المدونة

  • رسائل العتمة والضوء، بين فاطمة رحيم ودعاء سويلم

    رسائل العتمة والضوء، بين فاطمة رحيم ودعاء سويلم

    من دعاء سويلم إلى فاطمة رحيم

    إلى فاطمة رحيم..

    كنتُ أعمل في حانة، لستُ نادلة ولا مغنية، بل أكتب القصائد الإيروتيكية الإباحية، وأقرأها على الموجودين، أنا كنتُ أمتعهم بلساني، وهناك نساء متخصصات في التطبيق.

    كثيراً ما كنتُ أتذمر من هذا الحال، لكنني كنتُ مضطرة للنهاية، في رقبتي عائلة، وأنتِ تعلمين ماذا تعني العائلة. في إحدى الأيام كتبتُ قصيدة عن رب الفقراء والبؤساء، تجرأتُ وبعثتها لدار النشر، رفضوها، وطلب مني صاحب الدّار أن أبعثها للكنسية. السّافل، لا يفرّق بين إله الفقراء وإله العالم!

    أردتُ أن يسمعني شخصٌ واحدٌ فقط، اتفقتُ مع صاحب الحانة في ليلة ممتلئة بالوحدة والحزن، أن ألقي قصيدة عن امرأة وحيدة فقيرة تعمل لأجل عائلتها، بالتأكيد رفض ذلك، وطلب مني أن ألقي القصيدة المعتادة وإلا سيضطر لطردي من العمل. في وقتٍ ما يجب أن تتخلى عن كل شيء مقابل أن نقول: “لا”. أوهمته بأنني سألقي تلك القصيدة، حتّى بدأت أقرأ قصيدتي التي حلمت بأن يسمعها الجميع. ظننتُ بأنّهم سيرمون عليّ البيض والبندورة، ويصرخون: هذه العاهرة لا نريدها. انتهيت من قراءة القصيدة، كان داخل أولئك الرجال والنّساء هزيمة، لأوّل مرّة أشاهد وجهاً حقيقياً، وجهاً من لحمٍ ودم. على الهامش: لم أستطع أن أتوقف عن الخيال، كان يجب أن أحدّثك من داخل السّجن، لكنني قفزت، أو بالأحرى كتبتُ لكِ من بوابة الذّكريات، مثلما كتبتِ من داخل نفسك! سعيدة بوجودك دائماً!

    من فاطمة رحيم إلى دعاء سويلم …

    أحببت قفزك من بلاط السجن إلى أرضية الحانة، بالعادة أرضيات المسارح خشبية يعجبني هذا الملمس، تخيلتك وأنتِ تقرأين قصائدك الإباحية تحت الأضواء الخافتة بصوتٍ ناعم يحوم حوله الدخان، وروائح الخمور، ترافقه موسيقى الچاز، تلك القصائد التي لا تخلو من الفن برغم صراحتها، البعض يكتبها لكنها مبتذلة لا يوجد فيها أدنى إبداع، كل ما يفعلونه هو دس أسماء الأعضاء التناسلية في كل سطر والحصيلة :

    ( خراء مكون من قضيب وفرج) أو أخرى تكتب مشهدًا جنسيًا لا تفرقي بينه وبين أفلام البورنو، نصوص رديئة لا تثير إلا عديمي الذائقة ويسمون هذا أدبًا ..

    أما أنتِ فلا ريب في موهبتك. أؤمن بما تكتبينه. أتمنى في رسالة قادمة أن أكون جمهورك. اكتبي قصيدة ملغمة بالفضائح اللغوية بحبرٍ سريّ !

    توقفت في رسالتك عند “أمتعهم بلساني” برأيك أيهما أكثر إثارة المتعة بالصوت أم بالجسد، قلتُ الصوت لأنني أعرف ما الذي تقصدينه بلسانك ! هناك قارئ غيري سيفهمها بطريقة أخرى لطالما الحديث عن عملك داخل “حانة”.

    بمناسبة قول ” لا ” أود أن أخبرك بأن هذه الكلمة الصغيرة بمثابة تذكرة للدخول إلى السجن أو إلى الجحيم أيهما أقرب للوحل.

    أحببت شعورك بهزائم الزبائن، بالعادة خُصصت الحانات للهروب، الرجال فيها يدفعون من أجل المتعة والنساء يقبضن الثمن من أجل اطعام العائلة وشراء الأحذية والملابس .. منفعة متبادلة إلا أن هناك الكثير من النساء اللواتي يبعن أجسادهن ولا يقبضن الثمن.

