المدونة

  • ماذا يقول البحر؟ – عبد الوهاب أبو زيد

    ماذا يقول البحر؟ – عبد الوهاب أبو زيد

    – ماذا يقولُ البحرُ 

      حين تزوره في الليلِ وحدك؟

    – لا يقول البحرُ غَيْرَ البحرِ

      أسئلةً معلقةً تفتشُ عن جوابٍ ضائعٍ

      ومزيجَ أسرارِ مؤبدةٍ

      وغرقىً فيه غابوا

     لكأنه الصحراءُ

     ليس يحدّها بصرٌ

     وهذا الماءُ أجمعُهُ سرابُ

    – ماذا يقولُ البحرُ؟

    – صمتًا مطلقًا لا صوتَ يكسرُهُ

      سوى صوتِ انكسارِ الموجِ فوق الصخرِ

      فاقرأ صمتَهُ واشربه مثل الماءِ

     حتى تصبحانِ معًا كيانًا واحدًا

     ويُزالُ بينكما الحجابُ

    – ماذا يقولُ البحرُ؟

    -لا شيءَ! انتظرْ! عمّا قليلٍ

     سوف يُفتحُ فيه بابُ

     فادخله كلُّك!

     لا تعد للبرِّ!

     كنْ بحرًا بجوفِ البحرِ

     حتى ليس يعرفك الترابُ!

  • بلقيس الملحم – جنوبُ قلبي

    بلقيس الملحم – جنوبُ قلبي

    كيف سأهدأ؟

    وأنت الهواء الذي يحرك شجرتي

    فلا تموت عصافيري

    ولا تذبل أوراقي

    كل ما هنالك

     رائحة الكادي لجسد عطش!

    أزهار صفراء

    وعينان تغفو في قميصك

    تعال لأخبرك ما ذا تركت فيَ

    كيف أصبحت جملي طويـــلــةً

    ومتـ قـ طَّـ عةً

    وكاملةً حين تركض إليك

    تعال لأخبرك

    بأن الوقت الذي مضى لم أندم عليه

    وبأن اليومَ حلمٌ طويلٌ وغدًا مواعيدُ لقاء

    تعال لأخبرك

    بأن وجهيَ الذي مسحتَ عنه دمعتين بتلويحة

    عاد مشرقًا بالألم

    يستقيم في السماء ببصره

    كي يراك

    فالصلاة صمت إثنين لنافذة تقع بيننا

     تعال لأخبرك

    بأني بعد الدمع ابتسمت

    وبعد معاركِ القبلِ أطلت النوم

     وبعد طولِ الحب وظلِّك السريعِ صرت بخير

    دعواتنا كأصابع أيدينا:

    متشابكة..

    وتخبرنا بأن الله طيب وكريم وقريب

    تعال لأخبرك

    بأنني أحبك

    فلا تهمل تلهفي

    أنا أقيس مسافتك البعيدةَ بأنفاسي

    أتهجَّى رائحتك بشفتين وثابتين

    لم أنته من الدنيا بعد

    أنت لي

    في جيوبي أحلام

    وفي عينيك تختبئ الأماني

    وعلى طرف لساني ذكر اسمك

    لا تخف

     فالصبح يأتي نديًا

    لأنك أحببت قديسة تطرز مناديلها آخر الليل

    ما زلت أؤمن بك

    أربت على أنفاسك بصورك الباهتة أحيانًا

    بصوتك المتقطع

    بلعنة المحطات

    أهرب من حديث المحبطين

    وأنتظر

    سيحين الوقت

    مؤمنة بك

    كافرة بخوفك وخوفي وخوف العالم

    مؤمنة بك

    على خيال الوقت أسمع دقات قلبك

    وأنتظر

    قبلتك المشويةُ على الماء

     تلسع بها جسدا قريبا منك الان

    ومع ذلك مؤمنة بك

     وأصبر

    وأحبك

    سنلتقي

    أينما تتوارى

    في العتمة

    تحت ظل سرو قديمة

    في جبال بلدك التي لا أعرفها

    سيكون ظِلُّك غامقا وموحشا

    ولا بد من هواء ليحرك شجرتي

    2019-12-8

  • نوال السعداوي: النسوية والألم، الرواية والغرب

    نوال السعداوي: النسوية والألم، الرواية والغرب

    كتبت: نوال العلي

    ثلاثة أشياء خطرت لي عن نوال السعداوي

    النسوية والألم

    آتي إلى النظرية من شدة الألم، الحقيقة هذا تحريف بسيط لما قالته بيل هوكس في مقالتها البديعة Theory as Liberatory Practice،  تتناول في جزء منه الالتباس الذي يصيبنا نحن النساء، حين نشعر أننا نستقبل شكلاً غير مفهوم من الكراهية، تبدأ من العائلة ولا تنتهي في المؤسسات التي نحاول أن ننتمي إليها خارج البيت، ومنا من تهرب من الألم إلى الفهم أو محاولة تفكيك الألم من خلال النظرية وهؤلاء هن النسويات. يبدأ كتاب “الوجه العاري للمرأة العربية” بصفحات قليلة عن تجربة الختان التي عاشتها نوال وأختها، هناك فقرات تقارن ختان الفتيات في مصر وختان الفتيات في السودان، حين قرأت مقطع عن إعادة خياطة المرأة التي يموت عنها زوجها أذكر أنني أصبت بذلك الألم الذي نتقيأ من شدته، ولأن هذا من الكتب المبكرة لنوال (1977) فكان من أكثرها قربا مني، فقد كنت أشعر أن من تكتب هي امرأة تألمت في جسدها وبسببه مثلما تألمنا، ولم أكن أعرف وقتها معنى أن تكون نسوية، ثم قررت مع نفسي أن النسوية فكر منبعه الألم؛ ألم أن تفسر كيف أمكن لهذا العالم أن يكرهك هكذا، وكان هذا تفسيرا ساذجا لمراهقة تبتلع الأفكار من دون أن تفهمها تماما.

    نوال كروائية

    أنا لا أستطيع اليوم أن أكمل رواية لنوال السعداوي، لكني قرأت “امرأة عند نقطة الصفر” بكثير من الحماس، الذي لن أشعر به اليوم لو قرأتها رغم أنها في رأيي أفضل رواية لنوال، ليس في هذا تنكرا مني لذاتي التي قرأت في تلك اللحظة، فلا بد أن جزء من خياطة عقلي وروحي فيه غرزة أو اثنيتن من تلك اللحظة التي عاشتها تلك الذات المبكرة. لكن حدث وأن قرأت رواية لسيمون دي بوفورا ووجدت أنها روائية ضعيفة جدا إذا قارناها بالروائيين والروائيات في جيلها، وفكرت وقتها في نوال وخطر لي حاجة هذه النساء للوصول والعبور،  شيء من قبيل الـ accessibility، وهذا أهم عند نوال من سيمون، كانت نوال تريد لأدبها أن يكون مقروءاً ومفهوما للجميع أكثر من أن يكون مهما للنخبويين، كان من الضروري أن تضع أفكارها في روايات، وأظن بهذا المعنى كانت هناك حاجة إلى كتابة الأدب وأن يكون هذا الأدب بلغة بسيطة وأن يكون هذا الأدب حكاية مؤثرة وإلا كيف كان بإمكاني كمراهقة أن أقرأ وأن أتأثر بفردوس وهي تتكلم عن الرغبة التي أذكر أنها وصفتها كما لو كانت شيئاً غريباً يحدث لها في مكان ما بعيد في جسدها، أو كما لو أنه يحدث خارج جسدها، أو في جزء انفصل عنه من زمان.

    نوال والغرب

    حين بدأت أختلط بأوساط الكاتبات في الأردن سمعت إحداهن تشتم نوال وتقول “إنها تغازل الغرب” ومثل الببغاء بدأت أردد تغازل الغرب تغازل الغرب، ثم أردت أن أعرف معنى العبارة التي لم تكن مفهومة بالنسبة لي. ترجمت نوال أول مرة إلى الإنكليزية عام 1980، (وهي أكثر من ترجم من الكتّاب والكاتبات العرب) حيث نقل كتابها “الوجه العاري للمرأة العربية” بعنوان “الوجه المخفي لحواء”، نعم استبدل المترجم كلمة العاري بالمخفي، يقول لنا هذا التغيير في الترجمة الكثير عن كيف أراد الناشر الغربي أن يقابل قارئه كتابات نوال. والحقيقة أن نوال قاومت، ولم تقبل الشرط الغربي بسهولة. فقصة ترجمة هذا الكتاب مثيرة، (تسردها أمل عميرة في دراسة مهمة حول ترجمة نوال واستقبالها في أميركا وأوروبا) حيث كتبت نوال مقدمة لترجمة الكتاب مخصصة وموجهة للقارئ الغربي، دافعت فيها عن الثقافة الإسلامية والثورة الإيرانية وهاجمت الإمبريالية والعالم الأول والنسوية الغربية وقالت إنها نسوية جاهلة بمشاكل النساء في العالم الثالث ولا تربط بين قضاياهن والتاريخ الاستعماري وقالت إن كل النساء مختونات “سيكولوجيا وتربويا” في الشرق والغرب…إلخ. المفارقة أن غالبية المراجعات الغربية لكتاب نوال أصبحت نقدا وتقريعا على المقدمة وليست مراجعة لمضمون الكتاب ككل. اختفت المقدمة من الطبعات الأخرى وبدلا من صفحات عن الختان أصبح هناك فصل كامل عن الختان في النسخة الإنكليزية وحذفت صفحات تتناول الإسلام والمرأة وهناك الكثير مما يقال حول ترجمات كتبها الأخرى.

  • عزيز نيسين: بابا ماذا تعني ستربتيز؟

    عزيز نيسين: بابا ماذا تعني ستربتيز؟

    كيف يُسمح بوجود الجرائد فى بيت ينمو فية أطفال؟! وكم أفسدت لنا من صغار؟

    ابني الكبير في الصف الثاني, البنت في الصف الأول، والصغير مازال في البيت. في يوم الأحد كانت الأسرة كلها مجتمعة. وفي أيام الآحاد، كنا نستلم خمسة صحف، أما في أيام الأسبوع العادية فثلاث.
    ـ جدتي، ماذا تعني كلمة ستربتيز striptease؟ سأل الولد. كانت الجدة تكوي البياضات في الغرفة نفسها.
    ـ اخرس. من أين تعلمت هذه الكلمة! يجب وضع الفلفل في فمك على هذه الكلمة! بكل سخافة انهالت أمي على الولد.
    ـ أنا لم آت بشيء، هكذا يكتبون في الجريدة… نجمة الستربتيز… أجاب الولد.
    ـ اخرس، قلت لك!.. صاحت والدتي وسحبت الجريدة منه.
    ـ ليس هكذا, قلت لوالدتي سيزداد فضول الولد بهذا الشكل أكثر. لابد من الجواب على السؤال..
    ـ هذا ما كان ينقصنى ! قالت والدتي.

    امرأة فى مثل سني تشرح لولد ماتعنيه كلمة ستربتيز. عندها توجه إليّ الولد بالسؤال:
    ـ بابا, ماذا تعني ستربتيز؟
    ـ هات الجريدة لأرى.

    جلبَ الجريدة؛ صورةٌ معبرة !

