المدونة

  • الصرخة وقصائد أخرى – مهدي سلمان

    الصرخة وقصائد أخرى – مهدي سلمان



    الصرخة


    وصرختُ حينَ رأيتُ نفسي في المنام

    لكنَّ صوتي وهو يخرجُ من فمي

    ما كان صوتاً، كانَ أفعى..

    وخشيتُ منها

    كيفَ أكتم صرختي؟

    أأعيدها لفمي؟

    أأطلقها على نومي؟

    أأصرخُ مرة أخرى، لتخرج صرخةٌ أفعى سواها

    آه يا جحر الأفاعي يا فمي

    ماذا سأفعل كي أطمّك؟

    والكلامُ هو الكلام.



    غرابان

    لا أبحثُ الآنَ عني ولا عنكِ

    أعرفُ أن الذي بيننا ليسَ حباً

    ولكن قتيلٌ أمامَ غُرابَينِ لم يدريا كيفَ

    في طينِ خوفهما

    يدفنان سماءين من سوءة الوقتِ

    أعرفُ كم تُشفقينَ عليَّ، وأعرفُ أني

    الغراب الذي سيعلمه الله كيفَ يواري محبته

    ثم يمضي طليقاً إلى ندمٍ واسعٍ كالنحيبْ.






    كتف صدفة

    مصادفةً كنتَ قلباً

    كأنكَ لم تستعدّ لتصبحَ بعدُ

    تُركتَ على جهةٍ خطأَ.. ونُسيتَ

    فحاولتَ، خربشتَ ذاكرة الناي

    أوقعتَ بعضَ الأواني عن الرفِّ

    ذبتَ.. تعثرتَ في ذيلكَ المتصلّبِ

    أحرقتَ في عَدوِكَ الخائفِ اسمكَ

    بلتَ على كلماتكَ

    فاجأتَ نفسك بالنابِ

    نِمتَ على لحظةٍ تتمزّقُ

    حاولتَ.. قدرَ الذي تستطيعُ

    وأخطأتَ .. أخطأتَ

    لكن مصادفةً صرتَ

    لم تكتملْ.. غيرَ أنكَ صرتَ

    بدأتَ، تلعثمت

    وانتبهت قدماكَ لمعنى الوقوفِ

    على حافة الرقصِ

    أمسكتَ بالحائط الرخو

    ما بين ظلِّيكَ

    قمتَ،

    نهضتَ،

    تشبّثتَ بالشمسِ

    ها أنتَ تمسكُ بالسلّمِ الخشبيّ

    وتعدو

    على ورقٍ يابسٍ،

    تتلمّسُ كفُكَ وجهَ الجدارِ المجعّدِ

    تصبحُ (قلباً مريضاً بزلّاتهِ الأبديةِ)

    شيئاً فشيئاً

    ككل القلوبِ تصيرُ

    وتسحبني نحوَ أوهامِكَ المشتهاةِ

    تهيّئ لي حفرةً في الفراغِ،

    لتوقعني فيّ

    تتركُ لي خاتماً في الطريقِ

    لأغرقَ في حبِّ

    ما لستُ أعرفُ

    تنسى على كفها لمسةً

    لتجيءَ..

    وتتركني معها

    صفعةً في غيابٍ ترتبهُ

    لحظةً لحظةً

    خفقانٌ سريعٌ،

    وجوهٌ تُبحلقُ في غيمةٍ من خيوطٍ،

    ترتّبُ لي كلّ شيءٍ

    وتنسى بكاءكَ في آخرِ الغرفةِ

    البابُ ملقىً على وجههِ،

    والنوافذُ تصفقها الريحُ بالبردِ

    يا قلبُ.. أنتَ هناكَ

    تحاولُ من دونِ فائدةٍ

    أن تصيرَ..

    وماذا تبقّى من الضوء حتى تصير؟

    ماذا تبقى لتصبح قلباً

    وتعرفني..؟




    *نص: مهدي سلمان

  • كأنَّنا نخوضُ معركةً دون أن نبرح السرير – عبدالرحيم الخصار

    كأنَّنا نخوضُ معركةً دون أن نبرح السرير – عبدالرحيم الخصار


    إنَّني أهذي
    لكن وعيي حادٌّ مثل معول
    وإذا ما بدوت لكِ أدنو من الجنون
    فلأنَّ يدًا سوداء تدفعني من الخلف.

    كأنَّنا نخوضُ معركةً
    دون أن نبرح السرير
    كأنَّنا نقاتل ضدّ الأغراب
    مع أن أطيافنا قد شلَّها الخدر
    لماذا نحس بشيء لا رغبة لنا فيه؟
    لماذا نجد أنفسنا في ساحةٍ لم نسر إليها يوماً ما؟
    لماذا ننام في غرفتنا ونستيقظ في غرف أخرى؟
    نرتدي معاطف الوبر في عز الصيف
    ونسير في طرقات نجهلها
    وإذ نسير نتعثر بأفكارنا
    ينبت العشب فوق عيوننا
    وشيئًا فشيئًا تتحول أقدامنا إلى أخشاب.

    كنتُ أركض في الأجمات
    مثل نمر يتعقَّب طريدة
    وها أنا اليوم أرشو الأشجار كي تُخفيني
    لستُ خائفاً مما مضى
    لكنني خائف مما سيأتي
    أخاف أن أضع يدي في جيبي فتلسعني العقارب
    أخاف أن أخطو باتجاه البهو فتصعقني الكهرباء
    أخاف أن أفتح لكِ الباب فتداهمني دبابة
    غصن شجرة السنديان يتخذ شكل البندقية
    والعصافير التي تطير فوقنا
    تشبه القنابل التي تسقط من السماء
    لذلك فشعوري اليوم  
    هو شعور رجل يستسلم قبل المعركة
    ربما لا ترين الأغلال في قدمي
    لكن شفتيّ تتمتمان بلعنة لا نهاية لها
    تعالي معي إذن لنجوس التل
    ونلعن كلَّ الذين أوقعونا في هذه الشراك.

    كان أولى لنا أن نتشبه قليلاً بالملائكة
    ألا ترين أن هؤلاء البشر لم يعودوا بشرًا كما كانوا
    صاروا مستنقعات كبيرة من الدماء
    وأنتِ تعرفين أني أكره الدماء
    لذلك فثيراني تشيخ في حظيرتها
    لنجرب ازدراد الأعشاب ربما تصيبنا الرحمة
    الحيوانات أليفة كما يبدو
    والإنسان هو الضاري
    ويومًا ما ستطول أنيابه
    وستنبت في يدهِ المخالب الجارحة.

    إنَّني أنام على سريرٍ في غرفة عالية
    ومع ذلك أحدس أن طوابير من الأفاعي
    ستصعد الأدراج وتلدغ كتبي
    كم سيكون مؤلمًا لهؤلاء الشعراء المنتحرين
    أن يموتوا أيضًا بلدغة أفعى
    وأؤلئك الذين علقتُ صورهم على مداخل الغرف
    سينظرون إليَّ بعتاب
    لأني تركت عصرهم وعشت في عصرٍ بلا مذاق
    لقد أطلنا التحديق في بعضنا حتى أصبنا بعمى الألوان
    ألا يجدر بنا أن ننفض المكرَ والأحقاد عن ثيابنا
    ونكنس الغبار الذي تكدّس في الحجرات؟

    سيتغير العالم يومًا ما
    أعرف ذلك مثلما أعرفك
    فقط ينبغي لهاته الحلازين التي تدبّ فوق مكتبنا
    أن تخرج من قواقعها وتنمو لها أجنحة
    ينبغي لهؤلاء العميان
    أن يتحسسوا طريقهم في الديجور القاسي
    ينبغي لهاته الحشود الخرساء
    أن تصطف يومًا ما أمام التماثيل،

    وتجرب الصراخ.


    *نص: عبدالرحيم الخصار

  • لا تعرف العيون إلى أين تذهب نَظَراتها – وديع سعادة

    لا تعرف العيون إلى أين تذهب نَظَراتها – وديع سعادة



    العيون أيضاً

    يعبرون، أفراداً وجموعاً، ولا أحد ينظر إليه.

    إلى أين تذهب نظراتهم، لا يعرف. أين تحطُّ النظرة إنْ لم تحطَّ على ناس؟!

    يسمع أنيناً تحت الأقدام. ويعتقد أنَّ من يئنُّ هناك هي العيون.

    انتشلِ العيونَ من التراب وضعْها على الغصون، فالأشجار تريد أيضاً أن تنظر.

    انتشلْها وضعْها على الحجارة، فربما الحجارة تريد أن تمشي وينقصها النظر، أو على الأقلّ تريد أن ترى من يقعد عليها.

    ليس عدلاً أن لا يكون للنظرات مكان.

    ليس عدلاً أن لا تعرف العيون إلى أين تذهب نظراتها.

    وإن احترتَ إلى أين ترسل نظرة فضعْها على الطريق. قد يمرُّ أعمى ويكون في حاجة إليها.

    قال هذا والجموع تعبر ولا أحد يلتفت إليه.

    نظرات، يتيمة، في فضاء فارغ.

    تمنَّى لو يخلق لها أباً، أمّاً، أخاً، رفيقاً…

    نظرَ، ولم يرَ رحْماً.

    نظرَ، ولم يرَ.

