة. عرفتُ في طفولتي أن الحيوانات ترتعب وتضجُ بالمدن حين حدوث كارثة كزلزال، الآن أبلغ من المعرفة ما يجعلني أخاف كل صوتٍ يُطلق ثورة للحيوانات، إذ كان عابثًا بمعرفتي. عرفتُ أن المخاوف كانت هي الكارثة الأكبر، كانت تصدني عن الثوران الحقيقي وتنسيني إياه، ولم أدرك إلا بعدما ضجت المخاوف في حياتي كزلزال.


    لم أنت حزينة؟

    كنت تكتب لي على كل هامش، تهمس لي في كل فراغ ترتمي به نبرة الصوت: “لِمَ أنتِ حزينة؟”

    ولأنني ممتلئة، لأنني أعرف أنك لا تسألني إلا لأنك لمحتَ فيضًا غير مرئيٍ من الكلمات، الكلمات التي لا يسعني أن أبوحها لك، لأنني ممتلئة، وأخاف أن يعيش بي الفراغ إن بُحتْ.

    لكنك لا تفهم، وتواصل الهمس والكتابة: “لِمَ أنتِ حزينة؟” وأجهشتُ بالبكاء، عندها أضحت علامة استفهامك تعجبًا، خشيةَ أن تعرف بأنّ جدراني صلبة، أصلب من أن يكون مفتاحها سؤالاً عن سبب صلابتها.

    أجهشتُ بالبكاء لأنني أدركت أن كل ما يقودنا إلى حقيقتنا، يقودنا إلى صمتنا المعذّب. 

    كنتُ أقول أن الوقت هو الجزء الوحيد الذي يدمرّ ما يمكننا معالجته، أن الزمان مثل الرصاصة ما إن توجهه إلى عين المكان.  

    مجددًا في ليلة عمياء، لا يدركها الضوء: “لِمَ أنت حزينة؟”

    وأجيبك أخيرًا: “لأن كل هذه الأوراق التي مزّقتها سوف تلاحقني، لأن كل شيء أحرقته يخنقني رماده. لأن كل السلام الذي أكنّه قادر على أن يحوّلني إلى دمية. قادر أن يتحوّل إلى حرب تنهش عظامي وتعبد دمي، ولأنك أعزّ من أن أقحمك في كل هذا”.

    قلت لي أنه لا يسعك العيش دون أن تعرف أنّي أتنفس بحريّة هنا، وصدقتك.

    استيقظتُ صباح اليوم التالي وأنا أتلو الإيمان بكلماتك في صدري كصلوات، زرعتُ نبتة، سقيتها بتصديق ألا أحد يسعه العيش دون التنفس بحريّة هنا. 

    وأنا الآن هنا، مع سؤالك عن أسباب التداعي المفاجئ في منتصف الأيام، مع النبتة التي أدركت الحياة بتصديقك، مع أملي الوحيد ألا يسألني أحد عداك عن الحزن الكامن في عظامي، أعرف أنني أصدّقك بكامل أكاذيبي، وأنني أتعرّى لك رغم يقينك بأنّي حزينة.

    *ريناد الرشيدي، كاتبة من السعودية

  • مختارات للشاعر الإيرلندي كاتال أو شاركي – ترجمة: فداء العايدي

    مختارات للشاعر الإيرلندي كاتال أو شاركي – ترجمة: فداء العايدي

    الحقول المطوية

    على امتداد المنطقة خلف المنحدر

    أستطيع أن أرى الحقول المطوية

    رأسًا على عقب.

    لولا الأغنام

    الرابضة هناك، تضغط

    مثل الأثقال التي تثبت الورق،

    لكانت الحقول كأوراق الشجر

    جرفت بعيدًا

    في العدم.

    عندما قلت اسمي

    عندما قلت اسمي يا حبي، في تنهدات مودةٍ ناعمة

    لم يعد هو اسمي، لكنه غدا السوسن المزهر المصفر في فم النسيم.

    عندما ضممتني بوحشيةٍ إلى قلبك، ما عاد لي وجود !

    أصبحتُ جدولَ صيفٍ، يفيض ويحطم ضفافه

    رحلةٌ جبلية

    رذاذٌ يغمر الجلد.

    زهرٌ يفيض عطرًا.

    محادثةٌ ساكنة.

    حبة  توت

    تزاحم ُزهرة.