    عندما بدأت أشرح المشهد عما تعنيه الكلمة اقترب الصغيران الآخران.
    ـ هل ترون هذه الصورة؟ إذا قامت المرأة هكذا بخلع أرديتها رداءً وراءَ الآخر يُسمى هذا (ستربتيزاً). المرأة في الصورة تخلع أرديتها تريدُ الذهابَ إلى النوم.
    ـ والأولاد ألا يعملوا ستربتيز؟ سألت ابنتي.
    ـ لا.. الفتيات فقط.
    ـ لماذا؟
    ماذا أجيب؟
    ـ الشباب لا يخلعون أرديتهم هكذا.. البنات فقط.
    ـ هل سأعمل أنا ستربتيزاً؟
    ـ آه يا ربي !! صاحت الجدة.
    ـ أنت لن تعملي يابنيتي ! قلت لها.
    ـ لماذا؟ ألست فتاة؟!
    ـ يا مجنونة مازلت صغيرة، تكبرين وتعملين. قال لها ابني بلغة العارف ببواطن الأمور.
    ـ جدتي هل كنت تعملين ستربتيزاً؟ سألت البنت جدتها فجأة.
    ـ علمهم. علمهم قالت لي أمي بحنق، وخرجت من الغرفة إلى المطبخ هازة رأسها.
    مساء وعلى العشاء, كان مفترضًا أن يأتينا ضيوف ثلاثة من أصحابي مع زوجاتهم. مُخرج, ومهندس، ومدير عام. منذ زمن بعيد وأن أميل للسينما، لذا فقد كوّنا مجموعة سينمائية, والاجتماع من أجل بحث أمور العمل. كان عليَّ أن أكتب السيناريو, المدير العام والمهندس وعدا بتمويل المشروع, زوجة المهندس تلعب الدور الرئيسي في الفيلم, والمخرج لإخراج الفيلم. متعاونين بهذا الشكل كنا نرغب بإنتاج فيلمنا الاول بأقل التكاليف. التمَّ الضيوف. كنا لا نزال جالسين إلى الطاولة والبحث يجري. كان الأطفال في الغرفة أيضاً. فجأة أسمع ابني الأكبر يسأل زوجة المخرج, وهي راقصة سابقة:
    ــ خالتي.. هل تستطيعين أن تعملي ستربتيزاً؟
    ستظن حتماً بأننا نحن الذين علمنا الولد… اسكت.. اصمت. أشرت إليه مُضطرباً.
    ــ لقد قرأ اليوم في الصحيفة هذا. قلت لهم مُكشراً.
    ــ ولكن بابا لماذا يخلعون الملابس بهذه الطريقة.
    أسرعت زوجتي بإخراج الطفل من الغرفة. وأخذنا بالتحدث حول الفيلم. فجأة برز ابني في غرفة الضيوف والجريدة في يده متوجهاً فوراً إلى زوجة المخرج:
    ـ خاله, ماذا تعني كلمة (بيت عمومي)؟ توجد هنا صورة… انظري…
    ـ تعال إلى هنا ـ قلت له فوراً تعال ـ لأشرح لك أنا… (البيت العمومي). ومن أجل إنقاذ الموقف، قلتُ مُوجهاً الحديث للضيوف.
    ــ طفل… أولاد فضوليون.. يقرؤون كل ما يرونه في الصحيفة ويستفهمون عن كل شيء.
    ــ هيا بابا… بسرعة.
    ــ البيت العمومي هو بيت عادي ولكنه عمومي..
    ـ وهل بيتنا عمومي!
    ابتسم الضيوف
    ـ لا أجبته بيتنا خصوصي…
    ـ لم أفهم شيئاً, ولكن ماذا تعني (بيت عمومي)؟
    ـ سأقول لك غداً. اذهب الان إلى أخيك وأختك…
    في هذه المرة دخلت الصغيرة والملحق بيدها وقالت لنجمة السينما:
    ــ خالتي. اقرأي ماذا تقول هذه الخالة…
    ــ أية خالة؟
    قرأت في الصحيفة اسم نجمة سينما شهيرة تقول: (الطريقُ إلى المجد يمرُّ عبرَ سَريرِ المخرج).
    ــ عبث جرائد سخيفة. قالت زوجةُ المخرج.
    ــ بابا، ولكن لماذا يمرُّ الطريق عبر السرير؟
    ــ يا ابنتي ألا تنامين أحيانا مع ماما في السرير؟
    ــ ولكن ألا يوجد لنجمة السينما سرير خاص؟
    ـ يوجد، يوجد، يوجد، ولكن أحياناً مثلاً تتأخر على الباص أو تمرض.
    هبت زوجةُ المهندس واقفة.
    ـ نحن نستأذن.
    ـ مازال الوقت باكراً جداً ؟ إلى أين؟ والعشاء؟
    أنا مستاءة. قالت زوجة المخرج.
    ـ عدم المؤاخذة… مستاؤون مني؟ من وَلدٍ غير واع. يسأل عن معنى البيت العمومي؟
    تغيرت القسمات على وجوه الجميع فجأة. نهضت أيضا زوجة المدير العام.
    ـ نحن أيضاً… آن أوانُ الذهاب.
    ـ ياسادة أرجوكم… أرجو عدم المؤاخذة… إذا كان أطفالنا…
    قام الضيوف وخرجوا بهدوء. حسناً. إن الامر انتهى عند انهيار مشروع الفيلم. استاء أصدقائي الثلاثة مع زوجاتهم منا ومن بعضهم. أما زوجتي فقد رتبت علقة جيدة للأولاد, وبالكاد استطعنا تخليصهم من بين يديها.

    ـ هذا ليس تربوياً.
    منذ ذلك اليوم وأنا لا أسمحُ للصحفِ دخولَ بيتي. أقومُ بقراءةِ الجرائد أثناء العمل، وأجلبها إلى البيت سِرَّاً لتقرأها زوجتي ليلاً على السرير.

    لن تستطيع الجرائد التسلل إلى بيتنا، لن تستطيع !

    عزيز نيسين هو من مشاهير الكتاب الساخرين في تركيا. تُرجمت كتاباته إلى لغاتٍ أووروبية وآسيوية مُختلفة، يقول عنه أوزجان يشار:
    ترك عزيز نيسين كنزًا إنسانيًا رائعًا من الكتابات الساخرة، منحتنا مساحةً ساحرة لنستوعبَ ما حولنا من ظواهر سياسية ونفسية وبشرية بطريقة كوميدية، كان أسلوبُ السخرية لدى نيسين من أكثر الأساليب البلاغية جاذبية وفاعلية من منظور المتلقى. وهو من أكثر الكتاب قدرة على التعبير عن عمق الإحباط و الألم إذ يتحول إلى وقود مشتعل يغذى شهوة الكتابة.

  • دورة حياة الجروح

    دورة حياة الجروح

    في يومٍ روتيني كباقي الأيام لا يُزينه شيء عدا أنه سيء أكثر من الذي قبله، أتجوّل أنا في أرجاء المنزل كحارسٍ بلغ من العُمرِ عتيًا مناوب على بيتٍ مهجور، و لكن الفرق بيني و بينه بأن تجولي دون هدف، أمر بغرفة والداي أجد أمي مُتعبة تعتني بإخوتي التوأم ذو الأربعة أعوام، أو بالأحرى تُلَّبي طلباتهم حتى تصمت أفواههم عن الصراخ اللامنقطع، أتسائل في عقلي لماذا لا تنتهي المناوشات فيما بينهم رغم أنهم توأمان! كيف يجرؤن على أن لا يسود الود بينهم؟ ألم يتزاحموا في بطنٍ واحد مع بعضهم البعض لتسعة أشهر يأكلون الطعام نفسه و يتنفسون الأكسجين نفسه؟ 

    تسألني أمي فجأة لأفهم رغبتها الجامحة في إنهاء حياتها 

    – أهناك أحدٌ يتمنى الموت؟

     أصدمها بأن كلانا يتمنى الشيء نفسه.

    – نعم، أنا! كل يوم. 

    هذا ما يدور بيني و بين أمي من أحاديث جانبية. 

    تكمل هي دورها كـ أُم و أذهب أنا إلى فراشي هاربة من بؤسنا.

     لطالما شككت بأن لنا قدرٌ متشابه، حتى وإن اختلف الزمان، فكما يُقال الفتيات يعشن قدرَ أمهاتهن. لا أعلم لماذا دائماً يخيّل لي بأنها تشاطرت معي شُؤمها خوفًا من الوحدة، و لكني أعلم، ليس لنا ذنب، فنحن أبناء الحياة، و جروح أمهاتنا المنتقلة إلينا ما هي إلا جزءٌ من جروح أمهاتهن؛ توجدُ للجروح دورة حياة كما يحدث للماء. 

  • مختارات من مريم العبدلي

    مختارات من مريم العبدلي

    فزّاعة في منتصف بحرٍ*

    كمن انزلقت ركبتاه

    أسفل قدميه 

    يٙعرجُ إلى جهنمِهِ

    ليحرقٙ الشمس

     بماء الأبد .

    يٙنحتُ الفراغ الذي 

    بينه وبين الظل

    بأضراسه 

    تُفزعهُ الأشياء 

    التي لا شكل لها !

    فيهرعُ ناطحاً

    الكرة الأرضية 

    صُداعهما النصفي 

    لا يحتمل …

    يٙنفٙخُ في

    الثقب الأوزوني

    يريد لهذا العالم 

    أن ينتفخ 

    أن يتورم 

    أو أن يصبحٙ 

    أكبر !

    كفزّاعةٍ في

    منتصف بحرٍ

    كلما أكل الطير 

    من رأسها 

    ماتت سمكة !

    * من ديوان رواه عقل – مريم العبدلي

    لحم الأرض العاري *

    وكُلُّ الذين قَتلتُهم 

    نَزَفوني

    توضّأت

    أكتافهم بالضوء 

    توكأت

    أكبادهم 

    عظام الآخرين 

    أيها البؤس الطالع ُ

    من فَخذِ السماء

    من يَخيطُ جُرح

    دمك ؟

    هل تُجرح

    الدماء ؟

    و هل ينزفُ الدم 

    دماً آخر ؟

    أعرِفهُ هذا العبثْ

    أعرفُ هذا العبثَ

    اللعين جيداً 

    ذاك الذي 

    يُربّي في العقلِ

    أعشاشاً للغبار 

    يرقُدُ فوقَه.. 

    خليقتين كاملتين

    تَكبُرُ ذراتُ الغبار 

    تصيرُ وثناً

    تنضجُ أكثر 

    فتصبح

    أرضاً

    الأرض ؟

    غبارٌ تفقس

    الماء ؟

    لحمُ الأرض العاري 

    الطين ؟

    أُحجيةُ الشجر ! 

    البشر ؟ 

    أجسادٌ تأثثتْ

    رؤوسها بِلُغمٍ

    أسموه العقل 

    أرض

    ماء 

    طين 

    و بشر

    كَكلِ اللذين

    قتلتُهم

    نزفوني …

    * من ديوان – قيد الطبع – مادة الكآبة الأولى – مريم العبدلي

    عصا كمان 

    ناسكٌ

    يهددني بنبضاته

    العاجية

    يحاول دغدغة 

    الأوجاع فيّ

    يدمغني به 

    ناسكٌ

    يُقشر حنجرتي 

    كل مساء

    يلقمها للموسيقى

    قربان عزف ..

    هو يعلم 

    أنها صوت 

    الرب !

    ناسكٌ

    يملؤه الفراغ

    ناسكٌ

    ذاك الفراغ

    وحزين ..حزين

    كأيلول ..كيافا

    كرصاصة اخترقت 

    ظلاً لله 

    أعرج

    وكشمس 

    لا تجيد سوى 

    حرق أقدام 

    الحفاة !

    حزينٌ

    حزينٌ

    حزينٌ

    كعصا كمان 

    تنحر خاصرته 

    لحنا كاملاً

    ليصفق الجمهور

    ناسكٌ

    يخيط الموج 

    بالأرض

    كلما ارتفع !

    هو ..