    على الهامش : كنت قد تعرفت على رجل بمحطة المترو، وقتها كنت أبكي عشقًا زائفًا، فجأة وجدت أمامي يدًا ممدودة بمنديلٍ ورقيّ وبصوتٍ أخشن من اللازم قال: لا أحد يستحق. لم أنظر إلى ملامحه حتى، خطفت المنديل من يده وتمخطُ دمًا كانت حالتي مأساوية. حينذاك وعن عمد كنت أجلس في الجهة المعاكسة لطريقي الصحيح، أي أنني قبلها ركبت المترو الخطأ الذي بسببه قابلت هذا الرجل على رصيف المحطة التي لا أعرفها أصلًا .. حين رفعت رأسي وجدت ملامح لرجل أربعينيّ ليس وسيمًا ولا قبيحًا، عاديّ .. تنتظره على بُعد خطوات امرأة تبدو ملامحها أكبر منه سنًا، أكبر من أن تكون عشيقته وأصغر من أن تكون أمهِ .. تخيلي أنني نسيت علام كنت أبكي وجلست لعدة لحظات أفكر ما شكل العلاقة التي تربطهما أو ما إذا كانت هناك بينهما مضاجعة أو ما شابه، إلى الآن لم أتخلص من هذه العادة أن أرسم بخيالاتي علاقات العابرين من أمامي وطريقة معيشتهم من خلال ملابسهم وأحذيتهم. وعن هذه السيدة التي تقف على بُعد خطوات لم يمنحني خيالي أكثر من أنها قوادة. وجدتني أتبادل الحديث مع الرجل كأنني ولدتُ في حجره، تقيأت في أذنه كل الكلام المحبوس بداخلي كما أتقيء داخل المرحاض بعد أي أكلة دسمة تخنق أنفاسي، والحق يقال هذا الرجل مستمع جيد، لم تتعب المرأة من الوقوف على ما يبدو اعتادت انتظاره، وجدتني أيضًا أذهب للسهر معهم دون أدنى تفكير، هكذا سحبني بمنديل ورقي وبصوتٍ خشن ولأول مرة يبهرني الضوء، أضواء صاخبة وضحكات عالية تحوم في الهواء وأصوات كؤوس وراقصة لها خصر منحوت بعناية إلهية، ونساء، السمراء والشقراء والحنطية، عالم داخل العالم لا شيء يشبه الخارج لا الناس ولا الضوء كل شيء يلمع إلا قلبي كان باهتًا. ماذا أقول؟ ما أجمل الغرباء قضيت سهرة غريبة على أمثالي، مليئة بالصخب المخيف، والأضواء التي من كثرتها تُعمي العين، عرفت حينها أن للظلام ألوان ! سهرتُ كمن يقضي آخر ليلٍ له، وخرجت من المكان هربًا ! إن هذه الأماكن تتغذى على الليل ويخرج منها أصحابها ليسلموا الشمس لأهلها من البائعين الجائلين، والموظفين وطلبة المدارس فحين خرجت منها ركضًا كانت عقارب الساعة قد تجاوزت السابعة صباحًا.

    محبتي وريحان وإلى أن نلتقي في عتمة أخرى.

  • حانةٌ قديمة تفتح لي أبوابها – نسرين المسعودي

    حانةٌ قديمة تفتح لي أبوابها – نسرين المسعودي

    يتحرك الكرسيّ من تحتي
    أتحسس المسامير في جلدي
    تنتصب قدماي العاريتان فوانيس
    وتتورم المسافة في أصابعي
    أخلع في البيت نعالي
    أجوب أركان الوحدة
    بين الطاولتين في البهو والأرائك
    لأقودني إلى السرير البارد
    جثة بلا مفاصل

    تهذي الذكريات من معصمي
    أراك تسحبني إلى الرقص
    على إيقاع موسيقى الروك الصاخبة
    تفتح أبوابًا مقفلة فيّ
    فنسير معًا في الأهوال
    نسابق الأحصنة العليلة
    المركونة في جوفي
    تمدني بالصهيل من كأسك
    فأمدّك بالمواء من جراحي

    سهول بنفسجية تخترق الجدران
    لتغمر الوحدة بالظلال
    ونصير شبحين متعانقين
    لتنقضي الليلة

    أصحو من حياتي البعيدة
    جثة باردة
    وقد مات كلّ منا في موعده
    وآن للفراق
    أن يعيد الأمور إلى نصابها
    أن يدوّن اسمينا على المقابض
    وأن يهب للمفاتيح
    قسوة تمنعنا من الدخول معًا
    لنتقاسم الرغيف والحساء
    والنوم والشتائم

    كل ما يحزنني في الأمر
    أن جرائمي ضلت في جواربك
    وأن نعالك كانت مسرعة وعنيفة
    كالقذائف المجنونة
    تكاد تزيل الأعمدة من السقف
    وتفقد المكان الجميل وجهه.

    ****

    حانة قديمة تفتح لي أبوابها
    فيعلو من بين ضلوعي بكاء الطاولات
    التي فقدت أصواتها عند الضحك
    واستباحها حطابون جدد

    دفء هائل
    يسحبني إلى هذا المكان في قلبي
    أعاقر فيه خيباتي الجميلة
    قطرة بقطرة
    تتدفق دمائي من وريد اللوعة
    وتملأ لي كؤوسًا من الترحال

    ثمة مرح هائل في الحزن
    وعوائل تملأ بيتي شعرًا

    للحزن صغار و نساء ورجال
    يملؤون بيتي بالشعر
    يقاسمونني المشاق
    يصنعون لي من الملل ضفائر
    وقلائد تغطيّ صدري
    حيث ينمو الوجع
    في شمعدان فضيّ
    فوق الطاولة
    ترونه موعد عشاء
    وأراه قصيدًا شهيًّا

    نبيذ الإله يغمر حلقي
    ارتشاف يعادل موتي
    ليزول عن وجهي لون الشحوب

    يا لهذه النشوة الحارقة
    يا لرائحة البحر في عينيّ
    يا لانكساري

    شاعرة
    تطبخ الترانيم على مهل في المطبخ
    وتقدمها للجياع
    ثمّ تنام خاوية.

