المدونة

  • صوتُ شِيلا شاندرا – كاظم عليّ – ترجمة: هاجر سيد

    صوتُ شِيلا شاندرا – كاظم عليّ – ترجمة: هاجر سيد

    صوت شيلا شاندرا، تختتم أحدث مجموعة قصائد الكاتب كاظم علي المقيم في الولايات المتحدة السؤال التالي:” هل تتذكر؟/أي سؤال/ يحتاج للإجابة” في كتاب ذي شكل مفتوح من خلال استجواب دقيق ومستمر، حيث العلاقة بين المستمع والمؤدي تتجاوز الثنائية الثابتة. السؤال الأخير يعمل كوسواس لفظي: من هو المتلقي المقصود؟ في صوت شيلا شاندرا، على القارئ ان يمشط الاسئلة والأجوبة المتقاطعة في النص، والتي تشبه ثلاث قصائد موسعة وأربع فترات تشبه التراتيل.

    علي مُستهلك بمؤثراته الصوتية، لدرجة أن أفعاله الموثقة في الإنصات تولد أداء مميز على الصفحة. هذه القصائد هي وسيط إنصاته، لتجسيد فنائه ” أن تُنصت، أن تجعلها حقيقة”.

    يشير علي إلى المخلوقات التي ذكرها في شعره-كوري مينافي، شيلا شاندرا، أورفيوس”- لتسمية بعضها- بطريقة تجعل صوته الشعريّ مضطربًا، عُرضه للعدوى الغنائية من كل ابتهال. كل قصيدة من القصائد الثلاث في صوت شيلا شاندرا تتكيف مع شكل من أشكال التعبير عن رنين موسيقي محدد. فالخطوط والمقاطع تتجزأ وتتقطر عبر امتداد الكتاب لتفسح مجالًا لكل صوتٍ ابتهالي.

    في قصيدة هيسبرين لديفيد بيرغر،

    يُصيب صوت الزجاج الملون المكسور الصفحة، الموسيقى التي تحوّل الأوتار إلى صوت عالٍ “(تحطمت ألواح نافذة الزجاج الملون التي تصور عمالًا مستعبدين يحملون القطن بطول الطريق)”. في صوت شيلا شاندرا، يتضافر الشكل الشعري في الغنائية، ويعكس تأثير صوت شاندرا المنوِّم” من يستطيع في مقاطع مثل شيلا شاندرا أن يشكو منا؟” وأخيرا في “الفسفور” يبحث علي عن ” القصيدة غير المنطوقة”، ” المقاطع الحقيقية التي غناها أور فيوس إلى الموتى” في حركة تُشبه النقش:

    لها

    الضجيج

    الصوت العالي

    زمن الوفاة

    يَظهر

    ثُلاثيّ الأبعاد

    بينما يتحرك علي برشاقته عبر الصفحات، نصادف صوته بدون وساطة- مع حلم يقظةٍ سمعيٌّ بالكامل- في نشيد كقصائد فاصلة تقطع الفراغ بين مينافي، شيلا شاندرا وأورفيس. هذه القصائد تكشف عمق مشروع عليّ:

    لا أحتمل أن أكون

    وحيدًا في رفع يد المطاردة

    لأتردد عن الصوت المتناثر

    كمن تُقبَضُ يده.

    هنا نرى وحدة عَلىّ، مطاردة تسترعى الغناء. في القصيدة الغنائية لشيلا شاندرا، الطيف يتقطّر: “لم أكن أريد أن أكون وحيدًا”. ربما الأصوات التي يحركها عليّ مع –كوري مينافي، شيلا شاندرا، أورفيوس: تشحن قدرة الشعر على “البحث بعمق”. ربما من خلال هذا العمق أن يجد الشاعر الراحة في صمت إغلاق الكتاب. وربما يكون نهاية الكتاب هو موضع تذكيره، موضع يُفتح للقارئ، يزيد تعقيد العلاقة بين المستمع والمؤدي.

    “هل تتذكر-أي سؤال-يحتاج إلى إجابة؟”، كتب

    بينما كوري مينافي يكسر الزجاج الملون في الصفحات القليلة الأولى من صوت شيلا شاندرا، ”قصيدة هسبرين” تتكشف في كولاج مجزأ.

    يستمع علي لـ مينافي وهو يكسر الزجاج الملون العنصري في كافتيريا جامعة ييل. حيث المقاطع ذاتها سلسة من الشظايا:

    ما فعله كوري مينافي

    صعد أعلى المنضدة في قاعة الطعام

    ممسكًا مقبض مكنسته الطويل

    وغنَّى في تفتُتٍ وتقطيعٍ للإله

    ”الطريق الذي عرفته،

    هو التشوّش

    الطريق الذي صُنِعَ

    من كل منعطفاتك الخاطئة“

    هندسة بناء النصَّ تُعجز الرياضيات

    وأنّ هناك مفاهيم جبّارة،

    في هندسته المعمارية لكل حرف، تجعل الصوت ممكنًا.

    عليّ يسمع أن الغناء يتكسر، يدعي أن موقع الكسور هو ” إنهاك مينافي تحت الرأسمالية العرقية” كإشارة للأغنية. يكتب: ما من صوت يكسر دائرة الفعل وردّ الفعل”. يبدو أن هذا السؤال، الذي وضعت دائرة حوله مرة تلو الأخرى بعد تلك الدعوة الأخيرة “هل تتذكر- أي سؤال، يحتاج إلى إجابة؟ “يجيب على نفسه في صوت شيلا شاندرا. إن الصوت الذي يكسر دائرة الفعل ورد الفعل هو الصوت الذي يدعم مشروع عليّ حيث تجاوز “ضرب الرصاص عبر الجسم” وتجاوز العمل الجاحد، والسعي إلى موقع أكثر قداسة في مرحلة ما بعد الرأسمالية.

    على نفس صفحة أغنية الكسر لكوري مينافي، يكتب عليّ: لكل قارئي القرءان يقول الله لو شاء لجعلكم شعبا واحدًا” بدلًا من أداء التوحيد التجانسي، يكتب علي من صوت يحدد مركزه مع الأخرين. يؤدي صوته هذه الحركة نحو الوحدانية “الممارسة” من نقاط الكسر التي تنبثق من المساحة بين الشظايا. في ختام “هسبرين لديفيد بيرغر”، أول قصيدة واسعة في الكتاب، كتب: هل يمكننا الغناء على الضجيج؟ هل يمكننا التحرك دون كسر؟ وأن “نحن” هذه تتسع وتغطي كل شخص اسمه في الصفحات. “نحن” هذه تغطي القارئ وتستهويني أكثر.

    في قصيدة ” لا أعرف اسمًا” أيضًا نرى صدى عليّ السمعيّ في العزف. القصيدة الشبيهة بالتراتيل مبللة بالاعتذار. تتردد اصوات الوحدة والقصد على السواء “من سيُمسك بيده؟” “مَن أنت؟” سطور مثل ” لا احتمل عدم مساعدة في الصيد” من خلال تكرار تكاثرها بشكلٍ خاص. بعد “هيسبرين لديفيد بيرغر”، بعد ” لا أعرف اسمًا”، شيلا شاندرا تأتي مثل بلسم ” إنها تساعد في الصيد”.

    شيلا شاندرا الشخصية المركزية في الكتاب، هي مغنية بريطانية هندية معروفة بصوتها الناعم، واحدة من اغانيها الأكثر شهرة، “وحيدًا أكثر من أي وقت مضى” صدرت عام 1982 من قبل مونسون، وهي ثلاثية بوب ظلت جزءا منها لسنوات قبل أن تبدأ مهنة منفردة. خسارتها الوحيدة تؤكد من جديد في مشفرة عليّ ” البحث بعمق” في 2010. في ذروة حياتها المهنية أصيبت بمتلازمة حروق الفم. فكرة صوت شيلا شاندرا تربط مشروع عليّ معًا. شاندرا، مثل ديفيد بيرغر، كلاهما يدخلان شعر علي في تمزقٍ:

    الاستراحات ثابتة

    كضوء النهر على النهر

    ممزقة، ظلّت صدعًا

    كأنها غديرٌ قديم

    اندمجت مع تذبذب إيقاعِ الطبل

    رحمٌ كالمنزل

    يئن في الأرض المظلمة الخصبة

    تأتي شيلا

    امرأةُ المحيطِ، امرأةُ القصيدة،

    تطوف إلى القبر الرغوي

    الشاذَرْوان الأصلي الذي غذى أمي زمزم،

    عندما ولدتُ أنا.

    السجع عميق هنا كما هو في ” لا أعرف اسمًا” فإن فيضًا من صور المياه يتحرك وكأنه يملأ الكسور التي خلفها “هسبرين”. نهر فوق الصدع، صوتٌ أموميّ، رحمٌ منزليّ، تألمت في طينها، صدى الولادة يؤدي إلى سيرة ذاتية “أم شاعرة تُطعم من شاذروان”. هذا نوع من التحول من خلال صوت شيلا شاندرا ” إنه يعيد تشكيل الرجولة كشكل من أشكال النسيج الأنثوي لصوتٍ ينكسر”.

    صوت شيلا شاندرا، يضع عليّ نفسه خارج نطاق الموسيقى واللغة، قريبًا من صوت الأنثى المحطم:

    لا أعرف عن الموسيقى الكثير

    أعرف ما يكفي لأوضح نفسي

    بأي شيء، بالهندية اللاتينية

    وأصوات شيلا المفتوحة تخبر القمر والليل والبحر” آوه“.

    هنا، مرة اخرى، هذا الصوت “آوه” يتردد، آوه تلك، إخلاصٌ مقطّر. وبهذه الصلاة، يستكشف علي العلاقة بين “الفرنسية لفظًا وموتًا”. إذا كانت شيلا تغني بدون كلمات كما يكتب عليّ سأبدأ في تجربة تراتيل عليّ مثل المقاطع الغنية بحروف العلّة- كحركة نحو شيء ما قبل اللغة، شيء اقرب إلي الولادة والموت. تدريجيًا تروي القصيدة بعضًا من تجارب عليّ الحيّة من القذارة والجنس وركوب القوارب المتعرجة نحو مرسيليا.

    في كتابٍ يحتوي على إشارات دينية متكررة، هل تعرف ما هو جسدك؟ هل تعرف ما هو الإله؟” شيلا شاندرا تقود عليّ للاقتراب من الإله. مع الحروف المتحركة كقوة تحديد الموقع بالصدى، إمساك عليّ ليس ” في متناول اليد” ولكن في “الصوت”. “البحر آوه” يتردد. “البحر آه” يفتح المجال لسردية شخصية:

    صوت شيلا دائمًا في الخلفية

    دائمًا تختفي داخل الموسيقى.

    تحيطها بالطريقة التي يخسر بها المرء نفسه

    في الجنس أو الموت أو لحظة تغوط..

    ينتهي المقطع بتساؤل عليّ “هل ستأتي عائلتي جنازتي؟” البحر يصبح منخلًا للذاكرة الشخصية. صوت شيلا شاندرا يَنقل عليّ إلى هذه الذكريات، أتخيل صوت شيلا بين الأمواج، أتخيل صوت شيلا في حنجرة كاظم عليّ “ساعة وأكثر تُسحب المجاديف، الزورق يدق صعودًا وهبوطًا، و أنا أغني آياتً لإنقاذنا”. في حين اننا لا نستطيع ادراك اغنية عليّ، عدا المقطعين المتبقيين يتجاوزان السرد إلى السجل الديني الذي يسبق اللغة. “البحر اوه” يعيدنا إلى “اوه كيف حال شاندرا؟ إنها الصوت الذي يتضخم.” ضد دائرة الفعل ورد الفعل يصل عليّ بحركة مسيحية الولادة والموت. “اوه” تغذّي شكل كلمات الشعر وحركة سرد الشاعر نحو “الحقيقيّ”.

    محفزًا من قبل “تاجاك سوترا” وهي “المرء عليه أن يعرف”، آخر قصيدة فضفاضة لصوت شيلا شاندرا هي أيضًا الأكثر شخصية. نقابل الشاعر مرة أخرى مع القصة التي تركها وراءه في “صوت شيلا شاندرا” ويتأمل في الخسارة: ” اربعون يوما مروا وما أنا عليه الآن، حساب الخسائر القديمة يعتمد على آرشيف الجسد” “أرشيف مكتظ بالسكان. ومع ذلك، في فضاءٍ شعريّ مليء بشخصيات مثل “الحبيب المفقود منذ فترة طويلة”، “والعائلة التي خلفتها ورائي”، بدلًا من ذلك عليّ ينظر إلى البحر.

    كتب: احمليني إلى الشاطئ الفرنسي حيث صديقتي آليانا

    خذيني في زورق إلى البحر

    إلى الرجل الذي ظننت أنني سأكونه عندما آتي هنا

    من أجل التغيير من أجل الدمار،

    الذي يشق طريقه إلى منزلي،

    إلى الرجل الذي لا يعرف أيهما صحيح وأيهما كذبة

    يريد أن ينظر خلفه إلى ما هو ميت.