    كأنه كان هو العابرين.

    ومثلهم لم يعرف إلى أين تذهب نظرته.

    كلمة فقط، أو إشارة

    كلمة، كلمة فقط

    أو إشارة

    كي أرى بيتاً في تموُّجات الصوت

    ومَقعداً في عروق اليد التي تلوّح.

    كلمة أو إشارة

    كي يقعد هذا الحشد الواقف في قلبي.

    غيوم

    في عيونه غيوم

    ويحدّق في الأرض

    علَّها تمطر.

    لم يرَ طريقاً، لم يقلْ كلمة

    كلُّ ما رآه كان مشهداً واحداً: قلبه

    مسافة طويلة

    طويلة ولم تكن

    غير دوران في قلبه.

    جاءت الريح وأخذته وهو جالس في قلبه

    لم يرَ طريقاً

    لم يقلْ كلمة

    بحثَ عن طريق

    عن كلمات

    عن عيون

    وذهبَ أعمى

    وصامتاً.

    المَقعد

    مشى ناظراً إلى فوق، إلى الغيم الذي يعبر، وقال في قلبه: إنهم يعبرون أيضاً هناك.

    هناك أيضاً فوق من يمشي، ولا مقعد له.

    ولكن من هم هؤلاء الذين طلعوا من ماء ويمشون فوق؟ لا شكًّ بينهم أنفاسُ غرقى.

    مُدَّ نظرةً إليهم، مُدَّ كرسيّاً، فلعلَّهم متعبون.

    مشى خافضاً رأسه. لا يريد أن يرى أنفاس غرقى في الفضاء. مشى خافضاً رأسه، وانتابه حُبٌّ هائل للتراب.

    ما في قلبي على الأرجح هو تراب إذاً وليس دماً، قال، ومشى.

    ابحثْ في التراب حبَّةً حبَّة، قد تجد نفسك، أو على الأقلّ قطعةً منك.

    قد تجد قطعة من أجدادك، ومن أحفادك الذين لم يولدوا بعد.

    ابحثْ في التراب قد ترى أصدقاء، وقد تتعرًّف إلى ناسٍ لا تعرفهم.

    انبشْ التراب الذي في قلبك، ستجد كثيرين مدفونين هناك، ينتظرون أن يصل مِعْولك إليهم كي يحيوا.

    تعبَ وأراد أن يجلس.

    على الطريق أحجار. حجرٌ مستطيل يريد أن يمشي. حجر مكوَّر يندب نفسه. حجر ذو ثغرة كفمٍ يريد أن يقول شيئاً. حجر مائل يستنجد بحجر آخر…

    أحجار في جوفها شرايين، في جوفها دم… هل يجلس على دم؟!

    ابسطْ نظرتك على الأرض واجلسْ عليها.

    استرحْ في عينيك.

    في العيون مقاعد. اسحبْ كرسيّاً من عينك واقعدْ عليه.

    قديماً، مرَّ متعبون كثيرون وقعدوا في عينه. استراحوا قليلاً من سفر طويل، ثم تابعوا المشي على نظرته.

    في ذاك الوقت كان يمكن أن تخرج العينُ من محجرها وتصير طريقاً. وحين يتعب الماشون، كان يمكن أن تعود إلى محجرها وتصير بيتاً.

    كان يمكن تلك العين أن تؤوي آلاف المتعبين، وآلاف الضالّين، في محجرها الصغير، وأن تقدّم لهم طعاماً وشراباً من شرايينها التي لا تُرى.

    الأحجار ليست مقاعد، وعلى حوافي العين رمل، قد يكون من الدموع. من دموع المتعبين الذين يمشون كلًّ حياتهم ولا يجدون مقعداً.

    هيَّا، تابعِ المشي. لا تجلسْ على رمل. لا تجلسْ على دمع.

    وافترضْ أخذتَ كرسيّاً من عينك وجلست. أليس كلُّ الذين تنظر إليهم يجلسون عليه؟ فهل تجلس على جالسين؟!

    هم أخذوا المقعد قبلك. فبمجرًّد أن نظرتَ إليهم صار المقعد في عينك لهم. امشِ، لا مقعد لك في عينك ولا مقعد لك على الطريق.

    امشِ.

    وانتظرْ أن تنظر إليك عينُ عابرٍ آخر، فلعلَّك تقعد وتستريح فيها.



    من ديوان: قُل للعابر أن يعود نَسيَ هنا ظِلَّه

  • الرَّغبةُ – وديع سعادة

    الرَّغبةُ – وديع سعادة

    مُسقطُ الرغبات بلغ الهدف. فلا رغبة في مشي بعد، ولا في وصول.

    أليس الوصول هو التخلّي عن رغبة الوصول؟ أن تصير بلا رغبة في شيء، فقط المقعد الصغير الذي تجلس عليه ربما، أو الشجرة أمامك، أو الفراغ الذي بلا مقعد و لا شجر؟

    أليس الوصول أن تبقى حيث أنت؟ أن يكون هدفك مكانك بالضبط، حيث أنت هنا و الآن؟

    أن تتجاوز الرغبة، أليس هذا هو العبور العظيم؟

    الرغبات تُفسد النزهات. لا يعود أصحابها يرون جمالات الطريق. تصير عيونهم في مكان آخر. في مكان الرغبة، التي لا تستقر في مكان. الرغبة اللامكان لها. يصيرون في الغائب، المستلَب، غير الموجود. يصيرون في اللامكان.

    الراغبون يقيمون في الملغيّ.

    هل يمكن بناء بيت في غياب، وضع كرسي في عَدم؟

    الرغبات تصنع حفرًا في الروح، تصنع جروحًا. هل يجوز وضع مقعد في جرح؟

    إذا كانت الجروح التي حفرَتْها الرغبات على مدى التاريخ، وتسيل منا دمًا الآن، لم تبلغ مستواها بعد ولا هدفها، أيكون مطلوبًا إذن صنع طوفان جديد من جروحنا أم دَمْل الجروح؟

    هل يجب تهشيم الروح والجسد في الممرات نحو الرغبات المستحيلة، أم الجلوس والتمتّع بمشاهد الطريق؟

    أيجب طلب غائب أم الفرح بعدم حضوره؟

    وإن كان لن يأتي، ولن نصل إليه، هل نعيش غياب انتظاره أو نعيش حضورنا في غيابه؟

    ثمّة رقص على الدرب لا يراه الراكضون. رقص يعرفه الجالسون. ثمة رقص خفيّ في الجلوس.

    الساكنون يسمعون وحدهم الأغنية. الضاجّون طرشى ضجيجهم.

    في السكون غناء جميل. في الصمت دهشة أصوات. حين تجلس وتصمت تكون تخترع أوتارًا جديدة.

    وولادات، لا تصرخ حين تولد.

    وميتات، لا تأسف إذ تموت.

    ورقصات، تنتشي من سكونها.

    ومسافات، تقطع الدروبَ وهي على مقاعدها.

    ومزهريّات، تعبق من فراغها.

    في السكون أرض جديدة. والسماء تبزغ من العيون المغمضة.

    أحيانًا ينشر الجرح صيفه على البيوت، فتُخرِج نقاطُ دمٍ كراسيها لتستظلَّ الشجر.

    أحيانًا تَخرج نقاطٌ إلى النزهات ولا تعود إلى العروق. أحيانًا، ييبس الدم على الباب، أحيانًا يضيع، ودائمًا ينزل في غير مكانه: على تراب، على حجر، على جلد، على قماش، وليس أبدًا على هدفه. فهدف الدم، على الأرجح، ليس الخروج، بل البقاء في مكانه.

    الخروج من مكان ليس نزهة، ليس بلوغًا، إنه ضياع.

    والرغبات التي تُخرجنا من بيوتنا لا تمنحنا ظلاًّ ولا نزهة. النزهات تشرّدنا على الدروب، وتترك منا عظامًا في المجاهل.

    هل أقول لا ترغب؟ وكيف يكون ذاك؟ أليس كمن يقول لا تكنْ؟

    لكن، أبالرغبة كون أو يولد الكون خلسةً في غيابها؟

    هل يقيم الكون في الرغبة، أم يبدأ من النقطة التي بعدها، من الفسحة، ويمتدّ في فراغٍ عظيم؟

    أن تكون حقًا، هو أن تسعى إلى ملء نفسك بالكون أم أن تفرغه منك؟

    والهدف، هل تبلغه إن سعيت إليه أم إذا ألغيته؟

    ألا تكون وصلت إذ تلغي الأهداف؟

    إن بلغتَ رغبةً تلد لك رغبات. فالرغبة إن بُلغت تكاثرت. ولدتْ أطفالاً مشاكسين. وتركض أنت، تركض ولا تبلغهم، إلى أن تلفظ الأنفاس.

    اقعدْ. لا تلهثْ على الدروب.

    إلغِ الدرب، تصلْ.