    لا يؤمن برب

    يحرم الأرض 

    أن تمطر جثثها 

    على السماء

    كما تمطر سماءه

    ماء على الأرض 

    لا لشيء .. غير 

    أنها “سماء”  !!

    ناسكٌ ويصيح

    آرتميس .. آرتميس

    يا عذراء ديلوس 

    ماذا لو كنت 

    حبلى بالمسيح؟

    آرتميس ..

    يا عذراء الآلهه

    إن كنتِ 

    حبلى بالمسيح

    فهزي إليك 

    بجذع السرو

    لتسقط 

    سفينة نوح 

    وتركض الأيائل

    صارخة :

    هو الله 

    الذي يكره الشاعر ..

    هو الله 

    الذي لم تقتلهُ

    الخطيئة !!

    مريم العبدلي: شاعرة وكاتبة من الكويت

  • قلق – ماجد العتيبي

    قلق – ماجد العتيبي

    قلق 1 

    تحب الجبنة و تخاف من الرمادي، تشتري الباذنجان و تتحاشى الزيت، يمشي معك قلقك في الشارع كجرو يتنزه، تكتب قصيدة عن مدينة بعيدة و جواز سفرك منتهي، تفعل مافي وسعك كي لا تنزل دهشتك في تخفيضات محلات سنتر بوينت.

    كل الذين تحبهم لا تلتقيهم دومًا، كي تجنبهم قائمة العادي، أروعُ أفكارك تخطر لك في الحمام و تغسلها جيدًا قبل أن تلصقها في دفترك، هلعك القديم يعتني جيدًا بملابسه، و يغسلها بالشامبو كي لا تبهت، يعجبك هذا و تصر على حقك في الهلع و الكوي.

    تكتب كلامًا “خفيفًا” كي لا تنتبه الحكومة أو يحاسبك الله، تقرأ كثيرًا عن الهمزات و مواضعها و تنسى، تقرأ عن طريقة تجهيز بيرة الشعير و لا تنسى، تفكر في السنوات التي كافحت فيها العثة و هي تحاول أن تأكل صورتك الوحيدة في جيب أبوك، ويباغتك أبوك حين قرر فجأة أن يستبدل صورته الوحيدة في جيبك.

    تتذكر أمك فجأة، تلتقط قلم الرصاص و ترسم فرنًا قديمًا و طنجرة جديدة من الستنستيل

    تتذكر أختك و تحاول أن ترسم صوت أتوبيس يتوقف.

    تتذكر أخوك و ترسم مفك و ثلاث براغي.

    تتوقف فجأة و تلتفت لكل الأشياء التي كتبتها خلفك، و تلعن السياق لأنه تجاهل جزمتك الجديدة.

    ***

    قلق 2

    خائف و أنظر للعالم من تحت سريري، أفتقد جديلة أختي و ثوبي الكبك ..

    خائف و كل شيء شاسع، و هذا يرعب القنفذ في دمي و محرك سيارتي ..

    أقفز قميصي و البنطلون .. أتعرى و أفتح الماء .. أغسل يدي و أسقي الحائط ..خائفٌ و الورق خدعة مؤقتة والحبر دم قديم لبنت ينهرها الجميع و تبكي ..

    أريد قلبي الأزرق و الكدمة تحت عيني و قبضة ابن الجيران .. هذا السلام و الهدوء متعب .

    القميص الكاروهات لا يكفي و علبة السجائر لم يتبقى فيها الكثير، و الكبريت استسلم للولاعات .

    خائف و احتمالات أبي في كوني الابن الكبير تنهار في سوق الأسهم و تاريخ الصلاحية في علبة الزبادي لا تكفي لأشرح له معنى المضاربة في كل هذا العدد من الأبناء ..

    خائف يا قطط الله و الشوارع

    ***

    قلق 3

    عالق في البيت وحدي، في ورطة الشتاء و ضعف الشهية، لا بيرة تكافح البطالة و لا كحول تعقم  حواف الليل .. لا صديقة تقحمني في شؤون نهديها أو صديق يتخلى عن رأس الشيشة و يطرق الباب .. عالق كزر في أكمام جاكيت بدون هدف واضح .. عالق و هذا يزعج أمي تماما” لو تعرف، لكنه سيروق لصديقة قديمة تخلت عن خصرها و ترهلت لأن الحياة لا تنصف العازبات ..

    عالق و الأصدقاء يتقلصون، يأخذهم الموتُ، و الحبيبات و الأحياء الجديدة.

    ***

    قلق 4

    أفكر في العبث، في الجدوى من الكتابة و الالكترونيات،  في الهلع المصاب به منذ ثلاث سنوات و الميل المفاجئ للباذنجان، أفكر أيضًا “و كثيرًا” في رسم وشم لخدي، شكل بسيط ربما لمربع، المربع مدهش بالمناسبة متساوي تماما” و سهل رياضيا” لاستخراج مساحته و محيطة، المربع مكعب ثلج في كأس صديق يشتري خمرة رخيصة لنفسه و يشتري لحبيبته شنطة من شانيل، المربع نرد، المربع فكرة أبي عن الصلاح و فكرتي المبكرة عن الشكل بعد فض البكارة، المربع صندوق إبليس الذي وضعه ﻵدم ليصعد عليه و  يقطف التفاحة، المربع حالة استثنائية، يمكنك أن تمرر مثلث ومستطيل ودائرة من خلاله دون تدخل من الفرجار أو الفوتوشوب، المربع هلعي و أمنيتي في أن أجد بابا” له هذا الشكل، كي افتحه و أجد الله خلفه، و اقول له كل الكلام السابق، و اقترح عليه أن تكون الجنة مربعة، مقابل كل حسناتي من المربعات السابقة.

  • انشطار – ياسمين صلاح

    انشطار – ياسمين صلاح

    فؤوسٌ كثيرةٌ ناشبةٌ بأرضك

    تقفُ ببراءةِ فطرٍ خبيث

    ولأنك تبعدُ عن الآحاد

    وتكرهُ أن تكون فردا

    تنشطرُ على نفسِك بلا توقف

    تكدست عليك أجسادُك

    والأرواحُ المعلقةُ على مساميرك

    تتألمُ كلما ثمل الهواء بها

    أنصافُك الرملية تتطاير 

    فلا يمكن أن تمنعَ شهقاتك

    ولا يمكن أن تتوقف عن تعفير وجه الكون الصافي

    صدرك قفرٌ إلا..

    من ظلال الذين مروا وحاولوا حصادك

    فلا تلتفت في الحُبِّ

    إلا لنصفِه الشوكي الأصفر

    أنت شريكٌ في الجريمة

    لو لم تلقِ قميصَك على كل العميان

    لو لم تر أن كلَّ محبٍّ هو بالضرورة حبيبك

    لو لم تمنح نفسَك فلكا لكلِّ مَن يدور 

    لو لم تلقِ بنفسك من فوق كل ما هو عالٍ

    لا أحد يلملم شظاياك

    تغفر لك أصابعك الناعمة على كل الخدود،

    عينك اللاهبة  على وجه عجوز

    ما زال يستقبل بها العمر بدهشة،

    حاجباك المقوسان على وجه طفل

     مليئان بالتساؤل القلق الذي لا ينطفئ،

     ‏فمك يملك ذاكرة للكلام غير ما تهلوس به،

    نفسك الظامئة للجهد الأبدي

    استغلتها الأبدانُ في تسلُّقِ الماء،

    صدرك الذي انشغل عن سعته

    بضيق الأحضان المستطيلة

    صدرك الذي لم يخبر المسافات

    صار يعرف الطول والعرض

    فكيف تنجو

    وقد صرت محدودًا 

    حين انفرطت في العالمين؟!

    نص: ياسمين صلاح

  • قصيدة إلى كمامة – شي تشوان – ترجمة: يارا المصري

    قصيدة إلى كمامة – شي تشوان – ترجمة: يارا المصري

    إن كان ممكناً، سأرتدي الكِمامةَ وأسيرُ في الصحراء وألتقي بالآلهة والملائكة.

    واجهتُ العاصفةَ الرمليةَ مرتدياً الكِمامة، واجهتُ الضبابَ مرتدياً الكِمامة، نجوتُ من أنفلونزا الطيور، وفيروس سارس، وفيروس كورونا الجديد مرتدياً الكِمامة. عَبَرَ القاربُ القديمُ الجبال، ولا يزال ثمة جبالٌ خلفها!

    اعتدتُ ارتداءَ الكِمامة لأجل الموضة، لأجل أن أُظهرَ بطاقةِ هويتي، لأجل أن أختبئَ من المراقبة، لأجل أن أصيحَ أو أن أهمس. إنّ حياتي بالكِمامة مذهلة مثل حياةِ القدماءِ بدون كمامة!

    لكني لم أُجن لدرجةِ أن أسرق بنكاً. لكن للكِمامة جنونها وقسوتها، من الأفضل أن يرتدي موظفو البنك الكِمامات لصدّ الهجوم، وأن يتصدوا بعيونِهم اللامعة لنظرات السارق الغائمة، الحائرة، القاسية.

    على الآخرين في العصر الحديث، ومتصيدي الإنترنت، ارتداء الكِمامات أيضاً. وأن يرتدي المتحدثون المجهولون الكِمامة أثناء حديثهم. وإن ارتدوا الكِمامات والنظارات السوداء، فهم أتباعُ المخترقين، ينتظرون وسمهم بالصفةِ ذاتِها.

    ولكن النهاية، وفيما عدا الأطباء والممرضين، فالذين يرتدون الكِمامات هم المواطنون الملتزمون الخائفون، فالكِمامة تهدئُ ارتجافهم. زعماء العصابات في الأفلام لا يرتدون الكِمامات. يحافظون على مظهرهم الوسيم لتحاشي الشرطة.

    المواطنون الملتزمون الخائفون يضعون الكِمامات للكلاب، يضعون الكِمامات للقطط، ويحلمون بأن يضعوا الكِمامات للفئران، الخفافيش وآكلي النمل. ولا مفرّ من القول، إن هذا هو الواقع المتجذِّر في الشعر السريالي!

    والنقطة التي انتصر فيها الشعر السريالي: أن تأكل مرتدياً الكِمامة، أن تدخن وتشرب مرتدياً الكِمامة، أن تُمارس الحب مُرتدياً الكِمامة، أن تبصُق مرتدياً الكِمامة، أن تموتَ مُرتدياً الكِمامة. سيعود السرياليون إلى الحياة ويطاردوننا مرة تلو الأُخرى.

    أخرجت أمي كِمامة من الخزانة وطلبت مني ارتداءها. وبسبب عادتها الجيدة في الاقتصاد ومنع التبذير، فقد احتفظت بهذه الكِمامات بدون قصد، من أيام فيروس سارس قبل سبعة عشر عاماً.

    قلتُ لأمي: أَرأيتِ كيف نفد مخزون الكِمامات، أنا نادم لأنني لم أفتح مصنع كِمامات وأُحقق ثروة. وظللت لمدة أسبوع حزيناً لعجزي عن فهم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية.

    ولكن بعد أسبوع، أعتقد أنني عمقت فهمي بالمصير، وعزمت على تخزين الكِمامات بعد أن تأتي الصيدلية بمؤونتها، وأترقب، بوقاحة، موسم الكِمامات القادم.

    ضُرب بعض الصينيين في شوارع سيدني لارتدائهم الكِمامات، وطلبت منهم الشرطة في برلين نزعها. كيف لأهل سيدني وبرلين المهذارين أن يفهموا، أن هذه عادتنا ووسيلة بقائنا!

    إن كان ممكناً، سأرتدي الكِمامة وأسير في الصحراء، عارياً، وألتقي بالآلهةِ والملائكة.