    ماذا يعني أن ننظر خلفنا؟ عند هذه النقطة، تنكسر القصيدة. تقسم النجمة المسافة وتؤدي إلى صورا رمزية كتعريف للكلمات. هذه التعريفات نوعًا مختلفًا من الاهتمام – كما لو كان القارئ مكلفًا بتعلّم لغة جديدة، والاستماع إلى شيء ما قبل اللغة وفهم الصوت. مع إنتقال “الفسفور” من السرد إلى الرموز ورجوعًا مرة آخري، ينبثق القوام النهائي (أورفيوس)، رمز التيارات العاطفية في شعر عليّ، اللفظ والموت. تتلاقى الأغاني والخسارة، أورفيوس مشدوه في الآسي بعد وفاة يوريديكا، توسل عبر الأغنية لإنقاذ حبه. أغنيته أجبرت حتى هاديس- أورفيس على المشي مع يوريديكا للخروج من العالم السفلي، مع يوريديكا في الخلف، طالما أورفيس لم ينظر الي الوراء. بعد ما يقرب من صفحتين من الحركة الشبيهة بالنقش، عليّ يعود لكسر المقطوعة الشعرية:

    ليجعل الموتى يتجمدون، ويتنهّدون..

    أتخيله مُلقى على وجهه في التراب

    ذراعاه ممددتان للأعلى،

    يُغني الآيات في الأرض.

    بعد هذه الأسطر، يتخيلون ان الآية تٌغنى حرفيًا، أدرج عليّ كلمات أغاني أورفيس المتخيلة في النص. الكلمات التي تم تحديدها بالعلامات النجمية والخط المائل، تأتي في ذروة استماع عليّ إلى كوري منافي وإلى شيلا شاندرا. هنا، الشاعر يقدم نفسه كـ أورفيوس، يستهلكه الموت والشك. بدون أي أغنية لسماعها- بدون معرفة ما أقنع أورفيس هاديس به، جنى عليّ الحرية لتقديم نفسه كمغني. أغنيته المتخيّلة، التي غناها بجسده المغمور في القذارة، سمحت له بامتلاك أورفيوس. علامة فارقة بين الجمهور والمؤدي يصل إلى نقطة هشّة:

    سواء الموت أو الشك

    كرّس نفسك

    أسفل

    رائحة

    الأرض

    ولا تخف

    مما يمكن أن يحملك.

    هل (عليّ) يتحدث إلى نفسه من خلال (أورفيوس)؟ بدون إجابة تنتهي الأغنية- “لن يعرف، لن يعرف”- أجد الحاجة في سماعي للإلحاح المتزايد للصفحة. مثل الآية، هذه القصيدة الغنائية تُحلّق. متضمنة كل وجهة نظر ممكنة، هذه القصيدة الغنائية تدور حولي. من سيُستدعى؟ من سيتكلم؟ في نهاية الأغنية، حذّر الشاعر من أنه لم يرتكب اسوأ أخطائه، “فسفوريّ” تنكسر إلى شعر. “أنا لا أعرف ما أنا، أنظر هنا وأنظر للوراء”، يكتب. يجسد أورفيوس بالكامل.

    فلماذا هذه النقوش؟ وبينما ينهمرون من وراء “النظر إلى الوراء” يُضربون كأشباح، أجزاء من أغنية أورفيوس الأصلية. وبينما تنهمر النقوش هذه ” أسمع صرخات جهنمية من النظر إلى الوراء وأصوات الخسارة. عاد الشاعر إلى سؤاله: ” ما يجب أن أعرفه يجب أنَّ، كانت المقاطع الفعلية التي غناها أورفيس”. ” مع تكرار التأتأة تنقطع اللغة عند الحاجة.”

    بعد صفحات من النقوش، من الواضح أن الشاعر لا يزال حائرًا وغير مدرك اللغة، مجرد إيماءة، هي الشكل القابل للخطأ للصوت المُترجم. تبقى أغنية أورفيوس، مثل صوت شيلا شاندرا المحمَّل بحرف علّة، مثل صوت شيلا شاندرا، أقرب إلى الولادة والموت. يضع كاظم عليّ صوت شيلا شاندرا بالقرب من الصوت والآخرين، أقرب ما يُمكن من اللغة، في حين ما يميّز الألم التبجيليّ المتواصل “المبادىء”، “انماطها قبل وبعد اللغة، العدم الذي يربط بطريقة ما بنا جميعًا.

  • وعدوتُ حتَّى العَدم – سهراب سبهري – ترجمة: غسَّان حمدان

    وعدوتُ حتَّى العَدم – سهراب سبهري – ترجمة: غسَّان حمدان

    وكسرتُ، وعدوتُ، وسقطتُ

    فتحتُ الأبوابَ على أصدائكِ
    وألقيتُ كُلَّ قِطعةٍ من نَظراتي في مكانٍ ما؛ ومَلأتُ الوجودَ من النظرة.
    ورأيتُ على حافَّة المُستنقعِ ضحكتكِ المُمزَّقة على الماء آسن
    فقمتُ للصلاة
    كانت ذِكراك مخفيَّة في جِذر شوكة، فاقتلعتُها وألقيتُها على العالم
    عزفتُ على سلكِ الأشجار أغنيَّة النمو من النفس
    والتوسُّع إلى النفس
    وحَفرتُ لليل المناجاة المُطلق؛ ونثرتُ حبَّة السرِّ.
    وكسرتُ قرط الخِداع.
    وعدوتُ حتَّى العدم؛ وعدوتُ حتَّى وجه الموت، وحتَّى لُبّ الوعي.
    وسقطتُ على صخرة الألم. وتبللت أصابعي من نَدى لقائكِ
    فانتابتني الرَّعشة.
    كان نسيمٌ يذهبُ من سَفحِ جبل ما، فذهبتُ خطوةً برفقتهِ
    وفي قاع العتمةِ رأيتُ قطعةً من الشمسِ فأكلتُها
    فغبتُ عن الوعي، وكنتُ طليقاً.



    حتَّى وردة العدم

    كُنَّا نمشي، وكم كانت الأشجارُ سامقةً، ويا لهُ من مَشهدٍ أسود!
    كان طريقاً منَّا حتَّى وردة العَدم
    الموتُ في الهِضاب، والسَّحابُ على قمَّة الجبل
    والطيورُ على حافَّة الحياة.
    وكُنَّا نُغني: (من دونك كنتُ باباً على الخارج،
    ونظرةً على الضفَّة، وصوتاً إلى الصحراء.)

    كُنَّا نمشي، والتُرابُ يهابنا، وينهمرُ الزمانُ على رؤوسِنا
    ضحكتُ: استيقظتْ الورطةُ؛ فنثروا الصوتَ خِفيةً
    كُنَّا صامتيْنِ، وكانتا لصحراءُ قَلِقةً
    والأفُق حبلٌ من النَظَر
    جَلسنا؛ وكانت عينُكِ مُفعَمة بالبُعد
    ويَدي مُتخَمة بالوحدة؛ والأراضي ملأى بالنوم.
    نُمنا. فقالوا:
    تَقطُفُ يدٌ ما الوردَ في النومِ.



    ترجمة: غسَّان حمدان

  • أطراف النَّهار – أمجد ناصر

    أطراف النَّهار – أمجد ناصر

                    
    (إلى جميل حتمل)

    I

    لأنَّني ما نجوتُ من أملٍ حتى وقعتُ في غيره وما بشَّ لي قناعٌ إلاّ واتّخذتُه نجيَّاً، فقد مِتُّ لا كما يموتُ الماشي مرَحَاً بين أقرانه اليقظين
     ولكن كمَنْ ماتَ كثيراً، فلما جاءَ الموتُ ضاحكاً تحت قنزعتهِ الخضراءِ وأسبل عينيَّ على شعاع الوداع الطفيف لم أصَدِّقهُ فقد كنتُ أظنُ الموتَ جَلجلةً،

    “صرخةً عظيمةً تودعُ كلَّ ما استسلمنا إليه فاغتنى وهجرنا”
     لا مجردَ غفوةٍ في سريرٍ قاحلٍ،
    سريرٍ وحيدٍ
    في عَراء البياض.

    هناك من يموتُ يأساً وأنا مِتُّ لأنَّ الأملَ
     ظلَّ يحجلُ حولي فالأملُ، صيّادُ النفوسِ الضعيفةِ،
    يأخذكَ إلى أصلِ الماءِ ويعيدُكَ ظمآنَ،
    يلعبُ بك لَعِبة البيضةِ والحَجر.

    لم أكنْ أعرفُ
    أنَّ الأملَ
    أزهقَ أرواحاً
    بهذهِ الكثرة.

    متُّ كثيراً وظللْت أُجَرْجِرُ نفسي تحتَ طائلةِ الوعودِ
    فكلُّ من يعرفُني يعلمُ كيف يغدو الموتُ حلماً
    تزيِّن له أشرسُ الليالي فراشَها
    تُبخِّرُ الشراشفَ
    تناديه بألطف أسمائه
    ولا يأتي.
    ليس الموتُ سهلاً حتى نغويه بكأسٍ أو نرمي إليه
    قمراً بدَّدَ العُشَّاقُ تحت ضيائه ثروتَهم من الدموع
    فمن رأى يديه مثلي يعرفُ كم صعباً أن يعودَ
     الغائبُ إلى كفِّ أمه ليشرَب.
    فلا أحدَ يعودُ كما خرج
    وليس للماء ذاكرةٌ لتحفظَ أوجهَ الغائبين
    ولا أحدَ يموتُ وقتَ يشاء.

    لا تصدقوا المنتحرينَ الذين يَرمُون أنفسهم في الأنهار أو من فوق بنايات مأهولة بالنائمين
    شيءٌ آخرُ غيرُ طوالعِهم استلَّ شَعْرَتهُ من عجائنِ الليلِ
    وأرخى عليهم سُدوله.
    فعلتُ كلَّ ما يفعلونَ ولم يضع مَنْ يلهو بالساعات
    ويطعمُ العقاربَ سُكَّرَ الغَفلةِ شيئاً في يدي.
     ابتلعتُ مرةً مئةَ حَبةِ مُنوِّمٍ،
     أكلتُ حتى بشمتُ من عنب الأفعى،
    طرحتُ طولي كلَّه على سكةِ المترو
    وحزّه الهديرُ من الوريد إلى الوريد،
    سدَّدتُ قبضتي إلى قلبي المعلقِ بخيطٍ
    في فراغِ الجوفِ ورحتُ أشبُّ بكلِّ قواي؛
    لكنَّ شيئاً لم يسقطْ من الغصن المنحني على طرف النَّهار،
    الأوراقُ وحدُها اصْفرتْ وتحنَّطتْ في خريف الأملِ الطويل.


    II

    ولما تعبتُ من جَرْجَرةِ نَفْسي بيَنكم نمتُ
     فرأيتُ عابراً مائلاً يشُبهني يغذُ الخطى في أصيلٍ بطيء.
    حاولتُ أن أتبينَ وجهَهَ فلم أستطع
    فكلما فعلتُ جعلتُ أغوصُ في عهنٍ منفوش؛ سمعتُ همهماتٍ ووقعَ خطى تتراجعُ وغامتِ الدنيا
    في وجهي وراحتْ تطفىءُ مشاعلَ فوق قلاعٍ غامضة
    وترفعُ دلاءً من آبارٍ غاضت مياهُها؛
    أسمعُ صريرَ بكراتٍ
    وحبالاً تُسْحَبُ
    وطرطقةَ دلاءٍ فارغةٍ
    جلبةً
    خطى
    نداءاتٍ
    تتـ
    لا
    شى.

    يبدو أنّني متُّ وإلاّ كيفَ أرى من وراء جفنيَّ المخيطين
     ولا أحرّكُ ساكناً في جبل القطنِ الذي انزلقتُ إليه.
    فمي ناشفٌ تماماً وحلقي حِقُّ فلينٍ وما خلتُه صوتي
     كان صدًى يتردَّدُ في مجرى جافٍ
    فما حاجتي، على كلِّ حالٍ، للكلامِ في حِمى أبويَّ.

    حَسْبي أن أنفضَ يديَّ مما كرهتُ فأفسدَ دمي
    أو ممّا
    دببتُ
    على أربعٍ
    كُرمى له.

    أنا الآن بلا اسم أنادى به،
    تركتُه ينهضُ بعبء نفسه؛
    في برزخ الماء والتراب
    لا يسألُ الظلُّ
    عن أصله.

    فليضعْ من يلهو بالساعات ويربّي العقاربَ تحت بروجٍ مشيّدةٍ أكبرَ عقاربِه في جفنةِ العنبِ، فالرِّيحُ تجمَّدتْ في قصبة الناي والريشةُ التي ظلَّتْ تسقطُ من طائر الأجلِ وصلتْ،
     فشكراً لكم إذ أرسلتموني ببزتي المقلّمةِ وقميصي الليلكي
    إلى أبويَّ فقد كدتُ من فرط تأثري أن أشدَّ على أيديكم
     لولا أنني لا أعرفُ كيف تكونُ ملامسةُ أيدي الميّتين.