    *نص: نسرين المسعودي

  • حكاية الرجل الذي صار ظلَّاً – بسام حجار

    حكاية الرجل الذي صار ظلَّاً – بسام حجار



    ما كنتُ منذ البداية هكذا. أقصد لم يخلقني الله هكذا، وحيداً ومتروكاً للحيرةِ، إذ لا أجد من يَصحبَني وأكون ظلّهُ. ولكن ليتني أذكُر بالدقَّة التي تَتَوخُون كيف جَرَى لي ذلك فأصبَحتُ ما أنا عليه الآن، أو منذ بعض الوقت.

    أَجدُني لا أَقوَى على الحَرَكةِ، مُقيماً سوية البَلاط لا أبرح. وما يدور عليَّ من مواقيت يبدِّل من أحوالي وهَيئتي، فلي مع تبدلات الإضاءة بين مواقيت النَّهار والليل قصص أعجب من أن تُروى هنا، ولا يَتسع لها مصنف كامل من ترهات بورخيس. فالصباح يَجعلُني منبسطاً على سويَّة الأرضية المُلمَّعة، والظهيرة تُلصقني بالأشياء العمودية الواقفة ولا تتعب، ثم تتدرج بي الحال إلى استطالة تشوُّه قواميّ الطيفيّ حتّى يَكسرني الغُروب بانعكاسهِ الشَّفقي إلى نِصفين. نصف من أسفلِ الرَّكبةِ إلى القَدمين، والنصف الآخر من أسفل الرُّكبةِ أيضاً إلى هَامتي، فأقف بانحرافٍ ظاهرٍ على جدار ولا شيء يَسندني، إلى أن يحلّ الظَّلام فيذيبني في كنفهِ كأنَّنَي قطرات حبرٍ أو ماءٍ ملوَّن تمتصُّهُ ممحاة غريبة لا قوام لها.

    بلى، ما أخطأتُم الحسبان، فما أتحدثُ إليكم عنه هو الظلُّ الذي صرتُه منذ بعض الوقت، لذلك يَصعبُ أن يَبصرني أحدُكم في الليلِ أو في عَتمة المَكان. كأنَّني أنتمي إليه أو أصبحتُ مِلكاً لهُ مذ غَادرني صاحبي وانتظرتُه طويلاً هنا ولم يعد. فقط بوسع واحدكمٍ أن يَراني في الضوء. في ضوءٍ فاضحٍ لا أَرى منهُ شيئاً. وطبعاً لن أشرَحَ لكم هُنا ما تَعرفونه جيداً بأنَّ الظلّ لا يَراكم حين ترونه جيداً لكنَّه يُلازم حركاتكم وسكناتكم ولا يغادركم إلا حين تلوذون بأسرّتكم الدافئة وتحلمون.

     ألمعيٌّ هناك يقول: وماذا عن السير في الظلمة حيث لا ظلّ يَتبعُنا؟ فأقول من فم الظِّلال إياها إذا جاز لي أن أقول: يكون من هو مِثلي فدية نجاتكم من العبور إلى الجهة الأخرى. ليتخيل أحدكم الظَّلام مرآة، ولو معتمة، يسير بمحاذاتها على وجه الدِّقة، ويَصحبه الظل، في الجهة الأخرى من المرأة حيث يسود الظلام، ولن يخطر ببال أحدكم الأهوال التي يصادفها من هو مثلي هناك. ولكن لندع هذا الأمر جانباً، فليس في نيتي أن أشكو أو أن أجعل من ذاتي المعدومة رمزاً لبطولة الخوض في عالم الظُّلمات وإلا لأدركني المساء قبل أن أروي على مسامعكم ما صرتُ إليه منذ بعض الوقت.

    ذات يوم ألفيتُني وحيداً. كان الوقتُ مساءً والظُّلمة حَالكة فلا يَبصر صاحبي إصبعه حتّى لو ألصَقَها بعينه الحَاذِقة. كان مُستلقياً على الكَنَبَةِ في ثيابهِ المُعتَادة وكان يَجهشُ في البُّكاء. يَشرب كأساً تلو الأخرى، ويشعل سيكارة تلو الأخرى، ويجهش في البُّكاء. وكانت الظلمة قد أذابتني في كنفها وامتصَّتني لكنَّني، في هيئتي السائلة، كنتُ أقعي عند قدميه لا أُغادر. أشبهُ صَاحبي في كلِّ شيء، أَقصد في ما عدا التشوُّه الذي يُسببه لي تبدَّل الضُّوء فيقرُّ منّي أو يمطني لكي أبدو دميماً، أُشبه صَاحبي إذًا في كلِّ شيء ولكنَّني ما سَلكتُ نعمة البكاءِ أو عَرفتها من قبل. وعلى الرغم من وَفائي لصَاحبي ما تمكنتُ يوماً من مُجارَاته أو إبداء التَّعاطف بدمعةٍ أذرفها حتى ظننتُ يوماً أنني من الغلظة والفظاظة ما يفوق الوصف. كان صاحبي يجهش في البكاء. ثم غادرني. سمعت دوياً أو ربما جلبة ارتطام هائلة، لست أدري. وفي اليوم التالي وجدتني هنا وحدي. وفي اليوم الثالث أيضاً. وفي الأيام التي أعقَبت ذلك إلى اليوم، بتُّ وحيداً لا قُدرة لي على الحِراك من مكاني. زوجة صاحبي وابنته لا تُعيران انتباهاً إلى الثَّكنة الطفيفة التي تبقع البلاط وموضعاً واطئاً من الجدار. وذات يوم، جاءت الزوجة بالممسحة وعدة التنظيف وحاولتْ أن تَمسَحني بكلِّ ما أوتيت من قوَّة وعَصَبية ولم يمح من هيئتي شيء. فحسبت أنَّني مُجرَّد بقعة من الرطوبة تسرَّبت من أسفل الحائط إلى البَلاط. وكفَّت عن المحاولة. وأصبحت تُحاذر إذا مرَّت بقربي أن يداني ظلّها ظلّي خَوفاً من بلل الرطوبة وشؤمها وكم وددتُ أن يألفني ظلّها فأصبح ظلًا له عَلَّني أجد من أتبعه في روحاتِهِ وغدواتِهِ. حتّى الابنة لم تَتَعرف إليّ وكنتُ دائماً في صُحبة ظلّها حين يرافقها صاحبي في نُزهة قصيرة في الجوار. ليس بِوسعي أن أكون شبيهاً به لأنَّ لا مظهر ولا هيئة له. كان وسيماً، مُستقيم القامة إلى نحول، عصبيّ المَزاج والحركة. وكنتُ أُحاكي حركاته وسكناته ثم غادرني ولا أعلم إذا كان يصحبه ظلٌ آخر هناك.