  • هايكو فارسي: تيرداد فخريه – ترجمة: توفيق النصاري

    هايكو فارسي: تيرداد فخريه – ترجمة: توفيق النصاري


    حالياً  لا …
    دَعِيهَا فِي الرَّبِيع
    مَعَ البَرَاعِم

    *
    صمتٌ عجيبٌ
    كأنَّني
    خارج الكون

    *
    غُبار القَبر …
    بِيَدِه الصَّغِيرَة
    يَرسمُ قلبًا

    *
    رَأيتُها فِي الرَّبِيع
    فِي ذِكراها
    أزرَعُ بَنَفسَجة

    *
    كم أنا وحيد…
    الرّيح لا تجلبُ
    حتَّى ورقةً يابسة

    *
    دُونَ الرِّيح
    لَستِ فِي العَين
    أيَّتها الصَفْصافة

    *
    لقد نُسيت …
    جُدجدةٌ هناك
    لاتصرّ

    *
    تحت ضوء القمر
    تضوع أكثر
    أیّها الياسمين الربيعي

    *
    باقةُ الزهورِ تلك
    لاتزالُ غَضَّة
    بینَ النفايات

    *
    زهرةٌ
    عَلَی جانِبِ الوادِي
    مِن دونِ خَوف

    *
    أزرعك
    دونَ أن
    أعرف اسمك

    *
    ثَلجُ الصَّبَاح…
    نَدفَة نَدفَة يَنزل
    الصَّمت عَلَى العَالَم

    *
    لاتذهبین
    ولا تمطرین
    أیَّتها الغيمة الداكنة

    *
    نصیبي
    من هذا الربيع
    زهرة بلا رائحة


    *تيرداد فخريه : شاعر إيراني من شيراز.

  • هذا الحبُّ – جاك بريفير – ترجمة: نضال نجار

    هذا الحبُّ – جاك بريفير – ترجمة: نضال نجار

    حَتَّى لو أنَّه عنيفٌ / هَشٌّ /  لطيفٌ / يَائِسٌ
    فَهَذَا الْحُبُّ جميلٌ، كَمَا النَّهَار
    وَكَمَا الطَّقْس، رَدِيءٌ.
    هَذَا الْحبُّ
    حَقِيقِيٌّ / جميلٌ / سعيدٌ / بهيجٌ
    وَ … مُثِيرٌ لِلشَّفَقَةِ
    مِثْلُ طِفْلٍ يَرْتَجِفُ خَوْفًا فِي الظَّلَامِ
    وَ … وَاثِقٌ مِنْ نَفَسِهِ
    مِثْلُ رَجُلٍ هَادِئٍ فِي مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ
    هَذَا الْحُبُّ الَّذِي
    أَخَافَ الْبَعْض
    دَفَعَهُمْ لِلْكَلَاَمِ
    وَشَحبَ وُجُوهَهُمْ
    هُوَ الْحُبُّ الَّذِي اِنْتَظَرْنَاهُ
    طَرِيدًا / جَرِيحًا / مَنْبُوذًا / مُنْتَهِيًا / مَنْفِيًّا / مَنْسِيًّا لطَالَمَا
    طَارَدْنَاهُ..
    جَرَحْنَاهُ..
    نَبَذْنَاهُ..
    أَجَهَزْنَا عَلَيْهِ..
    نَفَيْنَاهُ..
    وَنَسِينَاهُ.
    هَذَا الْحُبُّ بِأَكْمَلِهِ
    حَيَّا لَا يُزَالُ
    وَمُضِيئًا كُلِّيَّا
    إِنَّهُ لَكِ … اِنْهَلِي
    ذَاكَ الَّذِي كَانَ
    هُوَ هَذَا الشَّيْءُ الدَّائِمُ التَّجَدُّدِ
    وَلَمْ يَتَغَيَّرْ
    وَحَقِيقِيٌّ أَيْضًا مِثْلُ غَرْسَةٍ
    وَمُرْتَجِفٌ أَيْضًا مِثْلُ عَصْفُورٍ
    دافئٌ وَمُفْعَمٌ بِالْحَيَوِيَّةِ مِثْل الصَّيْفِ.
    كِلَّانَا…
    يُمْكِنُنَا الذَّهَابُ وَالْعَوْدَةُ
    يُمْكِنُنَا أَنْ نَنْسَى وَمَنْ ثُمَّ نَعُود لِلنَّوْمِ
    نَسْتَيْقِظُ..
    نُعَانِي..
    نَشِيخُ
    وَنَعُودُ أَيْضًا لِلنَّوْمِ
    نَحْلم بِالْمَوْتِ
    نُوقِظُ الضَّحِكَ وَالْاِبْتِسَامَ وَ … نَتَجَدَّدُ
    حُبُّنَا يَبْقَى هُنَاك
    جَامِحٌ كَحِصَانٍ
    حَيٌّ كَالْرَّغْبَةِ
    وَحُشيٌّ كَالْذَّاكِرَةِ
    أَحمقٌ كَالْنَّدَمِ
    لطيفٌ كَالْذِّكْرَى
    بَارِدٌ كَالْرُّخَامِ
    جميلٌ كَالْنَّهَارِ
    هَشٌّ كَطِفْلٍ يَنْظُرُ إِلَيْنَا مُبْتَسِمًا
    يُحْدِّثُنَا دُونَ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا
    وَأَنَا، مُرْتَجِفٌ، أَسْمَعُ…
    أَصْرُخُ
    أَصْرُخُ مِنْ أَجَلِكَ
    أَصْرُخُ مِنْ أَجلي
    أَرْجُوكَ
    مِنْ أَجَلَكَ / مِنْ أَجَلِي / مِنْ أَجَلِ الْمُحِبِّينَ
    وَمِنْ أَجَلِ الَّذِينَ لَا أعْرَفُهُمْ
    اِبْقَ هُنَاكَ
    هُنَاكَ
    حَيْثُمَا أَنْتَ فِيمَا مَضَى كنتَ أَنْتَ هُنَاكَ
    اِبْقَ هُنَاكَ
    لَا تَتَحَرَّكْ
    لَا تَرْحَلْ بَعيدًا
    نَحْنُ الْعُشَّاقُ لَنْ نَنْسَاكَ
    فَلَا تَنْسَانَا
    نَحْنُ الَّذِينَ لَيْسَ لَنَا عَلَى الْأَرَضِ غَيْركَ
    لَا تَتَرُكنَا … نَرْتَعِشُ بَرْدًا
    وَأَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرِ
    لَيْسَ مُهمًا أَيْنَ
    فَقَطْ أَعْطِنَا لَاحَقًا إشَارَةَ حَيَاةٍ
    فِي رُكْنٍ مِنَ الْغَابَةِ
    غَابَةُ الذَّاكِرَةِ
    نَظْهَرُ فَجْأَةً
    مُدَّ لَنَا يَدكَ
    وَأَنْقِذنَا.

    *نص: جاك بريفير
    * ترجمة: نضال نجار

  • افتَح لي باب لياليك – راكيل سانتيليز – ترجمة: عبدو زغبور

    افتَح لي باب لياليك – راكيل سانتيليز – ترجمة: عبدو زغبور

    علينا المُضيُّ أحياناً
    في طريقٍ طويلٍ
    كي نعودَ إلى المكان
    حيث انطلقنا
    تجدُني
    وأضيعُ فيك.


    ***

    افتح لي باب لياليك
    دَعني أُودعُ فيه
    نَفَسي
    مُتخَمةٌ أنا
    بالعدَمِ
    والوداع.

    ***

    أنا صَخبٌ صامتٌ
    يجتاحُ كلَّ مكانٍ
    من أحشائكَ
    ويَجعلُ الحُبَّ
    يَستيقظُ فيكَ
    مع الصوت الرهيف
    للرَّعد

    ***

    دع جَسدي يتفاهمُ
    مع جَسدكَ

    دع روحَكَ تتفاهمُ
    مع روحي

    مسحورةٌ بالحبِّ
    كلُّ شيءٍ
    يَضوع بكَ.


    ***

    أشعلَ ورقةَ التين
    هدّي تَوقي
    بلسانكَ الناري
    احتفظْ بي
    في عُمقِ جنسكِ
    الوحشيِّ والغَضّ.



    *عبدو زغبور

  • ثمة أجساد لا تتسع لكلِّ الرغبة – فلوريمان فورخونيل – ترجمة: عبدو زغبور

    ثمة أجساد لا تتسع لكلِّ الرغبة – فلوريمان فورخونيل – ترجمة: عبدو زغبور

    ادخل وأعطني عسَلاً،
    أعطني القُبلةَ التي تجعلُني،
    أولدُ من جديد
    أو ادخل واجعلني حطبًا،
    اجعلني نهايةً، نهايةً وخرائبَ
    لكن ادخل إلى هذا المعبد
    الذي أفتحه لكَ
    وأعيدُ فتحَهُ إلى ابتهالكَ،
    أو إلى حريقك.

    ***
    حينما نكونُ رطوبةً
    سيكونُ ثمةَ نارٌ جَمَّةٌ
    سنتركُ الأرضَ
    من دون نَفَس
    حيما نكونُ نارًا
    سيمتزجُ الماءُ والعسل
    ونتركُ الأرضَ عاريةً.

    ***

    أنتَ الجبل
    ذريعةُ الشمس لأخذ استراحة
    واقتناصُ برهةٍ من عملها
    في حَرقِ كلِّ شيءٍ بطريقها.
    نحنُ حريةٌ، غضبٌ، أُقحوانٌ
    ويعود فنائي بالحبقِ، والزنابق من جديد
    ونكونُ نشيدَ الصَّندل:
    العَدَمَ العذب.