    III

    عارياً خرجتُ وبأفضلِ كسوةٍ عندي أعود.
    أمي الرَّهينةُ نوِلِها تنتظرُ
    فالأمهاتُ يحكْنَ انتظاراً لا مثيِل لأقطانه
    وأبي، لاعبُ الأكروباتِ الفاشلُ، يؤرْجحُ السرطانَ، برهبةٍ، على أمتن حباله الصوتية.
    أيامي نفدت في مدينةٍ يتناسلُ أهلُها
    في حاضناتِ البرقِ ويتغذونَ بالوشائع.

    جاء مرةً جابٍ
    ووجدَ عدَّادَ
    الكهرباءِ مفصولاً
    ولم يفهمْ
    كيف تنبضُ غرفتي
    بالفولتات!

    أحببتُ وخرجتُ من الجهة الأخرى بأكثرَ من ضلعٍ
     ناقصٍ، فالحبُّ ليس أقصرَ مخلباً من الأمل.

    اسألوا قلبي الذي تركتُه
    يصخبُ كعبدٍ تحرّرَ من زرد الليلِ
    على طريق التي كلّما مزَّقتُ
    من أجلها وريداً
    أحبَّتْ سواي أكثر.

    لم يبق حاجزُ “مترو” لم أقفز عنه
    ولا شارع إلاّ تَخزَّنَ في ذاكرةِ قدميَّ،
     كتبتُ قصصاً عن الحبِّ والجنونِ لم تعجبْ أصدقائي المُتَطلِّبين؟
    فلم أكن مهتماً بالصنيعِ بل بتصنيفِ مراتبِ الخديعة.

    ليس لديَّ ما أفعلُهُ هنا ولا في أي مكانٍ آخرَ
     لذلك أتركُ لكم كتبي وحرائقَ الحصادِ في اللوحات
     المعلقةِ على جدرانِ غرفتي والأيامَ الموعودةَ
    التي لم تأتِ فاعطوها لعابرٍ مائلٍ بين ليلتين بلا نجوم.

    الخريفُ فصلٌ مثالي لتوديع باريس.

    زهرُ النَّردِ يتساقطُ، بغزارةٍ، على مربعات الصّدفة.

    السائرونَ نياما يعودونَ إلى مضاجعهم.

    الجبابرةُ يتحَرَّرونَ من صريفِ أسنانهم.

    شَمسُ المصلِ تغمرُ مستشفى “كوشان”
     وفي الخارج أصدقاءٌ مجازيون يُدخّنونَ في ضجرٍ
     لا تخفيه وجوهُهُم المقطبةُ أو ينكثونَ الأرض برؤوسِ أقدامهم.

    هناك ذئابٌ لا تُرى بالعين المجرَّدة
    تُقعي صامتةً في العطفات والنواصي
     وهناك من يسمعُ ما لا تسمعون.
    غير
    أنَّ
    الحياةَ
    سَرْجَ الأملِ الرَّخوِ على ظهر حصانٍ جامحٍ
    تستمرىءُ وعودَها
    تأخذُ
    وتُعطي
    من غلّةِ الريح.


    (لندن ـ شتاء عام 1995م)

    (*) إشارة: يوظف هذا النص شذرات من ريلكه، دانتي، سفر أيوب.
    من ديوان: كلَّما رأى علامة.

  • الوصال في الأحلام – مارينا تسفيتاييفا – ترجمة: نوفل نيوف

    الوصال في الأحلام – مارينا تسفيتاييفا – ترجمة: نوفل نيوف

    للحظةٍ واحدةٍ ما يصنع البشرْ
    ويخمد الإعجابُ بالجديد
    لكنَّ ما، كالحبِّ، لا يزول
    هو الوِصال في الأحلام.

    يا ليت لي أن أطمئنَّ.. أن أنسى.. وأن أنامَ…
    أن أذوقَ طعمَ إغماض الجفونْ..
    في الحلم تكشف الأقدارُ عمَّا في غدٍ،
    يؤبِّد الوصال.

    كلُّ ما تَسعى إلى إخفائهِ
    أراه في صفاءِ قطعة الكرستال.
    وحَّدنا الحلمُ بسرٍّ
    دائمٍ إلى الأبد.

    لستُ أدعو: “فلتُجِرْنَا، يا إلهي من عذابٍ قادمٍ”
    بل دعائي: “أن يراني، يا إلهي، في المنامْ!”.

    مهما بدا علَيّ
    في اللقاء من شحوب-
    حزينةٌ، حزينةٌ هذي اللقاءاتُ!
    السرُّ واحدٌ،
    أمامَهُ ها نحنُ عاجزنَ:
    الوصالُ في الأحلام.

    (1910م)


    ترجمة: نوفل نيوف

  • عَظْمة أخرى لكلب القبيلة – سركون بولص

    عَظْمة أخرى لكلب القبيلة – سركون بولص

    فجوة الأزمنة المتاحة

    لا حدّ لهذا الهجران، أزاولهُ
    كأنه عادةٌ مُزمنة، أثقلَ من فيلٍ هَرمٍ يتربّع في
    مَرْجَةٍ محصودةٍ بلا عشبة، وفي فجوة الأزمنة المتاحة لي

     أطلُّ بنصف وجهي لأشهدَ أيامي المدفوعة وراء القضبان
     تتمرَّغ في طين الإمكان مثل عصفور يتمَرْغَلُ وسط بركةٍ ضحلة.

    وها هي ذاكرتي التي لم تُرد أن تصير كيساً تلقى فيه الآلهة
     فضلاتها المتبقيَّة من عشائها الأخير، تؤرّث نارَها.

    ها هي تخطيطات دماغي المهزوزة في آخر الليل
    على صفحات دفتر أسود تركتهُ خلسةً تحت باب المحكمة
     حيثُ ينتظرُ الشاهدُ القرويُّ في قصَّة كافكا أن يفتحوا له الباب.

    أجلجلُ هذه المفاتيح لا لأنني سجان، بل لأنني
    أنا من يفتح الأبواب، ولا يعرف كيف يُغلقها، وينام.





    أبي في حراسة الأيّام

    لم تكن العَظمة، ولا الغُراب
    كانَ أبي، في حراسة الأيام
    يشربُ فنجان شايه الأوّل قبل الفجر، يلفّ سيجارته الأولى
    بظفْر إبهامه المتشظّي كرأس ثُومة.

    تحت نور الفجر المتدفّق من النافذة، كانَ حذاؤهُ الضخم
    ينعسُ مثل سُلحفاة زنجيّة.
    كان يُدخّن، يُحدّقُ في الجدار
    ويعرفُ أنّ جدراناً أخرى بانتظاره عندما يتركُ البيت
    ويُقابلُ وحوشَ النهار، وأنيابَها الحادّة.

    لا العَظمة، تلك التي تسبحُ في حَساء أيّامه كإصبع القدَر
    لا، ولا الحمامة التي عادت إليه بأخبار الطوَفان.






    الجثَّة

    عذَّبوا الجثة حتى طَلَع الفجر مُنهكًا وقام الديك يحتجّ.
    غرسوا في لحمها السنانير. جَلدوها بأسلاك الكهرباء
    علَّقوها من المروحة.

    عندما تعب الجلَّادون أخيرًا
    واستراحوا، حرّكت الجثة إصبعَها الصغير
    فتحت عينيها الجريحتين
     وتمتمت شيئًا.

    هل كانت تطلب ماءً؟ هل كانت تريدُ خبزًا يا تُرى؟
    هل كانت تلعنهم أم تطالب بالمزيد؟

    ماذا كانت الجثّة تريد.


    يوم ينقصهُ اليَقين

    وجَعُ الأيامِ هذا، ما تبقَّى
    من علائم الطريق، أين تدلُّ، من الدليل..
    أتركُ الأخبار، زُبالة الأحداث، على صفحة الجريدة
    وأخرجُ إلى باحة البيت
    حيثُ زَرعت امرأتي أزهارها الرائعة:
    الأقحوان، النرجس، السوسن، عبّاد الشمس.

    أصابعها الخضراء ملأت فضاء الحديقة
    بأحلامها، والمعجزةُ هيَ هيَ:
    خريفٌ لعُشبهِ خضرتهُ السريَّة، خريفي الذي يسوقني
    كما يشاءُ الزمنُ المضمَرُ في حَتفي.

    عندما تكفُّ الريحُ عن بثّ شكواها
    وعزفِ مَراثيها المَوَّاءِ على أوتارِ السياجِ
    أبدأ مَشيتي المسائية بين الدروب المُشجَّرة خلفَ البيت:
    هذه الغابةُ الصغيرةُ حيثُ تشطأُ أزهارها أجهل أسماءَها
    وتزحفُ بزّاقاتٌ ذاهلةٌ على المماشي
    في أبدية بطئها، بعد المطر.

    وحينَ أرجعُ أدراجي بعد ساعة
    تكون قطعتْ مسافةً أقصرَ من خطوتي الواحِدة.
    أعرفُ هذا من إفرازاتها الفضيَّة المتعرِّجة
    في نُقاطٍ هندسيَّة التَقطُّرِ على حجارة الممشى.

    سماءٌ محشوةٌ رماداً، أشجارٌ
    أغصانُها مُثقلةٌ بأقماع الندى الموشكةِ دوماً
    على السقوط، أوراقها تحت حذائي
    سجّادةٌ رطبةٌ تنخَضُّ كإسفنجة.

    يومٌ للجهالةِ، لللاعُرفان
    لعُرفانِ أنني لا أعرفُ شيئاً، يومٌ ينقصهُ
    حتَّى ظلُّ اليقين، هذا اليومُ المسَمَّرُ في تقويمِ عُمري
    على شكلِ صليبٍ لم يُصلَب عليه أحد.



    من ديوان: عَظمة أخرى لكلب القبيلة

  • لصُّ الصَّيف – أمجد ناصر

    لصُّ الصَّيف – أمجد ناصر

    لن أظهرَ في غَدِهم غاسلي أصابعِ قدميكِ بماء النذور
    لكنَّهم سيمرونَ على أنفاسي يقظانةً في المَعابر
    أنا الذي أعطى الغرباءَ كلمةً ليفتحوا قلبَ الليل.
    لصُّ أعالي الصيفِ
    حيث تبذخُ حدائقُكِ
    وتَرمي ثمارَها في طريق الأعمى،
    الطالعُ
    خفيفاً إلى السهو،
    التاركُ خيطاً من القمحِ على أديمِ النوم.
    أنَّى لهم أن يُدركوا طُرُقي إلى المُعرَّى في الرِّيش،
    مزيَّحاً بدمِ الشَّفتين.

    ليتداولهمُ النَّهارُ ويصرف أعمارَهم
    بين محابر العهدِ وخزائن الأوسمة
    وليظهروا بأثمنَ ما لديهم في البلاطِ،
    ولكن
    لليلِ إذا انكشفتْ أطرافُهُ وبِنْتِ
    لصٌ يَحمي حدودَهُ بالنواجذ.

    لا أخَ لي بين الحرس ليَرمي عليَّ وشاحَهُ فأمرّ
    ولا أبَ في مجلس المتنفذينَ
    شفاعتي في الخفَّةِ
    ومعرفةِ أيَّانَ يطلقُ الذي يبزُّ الموت
    فهودَهُ بين الأشجار.

    الضعيفُ في مَكمَنِهِ
    معتصمٌ بأقوى ما فيه.

    فرحون بالسَّهرِ
    أولئكَ الذين ربيّتُهم أعداءً تحت ناظريَّ
    وترصَّدتُهم في الغفلاتِ
    فازوا بظاهر يدكِ
    وتركوا أثراً طفيفاً على الثياب،
    سُدًى يُطلقونَ كلابَ المخيِّلةِ لتحوشَ الطريدةَ
    وهم
    مكتفونَ
    بالهواء
    يقلِّبُهم
    في أسرَّةِ
    الليلةِ
    الواحدة.

    ليست العبرةُ في القطعةِ الأجمل بين ثيابكِ
    مرفوعةً على رؤوس الأشهادِ
    بلْ
    في
    الحربةِ
    عميقاً
    تغرسُ
    نواةَ
    الألمِ.

    تتركينَ النادرَ
    لمعةَ الساقِ وذكرى مرورِ
    القدمِ عاريةً على الدرجِ،
    دونما قصدٍ سوى المجازِ الصرفِ
    يكشفُ نورُ الكاحلِ صُعُداً
    نعمةَ النَّظرِ إلى الهيكلِ

    فأرى
    ذهباً
    محروساً
    بوحش.

    إنَّهُ ليلي لأبلونَّهُ بالسهر وحيداً بين جلبةِ المسافرينَ
    وحَيرتي لأفحصنَّ معدنها في مهاوي القنّب.

    بياضُكِ نَدمي
    يتلكَّأُ عند متاع اللبوةِ
    له أرخيتُ حبلَ جهالتي على الغاربِ
    وغنَّيتُ، أنا المولود تحت منجلِ الحصادِ،
    غناءَ الغريبِ بين رَطانةِ المُبشَّرينَ بالسُّؤدُد،
    ولجتُ الغيابةَ من رِدائكِ قُدَّ من دُبُرٍ
    وكان دليليَ الألمُ الذي يبوحُ
    بأسرارهِ لمدوِّني الأمثال.

    جَنَّتي
    ملءُ
    عين
    الناظرِ
    إلى الزوال.