    لا يُميزني الآخرون وأنا أرتدي الكِمامة، ولا أتعرف على نفسي لأنني أرتديها. في داخلي، أُثبِتُ مرة تلو الأخرى من أنا، لكن الكِمامة ترفضني دائماً. ولكن في الحقيقة، حين أخلعها، تكون لا شيءَ على الإطلاق.

    *ترجمة عن الصينية: يارا المصري

  • تورية الشّعر- حجة المَلهاة | نصوصٌ قصيرة لعائشة سليمان

    تورية الشّعر- حجة المَلهاة | نصوصٌ قصيرة لعائشة سليمان

    1

    الشّعر لا يُنقذ أحدًا

    إنها كذبةٌ

    الشّعر يد بأظافر طويلة حادة

    تضعهُ على جلدكَ

    يحكّ الحبوب/ البثور

    يلعب بها

    حتى تنفجر

    دُمَلٌ.

    خُراج الجلدِ

    هذا هو الشّعر.

    2

    جرحٌ مفتوح دائم، هو الشّعر.

    3

    لم ينقذني الشعر، وإن كنتُ قد أعلنتها قبل ذلك بأنه أنقذني.

    إنها محض كلماتٍ نرددها عادة نحن الشعراء، الكتّاب في ساعات راحتنا عن أن الشعر منقذنا. إذ نحوّل الشعر، القصص، الحكايات، والكتب لمادة خاصة بنا، أشبه بغرضٍ شخصيّ: فرشاة أسنان، مشط، أو دمية حصلنا عليها في سنتنا الأولى من الإدراك وخشينا خسارتها.

    إلى س. م

    الشّعر ملهاة حياة الأرواح الصارخة، في زمن لا معلوم سابق أو آتٍ، تصرخ، تنادي: أن هبْ لنا الجسد حتى نقبض على الشيء، أن يتحوّل الطيف اللا مرئي، لشيء مرئيّ.

    فكان ما شاءتْ، إذ شاءَت ورغبت. فصار الجسد. نسيج متجانس، ملتحم الخلايا، مغطى بالجلد، في صورة البدلة للروح، شيئية الشيء.

    جرحُ سكين المطبخ لليدِ لا يوجع البدلة، الجسد؛ إذ يُفزع الروح الحاصلة على بدلتها الخاصة بعد الصياح المتكرر. خدوش الجسد لا تُرقعُّ، تُدهنُ بالشعرِ: ضع طبقة من مرهم الشّعر على الجرحِ، الخدش. ما الشّعر؟

    لا الكلمات..

    جاء رجلٌ بثيابٍ رثّة متّسخة، وله سبعة أقدام، لا ينتعل خفًا ولا نعلًا، وضخامة رأس، ومفردة عين، وله عشرة أذرع طويلة، في كل ذراع يد، وفي كل يد ثلاثة أصابع، وبطن كلما مشى انتفخ، وانكمش إذا رقد، يطرقُ الباب في الليلة الظلماء، من يفتح له الباب يُصبه بنفثِ هواء من فمه، فيمرضُ، وإذ يمرضُ ويعرفُ علّته، وتبين أدوية سقمه أمامه، تُصاب يده بالشللِ، فيمدّ يده إذ يمدّ فلا تصل لدوائه. ويُراقب يده في ذهول، فلا حركة فيها، ولا حياة. هبْ لنا قلمًا، تنهضُ.

    يجلسُ الرجل الرث بثيابه المتسخة القرفصاء فوق كتفك، يُغني في أذنك، فتسمع الصفير، يرفع ذراعًا واحدة، فترفعُ يدك قلمها، اكْتب. ماذا أكتبُ؟ اكْتب الصفير. فتكتبُ يدك، وإذ تكتب لا تعثر على المفردة؛ بل ما يجانبها، ويقاربها، ويرادفها، فتقضي العمر باحثًا عنها، مفردتك الأولى، لتنكشف لك آن تسأم الروح الصارخة من لباسها الجسد؛ ضاق وخنقها، أو لعلّه صُوّرَ لها أنه يضيقُ عليها، وإذ تستذكر جملة الانسلاخ الأولى، والتحوّل، ينكشفُ لها البصر، والسّمع، فترى الرجل الرث بثيابه المتسخة، في صورته الحقيقية؛ ظلّ. ظل الطيف، ظل الروح الصارخة، في بطنها نورها، السّراج وزيته. الشّعرُ، اسمُ الرجل، وإذ تسعى الروح لتكتب ما رأتهُ، إذ رأت، تنغلقُ فتحةُ السّفر، شقّ الندبة، شقّ الخدش، أوّل الجرح، والتحوّل، فتنحبسُ الروح وتصرخُ أن حرروني، أعيدوني، هبني جسدًا. تُحملُ البَدلة بعد أن تمسح بالخرقة، وتُغسلُ بالماء، وما سال وانسكب، وظل جاريًا؛ لتُدفن في التراب، والروح ترفس، تصرخ، تئن: عرفتُ الحقيقة إذ عرفتُ، وبانت لي، سأكتبُ، أعيدوني. لتقضي نواحها أربعين ليلة، تحت شجرة غافٍ، فوق هضبة جبل، بجانب عمود إضاءة، أسفل سرير، في داخل دولاب، تحت حصاة، أو في مكانٍ آخر، ثمّ تطيرُ لتلحق من تقدّمها من الصارخات النائحات، تصرخ وتصيح، حتى تنشطر فيصير لها نصف جسد، أو تحصل مجددًا على جسد كامل، تام، وتدور الدائرة، والرّجل الرث مشطور من قبل ومن بعد، أو بعضًا من طول موجيّ لأشعة نور منعكسة، إذ سقط النور على المرآة فانكسر، انتشر، توزّع، ورأى ظلّ نفسه. 

    *عائشة سليمان: كاتبة وشاعرة من عُمان

  • الظنُّ في بحثه عن الضالة – عائشة سليمان

    الظنُّ في بحثه عن الضالة – عائشة سليمان

      قالت العرب: سقطَ على ضالتهِ، أي عثَر، ووقع عليها. والضّالة يمكن أن تكون النّفس في غيابها، وضياعها، إذ تقع فتضيعُ في الجبّ.

    تظن، وقد يتحوّلُ ظنّك لليقينِ إنْ طال أمدُ استمرارية الظنّ؛ إذ أن كل الأشياء قابلة للتحوّل تحت ظروف التمدد، والاستمرارية، تظن أنك لن تنمو مجددا بعد سن الثلاثين، وأنّ الأمرَ الوحيد الذي سيطرأ عليك هو تغيّر لون شعرك إلى اللون الفضيّ، أو كما ستقول الأبيض. هذا التبدّل الذي سيجرّ خلفه الكثير من التقلبات عليك، ولن تكون قادرا على تجاوزها. قد ينجح البعض في تجاوز سن الثلاثين، أو تجاوز أزمة العمر، ولكنك حتما ستقف أمام وجهك الذي تغيّر، وأنت تنظرُ في المرآة كل صباح، متحسساً بأصابعك خطوط وجهك. ترتّبُ شعرك، تفكرُ في إضافة صبغة جديدة عليه؛ كي يكسب لونا جديدا، ولا يظهر اللون الفضيّ، المُقلق، المخيف، المتسبب في تساقط عرق قلقك، وتكوّرك حولك في غرفتك؛ مُفكرا بجدٍّ في/ بالأيام القادمة. 

    وحيثما أنتَ في غرفتك، في صورة الحلزون، أو سرطان بحرٍ، أو سلحفاة، وتُعجبك صورة الحلزون أكثر؛ ستنتبه_ كمن ينتبهُ لأول مرّة_ لجرحٍ على بشرة وجهك _وفي الحقيقة، هو جرح قديم، لكن نظرتك له، الآن جديدة _ كُنتَ قد أصبت به ذات يوم. تمر تفاصيل ذاك الجرح على عينيك، فتبتسم، إذ تتحسس بنظرك طول الجرح، وشكله، وملمسهُ، ثم يعبس وجهك وقد تبكي؛ إذْ تظن أنه لم يعد بمقدورك أن تحصل على جرحٍ مماثلا لذاك الجرح، وأنت في هذا العمر _ إذْ كنت قد حصلت على جرحك، ندبتك الخاصة، وأنت تلعب الغميضة مع الصغار يوم كنت في العاشرة من عمرك، فتعثرت قدمكَ فوقعت أرضا على البلاط، وانسابت الدماء، وارتفع صياحك_ وأن كل ما ستحصل عليه هي الجراح/ الجروح الجديدة، جروح الكبار المخفيّة دائما. جروحٌ لا تظهرُ بسهولة، لا تشبه جرح وقوعك الأول عن دراجتك الهوائية وأنت تتعلّم قيادتها، أو جرح فضولك حين أدخلتَ إصبعكَ في المروحة الهوائية الأرضيّة، مُتحسسا حركة الهواء فيها، أو الجرح الذي نلتهُ بعد شجارك مع ابن الجيران الذي يكبرك بعامٍ، على كرة قدم، وإذ أنت في انحناءك تلتقطُ الكرة، يشجُّ رأسكَ حجرٌ، يفجّر الدماء، فتسقطُ أرضًا، يفوزُ ابن الجيران بالكرة.  

    وإذْ تظنُ في يومٍ ما، بعد أن تتجاوز أزمة التفكير في العمر، ومع أنك ما زلت في الثلاثينات من عمرك، وأنك ذاهب للشيخوخةِ بجروحٍ لا عدّ لها، مع أنك حتما لم تتجاوز التفكير؛ ولكنك تعمّدت تجاهله، وستفكر في الأمر بقلقٍ وفزع في ليلة باردة، أو ممطرة، أو حتى في نهاية الأسبوع، بعد أن تُنهي عمل أسبوع شاق. 

    تُحصي عدًّا مجموعك من الجروح، وقد أرخيتَ تصلّبك لغضبك الدائم، وترثي هيئتك البالية، وتجرّ قدمك بتثاقلٍ كل صباحٍ، مكدّسا الجروح، واحدا فوق الآخر، وتشرب كأسك، محملقًا في الفراغ الشاسع المحيط بك، قاذفًا بصقة للمرآة الواقفة بلا حركة، بجانب دولاب ملابسك..  

    تظن أن وجعك الذي اكتسبتهُ/ حصيلتك/ مِنْ علاقة غراميّة غير تامة في مطلع العشرين من عمرك المتّقد، انتهت بالبكاء، والحزن، ومولدُ كآبةٍ، وخسارات متتالية، وتجميع أفكار في نظرك، على أنها أفكارا ثابتة، لن يطالها التحديث، ما هو إلا وجعٌ مستمر دائم، مُغذّى، وأن أفكارك لن تتغير، وأن الجرح الذي وُشم عليك أثناء خروجك من تلك العلاقة، لن يزول مهما فعلت. فتتصرف وكأنك غير مبالٍ بعلاقاتك الآتية، وتصرفاتك تجاه شخصك المهمل، المكتسب صورة الشّحاذ، البائس، أو قد تُفرط في تكوين علاقات، ظنّا منك أنك تداوي جرحك؛ بينما أنت ترسمُ فوق رسم الوشم، مرارًا وتكرارًا، برأس سكينٍ حادة. 

    ومع هذا، في يوم مشمسٍ، وأنت تقضم بسكويتة، أو وأنت تشرب كوب قهوتك، أو تضغط على الحروف بقوةٍ في لوحة مفاتيح جهازك المكتبيّ، أو للتو قد افترشت رمل البحر، وأنت تراقب النوارس؛ تنتبه إلى أنك قادرٌ على أن تنمو من جديد، وأن جرحك الكبير، وألمكَ الفذّ، لا أكثر من قصةٍ تُروى، تبدأُ بجرعِ تفلةٍ بصعوبة، وتنتهي بتنهيدة تتبعها ابتسامة، تركتْ لمعة في العين اليسرى.  