    ***
    يفتحُ فيَّ ثَلْمًا
    يحرثُني
    يعجنُ بالسائل صلصالي
    يجوبُ أحشائي كما يهوى
    يُقيمُ مسيلاً للخلود
    للرضاب، للسحر
    الطيرُ يضحكُ من استسلامكَ لي.

    ***

    في كلِّ ورقةٍ ساقطة
    تُقرأ مقاطعُ اسمك
    والريحُ في مُداعبتها تُغنّيها
    في نشيدٍ عنكَ لا يتوقف.

    ***
    بين محيطكَ وأنهاري
    مضجعٌ: الليل.
    بين نارِكَ وحِمَمي
    ذريعةٌ: الجسد.

    ***

    أصحو
    وأشتاقُ إليكِ هكذا
    في كمال الفراغ.
    أُنهِضُ النهارَ
    وأزرعُ الشمسَ
    كي لا أرى غيابَكَ.

    ***

    رأيتهُ واعتقدتُ أنِّي أتذكَّر البحرَ
    ثمَّةَ وقتٌ لقتل الليل
    ثمَّةَ ليلٌ لقتل الوقت
    لكن هناك شموسٌ
    لا يتَّسعُ فيها القمر
    وثمَّة أجسادٌ
    -مثلُ جسدي هذا
    جسدكَ-
    لا تَتَسعُ لكلِّ هذا الحبِّ
    لكلِّ هذه الرَّغبة.



    *ترجمة: عبدو زغبور

  • فاتن، من خطاب حبيبٍ لرولان بارت، ترجمة: هاجر سيد

    فاتن، من خطاب حبيبٍ لرولان بارت، ترجمة: هاجر سيد

    1

    لم يُخطط المحب لتسمية خصوصية رغبته، وبدلًا من ذلك تعود غرامية موضوعه على هذه الكلمة الحمقاء: فاتن!

    يوم جميل من أيلول، خرجت لأقوم ببعض المهام. باريس فاتنة ذلك الصباح… إلخ. فجأةً مجموعة من التصورات تجمعتْ لتُشكل انطباعًا متلالئًا (ليتلألأ: أي ليمنع نهائيًّا الرؤية، ويمنع النُطق): المناخ، الفصل، الضوء، الشارع العريض الذي تكتنفه الأشجار، الباريسيون الذين يمشون في الخارج، التسوق، جميعهم احتجزوا ضمن ما من شأنه أن يكون له مَبعث كذكرى: كمشهد، باختصار؛ هيروغليفية اللطف (كما قام غرويز برسمها) المزاج الجيد للرغبة. كل باريس تحت وطأة إدراكي، بدون إرادتي في إدراكها: لا ضعف ولا شهوة. أنسى كل الواقع في باريس التي تجاوز سحرها التاريخ، العمل، المال، التجارة وكل فظاظة المدن الكبرى، أرى هنا فقط شيئًا من رغبة جمالية مقيدة. وفوق مقبرة بيرلاشيز، قَذف راستينياك تحديه للمدينة: وبين اثنين منا الآن أقول لباريس: فاتنة!

    2

    بعد انطباع الليلة الماضية، استيقظت خفيفًا بفكرة سعيدة “س كانت فاتنة ليلة أمس”، هذه ذكرى لـ… ماذا؟ ما يلقب به اليونانيون الآلهة القديمة: “بريق العيون، جمال الجسد المضيء، تألق الكائن المرغوب به”: وقد أضيف، كما هو الحال في المقاعد القديمة، الفكرة، والأمل في أن الكائن المحبوب سيهب نفسه بناءً على رغبتي. بمنطق فردي، الشخص المغرم يرى الآخر ككل، (وعلى غرار باريس الخريفية)، وفي نفس الوقت، هذا الكُل يبدو له تذكيرًا، لا يمكنه التعبير عنه، إنه الآخر ككل الذي يصنع بداخله رؤية جمالية، يمدح الآخر لكونه مثاليًّا، ويمجد ذاته لاختياره هذا الآخر المثالي، يتخيّل أن الآخر يريد أن يُحَبَّ، كما هو نفسه يريد أن يُحِبَّ، ليس لواحدة أو لأخرى من صفاته، بل لكل شيء، وهذا الكُل شيءٌ يُمنح للآخر في هيئة كلمة فارغة، إذ لا يمكن للكُل أن يكون مُجرَّدًا دون أن يتضاءل في فتنته! ليس هناك أفضلية نوعية، ولكن فقط تأثير الكُل شيء. وبعد، في نفس الوقت فتنته تقول كل شيء. تقول أيضًا ما ينقص في كل شيء؛ إنه يسعى لتحديد موقع الآخر الذي تتشبث به رغبتي بطريقةٍ خاصة، ولكن موقعه لا يمكن تحديده، وبذلك ينبغي أن أعرف أي شىء: لغتي التي دائمًا تتلعثم، تتأتئ في محاولة من أجل التعبير عنه، ولكن لا يمكنني أن أصنع شيئًا واحدًا سوى كلمة فارغة، ونطق فارغ، وهي بدرجة الصفر في كافة مواقعها حيث رغبتي الخاصة لهذا الكائن الخاص سوف تتشكل (وليس لأحد سواه). التقيت ملايين الأجساد في حياتي، ومن هؤلاء الملايين، ربما أرغب في بعض المئات، ولكن من هؤلاء المئات، أحب واحدًا فقط، وهذا الآخر الذي أنا مغرم به هو من يحدد لي خصوصية رغبتي.

    3

    الاختيار صارم للغاية حيث يتعين عليه فقط بما هو فريد، يقول، الفرق بين الانتقال التحليلي، والانتقال العاطفي، واحدًا كونيٌّ والآخر مُحدَّد. بالنسبة لي، تطلب الأمر العديد من الحوادث والعديد من المصادفات المفاجئة بل وربما الكثير من الجهد؛ لأجد بين هؤلاء الآلاف الصورة التي تناسب رغبتي. هيرين لُغز عظيم، التي لن أمتلك مفتاحها قط، لماذا أرغب في كذا وكذا وكذا؟ لماذا أرغب هذا الكذا وكذا بشكل دائمٍ وبتلهُّفٍ؟ أكُل هذا الكذا وكذا الذي أرغبه (شكل ظلّي الصورة، ومزاج جيد)؟ وفي هذه الحالة، ما الذي يوجد في جسد المحبوب مختصٌ في هوسي ؟ ما الجزء المحتمل أن يكون بالغ الهشاشة/ أي حادثة؟ الطريقة التي يُقصّ بها ظافر اليد، أهي سنّ مكسورة ومنحرفة بعض الشىء، خصلة من الشَّعر، الطريقة التي تتفَشَّى بها الأصابع وتتباعد أثناء التحدث، وأثناء التدخين؟ حول كل هذه الطيّات من الجسد؛ أريد أن أقول إنها فاتنة. فاتنة تعني: هذه رغبتي، ما دامت فريدة من نوعها، هذه هي! هذه هي تحديدًا ”كما أحبها“. حتى الآن، كلما زادت تجربتي لخصوصية رغبتي، كلما قلت قدرتي على تسمية ذبذبة الاسم وتطابقه مع دقة الهدف، ما ميزة رغبتي؟ ما يليق برغبتي، ينتج عنه بذاءة في التعبير. ولفشل اللُّغة هذا، يظل هناك سياق واحد فقط، الكلمة ”فاتنة“، والترجمة الصحيحة لفاتنة ستكون لاتينية المعنى: (إنها الذات، هو، هي، بِلَحْمِهِ وشَحْمِهِ).

    4

    ”فاتنة“ إثر عياء غير ذي جدوى/ إعياء اللغة ذاتها، من كلمة إلى كلمة، ”وبمعنًىٰ آخر“ أُعاني لأصيغ فردية صورتي. لأعبر عن بذاءة رغبتي بشَكْلٍ غَير مناسب، رحلة في نهاية فلسفتي الأخيرة ما هي إلا اعتراف بالحشو وتطبيقه. الفاتن هو الفاتن، أو مجددًا؛ أنا هائم بكِ لأنكِ فاتنة، أحبكِ لأنني أحبكِ، وبِذَلكَ ما يُقرّب لُغة المُحب هو الشىء ذاته الذي أسّسها. فِتْنَةَ، لا يُمكن أبدًا وصف فِتْنة، في التحليل الأخير، تجاوزت القدرة على التعبير “أنا مفتونٌ”. هنا نكون قد بلغنا أقصى اللغة، حيث يُمكن أن يكون تكرار الكلمة الأخيرة كأسطوانة مخدوشة، أنا أُثمل نفسي بتأكيدها، أوَ ليس الحشو الحالة الخرقاء التي سنجدها، إنما كل القيّم المحيّرة، والنهاية المجيدة للعملية المنطقية، وفُحْش الحماقة، وانفجار ”نعم“ النِتشَوّية؟

  • برفقة – سهراب سبهري – ترجمة غسَّان حمدان

    برفقة – سهراب سبهري – ترجمة غسَّان حمدان


    كنتُ أسيرُ الليالي وحيداً دونَ مِصباح
    وكانت يداي قد فرغتا من ذِكرى المَشاعِل
    وكانت جميعُ نُجومي قد غاصتْ في الظلام
    وتعتصرُ قبضتي ساقُ الخفقاتِ اليابسة
    وكانت لحظتي مُفعمةً بصدى تَساقطِ الصِّلات
    أتسمعُ أنَّني كنتُ أمشي وحيداً؟ وحيداً.
    كنتُ قد انطلقتُ من عنفوان حديقةِ الطفولةِ الزمرُّديَّة
    وكانت المَرَايا تنتظر صُورتي
    وتبحثُ الأبوابُ عن عبوري الحزين
    وكنتُ أسيرُ، وأسيرُ حتى أسقط في نِهايتي
    واتصلتْ بي فجأةً
    من متاهةِ اللحظاتِ بين عَتمتين
    وامتزج صوت أنفاسي بهندسة جسدك الجهنميّ:
    يا من ارتبطتْ بالليل،
    لتكُن نبضاتي كلُّها لكِ
    نبضاتي كلُّها.
    لقد عبرتُ من التساقطِ الباردِ لأوراقِ النجوم
    حتى أجد الشُّعلةَ المفقودة
    في خطوطِ جسدكِ العصيَّة
    سحبتُ يدي على الليلِ كلِّهِ؛
    فرشحتْ غمغمة الدعاءِ في يَقظةِ أصابعي.
    اعتصرتُ عنقودَ الفضاء
    فلمعتْ قطرات النجوم في عَتمةِ أعماقي.
    وفي النهاية
    أضعتُكِ في إيقاعِ المناجاةِ المُلبَّد بالضباب.