    خذي يَدي لتَصِلي
    وتبلغي ما بلغتُ
    فقد ملتُ على النَّبعِ
    ولمَّا ارتشفتُ
    رميتُ مفاتيحي.

    قبَّلتُ شيئاً بليلاً في الظلِّ
    وشممتُ فوحَ طفولتي بين الأكباش.
    خذي يدي واجلسي لنغيبَ
    فالسُّدى عيدُنا

    لا لنا
    ولا علينا
    بعد رجعتهم إلى تمامهم ناقصينَ
    سوى
    أثرِ العابرينَ
    بين الخَشخاش.




    (لندن – صيف 1991م)
    *نص: أمجد ناصر
    من ديوان: سُرَّ من رآكِ

  • نهارات – بسام حجار

    نهارات – بسام حجار


    -1-
    لفرطِ ما أحذفُ النهاراتِ لم يبقَ مني إلا كائنُ الأرق، شبيهي، الذي يحسبُ أنَّ الوقت يمضي إذا مَشيتُهُ مراراً من البابِ إلى النافذة، من النافذة إلى النافذة، ولا أُدركُ جَدواه. لفرطِ ما أحاولُ نسيان الوقتِ أقعُ في خطأ الانتظار، وأعلمُ أنَّ من هو مثلي لا ينتظرُ شيئاً ولا يرغبُ في شيء، لأنَّ الأشياء قاطبةً تُقيمُ في نهارات أحذِفُها لكَي لا يبقى مني إلا رميمُ الأرقِ، شبيهي، الذي ما عرفتُ سواه.
    هذا نهارٌ.
    وتلكَ مشاغلهُ.
    أدَعهُ لابنتي لكي تفرحَ به. لجاري الذي يُشغلهُ بضحكتهِ الصباحية وبمئة وعشرين كيلوغراماً من الرضا والعافية والسعادة الغامرة، وبمئةٍ وتسعين سنتيمتراً من التفاؤل والإدراك والتعقّل.

    هذا نهارٌ
    قال اللهُ.
    وبَعد؟

    -2-
    مُياومونَ
    يحتشدونَ تحت شمسهِ الواضحة.
    عُمَّالُ مرافئ وأُجرَاءُ
    عاشِقونَ وقُساة وتُعساء.
    عجائز وفتيان. أحياءٌ وأحياء. وأحياء.
    كُثرٌ وصاخبون.

    هذا نهارٌ آخرٌ
    قال الله.
    وبَعدُ؟

    -3-
    قلتُ لابنتي: لا تَرفعي السِّتار.
    لا تفتحي الباب.
    لا تُعلِّقي هذه الشمس الغبيَّة على باب غرفتكِ، فالشمس
    التي تُعلِّقينها
    على الباب أو عند زاوية المكتبة
    أرَقُّ من تلكَ التي ستُضيءُ
    نَهاري، نهارَكِ،
    نهارَ الباعةِ والموظَّفين،
    نهارَ العَرَقِ والروائح والاختناقِ
    والسَّعي والصُّداع والمُحادثة.

    قلتُ لابنتي: لا تَرفعي السِّتار.
    لقد متُّ في ساعاتِ اللَّيلِ
    الأخيرة،
    ولن أستفيق
    متُّ ضَجراً
    ومتُّ حزناً
    ومتُّ سَهواً
    ومتُّ موتاً
    لا تَرفعي السِّتار أو تفتحي الباب
    أو تُعلِّقي ما يُشبِهُ الضَّوءَ في أرجاء الغابة.
    فهذا نهارٌ آخرُ،
    أعلَمُ،
    وآخرُ أيضاً،
    أعلَمُ،
    وماذا بَعدُ؟

  • الصرخة – محمد الشريف

    الصرخة – محمد الشريف

    وأثملُ على شفيرِ الصّرخةِ:  ممعناً في لغةِ الدمارِ ..دهورًا، وفي اليقظةِ الأولى أبارزه،  من عينيَّ المتهدلتينِ: ذهولها المرسلُ: أشتتُ بين الخرابِ والصراخِ، إذ تطفو الأعالي، أشياءٌ: تهرولُ في الردمِ، 

    والسقوطِ- لهاثاً: جنائزياً ذا الترتيلِ، في اللغطِ، والخوفُ دوياً ممنهجاً، والحرفُ مُنتشِلاً غصتهُ : أين الصغرُ، طفولةٌ،‬

    ‫كنتُ أقولُ  – قبل ذلك -:  اغرزها في الضبابِ الأفولِ، يادمي اغرزها  أساً:  في العدمِ سأصيرُ العدمَ دماً، وقلت: احمي سقوطكَ، الآن:حفيفاً  في الأصواتِ وخمودها: ريحٌ تحفرُ المكنونَ مكاناً، والزمنُ يضغطُ على ضلوعنا، ‬وينفجرْ.  ‬

    ‫ جاوزتُ استواءَ المدى وعيوبهُ الإنبثاقية: في كُلِ خفضٍ ورفعٍ وانحرافيةٍ، وكل تيهٍ، لترعشني بحقابٍ من الذاكرةِ تنبثقُ وهي جبال، جبالٌ تهاوت على جبالٍ في بريقِ الهدمِ والرتقِ والتيهِ، نثاراتٍ،  تستنفِرُ أنوفُ المستغيثينِ، تحت الأنقاضِ  لتقولَ: المدينة،  تحتَ الأنقاضِ المدينةُ:أصابعُ مستغيثةٌ، ‬

    ‫ في كل ناحيةٍ، من كل ناحٍ، ويجمعُ أنقاضهُ بين أحداثها، والدمُ الشاحبُ سخوناً: على جلدهِ، والأشياءُ الطافيةُ، وينتشلهُ الدمارُ الآخرُ،بين إمعانِ القصيدةِ وهي تتكون عليهِ، تَنسِجُ صورهُ، وتسمي ‬

    ‫وجودَهُ ال..جُنونا،الطفولةُ المتحدرةُ أشلاءَ، يرى تشطرها، في حنو الوقتِ على نفسهِ، يستَبطِأُ المشهدَ صمتاً: و عانقتِ الأحجارَ،  الأثداءَ، السررَ، الروائحَ،

    في خضِ الهلاكِ رامزاً للفوضى،  وخلق اللاماهيةِ، تشكيل الماهيةِ العدميةِ: موتاً ناجزا، تَنحرُ نغماً محرراً بين عاشقينِ، ‬

    ‫ بعيدينَ  في قربهما: مجردُ حفلةٍ من أكوامٍ وشظايا تفصلهما، وقد تعالت حتى السماءِ،  بينهما شبرٌ، وعليهما ألفُ شيءٍ وشبرٍ، فأغني ليليَ،  رعوباً مما يخبئهُ،  وما أوقعهُ، وأرقب الجبالَ يَغسِلُ حطامها  عريٌ  مُفتت، سيجىءُ، يشرب دماً تخثَّر في الصمتِ، على شحوبِ الأيدي وزُرقةِ الشفاهِ والمحاجر الخاليةِ، والضحكاتِ المنحرفةِ في الخوفِ: لثغةً للقولِ،  آخذاً برودةَ موتهِ،  على هذهِ السلالِ ‬

    ‫ المشوهةِ، العيونُ محرومةٌ، تنتقي بين جنباتهِ تجاعيدَ الدَّمِ طافيةً‬

    ‫ على الظلال، والكلُ طافٍ، السهو المغروزُ على الوجوهِ، طافٍ: وعالياً في التحريفِ، يُنجِزُ مهمهُ،  والحلم ساهٍ، من ليلٍ كسرَ هدينا تدنوالسراويلُ من أقدامهن الباردة،  وتحتفي بانفصالها وسقوطها الصامت، والوميضُ في التَتَابُعِ دكُ ودكْ. ‬

    حاشية:

    ١- َالمكنون: هو الخافي: أي أن المكانَ بخرابهِ تحتَ القصفِ الشديدِ،  سيعملُ  على إخراجِ المخفيِّ  من أجسادنا

    والمتخفي وراءَ الجلدِ،  فيُبَعثِرَهُ ليجعلَ – منهُ – المكانَ مكاناً آخرَ: والزمنُ يعملُ على ذلكَ أيضاً، فهو مشتركٌ في الجرمِ، لأنَ الموجوداتِ جزء من الوجودِ، والوجودُ يزحفُ من خلالِهِ، لذلك تقولُ العبارة: والزمن يضغط على ضلوعنا وينفجر، فمعنى ذلك:  أن ينفجرَ الزمنُ بنا ومِن خلالنا والأشياءْ، فالزمانُ والمكانُ مرتبطان.

  • الولادة مرة أخرى – فايز الشمري

    الولادة مرة أخرى – فايز الشمري

    مدخل:

    وكنتُ أموتُ في نفسي كثيراً

    لأولدَ من جديدٍ كلَّ مرةْ

    من السهل علينا وصف عملية الولادة أو على أقل التقدير تخيلُّها في الذهن وتمثلُّها في الوجدان، ومما نعرفه عنها من جانب بيولوجي أن هذه العملية هي عملية مختصة بالكائنات الحية دون سواها، وهي كذلك عملية تمر على الكائن الحي مرة واحدة في حياته مثلها مثل الموت الذي هو كذلك من أنصار الرقم واحد.

    ولكن ماذا لو تأملنا مسيرة الإنسان في هذه الحياة، وحاولنا الولوج إلى عالم النفس وتركنا الجانب البيولوجي جانباً، يا تُرى كم مرة سنجد الإنسان يولد ويموت؟!

    لعل هذه السؤال قد انقدح في ذهن الإنسان الأول منذ تسلل الإدراك إلى عقله وبدأ يستوعب كنه ما حوله محاولاً فهم تفاصيل الوجود الذي يحيط به.

    إننا نجد الإنسان من حيث القدرات العقلية التي يمتلكها والهرم المعرفي الذي يتسلقه كائناً باحثاً دؤوباً في سبيل البقاء والخلود، فإن لم يكن بقاءً مادياً كان بقاءً معنوياً، بقاءً غير ملموسٍ، مُدركاً بالذهن، تتناقله الأجيال عبر السنوات والحقب.

    وفي رواية (المعطوب وآكلو الورق) يحاول مصطفى الحسن باستخدام التقنيات السردية ترسيخ هذا المفهوم – مفهوم الولادة المتكررة – وذلك عبر استدعاء شخصيتَي (كليلة ودمنة) اللذان يتحدثان بدورهما عن ولادتهما المتكررة التي ابتدأتْ بالنص الهندي الأصيل مروراً بالنص الفارسي ووصلاً إلى النص العربي.

    إن هذا الاستدعاء الذي جاء بشكل مقصود وواضح داخل الراوية كان موجوداً كذلك بشكل مُستتر داخل الشخصيات الأخرى التي تختفي وتعود (تموت وتولد) أثناء رحلتنا في قراءة الرواية، وربما كان هذا الأمر غير مُتعمد من الروائي، إلا أنه – في نهاية المطاف – كان موجوداً.

    فمريان (المعطوب) ولد في أفريقيا ومات على يد الخاطفين ثم ولد مرة أخرى على يد الرجل الذي اشتراه من دكة العبيد في مكة والذي أصبح عمه فيما بعد ومات بعد انتحار المرأة الغريقة وهكذا دواليك تتوالى هذه الثنائية في أصغر التفاصيل إن شاء القارئ تتبعها. ولسنا هنا بصدد مطاردة تلك الثنائية عند باقي شخصيات الرواية بقدر الرغبة في تسليط الضوء عليها؛ لنعطي للقارئ مفتاحاً من مفاتيح فهم الرواية.

    لقد ساهمت الحركة السردية السريعة لأحداث الرواية في تقليص الفجوة بين فصولها وأجزائها اللاتي تعمّد الكاتب بعثرتها داخل الرواية. فكما أن شخصيات الرواية كانت تولد مرات متكررة، كان القارئ المقابل لصفحات الرواية يولد من جديد في تمثّل المعاني وإكمال نواقص لوحة الـﭙـازل التي وضعنا الكاتب داخلها.

    لم تصبح لحظة الميلاد إذن لحظة واحدة، بل صارت عبر تطور السنوات لحظات كثيرة تتوالى بتوالي البشر، ففي كل لحظة يولد شاعر قديم في ذهن إنسان معاصر، يولد عبر قصيدة أو بيت شعر، يولد في صفحة كتاب أو مقطع صوتي يتسلل عبر الأثير.

    وهذا الأمر الذي ضربنا فيه مثلاً بالشاعر ينسحب كذلك على العالم والفيلسوف والمفكر وحتى الذين فتح التاريخ لهم صفحاته كمجرمين أو ظالمين، فالجميع مؤهل للولادة مرة أخرى أو مرات كثيرة.

    إن ما يفعله الإنسان أثناء رحلته في هذه الحياة هي محاولة اختيار أسلوب ولادته القادمة، فسواء كان يدرك ذلك أم يجهله إلا أنه في كلا الحالتين يمارس نفس المهمة ويبحث عن ولادة ترضي طموحاته وتصوراته عن حيواته القادمة.