    وأصبحتُ هُنا بلا نفعٍ أو قيمة حتّى وددتُ لو تمرّ بي سُلحفاةٌ فأكون ظلّها، لو يمر بي كلبٌ فأكون ظله، أو حصاة فأكون ظلّها. ذلك أني بتُّ أخاف أن تَمتصّني الظُّلمة مرة واحدة وإلى الأبد. ماذا أفعل بالضوءِ الذي يطلع كلَّ صباحٍ إن لم ينهض صاحبي من نومه، بجسمه كاملاً. الرأسُ والذراعانُ والجذعُ والساقان، لكي أتبعه فتدوسني أقدام السَّابِلة ولا ينال مني ألم، بل أواصل زَحفي الخفيف بين الحصى والنَّقح والعَجلات والنفايات، لا تعيقني أو تلوِّثني، خفيفاً وقانعاً لا أعرف لسعادة الصُّحبة مثيلاً.

    ماذا أفعلُ الآن إذ غَادَرني وانتظرتُ طويلاً وما عاد بعد؟ كيف أقضي مَلاوة الدَّهر، فلا عُمر لي، في الركن وحيداً؟ ما الذي يُبقيني على قيد الحياة؟ آسف، لا بد أنكم أدركتم خطأ العبارة. أقصد ما الذي يبقيني، على أن تكون الحياة لكم ولسواكم ولمن يرغب أيضاً. لا تزيلني أحماض ولا يُحطّمني ثقل ولا يَطمرني تراب. رحماك أيُّها الضَّجر!


    *نص: بسام حجار

  • الصمت – وديع سعادة

    الصمت – وديع سعادة

    لماذا أمضى نيتشه سنواته الأخيرة صامتًا منعزلاً؟ هل أراد أن يقول إنَّ الصمت هو أعلى درجات الكلام؟ التعبير الأفصح عن لا جدوى التخاطب؟ أن ينفي إمكان التواصل بين الذات والآخر؟ بين الفرد والجماعة؟ هل كان صمته يأسًا من اللغة ذاتها، من محمولاتها ومدلولاتها وتناقضاتها وخياناتها، من نبعها ومصبّها معًا؟ أم أن الصمت هو الاحتفاء الوحيد المتاح بالحياة، والتشييعُ اللائق لمن يريد أن يودّعها بإخلاص؟

    لماذا صمت نيتشه كلّ تلك السنوات؟ ولماذا غادر رامبو الكلمات؟ والكثيرون غيرهما لماذا وضعوا هذا الحدَّ المرعب بين اللغة وخرسها، بين الذات والآخر، بين الحياة وعدمها، بين الإقامة وشطب الوجود، هذا الكائن الصغير الوحيد بين عدمين؟

    ولكن، هل من حدٍّ، أو نقيض، بين الصمت والكلام؟ ألا يكون الكلام في الغالب أخرس والصمتُ في الغالب مطلوق اللسان؟ أليس السكوت لغة داخلية ضاجَّة والقولُ أصواتًا ضاجَّة أيضًا؟ أين الحدود إذن؟

    وإنْ لا حدود، إنْ هباءٌ واحد يجمع الصامتين والمتكلمين، ما معنى أن نختار الصمت وأن نختار الكلام؟ ما الفارق إن تكلَّمنا أو صمتنا؟

    غير أنَّ الصمت يخفّف الثقل؟

    كلَّما نقص صوت، أعتقد أن الأرض تشعر براحة.

    الذين يصمتون يرتفعون عن الأرض قليلاً، لا تعود أقدامهم وأجسادهم ملتصقة بها. الذين يصمتون ينسحبون من جمهرة الأرض كي يحتفوا بذاتهم. كأنَّ الاحتفاء بالذات لا يتمُّ إلا بالعزلة. كأنَّ الاحتفاء بالحياة لا يكون إلا بالصمت.

    ألا يمكن الواحد أن يحتفي بذاته مع الآخرين؟ إنه احتفاء فرديّ، بلا شريك، هذا الذي تقف فيه الذات أمام نفسها وتغنّي. تختلي بروعتها، بخوائها، وتنتشي. يخرج من صمتها النشيد الجميل النادر، البدئيّ، السريّ، النقيّ. النشيد الذي لا يقول شيئًا، لا تراوغه الكلمات، لا يحكي ولا يُسمع.