    بيننا حيرةُ الصحراوات
    والليالي عديمة الفوانيس
    وسريرُ الغُربة التُّرابيّ
    ونسيانُ النيران.
    وبيننا ألف ليلةٍ وليلةٍ من البحث.



    *: نص: سهراب سبهري
    **صوت: موزة عبدالله العبدولي

  • شَقِيقَان – لوسيل كلفتن – ترجمة: محمد السعيد

    شَقِيقَان – لوسيل كلفتن – ترجمة: محمد السعيد



    (حديث في ثمانية قصائد بين الله وإبليس كهل، إلا أنّ إبليسَ المتكلّمُ الوحيد).

    1

    [دعوة]

    فلنلتفّ معًا

    في سرير الخَلْق

    بين فتيل الماضي وغضونه.

    كهُلت متذكّرًا…

    عدن، وانزلاق ألسنة القطط شطر اللغة،

    وزَبَدَ ضلع الرجل

    الذي حينما تشكّلَ، مشى.


    حينها، كان رداؤنا المجد:

    نَزْو الموجودات المجنّحة مثل الملائكة،

    وائتلاف المحيطاتِ المحيطات.

    فلنسترح هاهنا بعضًا من الوقت

    كأخوَين قديمَين

    شاهدا ما حدث،

    وحارا في معناه.



    2

    [يا لجبروتك!]

    اصْغ. أنتَ أعظمُ من فهمِك لذاتك.

    ما ظننتَ أنّ ذاك الخليط من ضلعٍ ومطرٍ وطينٍ،

    بشموخه وتسلّطه الأزيز،

    كما كنتَ، بل إنّه ذاتُك؛

    أو كما صكّها معجميٌّ «في صورتك»:

    حيث الوجه، والطموح الغريب،

    والرغبة الممضة في تجاوز المنتهى،

    والعزلة، ومثاليّتك الشوهاء

    كلُّها أنتَ أنتَ أنت.



    3

    [وأما عنّي أنا]

    حيّة لم تبلغ ملاكًا، بل

    ملاك لم يبلغ إنسانًا،

    ما كان منطق الأفاعي ذاك؟

    من تحت قبّة ورقية،

    شهدتُ الخلق،

    مترصّدًا أفول شمس العالم.

    أقسم بصدرِك الغضّ،

    الذي نأى ليُحاك وجودًا آخر،

    وأقسمُ بعودته،

    أنّي مباركٌ

    بعزيز هبتك؛

    أنْ أشعرَ بالحيّ فيّ،

    وألا أهاب.



    4

    [ولأحميني]

    ما الذي كان بإمكاني اختياره

    إلا أن أنزلق وراءهما.

    اللذان ما كانت خطيئتهما

    سوى أن يشابها أباهما؟

    كانا واقفَين…

    والحديقة خلفهما،


    فشبّت شهوة جديدة داحرة

    من مقلتَيهما الملتهبتَين.

    أنت وحدك الذي كان باستطاعته

    نداءُ اسميهما الأعظمَين،

    وهما وحدهما، اللذان خاب سمعهما،

    تحت وطأة تلك الحمّى.


    5

    [اللذة فاللذة]؛

     خَلَبوت المواسم،

    بخار الخبز الطري،

    دفء الملاءة،

    العرق المتصبب بعد الحب،

    صفير العجل الوليد،

    الشهوة

    فالإنسانية.

    ولا شيء سوى الألم،

    حيث الدماء مضرّجة.

    لكن

    لا تحرمني

    تفكّريَ في عالمٍ آخر

    بدءًا،

    قبل الكعب المرضوض

    وقبل الرأس المسحوق،

    وهكذا.



    6

    «صمتُ الله هو الله.»

    _كارولين فورش

    حدّثني، بل حدّثنا

    عن سبب دكّ جبلِ

    رضّعٍ مصفوفين كالأكْرَاب،

    عن ضلوعٍ يتنابذ بعضها بعضًا،

    عن ألسنٍ ذَعَفَتها

    لغةٌ سليطة.

    حدّثني، بل حدّثنا

    عن سبب سكون يدَيك

    وصمتِ شزرك، حدّثنا عن السبب

    الذي جعلك تشهد انفلاق ذاك العالم

    دون أن تقول شيئًا.



    7

    [مع ذلك، هناك رحمة غامرة، وبركة نافذة]

    وكيف لي أن أيمم وجهي

    نحو رخامٍ يدور

    حول إبهام الكون العظيم؟

    وكيف لمفرقَيْ هذا اللسان

    أن يجتمعا في يقين واحد؟

    وكيف أمكنني،


    كمسافرٍ تليدٍ،

    أتلبّد يومًا ما

    هانئًا بجانبك أنت

    عند قدميك؟

    ربما…

    ولكن

    آمين.



    8

    «… هو الله»

    إذًا.

    عدم حاجتك في الحديث

    أطلَقَت لسانك

    مشظًّى نحو الملائكة.

    حتى أنا

    بشظية منه

    قلتُ كفرًا.


    طلبُ الشرحِ منك

    رفضٌ لك.

    قبل الكلمة، كنتَ.

    قبّلتَ شفة أخي

    وما عداه،

     كان الصمتُ

    لسانَك الوحيد.


    ترجمة: محمد السعيد، مراجعة: عبير أحمد

  • فتاةٌ في مَقهى “كوستا” – أمجد ناصر

    فتاةٌ في مَقهى “كوستا” – أمجد ناصر

    في مقهى “كوستا” جاءت وجلست على الطاولةِ أمامي

    مع أنَّ المقهى خالٍ من الروَّاد في ضُحى يُجاهد عبثًا لانتزاعِ شعاعٍ من

    سماء لندن الطلساء. كنتُ أفكِّر في قصيدةٍ فيها فتاةٌ تأتي وتجلسُ أمام

    شاعرٍ يُحاول أن يكتبَ قصيدةً عن فتاةٍ تأتي وتجلسُ أمامه في مقهى

    خالٍ من الروَّاد.

    وضعت الفتاةُ كُتبَها على الطاولة وحقيبتَها على الأرض ونَضَتْ

    عنها سترةً عنابيَّةً من الجلدِ الصناعيِّ فتساقطتْ قطراتٌ من المطر

    واندفع نهداها القاسيان إلى الأمام وارتجَّا خلفَ بلوزتها .

    مالت على حقيبتها فتهدَّل شعرُها فلمَّتهُ بحركةٍ سريعةٍ إلى الخلف،

    أشعلتْ سِيجارة وأخذت ترشفُ قهوتَها وهي تنظر إليَّ بزاويةٍ منحرفة

    من عينيها.

    أكثر من مرَّةٍ هَمَّت أن تقول شيئًا ولم تفعل وأكثر من مرَّةٍ هممتُ

    أن أتحدث إليها وأتراجع.

    ببلوزتها الزرقاءِ نصفِ الكمِّ التي تكشف زنديها المبرومين وبكتفيها

    اللتين تنطُّ منهما فهودٌ صغيرةٌ وبقدمها التي تتحرَّك تحت الطاولة

    على شكلِ مِروحةٍ

    كانت تشبهُ فتاةَ القصيدة.

    كلُّ الإشارات تدلُّ عليها.

    كان وزن الهواء وحركته يتغيران تحت الطاولة.

    أوقعتُ قلمي، كما لو سقط عرضًا، على الأرض، لأرى ما الذي يجري

    وما إن التقطتُه ورفعتُ رأسي حتى اختفت الفتاة.

    كان على الحائط أمامي ملصقٌ إعلانيٌّ كبيرٌ لفتاةٍ تجلس وحيدة

    تدخن وتحتسي قهوة وتنظر بزاويةٍ مُنحرفة من عينيها في مقهى

    يُشبه هذا المقهى.

    *********

    دوامةُ الهواءِ ما تزالُ تحتَ الطاولةِ

    فنجانُ القهوةِ الساخن

    السيجارةُ المدخَّنةُ على حافّة المنفضة

    المنديلُ الورقيّ المبقّعُ بأحمر الشفاه

    قلبي الذي تُسمَعُ دقَّاته من بعيد.