    مخرج:

    كم قدْ قُتلتُ وكمْ قد مِتُّ عندكمُ

    ثمَّ انتفضتُ فزالَ القبرُ والكفنُ

  • الدين بين السماء والأرض – مؤمن سلام

    الدين بين السماء والأرض – مؤمن سلام

    للدين “أى دين” محورين يعمل عليهما، محور لاهوتي فلسفي عقائدي، يرتبط بالإلهيات وبالغيبيات وما وراء الطبيعة المتعلقة بالإله وطبيعته وقدراته وأسماءه وصفاته، والكائنات الغيبية مثل الجن والملائكة وجودها من عدمه، وإذا وجدت فيبحث في طبيعتها ووظيفتها وعلاقتها بالإله والإنسان. كذلك يتناول هذا المحور طبيعة الثواب مقابل العمل الصالح والعقاب مقابل الخطيئة أو الذنب، ويتناول أيضا النبوة وما يتعلق بها من إمكانية حدوثها ومدى ضرورتها وما يتعلق بالأنبياء مثل هل هم معصومون أم لا، فهو باختصار يتناول كل ما يعتمد على الايمان القلبي وليس البحث العلمي فهو يرتبط أكثر بالمنطق الفلسفي منه بالمنهج العلمي. أى هو محور يرتبط بالسماء أكثر من ارتباطه بالأرض.

    المحور الثاني، هو المحور العملي أو الفقهي أو التشريعي، أو المحور المرتبط بسلوك الإنسان ومدى توافقه مع العقيدة التي يعتنقها، فكل دين يضع لأتباعه مجموعة من القواعد التي يجب أن تحكم سلوكياتهم في الحياة، وتختلف العقائد هنا اختلافا كبيرا، فبعض العقائد تتوسع في هذه القواعد فتضع لأتباعها قواعد سلوك سياسية واقتصادية واجتماعية وشخصية، والبعض الأخر تضيق هذه القواعد لتكون قواعد أخلاقية عامة تحكم علاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالمجتمع، أما ممارساته السياسية والاقتصادية فتظل خارج إطار الدين اللهم إلا ما يتعلق بقواعد أخلاقية تمنع الكذب والغش والإضرار بالأخرين. وبهذا يصبح هذا الجزء من الدين هو الأكثر ارتباطا بالأرض، فهو جزء من ثقافة الإنسان ويساهم في تحديد سلوك الفرد الشخصي والمجتمعي، ويساهم في تحديد خياراته السياسية والاقتصادية وعلاقته بالعلم والفنون والآداب.

    ومن هنا تأتي أهمية هذا المحور الأرضي من الدين، فهذا المحور هو الذي قد يجعل من الدين عائق أمام تقدم الإنسان السياسي والاقتصادي والعلمي والقيّمي أو يجعل من الدين محفز لتطور الإنسانية العلمي والتكنولوجي والثقافي وترسيخ القيم الإنسانية المتعلقة بالحرية والتعايش وقبول الأخر والتعددية والسلام. على عكس المحور السماوي الذي يرتبط بإيمان الإنسان الشخصي ولا يتعداه إلى الآخرين أفراد أو جماعات. وهو ما تعبر عنه المقولة “اعبد حجراً لو شئت لكن لا ترمني به”.

    فأنت تستطيع أن تؤمن بما تشاء من العقائد وتتصور ما تشاء عن معبودك، وعن ثوابه وعقابه، وعن مخلوقاته غير المرئية، وعن الأنبياء وما يتعلق بهم، فكل هذا لن يؤثر على الأخر. ولكن، ما يؤثر على الإنسان هو المحور الأرضي الذي قد يأمر المؤمن بهذه العقيدة أو تلك أن ينشرها في العالم حتى ولو بالإكراه وحد السيف، أو أن يفرض طقوسها وتعاليمها على الأخر، أو أن يأمره بالاستعلاء على الأخر وأن يعتبر نفسه فوق البشر والأفضل منهم جميعا، فقط لأنه من أتباع هذا الدين، أو يأمره بتعطيل عقله لأن عقله ينتهي إلى نتائج تخالف ما جاء في المحور السمائي الغيبي، أى أن يجعل من السمائي قيد على العقل. هنا تحدث الكارثة، بتولد الارهاب، وإندلاع الحروب، وإنهيار العلم وما يتبعه من إنهيار الرعاية الصحية والتعليمية ورفاهية الانسان بشكل عام.

    ولذلك فالموقف من أى عقيدة لا يجب أن يرتبط بمعتقداتها ومدى ما تحمله من خرافات أو أساطير، فلا يوجد عقيدة تخلوا من الخرافات ولا تمثل الأساطير فيها ركن هام، ولكن يجب أن يكون موقفنا من أى عقيدة مرتبط بتأثير محورها الأرضي على حياتنا، فإذا كان المحور الأرضي متغير ومتجدد ومتفاعل مع الواقع يؤثر ويتأثر به، ولا يحاول أن يصب هذا الواقع في قوالب تشريعية أكل عليها الدهر وشرب، ولا يحاول أن يحبس العقل ويقيده بقيود الحلال والحرام، ولا يحاول أن يجمد الأخلاق داخل منظومة أخلاقية لم تعد تتوافق مع نمط الحياة الجديد والمختلف بشكل جذري مع نمط الحياة وقت ميلاد هذه العقيدة، ما يؤدي إلى تقييد حركة المجتمع وانتهاك خصوصية الإنسان وممارسة الإستبداد المجتمعي على الفرد، وهو ما يمهد لاستبداد السلطة السياسية، فالاستبداد كما الديمقراطية ينطلق من ثقافة المجتمع قبل أن يكون نمط حكم.

    أما الجانب السماوي وما يرتبط به من روحانيات وطقوس فهو أمر لا يجب أن ننشغل به، فهناك من بني الانسان من يحتاجون هذه المعتقدات والطقوس والروحانيات فبدونها قد ينهاروا نفسيا ولا يستطيعوا مواجهة ضغوط الحياة، وهذا لا يعني أن لا يتم دراسة هذا المحور من الدين في الجامعات والكليات والأقسام المتخصصة، ولكن يجب أن لا ينشغل بها دعاة التنوير والحداثة لأن معركتنا ليست مع السماء ولكن مع الأرض، لصالح الإنسان ورفاهته.

    مؤمن سلام

    26/6/2017

  • مختارات من هلوسات الفجر – مينا ماهر

    مختارات من هلوسات الفجر – مينا ماهر

    هلوسات الفجر – مينا ماهر – كتاب صوتي إصدارات فهرس أنطولوجي 2021 – قراءة محمد الحكيم

    ولدتُ بمشكلةٍ في عيني اليمنى

    لم تكن تنفتح جيداً وكأن ثمة شيء يثقلها

    لم تترك أمي طبيبًا في المدينة

    حتى قال لها أحدهم بأني أعاني من احتقان الدمع 

    وأن المسألة مسألة وقت 

    وكل ما عليها فعله هو أن تمسد لي مدمع عيني

    حتى يأخذ الدمع مجراه لينساب على وجنتي …

    الآن كبرت و تعافت عيني 

    لكن الدمع بات يحتقن في قلبي … 

    وأمي لا تعرف كيف تمسد القلب …

    ***

    تعال،

    شاركني أغنياتي وتبغي 

    فأنا هنا وحيدة، منسية  

    تعال واجلس قربي ولا تسألني عن اسمي 

    لأكون هذهِ الليلة بلا هوية 

    فكل من عرَّفتهم على نفسي، وفتحت لهم قلبي 

    تركوا في روحي جرحًا غائرًا…

    ***

    إمرأةٌ مثلها 

    مُتعلقة بِكُل ما هو أثري قديم مليئٌ بالخدوش 

    أتراها ترمي حبها الأول وراء ظهرها وتمضي ؟!

    ***

    الوقت يعتصرُ قلبي،

    وهم يصنعون من جراحي أُغنيات !

    ***

    على نهر دجلة أقف 

     والنوارس فوقي تُحلق 

     يمر عليّ شريط حبنا الضائع 

    عفواً أقصد حبي الخاطئ وخداعك البارع 

    لا يمكنني أن أزور بغداد دون أن تمر ذكراك النتنة عليّ 

    فبغداد تُذكرني بنفسي …

    فكيفما كانت بغداد زاهية نقية قبل أن تتلوث بالدماء والدمار 

    كُنت أنا قبل أن أتلوث بِحُبك 

    وكيفما بقيت صامدة رُغم كُلِ شيء بقيت أنا صامدة رُغم كُلِ شيء 

    وسنبقى أنا وبغدادي نزهو بالحُبِ والسلام

     رُغماً عن أنفِكَ وأنف الإرهاب والدمار.

    ***

    مستقبل مجهول و حاضر لا حياة فيه 

    أما الماضي فينهش في الروح، 

    على هذهِ الأشواك ترقص أيامي.

    ***

    أنت مَن وأدَ الطفل الصغير في داخلي وأيقظ الوغد 

    فتحمل عنفوانيَ المقهور.

    ***

    وجهُك شبحٌ يلاحقني في كُلِ مكان.

    ***

    لا تقترب أكثر، ولا تبتعد 

    لنبق هكذا، فأنا أخشى البعد، وأخشى القرب أكثر

    إن دعوتك لتقترب، هل سأندم؟ 

     آه كم أخشى الخيبة والندم.

    ***

    كانت تشبهها أمها بالشمعة 

    وكانت تعشق هذا التشبيه 

    فما أجمل أن يكون الإنسان شعلة نور يُضيء لمن حوله 

    الآن وبعد أعوام أدركت كم هو سيء أن تكون شمعة 

    كم هو سيء أن تكون المحترق دوماً…

    ***

    ثمة ذكريات لهيبها لا ينطفئ، 

    حتى وإن غمرتها بكامل قسوتك وبرودة مشاعرك.

    ***

    كان بإمكانك أن تكون شهماً وتختار تفاصيل أخرى لتلك الحكاية 

    لكنك اخترت أن تكون نذلاً.

    ***

    أغمض عينيك قليلاً 

    تخيل وجودي قربك  لمسات يدي على وجهك ، صوتي وأنا أقول أُحبك 

    كلما حلمت بوصالي تخيل .. فلن تطول حبي  في الواقع  بعد الآن.

    *هلوسات الفجر – مينا ماهر – سنة النشر 2021

  • الكلام شبيه الكلام والقصيدة واحدة – محمد الحرز

    الكلام شبيه الكلام والقصيدة واحدة – محمد الحرز

    القصيدة لا تنتهي ولا تبدأ، هي الحركة الدائمة، مركزها الروح ومحيطها العالم ووجهتها الحياة.

    لا تمضي وحيدة، الرغبة في الكلام صديقها الوفي، ولعبة السير على حبال الكلمات أختها من الرضاعة.

    ترغب ولا تفصح، تسير ولا تنتمي، أقل التفاتة لها هو أكثر صخبا عند الآخرين، وأكثر انتباهة عندها هي عندهم الغفلة حين تمر الحياة بصخبها وضجيجها.

    انشغالها بنفسها عمّن حولها لا يعني أنها لا تقول الحقيقة، وارتباطها بالأرض لا يمنعها من مدِّ ذراعيها لاحتضان السماء، وما بينهما تصغي لكل الأحاديث التي تدور بين النجوم ولا تتعب.

    وإذا ما مسها شيء من صوت الرعد، وألقى البرقُ لمعته في يديها، استدارت إلى نفسها وغطتها بريش النعام.

    القصيدة لا تكبر ولا تشيخ، ولم تجد نفسها يوما ما صغيرة على الإطلاق، هي ابنة اللحظة. لكنها ابنة الماضي أيضا.

    يقول عنها التاريخ هي أبي بينما يقول عنها الدين هي من أحفادي. التنازع لا يقع إلا على نسخها العديدة المبثوثة في زوايا العالم،  بينما هي الصامتة التي لا تقول شيئا ولا تشير إلى شيء،  تراقب فقط : كيف تتحول هذه النسخ إلى حراب راسخة في أرض كنا نسميها مخيلة الإنسان؟

    لكن من حسن حظها أنها لا تملك شهادة ميلاد، ولن يكون لها شهادة وفاة كذلك، قد تدرك ذلك في لا وعيها ثم تتصرف على أساسه، وقد لا تدرك ذلك مطلقا.

    لكنها في كلتا الحالتين لا يغيب عن بالها أن ثمة شاعرٌ بانتظارها دائما، يغيب فترة. لكنه في النهاية يظهر.

    يأتي شاعر وينصب أعلامه فوق بنايتها , ويشعل النيران حوله حتى لا يضيع الزائر حين يقصده، يشعل حطبا كثيرا، ولا يهتم إذا ما احترقت كلمة أو كلمتين من قصيدته، ما يهمه هو أن يقال : هذا هو وهذه قصيدته خلفه تتبعه مثل جرو صغير.

    ثم يأتي شاعر آخر ويتبع التابع، ويأخذ بآثاره هو وليس بآثار القصيدة.

    الكلمات المحترقة لا تنتسب إلى أحد، غزلان شاردة في براري المخيلة، وذئاب التابع وعائلته عاجزة عن اللحاق بها.