    _إسقاطات: 

    _ تظهرُ الديدان من الثقب الذي لا تراه في قلبك. 

    _ لا أحد سيُحبّ الحصاة العالقة في نِعاله.

    *عائشة سليمان: كاتبة وشاعرة من عُمان

  • ضحكتها سبقتها إلى الجنة – رضا أحمد

    ضحكتها سبقتها إلى الجنة – رضا أحمد

    لا بدَّ أنك نائمٌ الآن

    أو في جلسةِ حساب آخر؛

    ثمة نادل يُقرِّبُ منك لائحةً بكل إيمان تجرعته مع الخوف

    وكل صلصالٍ فر من ظلك،

    بكل نسيمٍ تهشم فوق رأسك لحصى وكلمات

    وكل ما جمعته من ديدان لجسدك

    ونعش تركته في انتظارك

    أو شاهد تلفت عن دعوته إليك،

    بقبلة نذرتها لامرأة خفيفة كالنيران

    وكل كدمة صارت ضريحا للكوابيس،

    بنسيانك الأعمى

    وذنوبك التي تقفز من ضلع إلى ضلع،

    بملح يلف لسانك كلما لعقت نافذة

    أو تمشيت مع عظامك،

    من أين تأتي بأمك

    لتخبرك أن هذه الحياة غالية

    وبإمكانها إعداد مثلها في البيت وأفضل

    بنظافة وثمن أرخص؛

    تعود معها نصف رجل

    أو نصف دلو دماء وقبضة رصاص

    أو نصف غابة مستأنسة

    وعظمة ساعد وفم على الأقل،

    بعيون كتومة

    تسد الثغرات في قلبك

    بخرق ثوبها المنهك وأصابعها الذائبة

    تقسم صوتها على سنوات

    فلا يغادر العتبة

    ولا ينعس في ورقة نتيجة أو سلك هاتف،

    تناولك ما تبقى من دمع صدرها

    فيما حكاياتها الممزقة تتمشى فوق وجهك

    كعود بخور

    أو أسنان ملاك.

  • الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع – أنسي الحاج

    الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع – أنسي الحاج

    قصةُ الوجه الآخر للتكوين والخلق، قصةُ آدم وحواء برؤية جديدة يرويها عاشقٌ يتخلى عن إرثه من التحكم والاستبداد كذكر، من أجل أن يكون جديراً بأنثاه.. وصفٌ بديعٌ لقدرةِ امرأةٍ مكبلةٍ بقيودِ المجتمع المجحفة أن تمنح رجلاً حريته وتعيد له توازنه فقط إذا هي أحبته، حبُّها حوَّلَهُ من طاغيةٍ بالوراثة إلى أسيرٍ مترنم بالرقة والعذوبة، حكايةُ ما يحدث إذا وقعتَ في الحب، وما يحدث إذا أحبَّك أحدهم.

    دينا فياض

    إنها القصيدةُ التي يستجيبُ فيها بهاءُ المادة، لجمالِ الكلمة>

    جاك بيرك

    هذه قصيدة حياة؛ بل الحياة. اقرؤوها كدواء دفعة واحدة حتى إن كنتم أصحاء. إنها أروع قصيدة حب؛ لو قرأها العالم أجمع لما ماتت على الأرض وردة.

    وليد النبهاني

    مختاراتٌ من القصيدة:

    يدي يدٌ لكِ ويَدُكِ جامعة.

    حَسَرْتِ الظّلَّ عن شجرة النَّدَم

    فغسل الشتاءُ نَدَمي وَحَرَقه الصّيف.

    أنتِ الصغيرة كنُقطة الذهب

    تفكّين السّحر الأسود

    أنتِ السائغـةُ اللـّيـنـة تشابكتْ يداكِ مع الحُبّ

    وكُلّ كلمةٍ تقولينها تتكاثف في مجموع الرّياح.

    أنتِ الخفيفةُ كريش النعام لا تقولين تعال،

    ولكنْ كُلّما صادَفْتُكِ كُلَّ لحظةٍ أعودُ إليكِ بعد غيابٍ طويل.

    أنتِ البسيطةُ تبهرين الحكمة

    العالمُ تحت نظركِ سنابل وشَجَرُ ماء

    والحياةُ حياةٌ والفضاءُ عربات من الهدايا.

    أيُّها الرّبُّ

    إحفظْ حبيبتي

    أيُّها الرّبُّ الذي قال لامرأة: يا أمّي

    إحفظْ حبيبتي

    أيُّها الرّبُّ إلهُ جنودِ الأحلام

    إحفظْ يا ربُّ حبيبتي

    مَهِّدْ أمامها

    تَعَهَّدْ أيّامها

    مَوِّجْ حقولها بعُشب الخيال

    اجعلْ لها كُلَّ ليلة

    ليلةَ عيدِ الغد

    ***

    يا حبيبتي

    أُقسِمُ أنْ أكون لُعبتكِ ومغلوبكِ

    أُقسِمُ أنْ أحاول استحقاق نجمتكِ على كتفي

    أُقسِمُ أنْ أسمع نداء عينيكِ فأعصي حكمةَ شفتيكِ

    أُقسِمُ أن أنسى قصائدي لأحفظكِ

    أُقسِمُ أن أركض وراء حبّي وأُقسم أنّه سيظلّ يسبقني

    أُقسِمُ أن أنطفىء لسعادتكِ كنجوم النهار

    أُقسِمُ أنْ أسْكُن دموعي في يدكِ

    أُقسِمُ أن أكون المسافة بين كلمتَي أُحبّكِ أحبّكِ

    أُقسِمُ أن أرميَ جسدي الى الأبد لأُسودِ ضجركِ

    أُقسِمُ أنْ أكون بابَ سجنكِ المفتوح على الوفاء بوعود الليل

    أُقسِمُ أنْ تكون غرفةُ انتظاريَ الغَيْرة ودخوليَ الطاعةَ وإقامتي الذوبان

    أُقسِمُ أنْ أكون فريسة ظلّكِ

    أُقسِمُ أنْ أظلّ أشتهي أنْ أكون كتاباً مفتوحاً على رِكبتيكِ

    أُقسِمُ أنْ أكون انقسام العالم بينكِ وبينكِ لأكون وحْدَتَه فيكِ

    أُقسِمُ أنْ أُناديَكِ فتلتفت السعادة

    أُقسِمُ أنْ أحمل بلاديَ في حُبّكِ وأنْ أحمل العالم في بلادي

    أُقسِمُ أنْ أحبّكِ دون أن أعرف كم أُحبّكِ

    أُقسِمُ أن أمشي الى جانبي وأُقاسمكِ هذا الصديقَ الوحيد

    أُقسِمُ أنْ يطير عمري كالنّحل من قفير صوتكِ

    أُقسِمُ أن أنزل من برقِ شَعْرِكِ مطراً على السهول

    أُقسِمُ كُلّما عثرتُ على قلبي بين السّطور أن أهتف:

    وَجَدْتُكِ! وَجَدْتُكِ!

    أُقسِمُ أن أنحني من قمم آسيا لأعبدكِ كثيراً.

    ***

    آمنتُ منها يا ربّ

    هي تُشرق فأستنيرُ بك.

    غصنُ حُبّنا

    يُورق الغابات والأنهار

    يُورق السعادة

    يُورق الحرية

    يُورق زهر الخبز

    يُورق خبز الزهر

    وغصنُ حبنا إليك

    يَحمل يا الله

    من قاع النهر الجريح

    يحمل العالم

    ثمرة

    مُغتسلة بشوك التوبة

    يحمله بفَرَح إليك

    والنهرُ ضحكة

    ولونها وردة

    هذه قصة الوجه الآخر من التكوين

    أكتُبها

    ***

    يا ليلُ يا ليل

    إحملْ صلاتي

    أصغِ يا ربُّ إليّ

    أغرسْ حبيبتي ولا تَقْلَعْها

    زوّدها أعماراً لم تأتِ

    عزّزها بأعماريَ الآتية

    أبقِ ورقها أخضر

    لا تُشتِّت رياحها

    أبقِ خيمتها عالية فعُلوُّها سهلٌ للعصافير

    ***

    اسمَعوا

    لا تُغلقوا الأبواب

    الموجُ يحمل الرسالة إلى الريح

    والريحُ إلى الشجر

    والشجرُ إلى الدفاتر

    ***

    في اليوم السّادس

    جَلس الله يتأمّل

    قال:

    “خلقتُ كُلّ الأشياء الجميلة وأنا أملِك سِرّها

    لكنّها بحاجةٍ إلى مَن لا يملك سِرّها

    فتكون له جنّة ويكون لها دهشة.”

    وخلق اللهُ الإنسان

    ذكَراً وأُنثى خلقه

    لأجل أنْ تبقى السماوات والأرض جميلة

    في سَعي من لا يملِك

    في ارتباط مَن لا يَربط

    في دهشةِ مَن يعرِف ولا يَعرف

    في سلامِ من لا يهزّ سلاماً إلاّ لتسقط منه تحيّة

    هي حُرّيّة من لا يعرف أنّ اسمها حرّيّة

    في سعادةِ من أُعطيَ جَسداً في شكلين

    ليُعطى جميع أشكال السعادة.

    ***

    مَن تكون التي أُغنّيها؟

    أقول هي وأُريد أنتِ

    أجمعهنَّ فيكِ لأنّكِ المفردة

    ولا وجود لهنَّ إلاّ فيكِ.

    من تكون التي أُغنّيها؟

    حبيبتي التي رأيتُ الشمس تحت عينيها قمراً في نهر تحت صفصاف

    المجنونة لأنّها الملكة وعَطْفُها اختار الفقير

    المجنونة لأنّها الكلّيّة الجَمال الصالحةُ تماماً

    الخارقةُ الطبيعة تَرَجَّلتْ بين الأنقاض لتُشفق عليّ

    المرأة الواحدة الضابطةُ الكلّ

    الدُّرّة المصقولة بتَوالي عذاب الأجيال

    بكمال وصلتْ مُختارة دون نقيصة

    بكمال مُختارة

    ومُجهّزة بعُرس لا شقيق له

    التي أندم إليها بضمائر جميع الرجال

    يندمون إلى جميع النساء منذ الأزل

    لأنّها وارثة البهاء المسجون في خزائن العهدين

    ***

    أنتِ الصّغيرة كنُقطة الذهب

    تفُكّين السِّحر الأسود

    أنتِ السائغة اللّيّنة تشابكتْ يداكِ مع الحُبّ

    وكُلّ كلمة تقولينها تتكاثف في مجموع الرّياح.

    أنتِ الخفيفة كريش النعام لا تقولين تعال،

    ولكنْ كُلّما صادَفْتُك كُلَّ لحظة أعودُ إليكِ بعد غياب طويل

    أنتِ البسيطة تبهرين الحكمة

    العالم تحت نظركِ سنابل وشَجَرُ ماء

    والحياةُ حياة والفضاءُ عربات من الهدايا

    أنتِ هِدايتي يا ألله أضِفْ عمري إلى عمرها

    يا حبيبتي أنتِ الوجه الآخر من التكوين

    يا حبيبتي أنتِ الحقيقة

    يكون بكِ انفعال وحكمة لي

    يكون بكِ لذّة وكرامة

    يكون بكِ جُنون ولجوء

    ***

    منكِ أتعلّم وأنتِ لا تُعلّمين

    كيف المَنيعة بالحُبّ تحرس لقاتليها الحياة

    كيف المنارةُ صغيرة والعتمُ كبير وكيف تفرشه الصغيرة

    كيف ذات الرّفق عظيمة لا تشكو وكيف الله

    أعطاها الخوف علينا

    وترك للكاذبين الخوف.