    القصيدةُ التي فكَّرتْ بقصيدةٍ أُخرى وكَتَبَتها.


    من كتاب: حياة كسردٍ متقطِّعٍ

  • جمالكِ يُفزعني – يانيس ريتسوس – ترجمة: تحسين الخطيب

    جمالكِ يُفزعني – يانيس ريتسوس – ترجمة: تحسين الخطيب

    كم أنتِ جميلةٌ. إِنَّ جمالكِ يُفزعني. أَجوعُكِ. أَظمَؤُكِ.
    أُناشدكِ، اِحتجبي؛ اِحتجبِي على الكُلِّ، ولا تتجلِّي إِلاّ لِي أنا وحدي. مُغطّاةً
    مِن رأسكِ حتّى أخمصَي قدميكِ بحجابٍ مُعتمٍ شفّافٍ
    مُرقّطٍ بتنهيداتٍ فضيّةٍ من أقمارِ الرّبيعِ. مسامُكِ تبعثُ
    حروفَ علّةٍ، حروفاً صحيحةً مُشتاقةً؛ لقد لُفِظَتْ كلماتٌ سريّةٌ،
    انفجاراتٌ ورديّةٌ مِن مطارحةِ الغرامِ. حجابُكِ يعلو، يلمعُ
    فوقَ المدينةِ التي أدركها الليلُ بحاناتها التي تنوسُ فيها الأضواءُ، فوقَ أماكنِ البحّارةِ المألوفةِ؛
    كشّافاتٌ خضراءُ تُنيرُ الصّيدليّاتِ اللّيلةَ، وكرةُ زجاجٍ
    تُدوّمُ مُسرعةً فتكشفُ المنظرَ الطبيعيَّ لِكُرةِ الأرضِ. السكّيرُ يترنّحُ
    في عاصفةٍ هبّتْ مِن أنفاسِ جسدكِ. لا تذهبي. لا تذهبي. 

    واضحةً جدًّا. ومراوغةً جدًّا. ثورٌ حجريٌّ
    يثبُ مِنَ القَوْصَرَةِ إلى العشبِ النّاشفِ.
    امرأةٌ عاريةٌ تصعدُ السّلالمَ الخشبيّةَ
    حاملةً طَسْتَ ماءٍ ساخنٍ. والبخارُ يحجبُ وجهَها. عالياً في الهواءِ
    مروحيّةُ استطلاعٍ تَسُفُّ مواضعَ عشوائيّةً. اِحترسِي.
    إنّهم يطلبونكِ. اختبئِي عميقاً أكثرَ في يديَّ.

    فَرْوُ البطّانيةِ الحمراءَ التي تغطّينا يكبرُ ويكبرُ،
    فتصيرُ البطّانيةُ الحمراءُ دُبّةً حبلى. تحتَ الدُّبةِ الحمراءَ

    نتطارحُ الغرامَ إلى الأبدِ، أبعدَ منَ الزمنِ وحتّى أبعدَ منَ الموتِ،

    في اتّحادٍ كونيٍّ متوّحدٍ. كم أنتِ جميلةٌ. إِنَّ جمالكِ يُفزعني.
    وأجوعُكِ. وأظمؤُكِ. وأناشدكِ: اِحتجبِي.

  • الطريق الذي ضَللناه معاً في المنام – إيما لعازر – ترجمة: محمد السعيد

    الطريق الذي ضَللناه معاً في المنام – إيما لعازر – ترجمة: محمد السعيد

    طمأنة

    غططتُ في النوم الليلةَ الماضية، وعندما نهضت،

    ما زالت قبلتُها طافيةً على شَفَتيّ؛

    وضللنا طريقنا معًا في المنام،

    وكان يغطي نعيمَنا نورٌ هادئ،

    نورُ القمر الخجول النادرةِ تحاياه.

    موسراً كان الهواء بالندى، وبين الأشجار

    فراشات مضيئة تلتهتب، فتختفي.

    تتلامس وجنتانا، ويتغلغل نسيم الليل في شعرَينا،

    ونَفَسَينا، غاديًا رائحًا، كلهيب شهوتنا.

    نفذ صوتكِ الهادئ الهامس في أذني:

    «أحلمٌ هذا؟ هل ندفنه؟ أم غشاوة نوم؟

    إن الحبّ لَيَستعبد حتى الموت!

    كلا، بل يبدو هكذا،

    فلتتحلّ بالإيمان يا فؤادي الغالي؛

    فهذا هو الأمر ولا أمر سواه!»

    ثم نهضتُ وعلى شفتَيّ؛ قُبلة.


    موت وشيخوخة

    ادنُ منّي أيها الصديق القديم،

    عطوفًا، مشتعلَ الرأسِ أبيضَه،

    ولتَضُمّني إلى صدرك الحاني الرحيب؛

    إذ باتت الحياة جافة باردة، ولكنّك

    تبسط يدَيك بالبركة، فأغرق في بحر نعمائك.

    كثيرًا ما حضرت، وكثيرًا من أغويت؛

    لكنني أنحني لك احترامًا،

    مبتهجًا، لاتّباع خطوِك المبارك.

    آهِلٌ عالمُك بالبشر الواهنين؛

    أما عالمي موات.

    لقد حضّرت، طوال السنين، كفني.

    إنك أنتَ الحبّ السامي —قبّلني، فإني لك.

    شاعر وناقد

    ينبغي للشعر أن يكون بسيطًا، ومحسوسًا، وذا عاطفة؛ أما هذا الرجل فلا بساطة ولا إحساس ولا عاطفة؛ ولذلك هو ليس بشاعرٍ.”

    لم يسمع أحد شدو العندليب قط،

    إلا عندما هَمّ عالم طبيعة الدراسة والتفكّر في ماهيّة الطير،

    وتصنيفه بالكتب والذاكرة،

    كلا، فلم يفشل في رسم معالمه،

    ولا رصد دقّة صوته، أنّى الأماكن يُسمع.

    لم يلبث طويلًا حتى لَفَظَ تلك الكلمة —وفَجأةً—

    أنصِت. إنه عندليب!

    ما لشدوك من عذوبة،

    حيث يسمو فوق المشقّة والكَبَد!

    وإذ به يلمحُ دُخّلةً بُنيّةً، عاديةَ الملامح، غير خجلى.

    فصرخ: «ليست لي هذه الخطيئة المميتة،

    فلا طائرٌ هذا؛ لعدوله عن النشيد،

    وإن كان كذاك، لأتاني بسلطانٍ مبين.»


    ترجمة: محمد السعيد

  • الغريب – زاهر الغافري

    الغريب – زاهر الغافري

    لا يأبه الجالسون بالغريب.

    لقد تركتُ حياتي هناك بين الأحجار
    وها أنا الآن كمنْ يصطاد أضواء الغروب

    هل كان ينبغي أن تمضي
    كل تلك السنوات
    كي أكتشف أنني صيحة عائدة من الموت.
    من عزلةٍ أخفّ من ريشة طائر
    يحمل إليّ رائحة الندم
    والظلال.

    نظرتي الشاردة
    تنسجُ فخاً من ماضيّ البعيد
    وكلّ كلام أقولهُ
    يرفع مصيري العالي كأنه قوسٌ
    مكسور على سُلّم.

    مطرٌ خفيف على النافذة
    وجهٌ مُؤطرٌ بسحابةٍ سوداء
    هكذا يهبطُ أمير العالم السفلي وفي
    يدهِ أيقونة تتأرجح مثل قلادةٍ
    من النحاس.

    وأقولُ لن يهدأ البالُ. لن تهدأ الغابة
    الحقيقة تمُرّ كالمنجل أمام عينيّ.

    من مدينةٍ إلى أخرى
    عبر بقاع العالم أخوض في أنهار خاليةٍ
    من الصداقات
    أستعين بالخوف، بالتعاويذ، بسحر الأيام
    الخوالي وأعرفُ بأن السهم لن يكُف عن
    الانطلاق في أية لحظة.

    قلبي ديرُ ملاكٍ وخطوة أولى فوق
    عشب الحديقة تكفي.

    يا ربُّ أكلما نظرتُ إلى نافذةٍ
    لا أرى غير يدٍ بيضاء في النهر
    لا الأب ولا الأم ولا سريراً يقول
    لي: نمْ تحت شمس العافية.

    الخسارةُ أكيدةٌ في ما ملكتُ
    وما ملكتُ
    منزلاً ولا بصيرة الآلهة.

    على الأرجح أنني كائن مفقود، تحت
    نجمةٍ
    خلف ضوء ستارةٍ ما.

    الندمُ ثيابُ من أحببتُ وأغصاني
    لم تزل بيضاء.

    لهذا أرفع يديّ لأكتب.

  • في هذا الموسم تحديداً كان أبي يحصدنا – جعفر العلوي

    في هذا الموسم تحديداً كان أبي يحصدنا – جعفر العلوي

    في هذا الموسم تحديداً
    كان أبي يحصدنا
    بمنجلهِ الذي ورثهُ من جدي
    وكُنَّا نُباع في السوقِ
    مُغلَّفين بصراخ الباعة
    مُكوَّمين على كراتين فَقْرنا
    في صندوق سيارتهِ الخلفيّ
    لم يكن أبي ليُخبرنا
    ثمن أعمارنا
    ولا أي تفاصيل
    عمّا كان يجمعهُ
    لقاء حرثنا المتواصل.