    وكأن القصيدة فيما هي تمضي، لا تلتفت إلى أولادها الذين يتساقطون هنا أو هناك على الرمل أو على الأرصفة أو في وديان سحيقة أو على سطوح المباني العالية أو في السجون، تتركهم يواجهون مصيرهم أمام العالم أمام الإنسان أمام الزمن، وفيما هم يواجهون مصيرهم يكون كل واحد منهم قد كتب مأساته في الحياة، ثم يكون عليه أن يختفى خلف صاحبه الذي أخذه ورباه وأنطقه من كلمات روحه.

    القصيدة واحدة وكذلك الإنسان، وهذا الأخير يكرر القول حتى يصنع من نفسه أسطورة تلتف مثل أفعى لا على جسده، إنما على مخيلته، فيتوهم أنها القصيدة وقد استطاع أن يراها بعينيه ولسانه وسمعيه ويلمسها بيديه ويركلها بقدميه، والقصيدة مع كل ذلك تضحك ؛ لأن الإنسان عندها ليس الإنسان،  ولا القصيدة هي القصيدة، ثمة جريان شديد لنهر الزمن، معه لا يمكن أن تفكر القصيدة بنفسها، ولا الإنسان يفكر بأسطورته.

    فقط هناك صوت الجريان وحده، ولا شيء آخر سواه، ومقدار قرب الأشياء منه، أو بعدها عنه، تحظى بالمنزلة التي تفضي بها إلى امتلاك حالة التذكر الأولى، والإنسان في القرن الواحد والعشرين لم يصل إلى تلك المنزلة،  قد تكون بقية الكائنات سبقته.

    لكنه لا يعلم، وحدها القصيدة تدرك ما ينبغي على الإنسان أن يعرف ما تتضمنه حالته الأولى.

    لكن الطريق شائكة ؛ لذلك على القصيدة أن تضحك دائما.

  • أيها السيد البعيد – فاطمة رحيم

    أيها السيد البعيد – فاطمة رحيم

    أيها السيد البعيد 

    مرحباً.. 

    كثيراً ما نقول:

    القبلة الأخيرة، العناق الأخير، اللقاء الأخير، النظرة الأخيرة وأشياء أخرى تبدو لنا وكأنها الأخيرة ثم ندرك بعد ذلك أن هناك مراتٍ أخرى قد تأتي لم تكن بالحسبان .. كهذه الرسالة تماماً. 

    حين يغرق الناس لا يفكرون بأي شيء، حتى أنهم لا يقاومون الغرق .. فقط يصابون بالخوف الشديد فتتصلب أجسادهم وكالمسامير يسقطون في القاع .. يجب علينا أن ندرك بأن البحر هو الآلة الموسيقية الوحيدة التي إذا غضبت لن نُحب سماعها أبداً .. يخيل لي أن الشخص الذي يكتب غَرِق من قبل وسقط في القاع، ولم يصبح كاتباً إلا بعدما طفت جثته على سطح الماء .. 

    أيها السيد البعيد، أنا وأنت فعلنا ذلك بحب – استمعنا لموسيقى البحر الغاضبة- واستمتعنا بها .. من الجيد أن يكون لديك العين التي ترى ما لا يُرى، والأذن التي تسمع ما لا يُسمع .. الحظ الجيد أن تمتلك الجرأة لتتخيل..

    من الجيد أيضاً أنني نسيتُ أن أسالك عن حالك، هل أنت بخير؟، اخبرني ماذا فعلت بجثتك؟ وفي أي مدينةٍ دفنت نفسك .. آخر حديث بيننا كان عن حُلمك للذهاب إلى مدينة

     ” تيرامو ” ورغم أنها موطن زراعة العنب ألا أنك فضلت الضياع في بساتين الزيتون هناك، أعرف أنك تحب أشجار الزيتون أذكر أنك قلت لي ذات مرة: إنها شجرة الأديان السماوية .. 

    يؤسفني أنني لا أعرف أين أنت الآن هل سافرت إلى

    “تيرامو ” أم أنك ما زلت هنا؟، تُمارس التخيل بالقرب من نافذة المقهى القديمة التي كنا نجلس فيها سوياً .. لو فعلتها حقاً وغادرت عليك أن تفي بوعدك لي: 

    ” مشعوذتي الصغيرة .. أول قصيدة لكِ ستكون من داخل كنيسة سانتا ماريا .. أول ثمرة زيتون سوف تعصرها يدي لن يلتهم زيتُها غير جسدكِ “

    بعض الوعود لا تتأثر برياح الفراق، حتى الحبر بعدها يصبح نهراً لا أحد يملك أن يوقِف جريانه. 

    كن بخير لأنني لست بخير.

    ***

    أحزن الآن وبعد دقيقة واحدة

    يفرحني شيءٌ عابر

    أضحك وأبكي على خيبة 

    محفورة في ذاكرتي 

    أصمت ثم أثرثر كثيراً

    أكره من أحب 

    وأدعوه لممارسة الحب 

    أنسى كأن شيئاً لم يكن 

    وفي لحظة واحدة أتذكر 

    كل شيء 

    أخلع قلبي مرتين في اليوم 

    وأحتفظ به مجمداً

    أحياناً أنساه

    أنظر إليه بقرفٍ

    ثم أتساءل

    من أحضر لي هذه القطعة العفنة مِن اللحم؟

    أمرر اصبعي على صدري فأشعر بأن شيئاً ما ينقصه

    أكتفي برئتين لونهما أسود 

    أدخن أكثر من اللازم

    أحرق الطعام 

    وفي آخر الليل أفتح النافذة لأبصق

    على وجه العالم الذي لا يتغير أبداً

    ***

    يمكنك أن تضع عقلك داخل الخزانة، 

    أو تُعلق رأسك على الجدار ..

     العقل كلب لا تعجبه عظام الأفكار اللينة سيظل ينبح حتى تأتي له بفكرة شهية قاسية لتُلهيه،

     وبفكرة أخرى أشهى منها،

     سينسى التي قبلها ..

     أحد أبطالي الورقيين يقول: 

     إن العقل سيئ السمعة ينسى سريعاً،

     يمسح الحدث القديم بالكارثة الجديدة،

     وسيظل هكذا. 

    بينما القلب ذئبٌ يعوي بشدة ولا ينسى ..

     لن تستطيع أن تعلق روحك على الجدار كصورة، ولن تقدر على وضع قلبك داخل زجاجة لتخرسه

     فالقلب لا ينسى، 

    إلا إذا  توقف.

    فاطمة رحيم

  • قصيدتان – أحمد فضيض

    قصيدتان – أحمد فضيض

    شقٌّ صغير

    كانَ شَقٌّ صغيرٌ على الأرضِ ما بيننا

    كان شَقٌّ صغيرْ

    قلتُ، ملتجئًا ليديكِ:

    «تُرى، لَيْسَ شيءٌ خطيرْ!»

    كان شَقٌّ صغيرٌ، وكنتُ أُعَدِّيهِ في قُبْلَةٍ،

    ثمّ صِرْتُ أعدّيهِ في خطوةٍ،

    ثمّ صرتُ أعدّيهِ في قفزةٍ،

    ثمّ قد ظلَّ في خاطري،

    مثلما كانَ من قبلُ،

    شَقًّا صغيرْ

    كانَ شَقٌّ صغيرٌ، وفكّرتُ أنّي سأغرسُ ..

    في الشقِّ لي، زهرةً

    كَبُرَ الشَّقُّ .. قلتُ: سأزرعُ حقلاً من الياسمينْ

    كَبُرَ الحقلُ .. قلتُ: يزيدُ اشتياقي، يزيدُ الحنينْ!

    سَقَطَتْ بعضُ أشيائنا فيهِ، في غفلةٍ

    بعضُ أوهامِنا ..

    بعضُ بضعِ سنينْ!

    سَقَطَ العمرُ في لحظةٍ

    سقطَ البحرُ في لحظةٍ

    سقطَ الفجرُ في لحظةٍ

    سقطَ الصَّوْتُ، في شَقِّنا، والصَّدَى

    وذَوَى الياسمينْ

    كانَ شَقٌ صغيرْ!

    ••

    صَنَاع

    يَدَاكِ صَنَاعٌ .. يَدَاكِ صَنَاعْ

    مُنمنمتانِ كسُنْبلتيْنَ  ..

    ودافئتانِ كَبَطْنِ البِقَاعْ

    تُغنِّي يداكِ كقُبَّرةٍ في الحقولِ ..

    وتجري يداكِ إذا فاضَ نهرُ الشعورِ ..

    وتستحيلانِ سحابًا رقيقًا ..

    ونقطةَ نُورِ

    وتحتجبانِ سِرَاعًا سِرَاعْ

    يَداكِ صَنَاعْ

    تُنسِّقُ آنِيَةَ الزهرِ، تَسْقِي الخُزَامى

    وتخبزُ كعكَ الصباحاتِ

    ترسمُ وجهَ الأحبّاءِ

    تكتبُ للأصدقاءِ التحايا

    وتلمسُ أَيْدِي الحَزَانى .. فيَبْرَا الحَزَانى

    وترتاحُ في راحتيْها حمامَهْ ..

    لتبكي وتبكي، بغير انقطاعٍ

    بغير انقطاعْ

    يَداَكِ صَنَاعْ

    وإنْ كسرتْ أظْفُرًا، دونَ قَصْدٍ

    وأحرقتِ الخبزَ من دونِ قَصْدٍ

    وحطّمتِ القلبَ، من دونِ قصدٍ

    تظلُّ صَنَاعًا .. تظلُّ صَنَاعْ

    ..

    وإنْ كانَ قلبي!

  • مشاعل بشير: بأي ذنبٍ قُتلت ياشركاء الجريمة؟

    مشاعل بشير: بأي ذنبٍ قُتلت ياشركاء الجريمة؟

    الغضب في داخلي يشبه تسونامي من النار تبتلع ألسنتُه كلَّ شيءٍ في جوفي ولا تترك حتى الرماد!

    إلى متى سنصرخ أو نطلب بكل احترام أو نتوسل ألا تقتلونا؟! ألا تغتصبونا؟! ألا تتحرشوا؟! ألا تضربونا؟! ألا تعنفونا؟! 

    منذ تكوّن الوعي المجتمعي لدي وأنا أسمع وأشاهد وأقرأ عن حملات ضد جملة الجرائم بحق النساء، تارة باسم الشرف وتارة أخرى بوسم الهراء! أسمع وأشاهد وأقرأ عن ضحية جديدة بمعدل أسبوعي منذ ٣٠ عامًا! 

    خلال هذا الأسبوع فقط، قتلت فرح أكبر في الكويت وهديل الحارثي في السعودية… وربما غيرهن كثيرات في أسبوع فقط!

    ومليون آه من الأعذار التي تُخلق لتبرئة الجاني، فهم إما مرضى نفسيون أو مدمنوا مخدرات أو معنف في طفولته أو… وهذا الأسوء… نحن حرضنا على الجريمة! لماذا؟! لكوننا إناثًا في مجتمعات وأنظمة تقدس الكائن الذكري، وهذا التقديس إن لم يكن سببه اجتماعيٌّ فهو حتمًا يستند باطلاً على الدين! 

    والمضحك المبكي، حين يكون الضحية رجلاً، يواجه الجاني أشد العقوبات، وسبحان الخالق تظهر قوانينٌ من أزقة الأدراج لمنع تكرار جريمة كان الضحية فيها رجلاً… إلا إذا كان مثليٌّ أو متحولٌ، طبعًا لأنه “متشبه بالنساء” فيقع عليه ما يقع على المرأة!

    عليكم أن تفهموا، يا معشر الذكوريين، أن حق العيش بأمن وأمان ليس حكرًا على الرجل، بل هو يشمل أيضًا المرأة كونها إنسانٌ، ليست شبه إنسان ولا هي أقل منزلةً وقدرًا. 

    لكن قبل هذا الفهم الذي يبدو أن عقولكم السميكة لم ولن تستوعبه، عليكم أن تتوقفوا ببساطة عن استهدافنا، والعثور على حجج وتبريرات لا تنتهي، تهدف كلها لإيجاد العذر للمجرم، وإلقاء اللوم على الضحية.

    ألا تعلمون أنكم شركاء بالجريمة؟! هم وأنتم والمجتمع والقانون وهذا النظام الأبوي الذي تتفاخرون بوراثته من عصر وأد البنات وعروسات النيل! يا إلهي حتى عندما تحتفلون بشيء، تقتلون النساء! 

    حياتنا في أعينكم رخيصة جدًا؟! تقررون شكل عالمنا ولباسنا ودراستنا وزواجنا وكلامنا وصمتنا ومتى يسمح لنا بالتنفس والضحك ويجب أن تكون ضحكة خاشعة، أنتم أيضا تقررون متى وكيف نموت! هل أنتم مستمتعون بممارسة دور الرب علينا؟! هل يكتمل كيانكم الذكوري عندما تحولنا، نحن أمهاتكم، إلى عبيد؟! 