    ممرٌ جبليٌ مكشوف يلوح في الأفق.

    تعلوني قبرةٌ حلوةٌ شفافة.

    كل ما يمكنك فعله الآن هو الحياة.

    وفي وقتٍ لاحق

    يمكننا أن نجد الهدف.

    يمكننا أن نجد مساراتٍ للخروج

    من المتاهة والضباب

    والدخول في عين العاصفة

    ونقع نفسك  فيها

    أحدٌ في مينالا ، أحدٌ في غزة

    ( مينالا هي بلدة الشاعر في مقاطعة دونيجال في شمال إيرلندا )

    أحدٌ لطيف

    في مينالا.

    أنا في الحديقة

    غيرُ مهتم.

    نظيري في غزة

    تنفذ منه الأنفاس.

    يتضرع للهرب من

    الهجوم الصاروخي القادم

    ومن تداعيات الانفجارات.

    أحدٌ ناعمٌ بطيءٌ ناعس

    في مينالا.

    سيغرق الليل في الصمت.

    سيطلع القمر

    ويسترخي في الهواء.

    لكن في غزة

    سوف تشتعل السماء

    في اللهب الحارق.

    وستنهار المنازل.

    وتُهشَّم العظام.

    في هذا الأحد الهادئ

    في مينالا

    كم من السهل

    رثاء غزة

    تماما مثلما أسترخي في الحديقة

    مستمتعًا برائحة  العشب المجزوز للتو.

    لا يوجد أي اكتراثٍ في العالم

    إلا صنع قصيدة.

    لا اكتراث في العالم،

    إلا صنع قصيدة.

    بطاقة بريدية ليوسف في العراق

    ليلةٌ دافئة من آذار في مانهاتن

    أقف عند عتبة الباب

    حيث كنتَ تعيشُ يومًا في شارع بليكر

    وحيث أحببتك في الثمانينات.

    أتباطأ في ترك هذاالباب فرحًا،

    جنونُ القمر من عناقاتنا، يجتاح ذاكرتي.

    وكيف تحدثنا عن وطنك،

    المشمس الممتد بين النجف والحلة.

    أين أنت الليلة؟

    لا أعلم.

    ترتجف أساسات العالم، يا حبيبي،

    من النجف إلى الحلة.

    شعبك يرتعش

    تحت زخاتٍ من الاعتداء الجبان.

    تمطر قنابل البرابرة عليك

    ومدنك أطلال.

    تدمرت مدنك وقراك،

    وأخشى بشدة أن تكون حياتك في خطر.

    فيما يتقاطرون إلى محق ما بين النجف والحلة.

    الليلة وأنا معلَّقةٌ على الباب لرغبة قلبي

    أفكر فيك، وبشيءٍ قلته ذات مرة:

    “إنما وطن الشاعر في قلوب

    المظلومين” 

    الليلة، أيها الحبيب،

    ماذا يمكنني أن أقول إلا أن أؤكد لك

    بلغةٍ لا تغلبُ الصخب والارتباك

    أنني معك، تمامًا.

    تنتصر القنبلة على كلامي

    والصاروخ يسخر من قصيدتي،

    لكنني معك، الليلة، يا كنزالعراق كله

    لأن قلبك، الخافق هناك في نيران الحرب القرمزية

    هو وطني، قصيدتي، إنسانيتي.

    وهكذا، يا رجل قلبي وروحي،

    أنا معك الآن من تاج رأسي

    في النجف إلى أخمص قدمي في الحلة.

    الثمار الفارغة للاج ني سيميار

    ( بلدة في إيرلندا )

    ها هنا توت العليق

    في عناقيد مغرية

    في خصل سميكة

    حبات توت لاتعد ولا تحصى

    غارقةٌ في دماء الأرض

    ومشتعلةٌ بالشمس.

    إنتاج أنيق من أشجار وردٍ متشابكة.

    عصيرٌ ناعم من أيامٍ خريفية.

    إنها وليمة جانب الطريق.

    مشاعري مثارةٌ، وتتفنن في وخزي:

    لا بد أن أمتلكها !

    وحشي متعطشٌ للدماء

    مسألة حياة وموت

    كل لقمةٍ طرية

    لا أستطيع التغلب على سحرها !

    كل عامٍ أغرز أنيابي

    في أوردتها النابضة

    دمويتها الحلوة اللينة.