    الذات تحتفي بغيابها عن الآخر. الذات تحتفي بالغياب.

    هل هو الاختفاء إذن ما يُطرب له؟ هل هو الخواء ما تقام له الاحتفالات؟

    هل الاحتفاء هو الاختفاء؟

    بصمت الشجر والحجر تطرب الأرض وبصخب البشر تمرض. بالسكون تورق وتزهر وبالضجيج تموت. ليس صحيحًا ما تعلَّمناه. جوهر الحياة ليس الحركة بل ربما السكون. المياه المتخبّطة الهادرة لا تقيم ولا تحيي إنما تجرف وتقتل. لا يُطلع الماءُ حياةً إلا إذا رقد.

    على الحافَّة، على الحدّ، يمكن أن نكون. على الحدّ بين الذات والآخر، بين الخارج والداخل، على العتبة. هناك قد تكون حياتنا على الحدّ الضئيل النحيل المسنون كشفرة.

    الحياة، على الأرجح، تبدأ من النقطة الصغيرة الممحوَّة. النقطة التي تكاد لا تُرى، بين احتضار الصوت وولادة الصمت. بين انتهاء الكلام وبدء السكون.

    هناك ينتهي التناسل الخارجي ويبدأ التناسل الداخلي. تبدأ ولادة الحياة التي تخصُّنا، العالمُ المعاد تركيبه، المستحيل أن يكون في مكانٍ آخر.

    في النقطة الممحوَّة يولد كوننا.

    على الشفير، حيث لحظة الانبثاق ولحظة السقوط توأم. حيث الولادة والاحتضار واحد. حيث الوجود والعدم في نقطة نحيلة جدًا، على رأس شفرة.

    ولكن، من يقوى على الحياة هناك؟

    من يستطيع أن يحيا على شفرة؟ أن يُنجي لحظة ولادته من لحظة موته؟

    والأرض، هل لذلك مكدَّسة بالجثث؟

    فلنصمت قليلاً. أصواتنا أودت بنا إلى هنا، إلى هذا الجحيم. إلى القتلى الساقطين بالكلمات، بالخطابات، بالشعارات. إلى المعذَّبين في زنزانات الكلام المقفلة. المشنوقين باستحالة وصول الصوت. المرميين في فراغات حائرة، حيث لا سقفَ صمتٍ ولا فضاء كلام.

    الصامتون منتحرون أيضًا. صحيح. لكنهم يتوحدون مع ذواتهم على خشبة الانتحار.

    لو يصمت العالم الضاجُّ، قليلاً. ماذا يحدث لو صمت العالم؟ لو اختفى ضجيج البشر لحظة؟ أما كانت الأرض تستعيد بعض فتوَّتها، بعض صحتها؟

    هذه الأصوات تنشر الأمراض.

    إذا كان هناك من يريد فعلاً أن ينقذ البشرية فليأمرها بالصمت.

    الأرض لا تفتقد غيرَ مخلِّصٍ واحد، يخلّصها من الضجيج.



    *نص: وديع سعادة

  • مرتقى الأنفاس – أمجد ناصر

    مرتقى الأنفاس – أمجد ناصر

    ليست رماحُ الجبابرةِ ولا مُدى الأقزامِ
    بل
    يدُكِ
    بل
    أصابعُ يدِكِ
    لا
    بل
    أنفاسُكِ
    تشقُّ الهواءَ الخالد أثلاماً وتتركُها لبذار الألم
    المنقولةِ بالثَّنية واللِّسان أسمعُها تحت دُخنة
    الخشخاش تستدرجُ أوثان حياتي باسطةً أكفَّها في الوصيد،
    ارتقيتُ مدارِجها رافعاً حيرتي رايةَ من سلَّم أمرَهُ للهبوب

    ليس السيفُ
    ولا حجرُ الماسِ
    بل
    الأنفاسُ
    بل ما هو أوهى
    استرقني من علوِّ يقظتي
    واسترقني أنا المسنودُ ببأسِ سُلالتي والتعاويذِ
    لي الليلُ متروكاً كلُّهُ
    السُّهادُ على رسلهِ
    الهواءُ مطعوناً بالأنين

    وقعتُ كما يقعُ السَّادرُ مَرَحاً في خفَّتهِ
    لا نَسبي يُرجعني اليومَ إلى منزلتي بين الأهلينَ
    ولا ارتدَّت عيناي بدَرَكٍ من هاويةٍ تسحبني
    إليها الأجراس.

    الأنفاسُ
    أرخَتْ
    نقابها
    الهَوى
    القاسي
    اجتَباني
    الأمارة
    لوَّحتْ
    بنذيرها.