    لا أريد تعاطفًا ولا شفقةً منكم كلما أضيفت امرأةٌ جديدة إلى قائمة ضحايا الجرائم المتنوعة ضدنا؛ من تعنيف لفظي إلى ضرب إلى تحرش إلى اغتصاب إلى قتل! لا أريد قانونًا يعاقب الجاني بسجن بضع سنوات يخرجها بعدها بطلًا! أريد قوانينًا تمنع وقوع الجرائم ضد المرأة، تردع من تسول له نفسه ايذائنا! أريد منظومة تحمي المرأة عندما تلجأ إليها من وحش في المنزل سواء كان والدها أو أخاها أو ابنها أو زوجها، وتحرص على أخذ حقها منه! نعم أريد مجتمعٌ ودولة تجهض مشروع المغتصب والمتحرش والمنعف والقاتل قبل ولادته وانتشاره! 

    بصراحة، أريد أن أخرج من المنزل دون أن أسأل نفسي “هل حياتي في خطر؟ هل أنا الضحية التالية؟”

    وأريدكم أن تجيبوا بصراحة على هذا السؤال، فرح أكبر، هديل الحارثي وغيرهن منذ زمن وأد البنات… {بأي ذنب قتلت} (٩ : سورة التكوير)؟

    نساء – أرشيف توثيقي لفعالية #عزاء_النساء وقسم مستقل سيتطور مستقبلاً ليشمل تغطية أوسع لأهم قضايا المرأة والنسوية

  • سجن المادّة في نشوة على شكل شبح – ريناد الرشيدي

    سجن المادّة في نشوة على شكل شبح – ريناد الرشيدي

    هي والخليقة بين قضبانٍ حديدية


    كانت تلك الشهور الأكثر غموضًا، الظلال كلها انتشرت حول كلماتي، ليست حتى وحوشًا، ليست حتى أعداءً. إنها بقايا شيء لا يمكنني حتى تعريفه، لا يمكنني حبسه داخل کلمات كما يحبسني لهيب الأشباح. بقايا شيء فقدته بين قضبانٍ حديدية، أنت لم ترها، هم لم يروها. قضبانٌ حديدية تجهل حاسة البصر، وتعرفُ حاسَّة اللمس. فقدت يديك بينها، فقدت صوتًا، عظمًا، ولحمًا، بين قضبان حديدية لم أرها. أنت تحسب أنني حبستك في ضلعين، بينما أنا فقدت الضلعين اللذين عشت أنت بينهما. أنت تحسب أنني أتجول في أنفاسك الميته، بينما اخترت أنا البقاء تحت تراب جثتي المؤجلة. عندما أنكرت أنت (هي) التي تعلمت حقيقة أنها هي باتحادها مع روحك، هي ضاعت في عبثية الوحل. عندما أضعت أنا (هي) في العبث الذي خلقته أنت لنا، هي تشكلت في هيئة الله لتقتل كلينا. أنت لم تعثر علينا، ولم تدعي لتدرك حقيقة تشكّلنا. لقد سمَّيتَه شراسة الأشياء، ونسيتَ أن الأسماء هي الوحل الذي قتلنا في بداية خلقنا.

    الجنس كجبل إيفريست


    أتعرّف على صوتي من خلال الطريقة التي ينكره بها وجودي. هل تعلم أن الصدى أحيانًا يكون بلدًا يعبره الصمت؟ لم أخبرك لأنني كنت خائفة من أن أجدك هناك. الهراء الذي كنا نقوله لبعضنا البعض، أن الكهوف، والرأسمالية، والصحراء التي ظننت أنني مدفونة فيها؛ لا يمكن أن يستعبدونا، أنت وأنا، لأننا نستعبد أنفسنا بأكثر الطرق الممكنة ليستعبد شخصان أحدهما الآخر. أشعر أن الصمت الذي يحبسني في مكان بعيدٌ عنك، يصرخ لي عندما أكون قادرة على رؤية وجودك من خلال جسدك بالكامل، وأنت تسألني باستمرار “هل لدي شكلٌ جسديٌّ كامل؟” افتقار اللمس مرآة للوجود القابل إنكاره. لقد أنشأت يداك نظامًا جديدًا لجسدي، بحيث لا يستطيع أحدٌ أن يفهم خلاياه عداك. وفي كل مرة، تُعيد بناء هذه المدينة بعد أن تدمرها. عندما دُمجنا معًا، قفزتُ من جبل إيفرست. كنت تخبرني بأننا انتحاريون كلما تضاجعنا: هل استخدمنا لحم بعضنا البعض لنصل إلى الموت؟ كان من الممكن أن أفقد هويتي التي كانت ترتعش ببطء أمام لحمك. لقد همس فمك باسمي وتعرّف على الكون كله. الآن فمك يقول كل شيء لأي شخص، لكنه لا يقول اسمي. ألا تريد أن يعرفني أحد عدا فمك؟

    أيُّ لعابٍ يحتاجه أكل لحوم البشر؟


    كانت تلك اللحظة التي اعتقدتُ فيها أن وجودك معروف فقط تحت قدميّ، اعتقدتُ أنك نُفيتَ من حياتك لأنك تلاشيتَ عندما غبت أنا عن الموت والظلام اللذين تشاركنا. أنت سمحت لأخرى أن تحاول تخبئة الدمار الذي سببتُه عندما همستُ باسمك للوجود. تركتها لتعطيك المعنى المعاكس لما كنا نستطيع أن نفعله لعبث هذه الدول. اختبرتُ غرابة اللُعاب عندما لم نكن نعرف طريقة للحب عدا أكل لحم البشر. الآن “أنا” هي هذا الموسم اليائس للغابة. الآن “أنا” هي ما تبقى من “نحن” لهذا الربيع عديم القيمة.

    إجهاضٌ في حديقة مدفونة


    أنت تعتقد أنك تحترق في الأفق بينما الأفق لا يعرفك. أنت تظن أن قدميك لا تلمسان الأرض، وتعتقد أن رأسك ضائع في السحب والضباب؛ بينما قدميك ورأسك قد قُطعا. إنك ترى الجميع يركضون في حقل بينما جثثهم مفقودة، ووجوههم في حديقة مدفونة. بينما أنت لا تزال معلقًا في الظلام بمفردك. تعتقد أنك “كامل” بينما كل جزء من جسمك مليء بالثقوب التي يتسرب من خلالها الضوء. الجنة بالنسبة لك تبدو كجحيمٍ ملوّن، والاحمرار ليس ما يحرقك، ما أحرقك هو كل تلك الألوان التي توقفت عيناك عن التعرف عليها.

    ــــــــــــــــــــــــ

    *نصوص: ريناد الرشيدي، كاتبة من السعودية

  • حرية التعبير – لوسي بروك برويدو – ترجمة: موزة عبد الله العبدولي

    حرية التعبير – لوسي بروك برويدو – ترجمة: موزة عبد الله العبدولي

    إذا ارتعشَ صوتي، أخبِرهُم أنَّ الكبرياءَ هو نهجي في مَحبَّتِكَ.

    هيكلُ قَفَصِكَ الصَّدريِّ، الذي كان محموماً في أوانِ الحياة، مفتوحٌ الآن،
    ويكشفُ عن عشرةِ آلافِ قِطعةٍ موسيقيَّةٍ في جوفهِ.

    غُلِّفَتْ يداكَ بإحكام، ويُظهرُ الفحصُ أنَّهُما سليمتان.

    إنَّهُ الشتاءُ إذاً، الجسدُ باردٌ عندَ لمسهِ، مُتماسِكٌ،
    وقد أُبقيَ في دُرجهِ القابعِ في العالمِ القديمِ المُروِّع.

    ما أبهى هذه الأسنان. أستوارى في اللامكان؟

    ها هو فَمُكَ محشوٌّ بالشَّاشِ واللُّغويَّات.
    وفَتحاً لأكثرِ الأجزاءِ زُرقةً،
    قَلبُكَ الكارثيُّ –

    تَكتسحهُ آثارُ حوافرَ لمهورٍ جامحة تعلمتِ الوقوفَ لأوَّلِ مرَّةٍ،
    إذ تَعطَّلَ عَدوُها الوحشيِّ المُستَتِب، بعد صَعقةِ الحُريَّة.

    عيناكَ العَسليتان وجفناكَ الشَاحِبان، يكتسحهما النزيف.

    كانت رئتُكَ الصُغرى مُحتقنَةً بدخانٍ أزرق.
    بينما الأخرى مملوءة بكُتلةٍ من الحنانِ الكَثيف.

    إنَّني أحبُّكَ أكثَر، أعلَمُ أنَّ
    صوتَك يُرفرفُ كسِربٍ خلَّابٍ من الصقور، التي تأبى النزول.

    كانت ستؤنسُكَ هذه اللحظة، في هذا الثلج، في هذه الساعة.
    فزيارتُكَ هُنا الليلة لم تَكُن مُفاجِئة على الإطلاق.

    العُمَّال الليليونَ، وجميع المُهاجرين، تواروا هُنا لتبادُلِ الحديثِ والتَحرِّي عن عَمل.



    *نص: لوسي بروك برويدو
    *ترجمة: موزة عبدالله العبدولي

    لوسي بروك-برويدو – Lucie Brock-Broido شاعرة أمريكية (1956 – 2018)
     ليام ريكتور (Liam Rector): شاعرأمريكي انتحر عام 2007م بطلقة مسدس. 
  • الذي بين فرجينيا وولف ومي زيادة – فاطمة المحسن

    الذي بين فرجينيا وولف ومي زيادة – فاطمة المحسن

    كتبت: فاطمة المحسن

    قصة ظهور مي زيادة وصعود نجمها الأدبي في العالم العربي، تنطوي على أبعاد تتعدى سيرة امرأة واكبت النهضة الثانية لمصر وبلاد الشام. لعلها إن شئنا النظر إليها من زاوية ما تركته من أثر، تعكس جانباً من فداحة الارتكاسة الاجتماعية في حاضر مصر والبلدان العربية التي كانت تقاربها في التطور.

    سيرة مي زيادة الشخصية (1886 – 1941) تحوي الكثير من تجليات الحراك الاجتماعي العربي مطلع القرن العشرين، حيث كان يشكل مسيحيو بلاد الشام الممتدة ما بين سوريا ولبنان وفلسطين، الفاعل الاجتماعي الأهم بين قوى التقارب مع الغرب. وهي أيضا، تعكس ديناميكية المجتمعات المسلمة ذاتها التي كان مثقفوها يتطلعون إلى حياة تخرج بلدانهم من كهوف العزلة.

    بين مفردات خطاب مي زيادة تبرز كلمة “الشرق” التي شاعت في أحاديث أدباء عصرها كانتماء إلى عالم له تمايزه عن الغرب أو نديته التي دفعت المستشرقين الأوائل نحو مغامرة البحث عنه وفك ألغازه. وهذه الكلمة أيضا كانت ضمن مفاتيح المثاقفة الأساسية بين كتّاب البلدان العربية والعالم الغربي، فجبران خليل جبران استخدم روحانيات الشرق بما فيها الثقافة الإسلامية كي يخط سطور تمايزه في أميركا وأوروبا. أما مي زيادة وصحبها من الأدباء، فقد كان هذا المصطلح يساعدهم على تلّمس هوية لكتاباتهم تخرجها عن نطاقها العربي الضيق وتجعل من انتمائها الى الشرق، بحضاراته المنوعة، عاملا من عوامل التوازن الروحي، مقابل ثقل الحضارة الغربية الصاعدة. ولكن هل لنا التغافل عن أمر يخص مي زيادة كرائدة من رائدات الكتابة النسائية، ونعني ثقافتها الغربية التي مكنتها من تلمس آفاق واسعة للحرية الإنسانية وحرية النساء على وجه التحديد.

    ظهرت مي ونضج قلمها في عشرينيات القرن المنصرم، أي وقت ظهور البريطانية فرجينيا وولف التي تحركت عبر الصحافة والمحاضرات والروايات كي تحدث النقلة النوعية في الوعي النسائي الأدبي. والأرجح أن مي زيادة لم تكن على معرفة بوولف، بدليل عدم الإشارة إليها في كتاباتها وترجماتها، ولكن الغريب أنها كانت تؤدي دورها في زمن يكاد يكون متقاربا.

    هناك إذن مفارقة في التوقيت، تضع الشرق الذي تمثله مي زيادة مقابل الغرب الذي تمثله فرجينيا وولف، في لقاء يدور حول قضية واحدة تحملها أديبتان من عالمين مختلفين.

    كانت فرجينيا وولف على رأس حركة طليعية أدبية سميت بجماعة بلومزبري، يلتقي أفرادها كل أسبوع للتداول في أحوال الأدب والفكر والفلسفة والسياسة، وكان المكان الأول لهذه الجماعة بيت فرجينيا وولف بلندن. وفي القاهرة حدث ما يشبه هذا، فقد كان بيت مي زيادة أو صالونها الأدبي ملتقى أهل الفكر وقادة الرأي والأدباء بمصر.

    ملأت فرجينيا وولف بمحاضراتها وخطبها الساحة البريطانية، وكان موضوعها الأثير المرأة الأديبة على وجه التحديد، فنشرت في التايمس والغارديان والدوريات الأدبية. وفعلت في الوقت ذاته مي زيادة ما فعلته الأديبة البريطانية في العالم العربي، فقد كانت خطيبة من الطراز الرفيع، ومحاضرة وكاتبة في أبرز الصحف والمجلات العربية، وفي المقدم منها المقتطف والهلال، وكان موضوعها الأثير الأديبة العربية.