    إن مروري بها

    دون أن أتذوقها

    كفيلٌ بأن يرسلني في نوبة

    من الجوع المتضور

    لذيذةٌ، مكتنزة، شهوانية

    أربت عليها

    في راحة يدي.

    أنا شيطان النهم

    مصاص الدماء الذي يلعق جمالها

    بلساني الملطخ بالدماء

    وكم أنا بائس

    عندما زال لمعانها

    وشوهتها الشيخوخة

    مع  مرور نوفمبر،

    إذ يمضي الناس الحالمون إلى شؤونهم،

    وتبعث الشجيرات رائحةً كريهة إلى السماء العالية.

    نبذة عن الشاعر:

    ولد كاتال أو شاركي Cathal Ó Searcaigh
    في إيرلندا عام 1956. يلقب بالشاعر الأممي. من المدهش أن شعره يعكس عمق تجذره في بلدته مينالا في مقاطعة دونيجال في شمال إيرلندا، من خلال علاقته بمفردات الطبيعة، دون أن يمنع ذلك من امتلاكه مواقف واضحة ضد التجسيد السياسي لفعل الهيمنة حول العالم؛ مثل مساندته لغزة في وجه الاعتداءات الصهيونية، ومناهضته للوجود الأمريكي في العراق. وتجسد هذه المختارات السمات السابقة.

    ترجمة: فداء العايدي

  • وصية غابريل غارسيا ماركيز قبل موته

    وصية غابريل غارسيا ماركيز قبل موته

    كتب الروائي غابرييل غارسيا ماركيز رسالة وداع إلى القراء، بعدما علم أنه مصاب بالسرطان وأادرك أن الموت قريب، ضمنها وصيته، جاء فيها:

    “لو شاء الله أن يهبني شيئاً من حياة أخرى، فسأستثمرها بكل قواي. ربما لن أقول كل ما أفكر به، لكنني حتما سأفكر في كل ما سأقوله. سأمنح الأشياء قيمتها، لا لما تمثله، بل لما تعنيه. سأنام قليلاً، وأحلم كثيراً، مدركاً أن كل لحظة نغلق فيها أعيننا تعني خسارة ستين ثانية من النور.

    سأسير فيما يتوقف الآخرون، وسأصحو فيما الجميع نيام. لو شاء ربي أن يهبني حياة أخرى، سأبرهن للناس كم يخطئون عندما يعتقدون أنهم لن يكونوا عشاقاً متى شاخوا، من دون أن يدروا أنهم يشيخون إذا توقفوا عن العشق.

    للطفـل سأمنحه أجنحة، لكنني سأدعه يتعلم التحليق وحده. وللكهول سأعلمهم أن الموت لا يأتي مع الشيخوخة، بل بفعل النسيان.

    تعلمت منكم الكثير أيها البشر. تعلمت أن الجميع يريد العيش في قمة الجبل، غير مدركين أن سر السعادة يكمن في تسلقه. تعلمت أن المولود الجديد، حين يشد على أصبع أبيه للمرة الأولى، فذلك يعني أنه أمسك بها إلى الأبد.

    تعلمت أن الإنسان يحق له أن ينظر من فوق إلى الآخر فقط حين يجب أن يساعده على الوقوف.

    تعلمت منكم أشياء كثيرة، لكن قلة منها ستفيدني، لأنها عندما ستوضع في حقيبتي أكون أودع الحياة.

    قل دائماً ما تشعر به، وافعل ما تفكر فيه. لو كنت أعرف أنها المرة الأخيرة التي أراكِ فيها نائمة لكنت ضممتك بشدة بين ذراعي ولتضرعت إلى الله ليجعلني حارساً لروحك. لو كنت أعرف أنها الدقائق الأخيرة التي أراك فيها، لقلت “أحبك” ولتجاهلت، بخجل، أنك تعرفين ذلك. هناك دوماً يوم غد، والحياة تمنحنا فرصة لنفعل الأفضل، لكن لو أنني مخطئ وهذا هو يومي الأخير، أحب أن أقول كم أحبك، ولن أنساك أبداً.