    في يقظةِ الأسيرِ لمصائرِ الليل الحارسِ
    سمعتُ وقعَ خطىً
    تردُّدَ أنفاسٍ
    حفيفَ ثيابٍ
    مَسَّني طائفٌ من رياشٍ فلمحتُ طيفَكِ
    يهرقُ نوراً على الطرف المُظلم ويعدُ بسهرٍ
    يبسطُ آلاءه على من تصطفيه التباريحُ من بين لاهين، تخفَّفْتُ من متاع المكين على الأرض وقلتُ
    إنِّي أنا الأخفُّ من العُرجونِ أقتفي دون مِنَّةٍ ما تركه مُرورُكِ حافيةً على الأعشاب،
    لا بخائنة العين، ولكن بكدحِ الفؤادِ أضربُ في مناكِبها مُعرضاً عمَّا يرفعهُ القائفون
    إلى منزلة الأثر

    على رابية الحسرةِ
    تبرَّأتُ من النجمِ الذي لمولدي
    ومن مهارتي بين الأقران.
    وَسَطَ العابرين بأكتافٍ كبيرةٍ
    كنتُ ذا القامةِ المائلةِ

    تحت البروقِ جنحتُ إلى السفوحِ
    تتلقى صامتةً عظات الذُّرى

    وسمعتُ تحت وقر السَّماء
    تفلُّق الشيء في عزِّ هجرانه

    صادفتُ تلالاً تولدُ من سهو
    الرواسي

    وأرواحاً تهيمُ مختومةً بحدود الهاجرة،

    مررتُ بعوسجٍ
    يتفشَّى في الشعاب على غير هدًى
    فقلتُ له يا أخي
    وبما حملتني عليه قواي شاطرتُ تُراباً
    يحتضنُ بذرةَ السُّمِ وبذرةَ الترياق
    جاء جمعٌ، رفعَ الغبارُ بيني وبينهم حجاباً
    فقفلوا عائدين بأسلاب الهباء،
    وآويتُ إلى جبلٍ علّني أقبسُ مما تراءى.


    (ما كذبَ الفؤادُ ما رأى)

    ولا العينُ التي ضَرَبتُ عنها صفحاً
    وتركتُها ترعى صورَ الفانينَ
    ولا اليدُ التي عادت إليَّ بنبأ الرُّكبةِ
    ولا رائحةُ الهالِ التي لازمتني
    وحيثما مررتُ فضحتْ سرَّاً
    أنا
    أجهلُ
    جاهليه
    ولا أنفاسي التي جسَّمتكِ
    وتدرَّجتْ، صُعُداً، من أخمص القدمِ إلى التُّرقُوةِ
    وكادتْ بعدما شارفتْ جنَّتَّكِ أن تهجرني.

    ولا كذبت قطرةٌ من دمِ الأقحوانة
    سالتْ
    فصنعتْ
    شفقاً
    لا
    يريمُ.

    .. ولكن
    ما بالُ هذه الكاسُ
    وتلكَ الدُّخنةُ
    لا تأخذان بيدِ السُّهادِ
    ما بالُني
    لا أغيبُ
    ولا أصحو.
    وكأنَّني ما رأيتُ
    وما لمستُ
    وما تنفستُ ما تَرَكتْهُ أنفاسُكِ
    على يديَّ.

    ليست نجمةُ المجوسِ
    ولا نارُ بني أهلي هذي التي تُضيءُ
    وتختطفُ
    إنَّما
    طيفُكِ
    عابرٌ
    بين قمَّتين
    أو لعلَّها أنفاسُكِ
    تستدرجُ وعوداً لا تموتُ ولا تحيا
    أو ربما حَسرتي
    ترمي شُواظاً في صميم الليل
    وتجسُّ قرارَ الهاوية.

    أخفُّ من أملٍ على جبل القنوط
    الرِّيشةُ التي تحرَّرت من ورطةِ
    الجناح
    أثقلُ مني في كفَّة الرِّيح.
    فيا لنفسي
    أمَّارةٌ بالألم
    ويا لفمي عطشانُ على حافَّة النبع
    ويا ليديَّ
    ادعتا وصلاً
    وعادتا خاويتين.

    مُتوَّجٌ بخفَّتي
    عرشي على الهواء
    مسنودٌ بحُرقة الأنفاس.

    خِفَّتي ما أبقت لي أثراً على الأرض
    ولا رَفَعتْني إليكِ
    آه خفَّتي
    ارفعيني
    أو ذريني بكتفٍ مائلةٍ
    أصدُّ غباراً يهبُّ على خُطى طفولتي
    بين الرُّمان.

    آه خِفَّتي
    وصلَ الغريبُ
    بلا بارحةٍ أو غدٍ
    وصلَ
    الغريبُ
    على
    آخر
    نَفَسٍ.


    نص: أمجد ناصر
    من ديوان: مرتقى الأنفاس

  • نشيد وثلاثة أسئلة – أمجد ناصر

    نشيد وثلاثة أسئلة – أمجد ناصر

    الكلامُّ فضَّةٌ
    والشعر ذهبٌ
    والنساءُ رنينُ معدنين
    والقصائدُ لغتُنا من الآن فصاعداً،
    لنبدأها إذن دونما استعارات أو تهويلٍ
    ولننظر إلى الأشياء الحيَّة بيننا
    بكثيرٍ من التبجيل.
    وليكن النشيدُ احتفالاً بالرضا
    والمسرات المقتصرة على الرّعاة
    أولئكَ الذين
    تبعثرت أحانُهم ورائحةُ آباطهم
    بين الشعاب والهشيم السائب
    ومضوا إلى غير رجعةٍ.