    أصدرت مي زيادة دراسة عن باحثة البادية «ملك حفني ناصف» في 1920، وبعد ست سنوات كتبت دراسة عن عائشة التيمورية، وأخرى عن وردة اليازجي. ولعل الصدفة أو ما يشبه التراسل الثقافي جعل من دراسة فرجينيا وولف لرائدات الرواية الانكليزية في زمن صدور دراسات مي عن الرائدات العربيات، ولكن الفارق بين الاثنتين أن دراسة وولف أصبحت قيمة أساسية في تطوير مصطلح النقد النسائي في العالم، ومن خلاله، جرى الانتباه الى فضل النساء في دفع الحساسية الأدبية والاجتماعية في الغرب إلى مديات خدمت الرواية وكل الاجناس الأخرى ،في حين بقيت دراسات مي زيادة  إلى اليوم مجهولة لم يقرأها إلا القليل من الناس.

    ولعل اللافت لانتباه القارىء في سيرة مي زيادة هو انشغال مؤرخيها بعلاقاتها مع الأدباء ومفهومها للحب كفكرة ومضمون، وهذا التبادل بين سيرة مي المجهولة والحقيقية، يمنحنا الإحساس بما تنطوي عليه كلمة الشرق من أحاجي وألغاز العواطف، فاسم مي زيادة ارتبط بعدد كبير من أدباء عصرها في علاقات حب ورسائل دافئة، ولكن أياً منهم لا يدعي وصالا جسديا معها. هذه المرأة القادمة من بلد المسيح، والتي تنوء بحمل تربيتها في الدير، كانت ترى في الحب علاقة روحية وفكرية تربطها بالرجال الذين تعجب بهم، فهي تتبادل معهم رسائل رقيقة لا تمتنع فيها عن العطاء الإنساني بكل أبعاده، في حين كان أدباء عصرها يتطلعون إليها كمثال للجمال والأنوثة، ويطمحون قطف ثمار تلك الشجرة العصية. المفارقة في حياة وسيرة مي الأدبية تحدد الفاصل القطعي بين الشرق والغرب، ففرجينيا وولف نشرت سيرة حياتها الخبيئة، حتى تلك التي تتعلق بطفولتها حين تعرضت الى الأذى الجنسي، دون خجل او مواربة، بينما بقيت عواطف مي زيادة مجرد لعبة لغوية تستمتع صاحبتها بتقعيرها وتدويرها. ومع أن مصير مي زيادة شابه على نحو مذهل، مصير فرجينيا وولف،حيث عانت الاثنتان من الاضطراب العقلي الذي أدى بالأولى إلى الموت والثانية الى الانتحار، بيد أن اختلاف الأسباب في أبعاده العملية، يشير إلى الفارق بين مجتمعين. فمي زيادة واجهت محنة الوصاية على أموالها من قبل أقرباء أبيها بعد وفاته، فضعضعت تلك الوصاية كيانها الرقيق، واختصرت شوط المرأة القوية المثالية بقوانين كابحة تستطيع إلغاء وجودها بطرفة عين.، في حين كان اضطراب فرجينيا وولف لا يمت الى هذه الأسباب بصلة، فقد أورثتها عمتها مالاً جارياً مدى العمر لا وصاية فيه لأحد عليها.

    تكتب مي زيادة مخاطبة الرجل: «أتكلم الأن بحرقة كأني صوت المرأة الصامت منذ أجيال، وتستمعون إليَّ بإشفاق كأنكم روح الرجال المشتتة منذ إبتداء الدهور. والنفس الكبيرة المبعثرة تستجمع قواها للإصغاء، والصوت الخافت الذي لم يتعود إلا همس الطاعة وتمتمة التمرد المبهم، يرتفع الآن أتياً من بعيد من عمق أعماق الدهور السوداء، من أقصى أقاصي الخليقة العجيبة آتياً من القبور، من البحار، من عناصر الحياة جميعا، صارخا .. أيها الرجل لقد أذللتني فكنت ذليلاً، حررني لتكن حراً، حررني لتحرر الإنسانية».. في حين تسخر فرجينيا وولف وتتهكم وتغضب وتثور وهي تخاطب الرجل وخاصة الأديب والمفكر. فهي تقول في محاضرة من محاضراتها العاصفة واصفة أحد المفكرين: ” صاح بعد أن قرأ فقرة لكاتبة، يا لها من نسوية متطرفة فهي تقول ان الرجال متكبرون. الذي أدهشني في صيحته ليس فقط حس الزهو، وقد أصيب بجرح ما، ولكن ما بدا أنه اعتراض قوي على تعدٍ أصاب، فيما أتخيل، ثقة ذلك الرجل بنفس”..

    مي زيادة كانت مجاملة تتوسل في خطابها التغيير، وتخوض في بحور من العداء بثوب الحمامة الوديعة التي تحني رأسها أمام العواصف، فقد كان بعض من صاحبتهم من الأدباء يحمل البغض لقضيتها، ولعل عباس محمود العقّاد يصلح أن يكون حقل اختبار لازدواجية الأديب في نظرته الى المرأة. ولكن مي زيادة التي بادلته الرسائل واللقاءات الاسبوعية، لم تدخل معه في خضم هذا الإشكال الحضاري الذي كان يؤرقها، فقد كانت تخاف عنفوانه في مقارعة الأعداء، لذا بقيت على صداقة معه، مستغنية عن سجال يثري الثقافة العربية معرفيا وإنسانيا.

    التشابه والاختلاف بين السجايا الشخصية والفكرية للأديبتين العربية والانكليزية لا يمنع القارئ من التصور أن اندفاعة النهضة العربية مطلع القرن العشرين كانت من القوة والزخم، ما بدت وكأنها المشروع الذي يختصر سنوات التخلّف الطويلة التي مرّ بها العرب، ولم يكن يلوح لأكثر الناس تشاؤما إن عجلة الزمن بعد أن انقضى عهد مي زيادة، تستعد للاستدارة على هذا المنحى الدراماتيكي. ماتت مي زيادة تلك الميتة المؤلمة، ولم يخرج بجنازتها إلاّ القليل من سمّار منتداها الأدبي، ونساها الناس ولم يبق منها سوى تلك الحكاية الشرقية التي تضع اللغز ثم تفتش عن الحل كي تنسى فداحة الفقدان.

  • المصلحة غلابة ياعبد العال – مشاعل بشير

    المصلحة غلابة ياعبد العال – مشاعل بشير

    كتبت: مشاعل بشير

    تتسللُ الشمس بخجل إلى هذه الزاوية المظلمة من العالم، حيث عناوين الأخبار افترشت دون حياء سريري.

    الاندفاعُ الأمريكيُّ لإصلاح ما أفسدَه حكمُ ترامب، أشبه بذلك الفأر الذي يركض دون توقف داخل دولاب، السؤال ليس متى سيتوقف الدولاب عن الدوران، لكن السؤال… هل سيبتلعُ الفأرَ المستعجل؟

    فتصريحات بايدن إزاء القضيةِ الفلسطينية – مؤرقةُ مضاجعِ الأمة – كاعتبارِ الضفة الغربية أرضًا محتلةً، وإن كانت مجرد لفتةٍ لحفظ ماء الوجه؛ إلا أنّه اعتبارٌ ضايقَ الكيان الصهيوني المحتل، المتضايقُ أيضًا من ماراثون إحياء الاتفاق النووي مع إيران، بغض النظر عن حماقةِ نظام خامنئي التي ستحرق مضمار سباق الماراثون لأسبابٍ قد أشرحها لاحقًا، أو في مقالٍ منفصلٍ. لكن هذه الحماقات إن تحققت ستخدم مصالح الكيان الصهيوني. 

    التهديدُ المبطنُ من بايدن إلى قُمرة القيادة في السعودية بأنَّ التغيير قادم، أو كما قال في مقابلة متلفزة “أن هناك قائمةٌ بالأشياء التي نتوقع من السعوديين أن يفعلوها، ومن بينها أنه يجب إنهاء الحرب في اليمن”، ويبدو أن ذلك قيدَ الإنجاز، ببطءٍ، وأكثر دموية. 

    هذا السباقُ مع الزمن يلفتُ أنظار العالم، تحديدًا الخليفة العثماني، حيث يسعى جاهدًا للفت نظر بايدن، للحصول على استحسانه، لبدء صفحة جديدةٍ مع الحليف الأخطر لكن الأهم، بعد أن أنهكت لعناتُ ترامب اقتصاد تركيا، إلى جانب مغامرات الخليفة العثماني هنا وهناك. 

    ولعلَّ من أبرز محاولات الخليفة العثماني، هو التقاربُ المفاجئُ مع مصر! وهنا مربطُ الفرس!

    بلدان ورئيسان تحت تلسكوب واشنطن، ففضائح انتهاكات حقوق إنسان وفقا لتقارير منظمات غير حكومية تطفح على السطح، لذا فهذا التقارب ونوايا المصالح يخدم البلدين والرئيسين. 

    عمومًا، أظهرت تركيا حسن النوايا عندما أصدرت قرارًا بمنع قنوات الإخوان المصريين من مهاجمة النظام في مصر، على الرغم من أن الخليفة العثماني يفخر بكونه إخوانيًا. 

    لا يوجد تمثيلٌ دبلوماسيٌ بين تركيا ومصر منذ ٢٠١٣، لكن وزيرا خارجية البلدين أعلنا مؤخرًا “عودة التواصل الدبلوماسي بين البلدين” ووفد تركي سيتحرك إلى مصر مطلع مايو المقبل.

    كيف وصلنا إلى هنا؟! آه صحيح، القرابين التي يقدمها العالم لصعود طائرة بايدن من طراز كونكورد! أعلم… أعلم… تم إيقاف تصنيع هذه الطائرة على الرغم من إنجازاتها الخارقة. 

    لهذا دعونا نتساءل، هل في العجلة الندامة أم أنه حقًا سيصلحُ ما أتلفه دهرُ سابقيه؟! وعلى حساب ماذا أو مَن؟!

    إلى ذلك الحين، ماذا عساي أن أفعل بعناوين الأخبار الملتصقة على مريئي؟!

    مشاعل بشير

    16 أبريل 2021

  • كم كنت حنونًا وأنت تكذب – فروغ فرخزاد

    كم كنت حنونًا وأنت تكذب – فروغ فرخزاد

    وهذه أنا

    امرأة وحيدة على عتبة فصل بارد، 

    حولي مآتم المرايا وعزاء التجارب الباهتة

    مضى الزمن

    والمُنقِذ المنتظر راقد في قبره، 

    والتراب..

    الترابُ المضيافُ حوَّله إشارة للسكينة

    تهبُّ الريح في الزقاق

    إذاً قد حان الوقت لرمي ضفيرة طفولتي بالنهر.

    وتفاحة عمري التي قطفتها سُحقت و دحرجتها الأقدام

    يا صاحبي الوحيد

    أنتظرك في ضيافة الشمس والعصافير، فلا تتأخر

    لأن الهواء يصير بائتاً بدونك.

    ياصاحبي

    كل تلك البقع الزرقاء المشتعلة في ذهني، 

    لم تكن سوى تصور بريء للنار والضوء

    تهب الريح في الزقاق، 

    فكيف نلجأ لأنبياء مهشمي الرؤوس؟ 

    والسماء مليئة بهذا الكذب؟

    يا صاحبي الوحيد

    أشعر بالبرد وكأنني لن أشعر بالدفء أبداً، 

    فلماذا تخبئني في قعر المحيط!

    أشعر بالبرد وأعرف

    أعرف أنه من بين جميع أوهامي الوحشية لن يتبقى شيء سوى بضع قطرات من الدم.

    تهب الريح في الزقاق وتهمس لي بأنني كبرت، والآن وقت توديع الطفولة وعد الأرقام، 

    وأنَّ عليّ أن أخرج من الأشكال الهندسية الضيقة إلى فضاءات الحياة الرحبة

    عارية أنا عارية

    كالصمت في منتصف حديث حب

    عارية وكل جراحي من الحب

    أنا قادمة من عالم مهمَل، وبيت مغلق على رغبات شبابي

    قادمة من عند أشخاص، عندما يُقبّلونك، ينسجون في مخيلتهم حبل مشنقتك.

    أنا امرأة صغيرة وحيدة، عيناي كأعشاش عنقاوات مهجورة.

    هذا ما يحدث. 

    هذا مايحدث لفتاة ساذجة مترعة بالثقة.

    رائحتي كلها ليل.

    كم كنت عطوفاً يا حبيبي، 

    كم كنت حنوناً وأنت تكذب، 

    وأنت تغلق مرايا أحداقي. 

    وأنت تطفيء الشمعدان آخذاً إياي لزاوية الحب المظلمة

    ما الصمت ياحبيبي؟ إلا أحاديث لم تُقال

    عاجزة أنا عن الكلام، ولغة العصافير تموت في المصانع المهجورة

    أو من بداية فصل البرد.

    بالحدائق الخربة لخيالي. بالبذور حبيسة التربة.

    والموسم القادم سوف يأتي الربيع ليضاجع السماء،

    ولسوف نزهر يا حبيبي، 

    فلنؤمن بحلول فصل البرد.

    *نص: فروغ فرخزاد

    **ترجمة: هند عيسى