    لأن الغد ليس مضموناً، سواء لشاب أو مسن، ربما تكون في هذا اليوم المرة الأخيرة التي ترى فيها أولئك الذين تحبهم، فلا تنتظر أكثر. تصرف اليوم لأن الغد قد لا يأتي ولا بد من أن تندم على اليوم الذي لم تجد فيه وقتاً من أجل ابتسامة، أو عناق، أو كنت مشغولاً كي ترسل لهم أمنية أخيرة.

    حافظ على من تحب بقربك، أهمس في أذنهم أنك بحاجة إليهم، أحببهم واعتن بهم، وخذ ما يكفي من الوقت لتقول لهم عبارات، مثل: أفهمك، سامحني، من فضلك، شكراً، وكل كلمات الحب التي تعرفها، لن يتذكرك أحد من أجل ما تضمر من أفكار، فاطلب من الرب القوة والحكمة للتعبير عنها وبرهن لأصدقائك ولأحبائك كم هم مهمون لديك.

    الحياة تمنحنا فرصة دائماً أن نفعل الافضل. يجب أن تندم على الوقت الذي لم تجد فيه فرصة لابتسامة.

    ترجمة أخرى لنفس الرسالة: وصية غابريل غارثيا ماركيز لقراءه قبل موته

  • مختارات من أحمد سلامة الرشيدي

    مختارات من أحمد سلامة الرشيدي

    1

    لا تعنّف رِجلك

    حين تنزلق على حصاة

    لا تعنف الحصاة أيضا

    ولا الحذاء

    قد يكون من الجيد أن تنزلق هذه المرة

    لا تعنف يدك

    حين تنفلت منها الأشياء

    لا تعنف الأشياء دائما أيضا

    قد يكون من الجيد أحيانا أن تضع يديك في جيبك

    و تنسى الرغبة في التشبث قليلا

    بينما تحملك الشوارع

    و تسلمك البنايات إلى بعضها

    ربما تخرج بعملة ورقية

    أو بصورة قديمة

    بحفنة لب أسمر أو بعود ثقاب

    ربما خرجت كما أدخلتها بخمسة أصابع فقط

    لا بأس

    فقط أرِح معصميك

    لا تقسُ على قلبك

    لا بأس

    إنه من العسير على المرء أن يقاوم رغبات قلبه.

    لا تـتـتـبّعه في الأزقة الضيقة

    و ترفع في وجهه المطواة

    لا تقف له على الغلطة

    إنه ليس عدوك.

    لا تعامله معاملة الطفل أيضا

    و تطعمه في فمه

    و تعلمه المشي و الكلام و تخاف عليه من بائعي الآيس كريم

    إنه ليس ابنك.

    ليس صديقك أيضا و لا ابن اخيك

    ليس جارك و لا سائق التاكسي

    ليس القهوجي ولا عامل الاسانسير

    ليس رئيسك في العمل ولا سكرتيرك الخاص

    ليس خطيئة ولا مفازة

    ليس قلادة أو تميمة

    ليس ممرا ترابيا ولا صالة لعروض الموضة

    ليس شيئا وليس أحدا

    فقط تدركان وجودكما المشترك

    لا أحد مدينٌ للآخر

    و لم يختر أحدكما الآخر

    ولا غناء لواحد عن صاحبه

    فقط

    عليكما أن تجدا قاسما مشتركا لا تضيق به الغرفة في آخر الليل

    هذا ما تعلمتماه بحكم التجربة

    2

    من سبع نوافذ تهبط الشمس

    ومن مَنوريْن تصعد القطط

    ومن باب واحد تدخلين

    خالعة نصف هموم العالم على العتبة

    إلى سبعة ألوان تتفككين

    بينما تمرين من خيط الضوء

    وأنا وحدي والكلاب أسفل البيت

    من نبصر هالة النور

    ثلاجتي فارغة

    نفطر خبزا وبيرة

    على طريقة أصحاب الأرض الأوائل

    فورانٌ حلوٌ في معدتك

    عطور

    وحقول الشعير الصباحية تنضج في فمك

    الشعرة البيضاء في ذقني

    حطت على رأسكِ

    قلبك هذا أم عصارة عنب

    قلبي هذا أم قشرة بيض

    3

    قالت

    و هي تضع يدها النحيلة على رقبتي:

    أريد أن ألمس صوتك

    قبل أن تهذّبه اللغةُ و مخارجُ الحروف

    ثمة نيزكٌ يحترق

    و نجمٌ ينفجر في مجرة بعيدة

    زهورٌ تتفتح

    و أغصانٌ تنكسر

    ورمٌ ينمو و مدرعاتٌ تمر

    أسرابٌ من الجراد و عاملات النحل

    صرخات المحاربين القدامى خلف عازفي الساكسفون

    و شلالٌ صغيرٌ يسيل على يدي

    حنجرتك سيمفونيةٌ عذبة

    حنجرتك مقبرةٌ واسعة

    و قالت:

    سيأتي يوم نتوقف فيه عن الكلام

    ساعتها

    أريد فقط

    أن أتذكر ارتعاشة صوتك الصادقة

    قبل أن تتحرك شفتاك

    و تنطق شيئا آخر

    4

    بُترت ذراع جدي من كتفها إثر طلقة كانت تستهدف القلب. لم تفلح أعشاب البدو في منع البارود الساخن عن تذويب اللحم و نخر العظام

    رحلة الموت إلى العطرون. لم يكن المقام بجوار الأهل و المرقد اللين أقل موتا. الأثداء جفت والجدب يمتص النور من عيون الرُضَّع، الأحجار أشد قبحا و الرمل أقبح خشونة، الرجال هزلت حتى أن واحدهم تطوحه الريح كالسكران.

    لا يُقبّلون زوجاتهم قبل الركوب على الإبل الضامرة. يضع واحدهم يده اليسرى على كتف زوجته الأيمن و بندقيته في يده الأخرى و يقول ” ما يعقبني عليكم شر “، و يذهب هو إلى الشر الأسود، جنوبا إلى الأرض العجماء، حيث لا لغة إلا البندقية، و التربة التي يقشرون منها العطرون ليبادلوه بالقوت لأولادهم إن عادوا؛ يدفنون أعضائهم و رفاقهم في بطنها المالحة

    لي فيها جد أمي و ابنا عمه و ذراع جدي لأبي. كان يقول في آخر حياته المديدة ” ما أعادتني من الموت إلا الذراع التي حطيتها قبل الظعن على الكتف الطيب”

    أبي

    شاهت عينه اليسرى وهو ولد يجري بقلب أخضر فوق الرمل يبحث عن روح الصحراء ليحتضن القلب الحجري. نفس النخلة التي منحته التمرة العسلية ليكبر، سلبته العين اليسرى -قربانا- حين استقرت الشوكة في محجرها، ليقول لي و هو يتحسسها فوق شاربه الأبيض “يا وليدي، الصحراء قاسيةٌ حتى على أهلها “

    أقربائي

    شربوا أبوال نياقهم و جيادهم ليتفادوا الموت عطشا و الجبل واقفٌ كالجبل، يتفرج على أحفاده الذين كم اختبئوا في لحيته الصفراء و شدوه من طرف عمامته.

    نفقت بهائمهم و وصلوا الديار. قبَّلوا الأحبَّة ثم ماتوا بالفشل الكلوي.

    أُكمل؟

    أخي كان عشاءً للذئاب منذ زمن، تنايكت و تبرّزَته بجوار صخرة ثم نامت شبعانة مطمئنة، و تركت لنا إصبعا و قطعة من ثيابه

    أما أنا – آخر النازلين من الرحم القاحل و الطالعين إلى الجبل الأعور، حامل الميراث الطويل من الترحال و الحب الذي لم ينبت وردة، و القلب المرقّع كالرمل حول الحوش بعد مرور غنم جائعة- كنت الأوفر حظا؛ إصبع معطلة بعد قبلة سكين، ساقان منذورتان للطريق الطويل، ثقب كبير في مؤخرة الرأس أسقط فيه كل مساء، رئتان باردتان و اثنتان و عشرون ألف سيجارة محترقة

    لا تلوميني حين تبتلعني الصحراء التي أحملها في قلبي وأصمت، كقطعة جرانيت باردة، تعبرها القوافل والعرّافون وقطاع الطرق وأبناء الليل والنبلاء والمطاريد وتجار الوقت والسلع المعطوبة، والحُواة والحُداة وقصاصو الأثر الضائع، وكائنات خرافية تَقيل على حافة الرأس المشوه

    لا تلوميني بل اضحكي معي

    أشيري لي على هم جديد لم أختبره، وسأنظر اليه وأضحك 

    وننظر اليه ونضحك

    ديسمبر ٢٠١٧

    أحمد سلامة الرشيدي

     


  • يأكلُ نفسه كل ليلة – فهد فيصل ثوابة

    يأكلُ نفسه كل ليلة – فهد فيصل ثوابة

    هذه الليلة أقضم ما تبقى مني

    أبدأ من أظافري 

    أنزعُها كشوكِِ 

    لا تؤلمني أسناني 

    ولا أرى دمائي

    عيوني فقط تحدق بغرابة

    ما الذي يحدث يا هذا ؟!