    ***

    احفظْ يا ربُّ حبيبتي

    مَهّدْ أمامها

    تَعَهَّدْ أيّامها

    مَوّجْ حقولها بعُشب الخيال

    إجعلْ لها كلَّ ليلة

    ليلةَ عيدِ الغد

    ***

    إلى أنْ تُصبح جَدَّةً عتيقة مثل كُبرى شَجَرات الزيتون

    أطِلْ أيّامها يا ربّ

    وجَدّدْ ثمّ جدّدْ أرضه

    آمنتُ ولذلك أطلب

    طلبتُ ولذلك آمنت

    آمنتُ منها يا ربّ

    احفَظْها باركها

    هي تُشرق فأستنيرُ بك.

    ***

    أُحبّكِ فكيف لا أُحبّ صانعكِ

    أُغنّيكِ لنفسي وأُغنّيكِ عن العالم

    فالتي تُعيدني إلى سيّدي تُعيد العالم

    والتي تُحرّرني وهي المُكبَّلة بأهلها وشعبها

    تُحرّر العالم

    والتي تلمسني أنا المُعتّق في الخطيئة نِعْمَتُها

    تلمس نعمتُها العالم.

    ***

    كيف أُعطيكِ فلا يغرق عطائي في عطائك

    وماذا أُعطيكِ

    يا صمتَ تفجُّر العطاء؟

    ما أقلّ حُبّي يظنّونه كالسَّيل ولكنّي عرفتُ أنّ صوته أكبر من صمته.

    ما أهديتكِ شيئاً إلاّ اهتدى بكِ.

    ***

    أصغِ يا ربّ إليّ

    اغرسْ حبيبتي ولا تَقْلَعْها

    زوّدها أعماراً لم تأتِ

    عزّزها بأعماري الآتية

    أبقِ ورقها أخضر

    لا تُشتّت رياحها

    أبقِ خيمتها عالية فعُلوُّها سهل للعصافير

    عَمّرْها طويلاً كأرْزَة فتمرّ مواكبُ الأحفاد تحت يديها الشّافيتين

    عمّرْها طويلاً كأرزة فتجتاز أُعجوبتُها مراكزَ حدود بعيدة

    عمّرْها طويلاً كأرزة فتتبعها مثل توبتي شُعوب كثيرة

    أبقِ بابها مفتوحاً فلا يبيتُ الرجاء في العراء

    باركْها إلى ثلج السنين فهي تَجْمَعُ ما تَفَرَّق

    احرسْ نجوم عينيها فَتَحْتَها الميلاد.

  • أحسن من غيرنا – جنة عادل

    أحسن من غيرنا – جنة عادل

    لدينا جميعًا خوف أصيل من ألّا نكون جيّدين بما فيه الكفاية. ربما لأنه، وبخلاف كل ما يدوّي حولنا من خطابات النضج والتقبّل وتعاليم حب الذات، ندرك جميعًا في قرارة أنفسنا، أننا بشكل أو بآخر، في هذا السياق أو ذاك، بالفعل لسنا جيّدين بما فيه الكفاية. هناك دومًا من هو أذكى أو أجمل أو أكثر موهبة أو مهارة، أو أوسع حيلة. من هو أكثر حضورًا. من هو أسرع بديهة. من هو أقرب لقلوب أحبتنا، وأليق بهم منّا. باختصار، هناك من هو أفضل. دومًا هناك من هو أفضل. هناك من هو أقدر منا على عيش هذه اللحظة تحديداً، بأفضل طريقة ممكنة.

    يهاجم هذا الإدراك نرجسيّتنا بشراسة، فنندفع للتورّط فيما لا قبل لنا به، فقط لمراوغة هذا الخوف وتبديده إن أمكن. محاولات مستمرة لإثبات جدارتنا. بماذا تحديداً؟ بالحب؟ بالنجاح؟ بالوظيفة؟ بالحياة نفسها؟ تضيع الإجابة في أصداء المعركة. للمفارقة، كثيرًا ما تؤكد هزيمتنا في تلك المعركة مخاوفنا التي أدختلنا التجربة بالأساس، لنجد أنفسنا أمام ما كنا نحاول الالتفاف حوله من البداية، وبكل الطرق الممكنة: هوّة سحيقة من التخبط واحتقار الذات.

    لكن، أتدري ما الحقيقة التي يعلمها جميع من سقطوا في تلك الهوّة – سواء بالانسحاب المبكّر من معركة إثبات الذات، أو بالتورّط غير الموفّق فيها – ولا يصدّقها أحد؟

    أن الأمر ليس بهذا السوء فعلًا. وأنه طبيعي جدًا، وشأن كل ما نحسه وندركه، هناك وجه آخر للمسألة، يتلخص في أننا، بشكل أو بآخر، في هذا السياق أو ذاك، نكون نحن الأذكى والأجمل والأكثر موهبة، والأوسع حيلة، والأكثر حضورًا والأسرع بديهة، والأقرب لقلوب أحبّة آخرين والأليق بهم. نكون الأفضل. والأقدر على عيش هذه اللحظة تحديدًا بأفضل طريقة ممكنة. تلك اللحظة الملهمة من البصيرة والانعتاق، وإعادة اكتشاف البديهي والمكرر والوجيه في الحكمة الشعبية وعبارات الجدّات المستهلكة – احنا أحسن من غيرنا – تفتح نافذة مثالية لسيناريو من اثنين:

    أن نكتفي بعلاج نرجسيتنا الجريحة بجرح نرجسية آخرين، منحتنا الحياة أو المصادفة تفوقًا مؤقتًا عليهم في سياق ما، قبل أن تدور الدائرة لنجد أنفسنا، مرة أخرى، نتورط في إثبات جدارتنا من دون سبب واضح؛

    أو

    أن نكسر تلك الحلقة نهائياً، فنسمح لأنفسنا ببعض الهشاشة، بقبول محدوديتنا بحياد تلّفه السكينة، بتعاطف حقيقي ليس به ذرة تعالٍ واحدة، مع من لم ينعتقوا بعد من تلك الرحلة المضنية.

  • قلم أبنوس – إبراهيم أصلان

    قلم أبنوس – إبراهيم أصلان

    مال الولد وهو يتفرج على التلفزيون وسألني:

    • صحيح يا بابا، إنت ليه ما كملتش تعليمك؟

    ثم اعتدل يواصل الفرجة.

    وأنا الذي فاجأني السؤال، بعد هذا العمر، جلست أفكر في هذا الأمر.

    فكرت في المدارس السبع التي التحقت بها، بذكرياتها الجميلة والمؤلمة، واستعدت، من فوري، واقعة القلم.

    فلقد حدث أنني كنت مجنوناً، منذ زمن لا أذكره، بقلم الحبر، والذي كان معروفاً على أيامنا باسم “القلم الأبنوس”.

    لا أعرف من أين جاءني اليقين بأنه معجزة مبهمة، عصية على الإمساك، ناهيك عن الفحص. 

    ثم شاءت الأقدار، أن جاء زوج عمتي من البلدة لزيارتنا في إمبابة. كان في سن أبي، ويعمل ناظراً لدائرة زراعية.

    كنت طفلاً، وكان أبي قد أحضر له جلباباً خفيفاً لكي يرتديه زوج شقيقته فترة السهر والنوم، وأنا رأيته يخلع الجلباب الصوفي، وقبل أن يخلع الصديري رأيت في جيبه العلوي مشبك تلك الأعجوبة المسماة “قلم أبنوس”.

    لا أذكر إن كنت قد ادعيت النوم حتى ناموا، أم أنني نمت فعلاً وقمت وهم نيام، ولكن ما أذكره جيداً أنني تسللت إلى ثيابه المعلقة، ونزعت القلم من مكانه في جيب الصديري وجلست في ركن الحجرة أتفحصه في العتمة، أفتحه وأتأمل السن الذي يكتب، وأتلمس جوفه الممتلئ حبراً. وبعد أن اكتفيت من الفرجة أعدته إلى مكانه في جيب الصديري.

    لا أذكر لونه، إلا أنني أرتجف الآن وأنا أفكر في موقفي لو أنه قد استيقظ ورآني أعبث بثيابه.

    المرة الثانية التي صادفت فيها ذلك “القلم الأبنوس”، كانت في إحدى المدارس التي التحقت بها. كان مع واحد من تلامذة الفصل. وكان يحتفظ به في درجه المغلق. وعندما كان يفتح القفل بالمفتاح ويخرج القلم، كنت أنتقل من مكاني وأنضم إليه مع بعض الأولاد، أتفرج عليه وأطلب منه أن يسمح لي بالإمساك به وتفحصه.

    في أحد الأيام جاء الولد ووجد الدرج مكسوراً، والقلم اختفى.

    أنا لم أنتبه لما حدث، إلا أنني لاحظت أن الأولاد، وكانوا يجلسون أمامي في الناحية اليمنى من الفصل، يلتفتون نحوي ويتهامسون. وعندما دخل المدرس، قام الولد وشكاني بأنني أخذت القلم. واستشهد بزملائه الذين قالوا إنني كنت شديد الاهتمام به، وقال آخر إنني فعلاً الوحيد الذي كان: “نفسه فيه”.

    والمدرس طلب مني الوقوف.

    لا أذكر أنني تكلمت.

    ما أذكره أن الدموع انهمرت من عيني وأنا واقف، ولم يكن معي منديل، وجففت عيني وأنفي في كم القميص. وصاح المدرس، وكان معمماً، وله جبة:

    • إخص. الله يقرفك.

    وأشار بيده إلى الباب:

    • اخرج بره.

    ما أذكره أنني مشيت حتى مقدمة الفصل، وجريت.

    ربما ما زلت أجري حتى الآن.

    إبراهيم أصلان

  • نظرية الحمار الوحشي – دولا أندراوس

    نظرية الحمار الوحشي – دولا أندراوس

    قد يعتقد البعض أن الخطوط التي تميز الحمار الوحشي هي خطوط حبته بها الطبيعة بغرض التمويه والإخفاء عن أعين الحيوانات المفترسة، لكن هذا التصور غير صحيح، فالأبيض والأسود هما لونان مميِّزان جدًا، ويمكنك أن تلمحهما على بعد عشرات الأميال.

    أي أنهما قد يكونا ملفتين للنظر أكثر من كونهما وسيلة للتمويه. فما السر وراء هذا التأثير البيئي؟ وكيف يساعد الحيوانات على مواجهة الحياة والحفاظ على النوع؟

    عندما قام البيولوجيون بعمل دراسات عن الحمار الوحشي، كانوا ينتقون أحدها لملاحظته وتتبعه وتدوين سلوكه، لكن شدة التشابه بينها كانت تثير الالتباس والخلط وتعجزهم عن تبين الحيوان موضع الملاحظة من غيره مما دعاهم إلى محاولة تمييزه بوسم معين أو ببقعة ألوان ظاهرة مثلا لتسهل عليهم مراقبته، وبعد فترة لاحظوا أن الأسود والحيوانات المفترسة تنتقي هذا الحيوان صاحب العلامة الظاهرة بالذات لتهاجمه. أثبتت هذه التجربة أن غرض الطبيعة من هذه الألوان المميزة هو دمج الحيوان بالقطيع وليس دمجه بالبيئة المحيطة، والأهم أنها أوضحت أن الفئة الأكثر عرضة للهجوم ليست هي الفئة الأضعف -كما كان يظن في السابق- ولكنها الفئة البارزة أو المميزة.