    **

    هل نهتفُ في بوق الفضّة:
    كيف يحيا الرّعاةُ دونما أغانٍ
    وحملانٍ
    وغوايات؟
    بل سنهتفُ:
    كيف يكونُ ثمة رعاةٌ بلا مهارٍ وناياتٍ
    وجروحٍ لا تندمل؟

    **

    الكلامُ فضَّةٌ
    والشعرُ ذهبٌ
    والنساءُ رنين المعدنين
    والقصائدُ لغتنا من الآن فصاعداً.
    إذن
    لنكرِّسها للذين مضوا إلى غير رجعةٍ.
    إلى:
    رعاة الغبشِ المنمنمِ
    والتهاليلِ المرتدية ثيابَ العرسِ
    النسوة اللائي غوينَ أشرسَ الوعول ِ
    وأثرنَ شبقَ النحاسِ
    الأعشابِ ذات الفصلِ الواحد والآبار المردومة
    العُقبان والكواسر الليلية وأصنافِ فصيلة النمر العربي
    الصنوج والسنابك وأحلاس الغزوات
    المطرَّزة بدماء القبائل.
    صيحات الفتيان الذين لم يفرغوا من
    تطبيع مِهَارِهمْ
    رحيلِ أقوامٍ بأكملها من المضارب
    إلى لجامِ الحديد.

    وأبعد من ذلك،
    حين تفاجئُنا النايات المهشَّمةُ
    والعظامُ النخرةُ
    والقبائلُ البائدة بثلاثةِ أسئلة محددةٍ:

    كم مضى من الدهر؟
    -هل اندملت الجروح القديمة؟
    -ما هي الأسماء التي ما تزال صالحة للتداول؟
    بماذا نجيب؟
    هل نكتفي بالقول:
    الكلامُ فضَّةٌ
    والشعرُ ذهبٌ
    والنساءُ رنين المعدنين
    والقصائد لغتنا من الآن فصاعداً؟

    هَلمّوا أيها الرعاةُ إلى قِصاعِنا العامرةِ
    لنشرع بالتهاليل.

    نص: أمجد ناصر
    من ديوان: مديح لمقهى آخر

  • جحيمي ليس أسوأ من جحيمك -هيلدا دوليتل – ترجمة: سركون بولص

    جحيمي ليس أسوأ من جحيمك -هيلدا دوليتل – ترجمة: سركون بولص

    يوريديك

    I

    إذاً لقد جَرَفتَني إلى الخَلفِ
    أنا التي كان يُمكنني أن أمشي مع أرواحِ الأحياء
    فوق الأرض،
    أنا التي كان يُمكنني أن أنامَ بين الأزهارِ الحيَّة
    أخيراً ؛

    إذاً من أجلِ أن تَتَبجَّح
    وثمناً لجبروتِكَ
    أُعادُ مَجروفةً
    إلى حيث تنزُّ الأُشْناتُ الميّتةُ
    جمراتٍ ميتةٍ على الرَّماد المُتطحلب؛
    إذًا من أجل وقاحتِكَ

    يتمُّ تحطيمي أخيراً،
    أنا التي عشتُ غير واعيةٍ،
    من كانت منسيَّةً تقريباً؛

    لو أنَّكَ تركتَني أنتظرُ
    كنتُ سَأحظى من فرطِ تَوَانيَّ
    بالسَّلام،
    لو أنَّكَ تَركتَني أرتاحُ مع المَوتى
    كنتُ سأنساكَ
    والماضي.

    II

    هنا ليس غير اللهيب على اللهيب
    والسواد بين الشَّرارات الحُمر،
    خيوطُ سوادٍ ونور
    فقدتْ لونَها؛

    لماذ التفتَّ إلى الوراء
    لتعودَ الجحيمَ فَتَستَعيدني
    مدفوعةً هكذا
    نحو العَدَم؟

    لماذ استدرتَ؟
    لماذ تطلّعتَ إلى الوراء؟
    لماذ تردَّدت لتلك اللحظة؟
    لماذا أحنيتَ وجهكَ
    السابحَ في لهيب الأرض العُليا
    فوق وجهي؟

    ما الذي مرَّ عبر وجهي
    من الضِّياء الذي في وجهكَ
    ونَظرتكَ؟
    أيَّ شيء رأيتَ في وجهي؟

    ضياءَ وجهكَ أنتَ،
    نار حضوركَ أنتَ؟

    III

    زعفرانٌ من حوافّ الأرض
    زعفرانٌ بريّ انحنى
    فوق حافةِ الأرضِ القَاطعة،
    كلُّ الأزهار التي انبثقت من الأرض
    كلُّ الأزهار التي ضاعت، كلُّها؛
    لقد ضاع كلُّ شيء،
    كلُّ شيء تخلَّله السواد،
    سواداً على سواد،
    وأسوأ من السوادِ،
    هذا النور الذي لا لون له.

    IV

    هكذا بسبب تبجُّحك
    وقسوتكَ العَارِمة
    خسرتُ الأرض
    وأزهار الأرض،
    وأرواح الأحياء فوق الأرض،
    وأنت الذي عبرتَ خلال الضِّياء
    ومددتَ يدكَ
    ما أقساكَ؛
    أنتَ الذي لكَ ضياؤكَ،
    الذي أنتَ حضورٌ في ذاتكَ،
    يا من لا يحتاج إلى حضور؛

    رغم كلّ بَخْتَرتِكَ
    ونظرتِكَ،
    أقولُ لكَ هذا:

    خسارةٌ كهذهِ ليست خسارة،
    رعبٌ كهذا، عُقَدٌ وخيوطٌ ومزالق
    من السَّواد،
    رعبٌ كهذا،
    ليس خسارة؛

    الجحيمُ ليس بأسوأ
    من أرضكَ فوق الأرض،
    الجحيم ليس أسوأ، كلا

    ولا أزهاركَ
    ولا عروقكَ من النور
    ولا حضوركَ،
    خسارة؛


    جحيمي ليس أسوأ من جحيمكَ
    رغم
    أنَّكَ تعبر بين الأزهار
    وتُكلِّم الأرواح فوق الأرض.