    تأكل ماتبقى منك 

    تأكل ذاتك 

    يا لهذه الوحشية 

    من أنت ؟ من أنا ؟

    أنتهي من آخرِ قضمةٍ،

    لِتعود كما كانت كل صباح 

    وكل مساءٍ آكلها من جديد 

    يا لِهذه الغرابة

    ***

    بعد المطر

    كانت الأمهات في الحقول

    يرتدون ألوانًا زاهية، 

    يغنون في موسم الحصاد 

    عن ثمار الحنطة 

    يغنون لأزواجهم البعيدين في الغربة

    ترتفع أصواتهم هكذا 

    “حصدنا فرحنا و أنتم تبكون فقد رائحة السنابل”

    متى تعودون نغرس المعاول من جديد في البساتين “

    الآن مازال الأمهاتُ في الحقول

    لكنهم فقدوا ألوان ملابسهم 

    يغنون لأبنائهم 

    متى تنتهي الحرب؟

    نجلس على مائدة واحدة

    متى الأفراح تزورنا  ؟!

    مرةً واحدة

    ***

    من يسأل عنا يا إلَهِي؟

     حينما يرعبنا الوجود

    يفرقنا أرواحنا 

     متمهلاً يَقصِل أجسادنا 

    من يسأل عن معاناتنا؟

    عن دموع ألمنا،

    عن سهاد عيوننا 

    عن سُقمِ أجسادنا

    من يسأل عن خوفنا ؟

    من عتمة الليل 

     زرقة الصباح

    المقابر 

    الوحدة

    خوفنا من الهلاك 

    من الجحيم 

    و من شياطينك يا إلَهِي

    من يأخذ بأيدينا إلَهِي ؟

    وسط هذا الوحل

    حين نفقد وجهتنا

    حين تتعدد الدروب

    وتأفل النجوم

    و نصاب بالعمى

    من يسمع  يا إلَهِي ؟

    مناجاتنا 

    صراخنا 

    تناهدينا 

    توددنا

      يا  إلَهِي

    من؟ من يا إلَهِي؟

    ***

    فهد فيصل ثوابة

    اليمن – الجوف

  • أحصنةُ النائمين بعينٍ مفتوحة – جكر حلو

    أحصنةُ النائمين بعينٍ مفتوحة – جكر حلو

      1

    داخل الكوخ 

    حصان كهل بنظارته المتصدعة

     جالسٌ إلى طاولة

     تتوسطها مزهرية الخواء الباهت 

    صهيل مكسور في لهب الموقد

     المشتعل على هامش الصيف 

    حبة كستناء متفحمة تدحرجت من يد سنجاب النار

     إلى جوار زجاجة النبيذ الفائحة بفراغها

    كوخ غبش في أقاصي الحلم

    كأنه سكَّرُ الفجرِ يبدده نملُ الصحو

    2

    نسوةٌ يدققن الثوم المُملح

     لكوي جراح العائدين من الحرب 

    أما الذبابة 

    لتحط على جرح المشهد دفعة واحدة 

    تحط على عين الحصان الدامعة 

    فدومًا، يذرفُ الحصانُ عن فارسه المنتصر

    دمعة الهزيمة

    3

    في المشفى

    يعدو الحصان الأسود في الممر الأبيض

    تتفتحُ في الصّدى المريض لوقع خُطاه

    نوافذٌ للموت،

    نوافذٌ للحياة.

    الطابق الأرضي من المشفى أبيض معتدل،

    بما يليق بالمتوعكين العابرين

    كُلما صعدت طابقًا، اشتد البياض

    بما يليق بالنزلاء المتعافين 

    كلما نزلت طابقًا، تكدر البياض

    بما يليق بالنزلاء المحتضرين

    في الطابق العلوي حصان أبيض يليق بجولة النقاهة،

    في الطابق السفلي حصان أسود يليق بعربة التابوت

    جكر حلو