    في هذا الموسم تحديداً
    استعجل أبي خنقنا
    في بيوت بلاستيكية
    ريِّنا بالتقطير
    وجلس يُدخن
    بانتظار أعمارنا
    التي تنمو بشكل حلزوني
    حول خيط أبيض مهترىء
    وفي هذا الموسم تحديداً
    تسلّلنا من غرف خوفنا
    ولازلنا حتى اليوم
    بخجل نبتة
    لا نعرف الطريق إلى الخارج
    دون أن نمدّ أيامنا
    على خيطٍ أبيضٍ مهترئ
    ونتلوّى.

    في هذا الموسم تحديداً
    كنّا ننمو ببطيء شديد
    أكثر مما اعتاد أبي
    لذلك كان يرش أعمارنا باليوريا
    و يمهّد طريق الجداول أمامنا
    بمعولهِ الخشبي
    كأشجار حقيقية.

    لم نستطع وضع حدٍّ
    لتصرّفات أبي
    عبثه الدائم بأسوارنا
    لم نجرّب من قبل
    أن نصطدم بجنرالٍ فلّاح
    ونحن أبناء أبي
    من لحمه ودمه
    جنوده المنكسرين
    الذين يفاخر بنا في المسجد
    و يشتمنا حين لا يسمعهُ أحد
    صرنا نعضّ على أنسابنا
    بأسناننا الصغيرة
    وأيدينا المرتبكة
    نحن الذين كنّا ننصب شراكنا للعصافير
    ونلاحقها بامتداد بستاننا الصغير
    لم نجد شجرة تظلّلنا
    وأبي صار يصطاد أعمارنا
    في الزرائب
    بيديه الكبيرتيْن.

    طوَّح الفقر بأعمارنا
    وانتبه أبي متأخراً
    لِقلَقِنا الذي نهش الأوراق كلّها
    كيف صرنا كباراً
    و سيئين
    إلى الحد الذي جعل أبي
    الفلاّح القروي
    الذي يجد دائماً
    حلولاً لكل شيء
    عاجزاً عن فعل أي شيء لإنقاذنا؟!

    في هذا الموسم تحديداً
    وضع أبي يداهُ برفق
    وأطبق على جذورنا.


    *نص: جعفر العلوي
    *من ديوان: قبل أن يرتد باب الندم على أصابعي

  • فراشةٌ مُهداةٌ إلى حبيبي – ريا

    فراشةٌ مُهداةٌ إلى حبيبي – ريا

    أرَى في شفتيكَ، حُلمي الذي أطاردهُ طيلة الأبديّة، أسرقُ من يديكَ بهجةً، كما لو كنتُ أُصافحُ الأمنيات.

    أرغبُ بأن تخطفَ مني رغباتي، أن تحوّلني إلى رمادٍ بإمكانك أن تهفَّ عليهِ ليتبعثر في الأرجاء، أن تحوّلني من إنسانٍ بلحمٍ ودمٍ وعظمٍ، إلى أخفَّ من ذلك؛ إلى عرقٍ في جبينكَ، أو قلادةٍ في عنقك.

    أقولُ لكَ دومًا “أُحبُّ يدك.” وتظنَّ بأنَّ ما أقصدهُ، تلك اللحظاتُ المحمومة، حين كانت يدك تتسللُ بين فخذيَّ، لتُسيءَ التصرُّف، لكنني لا أقصد ذلك، ولا حتى حين كانت أصابعك تسرقُ من فمي، الفصاحة. بل أعني بأنَّني لا أجِدُ ما أنتمي إليه، كما ينتمي المرءُ إلى أرض وطنه، سوى يدك.

    حين رفرفت فراشةٌ بجناحيها، تغيَّرَ كلُّ شيءٍ، الجناحُ الذي غيَّر وجهةَ الرياح ليُحدث إعصارًا، ذلك ما حدثَ حين قُدّر لك أن تكونَ موجودًا؛ أن تتواجد بحياتي، لتُغيِّر كلَّ الأشياء. لن أُحاربَ، كلَّ فراشةٍ تخلقُ فيَّ إيمانًا صادقًا، كتلكَ التي ترفرفُ معكَ في حياتي

    تعبتُ زيّف الإيمانيّات، ألَا يجبُ أن يَستريحَ المرءِ على كفِّ الرب؟ 

    قِبلتي وجهكَ؛ حينَ أنسَى أن الإنسانَ مخلوقٌ مستعبد، يملؤ قلبهُ بالصلوات، أن أُنادي باسمكَ، كترنيمة، كناسكٍ مجنون، لم يَنسى كونه كائنٌ ضعيف ومُستعبد.

    هل الحب ينتهي؟ كدمعةٍ مستميتة؟ تجفُّ على جفنٍ يرفضُ نزولها؟ أ تعود أدراجها؟ هل الحب يُنسى؟ أم يضلَّ مثل وريدٍ نابضٍ، في ذراعٍ متهشّمه، أم يحيَا مثل جلدٍ ميّتٍبين الأظافر. هل الحب ينتهي؟ يُنسى؟ يموتُ؟ لماذا لا أزالٌ إذًا، أتشبَّثُ بهِ، كجذعٍ مُحطَّم. الإنتهاء ليسَ شيئًا، سيبتدأ المنتهي من جديد، النسيانُ ليس شيئًا، ستضلُّالذاكرة مليئةً، والموتُ لا يَعني سوى حياةً أخرى، مصنوعةً من رحمةِ الآلهة. إذًا… أين سيؤول بالحب بداخلنَا؟ 

    ربّما مثلكَ لا يرحل. أنتَ لا ترحل، بداخلي.. تتجذَّرُ

  • البحيرة المسحورة التي غرقتُ فيها أخيراً – سيف الرحبي

    البحيرة المسحورة التي غرقتُ فيها أخيراً – سيف الرحبي

    صوتكِ

    من يوقف هذا الهيجان في الأعماق

     آه،  لو صوتكِ صوتكِ فقط

    خفقة نسيمه تصلني عبر المسافة

    نسيم البحيرة المسحورة

    التي غرقتُ فيها أخيراً

     خفقة الجائع المُتعب.

    لهدأت عواصفي قرب الضفاف.


    المدينة المنكوبة

    في المدينة البحرية

    التي عشت فيها زمناً

    مدينة القراصنة

    والأصدقاء الرائعين

     قبل أن تصعقهم ريح الجنوب،

     كنت تتنزهين في ردهات الميناء

     مأخوذة بالسديم

    حين تهت بين السفن والأشباح

    مع صديقتك التي لا تشبهك

    وكانت روحك، تشرق من بين الأنقاض

    مرعى أيائل ودليل حكمة ناقصة

    بنظارتك السوداء السميكة

    التي راودتني الرغبة في تحطيمها

     تصطادين البحر

    موجة بعد موجة،

    ربما حلمتِ بهدايا

    للمدينة المنكوبة .

    * * *

    جاءوا من بعيد

    يحيونك بالنرجس والأقحوان

    أنت الغربية المرتجفة بسعادة غامضة كنخلة

     يحركها نسيم في صحراء،

     المغولية العينين

    الهجينة بالريبة والسُلالة

     تردين التحية بأحسن منها

    تمتمة راعشة في الشفاه

    الخجل الذي يتوارى من غير حجاب

     والصمت المُزهر في أحداقك

    كما تزهر أشجار

    في غابة .

    المحطات موقد الغياب

    يا لأيامي ووحدتي

    أقولها صراحةٌ

    من غير مواربة ولا كناية

    لأن هذه الأسوار والكوابيس

    العاتية ستنجز لا شك، مهامها

    الضارية في أعماقي

    ولأنّ كلب الطفولة كفّ عن النباح

    خلف تلك السهوب اللامعة من الحلْفاء.

    البارحة افترقنا

    هكذا من غير وداع

    ولا دمعة يكبها نيزك بعيد

    هكذا

    دائماً

    على مفترق طرق وأزمنة

    ربما الالتفاتة الثكلى لآيل جريح

    بين المحطات التي تشبه ساحة حرب

    رأيتها تحلّق في الأفق

    وحيدة هي أيضاً

    من غير شفاعة ولا آلهة

    لا تنظر إلى شيء.

     كانت زائغة وجميلة

    الجمال الشاحب في موقد الغياب

    سحنة البداة في نار ليلهم

    الغيمة التي يشطرها برق

    العاصفة .

    بعد ساعات رجوعي

    من بلادها البعيدة

    كانت أول زوّار ليلي

    رأيتها ترتب آنية الزهور

    وتلهج بأسماء أشجار لا أعرفها

    تقول : إن بيتك موحش وكئيب

    وبحاجة إلى حديقة تحد من فيض الصحراء .

    رأيتها تصلي بين أطفالها الكثيرين

    وتنهاهم عن هواية قتل العصافير

    هي التي أبادت مدنا كاملة

    من غير رنّة جفن

    وأماتت الأفعى التي لسعتها

    كانت في الصلاة

    كما في محطة القطار

     شاحبة

    في ضوء شموعها الراحلة .