    تساهم هذه التجربة إلى حد كبير في تفسير غريزة القطيع التي تدفع الكائنات إلى العيش في مجموعات متلاصقة طلبا للأمان ورغبة في الشعور بالقوة والحصانة. هذه الغريزة الفطرية لا تقتصر فقط على الحيوانات ولكنها موجودة أيضا لدى البشر وتعرف في علم النفس بثقافة القطيع أو سيكولوجية الجماهير كما اسماها جوستاف لوبون في كتابه الشهير الذي يحمل نفس العنوان والذي يشرح فيه فكرة انتقال عدوى العواطف والأفكار بين الأفراد عند انخراطهم في الجماعة، وكيف يؤدي الانصهار في المنظومة الكلية إلى تخلي الفرد عن تفرده وذاتيته وتبنيه لأفكار الجماعة والتطبع بسلوكها. وكلما كان الفرد ضعيفا زادت سطوة الجماعة عليه وزادت درجة تماهيه مع الجماهير.

    ومن الملاحظ أن هذه الظاهرة تعتبر سلوكا مميزا للمجتمعات الرجعية باعتبارها آلية من الآليات التي تؤسس لها الانظمة السلطوية لتستخدمها في ترسيخ اعتقادات وعادات جمعية تدعم بها هيمنة الحاكم وولاء الأفراد له، كما تكفل ابتعاد الناس عن إعمال العقل والتفكير الحر والاستعاضة عنهما بأنماط سلوكية محددة وموروثة يمكن إخضاعها وشحنها في أي اتجاه. لكن هذه الانظمة السلطوية التي تتعمد تحويل مواطنيها إلى مجرد قطيع لتستطيع التحكم فيه والسيطرة عليه هي أنظمة تبيد نفسها بنفسها لانها مع الوقت تتحول إلى مجرد قشور تغطي بنية فاسدة مضعضعة نظرالأن سلامة المجتمعات تكون بسلامة أفرادها.

    ليس ثمة شك في عمق التأثير الذي يحدثه المجتمع في تكوين أفراده، فكل إنسان يستقي معلوماته ومفاهيمه ومعتقداته وخبراته وسلوكه من واقعه الاجتماعي ومن البيئة التي تحيط به, وكلما كانت هذه البيئة صالحة وصحية استطاعت أن تشبع احتياجاته النفسية والاجتماعية والاقتصادية وأن تنمي لديه الشعور بالتفرد والتميز وان تشجعه على تنمية مهاراته وتساعده على المساهمة بإمكانياته في تحقيق المصلحة العامة، أما إذا كانت البيئة فاسدة فهي تقمع رغبته في التفرد بل وتعاقبه على تميزه وتجعله يدور بعقم في الدائرة المغلقة للفكر الجماعي الأحادي ليصبح شاغله الأوحد هو تحقيق القبول والتوافق مع باقي المنظومة حتى لو كان ذلك على حساب المنطق والضمير.

  • قصائد كردية للشاعر حسن محمد – ترجمة: ماجد ع محمد

    قصائد كردية للشاعر حسن محمد – ترجمة: ماجد ع محمد

    الناي

    لأنني شاعر 

    قد أطير 

    ولأنني 

     حلقت مرةً  فوق ساحة الحرب 

    سدَّد المتحاربون من الطرفين  فوهات بنادقهم نحوي 

    وثقبوني بألف مكانٍ ومكان 

    ولأنني لم أمت

    ها إنني الآن بجسدٍ مثقوبٍ أعيش بينكم

    وكلما تحرك الهواء

    لا يصدر عني / مثل ناي راعٍ كردي / غير الأنغام الحزينة.

    Bilûr

    Ji ber ku helbestvan im,

    dibe ez bifirim… 

    Ji ber ku 

    carekê di ser qada şer re firîm 

    Herdu aliyan tivingên xwe ber min kirin 

    Bi hezar cihî ez qul kirim, 

    Ji ber ku ez nemirim, 

    bi gewdweyekî qulqulî di nav we de dijîm… 

    û her ku ba dilive

    , mîna bilûra şivanekî kurd,

    ji min dernakevin ji bil

    awazên xemgîn…

    الباب

    لو كنتُ باباً

    وجئتَ أنت

    وقبل أن تنقرني بأصابعك

    لانفتحتُ من تلقاء ذاتي

    لو وقع صدى اسمك على مسمعي

    لانفتحتُ بكامل بهجتي

    لو مررت مرور الكرام من ذاكرتي

    لانفتحتُ بكل حب

    لأجلك 

    لو 

    كنتُ

    باباً

    لبقيت مفتوحا على مصراعي 

    في القُرّ والحر .

    Derî

    Ger deriyek bama…

    Ku tu bihata, 

    berî te bi tiliyên xwe li min da, 

    ezê vebama…

    Ku pêjna te di wan derdoran re biçûya, 

    ezê vebama….

    Ku navê te li guhê min keta,

    ezê vebama…

    Ku tenê tu di bîra min re derbasba, 

    ezê vebama….

    Ji bo te, 

    Çi germa ba

    Çi serma ba 

    Ezê li ser piştê vekirî bimama…

    Ger

    Deriyek

    bama…

    الدفن

    القرية برمتها

    بشيوخها وعجائزها

    بنسائها ورجالها

    بأطفالها وشبابها

    خرجت

    عندما سمعوا بأن قابيل قتل هابيل

    جميعهم يمموا وجوههم شطر مكان الواقعة

    لكي يُعلمّوا قابيل كيفَ يدفن أخاه!!!.

    Binaxkirin

    Gund ji binî de 

    Bi kal û pîrên xwe

    Bi jin û mêrên xwe

    Bi zerok û ewîlên xwe 

    Derket 

    Gava bihîstin ku Qabîl Habîl kuştiye….

    Tevde berê xwe dan bûyergehê

    Daku Qabîl fêr bikin çawa birayê xwe binax bike !!!.

    شاعر فحسب

    تاريخي ليس محط افتخار 

    فلا حملت السلاح

    حتى أقول بأني بيشمركة

    ولا صعدتُ إلى الجبلِ 

    حتى أقول بأني كنتُ من الكريلا 

    لا اعتُقلتُ

    ولا تعرضتُ للتعذيب 

    حتى أحكي لكم عن ملاحم المقاومة في السجون. 

    ولا استشهدت في جبهات القتال 

    حتى أشير لكم بفخر  إلى شواهد قبري. 

    ….

    ….

    كان صيفاً حاراً

    والمرأة التي كانت حاملة بي ذلك الصباح 

    المرأة التي كانت غارقة في عرقها

    كانت مناجل آلام الطلق تحصد رحمها 

    مساءً

    عند العودة من الحصاد 

     كنتُ أملأ الهواء بكاء  في حضنها. 

    حتى صار عمري ستة عشر عاماً

    كل ليلة كنت أبول على نفسي 

    وكل صباح 

    كنت أتلقى حفلة التوبيخ من والدتي. 

    لأنه 

    باكراً

    سقط قنديلي من يدي وانكسر 

    كان يجب 

    أن أتلمس حياتي في الظلام 

    وكان يجب 

    أن أقع كثيراً 

    وبكثيرٍ من الوجع أنهض من جديد

    ….. 

    …. 

    تاريخي ليس محط افتخار

    لم أكن بيشمركة 

    ولا كنتُ كريلا

    لم أكن معتقلاً

    لم أكن شهيداً

    عشت عاطلاً ومنتظراً 

    و كتبتُ قصائد بائسة 

    عن امرأة جميلة 

     امرأة اسمها الحرية… 

    Tenê Helbestvan im

    Dîroka min pir ne cihê şanaziyê ye;

    Ne min çek hilgirtin

    Ku bêjim ez pêşmerge bûm

    Ne hilkişîm ser çiyan

    Ku bêjim gerilla bûm 

    Ne zîndanan 

    Ne êşkence…

    Ku dastanên berxwedanê  ji we re hewaldim 

    Ne di eniyên şer de, 

     şehîd ketim

    Ku kêlên gora xwe nîşanî we bikim

    ….

    ….

    Havîneke germ bû, 

    Jina, sibehê, giran-avis bi min

    Jina, di ber xwîdana paleyê re, dasikên sanciyan malzaroka wê diçinî… 

    êvarê, 

    Li vegerê, ez di hembêza wê de bûm û min ba bi giriyê xwe dagirtibû.. 

    Ta temenê min bû şanzdeh

    Şev bi şev min bi xwe de mîz dikir

    û

    sibeh bi sibeh, 

    min mafilek ji dest dayka xwe dixwer….

    Ji ber ku

    Ji zû de

    Çireya min ji dest min de ket û şikest. 

    Divyabû, 

    ez jiyana xwe di tariyê de bipelînim

    Divyabû

    Ez pir bikevim û pir bi êş rabim

    ……..

    ……..

    Dîroka min ne pir cihê şanaziyê ye

    Ne pêşmerge bûm

    Ne gerilla… 

    Ne girtî bûm

    Ne pakrewan bûm. 

    Eware û bendewar jiyam, 

    û tenê  min helbestên hejar 

    li ser jineke bedew nivîsandin. 

    Jinek navê xwe / Azadî /…. 

    الانتهازي

    كم بلبلٌ انتهازيٌّ أنا

    فلمجرد أن يخرج أبواكِ من البيت

    أراني مرفرفاً على حافة شباككِ

    وملء حنجرتي أغرد لكِ

    ولكن عند عودة أبويكِ

    أغدو كحَجلٍ كاتم

    لا صوت لي 

    ولا لحن.

    Keysebaz

    Çendî

    bilbilekî keysebaz im

    Ku dê û bavê te ji malê derketin

    Li ser sîvleka pencera te, bi baskên xwe, dilîlînim

    û  tijî gewriya xwe ji te re dixwînim… 

    Ku dê û bavê te vegeryan

    Dibim /kewê Eptêl/

     Ne deng im, ne awaz im….

    الصباح

    كنت أريد 

    أن ينهض الصباح من بين فراشنا 

    دافئ بحرارة جسدي وجسدك

    ما وددتُ قط 

    أن يبقى صباحنا 

    كمن لا أهل له

    في العراء

    في الشوارع 

    وعلى الأرصفة… 

    وهو يصطك من البرد… 

    Sibeh

    Min dixwest

    Sibeh

    Ji nav nivîna me şiyar be

    Germik bi tîna gewdeyê min û te….

    Min nedixwest,

    Sibeha me

    Wek bêxudiyan, 

    Li derve

    Li ser kolan û rexrêyan,

    Wilo biqerime…..

    السقوط

    سنة 1989

    كان الوقت ربيعاً

    فتحتُ نافذتي على مصراعيها

    لكي أشم رائحة وردة نبتت في الجدار

    لم يصل يدي إلى الوردةِ

    فسقطتُ من البناء

    سنة 1989

    سقطتُ من الطابق الثالث من عمري 

    وإلى الآن مازلت أسقط.

    Têwerbûn

    Sal 1989;

    Bihar bû

    Min pencera xwe li ser piştê vekir, 

    Ku gulek di dîwêr de şînhatî bêhn bikim . ..

    Destê min negihîşte gulê û ez di avahiyê werbûm…

    Sal 1989;

    Ez di qatê sêyem ê temenê  xwe werbûm

    û

    ta niha dikevim….

    الخمرة والحسرة

    قال:

    التي أُغرمتُ بها 

    لم أقترن بها

    والتي تزوجتها

    لم أحبها

    و…

    وأفرغ الأنثى التي في كأس نبيذه 

    دفعة واحدة في جوفه.. 

    Mey û keser

    Got:

    A min jê hezkir..

    Min nebir..

    A min bir …

    Min jê heznekir 

    Û ….

    mêya di peyala meyê de 

    bi carekê hilda ser xwe !!!!!

    !!!! 

    ثورة

    كان ينقصني إلهٌ 

    لأصلي

    وكان ينقصني شيطانٌ

    لكي أعلن ثورتي على الآلهة.

    Şoreş

    Xwedêyek ji min kêm bû….

    Ku nimêj kim…

    Şeytanek ji min kêm bû…

    Ku li dij Xwedêyan şoreşê dadim…

    زوبعة

    عندما يحل الشتاء

    أمطر حتى تكون القطرة الأخيرة في غيومك. 

    كن أكثر من نحلة 

    عندما يحل الربيع 

    لا تجعل عسلك محروماً من أية زهرة. 

    وعندما يتفصد الصيف في جسدك عرقاً 

    لا تكن 

    غير شجرة فاكهة منحنية تحت  ثقل ثمارها 

    أما فيما  تبقى من عمرك 

    بإمكانك أن تجلس

    أمام نافذة

    أو على شرفة

    أو  في بستانٍ.. 

    و تحدِّق بهدوء

    في الطيور المهاجرة

    و الأوراق المتساقطة

    و الزوابع التي تكبر وتتسع  في داخلك.

    Bablîsok

    Ger bû zivistan

    Bibar ta dilopa dawiyê di ewrên xwe de…

    Ji hingekê  bêtir be…

    Ger buhar hat

    Hinguvê xwe ji ti kulîlkan sêwî nehêle….

    Ji bilî dareke meyweyê ku kolbûye di bin berê xwe de,

     nebe tiştekî din,

     Ku havînê di gewdeyê te de xwîdan da…

    Di temenê xwe yê mayî de 

    Tu dikarî 

    li ber pencereyekê

    li ser Balkonkê

    yan li nav baxçeyekî  rûnî û bi aramî temaşe kî;

    Qelfên ferendeyên ku dikoçin  

    û pelên diweşin 

    û bablîskên di hinava te de hewş vedidin. ….

    ومضات / Çirûsk

    مشيت حافياً

    …..

    زوج الأحذية التي وهبتني إياه الحياة

    لم يناسب قدماي.

    Ez pêxas meşiyam..

    ……

    Cotê Pêlavan ku jiyanê dan min, 

    li lingê min nehatin…..

    كل وجودي كان

    متكأً على الفراغ

    كان الفراغ

    أنتِ بذاته.

    Heyneya min,

    Xwe spartibû valahiyê 

    Valahî,                       

    tu bi xwe bû….

    على أصابع العاصفةِ

    تنفض الفراشة

    الغبار عن أجنحتها.

    Pêmpilûk,

    li ser tiliya bahozê….

    Ji baskên xwe dawdişîne tozê…

    قوافل الهواء

    التي كانت تمشط الأوطان

    مرت بجانبي أيضاً

    ولكني

    اختبأت وقتها في الظلال.

    Kerwanên  bayî 

    Ku Welat dişehandin 

    di ber min re jî derbasbûn. …

    min xwe di taldeyan de veşart……

    غربة / Biyanî    

    رغم أن أيام الاسبوع أقل من أصابع يدي

    إلا أنني أخطأ عد أيامي

    Li vir, 

    tevî rojên heftê ji tiliyên destên min kêmtirin. 

    Ez şaş dikim jimartina rojên xwe!! 

    هنا

    القلب يلهث في صدري

    ككلبٍ سلوقي

    لم يلحق طريدته..

    Li vir, 

    dil

    mîna tajiyekî

    negihiştî nêçîrê, 

    di sîngê min de

    dike hilekiş

    هنا

    الأغاني الكردية

    أكثر حزناً…

    Li vir,

    stranên kurdî

    bêtir xemgîn in

    هنا

    بقدر ما هي الشوارع عريضة

    الأحذية ضيقة على قدمي

    Li vir,

    qasî

    Kolan fereh in

    Ewqas

    Pêlavên min teng in…

    أنا الضفة التي ضيعت نهرها

    Qeraxa  ku çemê xwe wendakirî ……ez im!!

    أنا أيضاً كنت مثل هذه الغابة

    ممتلئاً بالأشجار و الثمار

    ترى من حطبني؟

    Ez jî wek vê daristanê,

    bidar û ber bûm…

    Gelo, 

    Kê ez êzingandim!!!

    في عفرين

    الجبال حزينة جداً

    ولكنها لا ترمي نفسها في الوديان

    كما يفعل بعض البشر 

    رغم كثرة الوديان السحيقة هناك…

    Li Efrînê,

    çiya pir xemgîn in, 

    lê xwe di geliyan wernakin…

    – Wek hin mirov dikin-

    Tevî newalên kûr jî li wir pir in…

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    قصائد كردية مترجمة، من قصائد الشاعر الكردي: حسن محمد

    الترجمة إلى العربية: ماجد ع  محمد

    بطاقة تعريف بالشاعر:

     حسن محمد، مواليد ١٩٦٩ بلدة شيخ الحديد التابعة لمنطقة عفرين، درس في مدارس وثانويات عفرين وحلب، والتحق بكلية الطب البشري عام ١٩٨٧ بمدينة حلب، يعيش الآن في مدينة برلين الألمانية، ممارساً مهنته كطبيب أذن أنف حنجرة، ويكتب الشعر منذ التسعينات باللغة الكردية، وأصدر مؤخراً مجموعته الشعرية الوحيدة بعنوان: “بتفاحة مقضومة في صدري”.

  • شئٌ ما يُدعى الطفولة – يارا الشمري

    شئٌ ما يُدعى الطفولة – يارا الشمري

    ما لم يمكننا مجاوزته ولا مجاورته،

    ولا مآلفته ولا مآنسته، 

    ما أطلنا الوقوف على أطلاله 

    وأتلفنا أوراقه وأزهاره. 

    ما قطّعنا الأيادي لحسن أوصافه. 

    ما بكينا ملء المحاجر على فراقه. 

    ما تَرَكنا في العراء نرتجف، 

    ومن آوانا بعد طول ضلالنا. 

    من خِفنا حبه ومحبته وقربه وتقربه، 

    من خشينا طبعه أن يكون تطبعه. 

    من أفقنا على فاجعة فراقه، 

    من نمنا على همّ بقاءه، 

    من أبكانا حين داوانا. 

    من أيقن أننا وحيدون تائهون حيارى، 

    وتلقفنا صغارًا لا حول لنا ولا قوة، 

    ثم كسرنا بعد الجبرة ونفانا بعد الألفة. 

    من لم نقدر على مجاراته، 

    ولا مجاورته، ولا -بعد عشرين عاما- من مجاوزته. 

    ذلك الوحش الرهيب أسفل المخدات والأسرّة، 

    ذلك المغص المرعب، 

    الحِمل القاتل في السريرة. 

    ذلك الخوف الرهيب من الذهاب للمدرسة، 

    ذاك الظلام المتشكل على هيئة قطة مفترسة، 

    كلها لا تزال تلاحقني، 

    وأحيانا تسامرني، أو تغلبني، 

    كلها تصمني بالتعاسة، 

    كلها تدعى طفولة. 

  • داخل الجدار – ندى أبولو

    داخل الجدار – ندى أبولو

    كلُّ الأبواب شبابيك

    وكلُّ الشبابيك جدران

    وكلُّ جدارٍ يؤدي إلى نفسه

    مرات عديدة

    أتربَّع داخل الجدار

    يتكرر الجدار داخلي

    أحرق سيجارة في رئتيّ

    أُطفئها في كفي اليسرى

    فيعبر أثرها جسدي بازغاً في روحي

    كبقعةِ حبرٍ أزرق

    تركتُه يدٌ يتمدّد بحريَّةٍ وحيرةٍ تُفكّر في نهايةٍ ما

    يتكرّر الجدار داخلي

    وأكرر خيالاتي الراكضة في حقول الذرة البعيدة

    ينتشر الأصفر فيّ فأضيء

    يحاصرني كسؤالٍ عابث فأضيع في حدوده

    أرتفع وأهوي

    تسقط روحي في الحقل فيسحقها حذاءُ مُستأجَرٍ بائس

    يتكرر الجدار داخلي

    وتركض خيالاتي فيّ فألهث

    ثمة قصيدة تقاوم في رأسي

    تتفتح وتنغلق بتوالٍ بطيء مؤلم

    تنطح الجدار بحوافها الحادَّة فتنكسر

    وعبر ثقب وُجد صدفةً وخطأ

    تلسعها الشمس مرة ويتسرب الماء إليها غير مرة

    هل تحترق أم تسيل؟

    يتكرر الجدار داخلي

    أمتطي ظهره وأجري في تكراره

    أعيد الدخول فيه وأعيد الخروج

    أعيدني وأعيده

    أجري من تحتي، من فوقي، من جانبيّ

    أجري من خلالي، مني وإلي

    ولا أصل إلى شيء

    أسقط في الجدار محملقة في ورطة علوقنا

    وكلّما نقضته أقام نفسه

    أعادها وأعادني

    دون فكرة واضحة للخلاص.

    *نص: ندى أبولو

  • الطريقُ الذي نعرفه – سمية الزهراني

    الطريقُ الذي نعرفه – سمية الزهراني

     أبدأ هذا بأصابع دبقة مسحت بها أنفي الذي لا تنفك سوائله عن الانهمار عوضًا عن الدموع، إنها تقاومني مثلما أقاومها. 

    أنا لا أبكي، مهما شعرت برغبة في البكاء ، أخرج لأمشي في دوائر ، أدور مثل فأرٍ لايعرف طريقًا غير العجلة.

     بسروالي الرياضي والتيشيرت الرخيص، أرمق (وزغة) فوق الجدار في وضعٍ غريب، طقس من التمدد والتقلص مقرف ومثير للاهتمام. 

    ألتهي حين يقول المغني  ” I know that you got daddy issues “

    كل شيء يبدو فوضوياً وخاطئاً، يشعرني بالسخط، وحين أحاول أن أعدد ما أكون شاكرة من أجله لا أستطيع حتى أن أبدأ دون أن يباغتني احساس مُر يذكرني بكم الأشياء التي أملكها ولا يملكها أقراني، جيراني، بلدان المجاعات. 

    وأنتبه للمغني يردد:  “go ahead and cry little girl “ لكن لا دموع بعد.

    أغيّر الأغنية علّني أتمكن من أن أرتب الفظاعة التي كتبتها. المثير للدهشة حقًا أن ماقالته الأغنية الجديدة كان “it’s too late” هذا حقيقي أنا لا أختلقه ! حتى أنني استغرقت عدة ثوانٍ لأتذكر المفردة أختلق، وابتسمت؛ لأن كل شيء يغدو ليبدو مرتبطاً بنا إذا أردناه أن يكون .

    أكمل الطريق أسفل قمرٍ ينشر ضوءاً رماديًا يسمح للظل أن يتشكل من تحتي، ظل قزم وحيد يتمشى معي في الظلام، وأتساءل إذا ما كان يتمنى أن يتركني و يتلاشى.

    و هنا استمتعت بالتخيل بأن الظل كائنٌ يعيش داخلنا ، و يكبر كلما اشتدت أفكارنا سواداً ، يتعاظم وينسى تقزمه.

    يمر الوقت وأنا ألوك الفكرة نفسها ، السؤال نفسه ، لماذا يبدو كل شيء فوضوياً وخاطئاً؟ 

    أبحث عن الأجوبة داخل الدوائر ، تدور حياتي مثلما أدور ، ولا نعرف طريقًا غيره.

    سميه الزهراني 

     Twitter @_umya