    المياه التي باركها الأنبياء

    الغنيمة التي جادت بها السماء

    والمياه التي باركها الأنبياء

    على صخرة عطشهم الكبير

    رفّة جناح الهدهد في عرش سليمان

    تبكين ألما وبهجة

    وتبكين رغبة، تنفجر على منعطف الأشواق

    (عروق جسدي أنهار خبيئة)

    تسيرين بأصبع عار من خاتم

    الزواج

    كنت البحيرة التي تحلم بها الريح .

    * * *

    تغلقين الأبواب كلها

    كي أفتح باباً أو نافذة

    أطل منها إلى كهفك المظلم

    إلى كنوزك الخفية

    حيث تتدلى الأهلة والسلال

    بأثمار ناضجة

    وظباء تنضح حركاتها عن جهل

    الذين مروا قبلي .

    اللُقية الباذخة

    للجسد المجبول بالنسيم

    وللمتسكع في ليل الأعضاء

    يرشح دم الرغبة

    بحثاً عن النبح المسترسل في

    هذيان الغابة .


    *نص: سيف الرحبي

  • لمن أترك غيابكِ؟ – بسام حجار

    لمن أترك غيابكِ؟ – بسام حجار

    أجرُّ نَهاري كعربة خيل ثقيلة. فلكلِّ نهارٍ حُطامَهُ وما جمعتُه منَ النهارات إلى اليوم جَبَلٌ أبذُلُ يَومي لإزاحته عن صَدري بمِعزقَةٍ. هي مِهنَتي، ومِهنَةُ مَن هو مِثلي، مِنَ الأحياء، عابري السَّبيلَ.

    جاءَ نهارٌ ولم أنتبه، على الرغم مني حين ماتوا جميعاً، أقصدُ من أحببتُ مِنهم ومن أحبَّني. لم أنتبه. ثمَّ يأتي نهارٌ آخرُ، بمَحضِ المُصادفة، أجرُّهُ كعربةِ خيلٍ حتَّى أنهكَ حُطامُ النَّهاراتِ جِسمي.

    لا تُصدِّق هذه الابتسامة العريضة، ولا تُصدِّق العافية في دأبي كالبِغال على النُّهوض. فطرةُ البِغال أن تَنهَضَ بالحُمولات وفِطرةُ جِسمي أن يَنهضَ، كُلَّ صباحٍ، بأعباء ميتٍ يُشبِهُني. لم أمُت حين أشار أبي إلى المكان البعيد. أمسكتُ يدهُ وهَمَستُ في الأذنُ التي لا تسمعُني: (( قل لي يا أبي ما الذي تراه؟)). لم يقُل شيئاً فظننتُ أنَّهُ يَهتدي. وَغادرتُهُ ولم أنمْ. وغَادرني في نومهِ وما انتبهتُ. على الرغمِ منِّي يأتي الصباحُ ولا أوصِدٌ نافذتي أو أزجُر ضوءه السَّخيف. وفي الليلِ أنامُ علَّني أٌغادرُني ولا أقدِرُ إذ لا أهتدي وتتشبَّثُ بيَ الأنفاسُ المزكومةُ لنائمةٍ بجواري، ويستدرجني الحلمُ إلى يَقظةِ الحالمِ التي لا تُشبه النومَ. إذاً، أسفٌ، لن أرحل، ليس لأنّي لا أريد، بل لأنَّ لديَّ ما أفعله هُنا. لمن أترك الحطام هملاً؟ وقسوةَ أن أقترف الخطأ وأندمُ ثمَّ أندمُ على الخطأ الذي سأقترفُه فيما بعد. لمن أترك حماقة أن أحبَّ الرواق والنافذة؟ حماقةَ أن أغتبطَ إذا دلَّني الظَّلامُ على بَارِقةٍ وأعلمُ أنَّها عوُدُ ثِقابٍ أو عَقْبُ سِيكارة، فيلتصق الظَّلامُ بجلدي ويكتنفُني، لمن أترك غِبطةَ أن أتنفَّس في العتمة التي أحسبُ أنَّها غِشاوة لهاثي الخائف، وغبطة أن أبكي إذا أشفقتُ لِوحدَتي وإذا حَاصَرني الجَمعُ من كلِّ صَوْب.
    أَسِفٌ لديَّ مِن البَطالةِ ما يَنوء بثقلهِ جَبَل. ومن الحِيرة، والسؤال، وكراهة النفس. لو أحببت نفسي يوماً لأرغمتها على الرحيل. لو أحببت جسمي لأفنيته في تطلُّب لَمْسِكِ. لكنِّي الآن أجرُّ نَهاري كعربةِ خَيل. وأشقى بأشجانِ الحُوذِيِّ المَخلوعِ. أقِفُ كالظلِّ الحائرِ عند العَتَبة. وأعلمُ أنّي لن أغادر، على الرغم منِّي، يَأتي الصباحُ في كلِّ صَباح. لا أبرح الظِّلَّ الذي يُشبهُني.

    لمن أتركُ حماقةَ أن أُحبَّكِ وأحيا؟

    لمَن أتركُ غيَابَكِ؟

    نص: بسام حجار

  • ليلى وتوبة: قصائد من المنفى إلى ليلى الأخيليّة – حسين البرغوثي

    ليلى وتوبة: قصائد من المنفى إلى ليلى الأخيليّة – حسين البرغوثي

    يا طفلةً خضراءَ كالمصباح،
    ضوؤك كانَ من كَفيَّ يطفحُ في ليالي الخوفِ،
    كان يشعُّ في وجهي،
    فيختمهُ كمكتوبٍ،
    ويبعثهُ إلى جهةِ السماء

    وأتى عليَّ الانمساخُ أتى عليّ،
    صرتُ وحلاً في الحقولِ وصرتُ ماء.
    وخرجتُ من جسدي
    خروجَ السروِ من سفحِ الجبل
    سميَّتُ هذا نضوجاً، أو وداعاً،
    واحتياراً، أو ضياعاً،

    واختياراً، أو قدر..
    وانفتاحاً في الشبابيكِ التي بين النجوم،
    لكي تُفاجئَني اتساعاتُ
    الفضاء.

    ينامُ الليلُ مثل القطِّ في حِجري،
    وبينَ يديَّ
    وأُحدِّقُ في عينيهِ طويلاً،
    ويحدِّقُ في عينيَّ
    يا ليلى أُحبُّكِ، مثل مجنونٍ، وأفشلُ أن أبوح!

    أصابِعُكِ البيضاءُ تعبرُ في حلمي..
    كعشرِ مرايا
    وأرى وجهيَ فيها كنارٍ بغير دخان.
    لا تجرحي القلبَ،
    يا رغبتي في الحنان.

    فتعالي إليَّ،
    لأحمل جسمَكِ البريَّ في كفيَّ مثل بوصلةٍ
    وأراكِ تنتشرين،
    مثلَ الضوءِ في سُفن الكلام.

    *

    في خريفِ المشمشِ القمريِّ أمشي نحوَ بيتكِ،
    في الندى القَدَمُ.
    وبيتُكِ في التلال، به يحيط البرتقالُ بهِ،
    وحزنيَ ينتهي، والثلجُ تبردُ تحتهُ القممُ.

    قممٌ معرَّاةٌ بضوءِ النجمِ تَطفحُ؛ هل أٌحبُّكِ؟
    لستُ أدري!
    قد قدمتُ إليكِ من بابِ الصداقةِ،
    عبرَ زوبعةِ الرماد.
    لم أعدكِ بقصَّةٍ أُخرى،
    وغابَ صنوبرٍ في الشمسِ في وسطِ البلاد.
    ماذا أُفسِّرُ عندَ بابكِ،
    غير حُبِّي لانفتاحات الفضاء؟

    *

    أراكَ في دفقةِ الموجِ الرماديِّ حماماً حزيناً
    يُفتِّشُ بين الشواطئ بحثاً عن سفينة نوح.
    أراكَ تضمُّ الجناحَ
    وتخفي بالغناءِ الجُروح.
    أراكَ غريباً عن الأرض التي فيها تجيء وفيها تروح.
    أراكَ على الوجهِ مزاجاً تعكَّر كالموجِ أو مثلَ بسمةِ مُتعبٍ
    بين البداية والانتهاء.
    وغداً تنمحي كالوشمٍ من فوق الشفاه الجميلة،
    أو تختفي كبقية الحِنَّاء.

    وغداً
    كالأرض المحروثةِ بالشمس،
    تجفُّ شقوقاً شقوقاً،
    وتفتحُ صدركَ للابيضاضِ الذي في السماء
    وغداً سوف تبكي
    على حجرٍ واحدٍ
    في جبالٍ كاد يقتُلها الانحناء.

    وغداً مثلَ عباءةٍ سوداء تشلحُكَ النساءُ على الكراسي،
    ومثلَ الغناء
    بعد انتهاءِ العرسِ،
    تبقى صدًى في داخلِ النَّفسِ،
    وتمشي قوافلُ أهلكَ صبحاً لمصرَ،
    وتبقى أنت وحدكَ في الوراء
    فتخطو خطوةً نحو الجنوب،
    وتخطو خطوةً نحو الشمال،
    وتبحثُ عن كلمات الصباح لتلفِظَها للمساء.
    ما كان عيشاً كي تقولَ: “انتهيتُ”، وما
    كان عشقاً كي تقول: “انتهى”.


    من ديوان: (ليلى وتوبة) – حسين البرغوثي الآثار الشعريَّة