    VI

    في مواجهة الأسود
    لدي حُميَّا أكثر مما لديك
    في ذلك المكان المنوَّر المجيد،
    في مواجهة السواد
    والرماديّ الكابي
    لدي نورٌ أكثر؛


    والأزهار،
    لو أنني أخبرتكَ،
    لاستدرتَ عن طرقاتكَ الأليفة
    نحو الجحيم،
    لاستدرتَ ثانية وتطلَّعت إلى الخلف
    وكنتُ سأغرقُ في مكانٍ
    أكثر رعباً من هذا.

    VII

    لديَّ على الأقل أزهار نفسي،
    وأفكاري، ما من إله
    يمكنه أن يحرمني من ذلك؛
    لدي حُميَّا نفسي
    لتكون حضوراً، وروحي
    لتكون الضياء؛

    وروحي في خسرانها
    تعرف هذا،
    رغم أنها صغيرة
    في مواجهة الأسود،
    صغيرة في مواجهة الصخور عديمة الشكل،
    على الجحيم أن تنشقَّ قبل أن أضيع؛

    قبل أن أضيع،
    على الجحيم أن تَنفَتِح كزهرةٍ حمراء
    ليعبر الموتى.


    *نص: هيلدا دوليتل
    **ترجمة: سركون بولص

  • “قلبي منقبض” أقولها مئتي مرة- فاضل تركمن – ترجمة: مريم العطار

    “قلبي منقبض” أقولها مئتي مرة- فاضل تركمن – ترجمة: مريم العطار



    (1)

    إنَّني أنْقرِضُ، 
    كالملوكِ في كُتُبِ التَّاريخ
     کالدَّيناصورات في العصرِ الحجري 
    كالثوراتِ الفاشلةِ.


    (2)

    التوتُ يسقط من غُصنِ الشَّجَرةِ 
    أنا أسقطُ من فوقِ السّريرِ
     ليأتي أحدٌ ويسحقني.

    (3)

    ما أردتُ شيئاً من الله

    غيرَكِ

    ونافذةً

    وانتظاراً

    ولقاءً

    وكلُّ هذا يعني الرَّبيع

    (4)

    دعيني للحظةٍ واحدةٍ أبكي مكانَكِ
    أتكأ على قدركِ المعوجِ
    على حياتكِ الفارغة،
     وبِحزنٍ أكثر من كلِّ مرةٍ، 
    أعزفُ النَّايَ بأرجيلتكِ
     أرجيلتكِ التي تُحبينها كثيراً.

    (5)

    خبزُكم بسعرِ السُّوق

    من دونِ تعبٍ جاهزٍ

    تفضلوا

    تناولوهُ

    فقط لا تسرفوا

    رغم أنَّ وجودكم في الحياةِ عينُ الإسراف.

    (6)

    قلبي مُنْقَبِضٌ 

    قلبي مُنْقَبِضٌ 

    كتبتِ هذه الجملة مرتين يا فروغ(*)

    أنا أقولها عشرين مرةً..

    مئتي مرة.

    * إشارة إلى قصيدة للشاعرة فروغ فرخزاد مطلعها: (قلبي مُنْقَبِضٌ)




    قصيدة فروغ فرخزاد ( الطائر ميت لا محالة)

    قلبي مُنْقَبِضٌ 

    قلبي مُنْقَبِضٌ 

    أذهبُ إلى الإيوان‏

    وبأناملي أمسحُ بشرة الليل المديد‏

    مصابيح العلاقات مُطفأة‏

    مصابيح العلاقات مُطفأة‏

    لا أحد سَيُعِّرِفَني على الشمس‏

    لا أحد سيأخذني إلى ضيافة العصافير‏

    ضع الطيران في خاطرك‏

    فالطائر ميت لا مَحالة.‏



    * ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين

  • أحبُّ يومي لكنَّني أخافُّ الأيام (مختارات فارسية) – ترجمة: مريم العطار

    أحبُّ يومي لكنَّني أخافُّ الأيام (مختارات فارسية) – ترجمة: مريم العطار

    الطاولة المستديرة

    الجميعُ كانوا حاضرين:
    أنا، الموتُ، الصمتُ
    الانطفاءُ والنسيانُ ..
    اجتمعنا حول طاولةٍ قديمةٍ
    تحاورنا مع مَلاكٍ غائبٍ
    انتهتِ الجلسةُ
    عندما أغلقنا البابَ
    وصلنا جميعنا إلى نتيجةٍ واحدة: الصمتُ
    دائماً، لديه أعمال أهم من الصُّراخ،
    لهذا أنا صامتٌ.

    قلب

    ليلى وراءَ النافذةِ
    وقلبي
    في صدري يتمشّى
    الجوابُ كان جُملةً من كلمتَين:
    نعم، لكل ما لم يكُن،
    وكلا، لكلِّ ما هو مُتاحٌ!
    منذُ ذلك اليومَ
    الذي مَضَى عليه أربعة عشر عاماً،
    ليلى تتكئ على أريكةٍ
    وقلبي
    ما يزالُ يَتَمشَّى في صَدري.

    التَّداعي

    أنا مريضٌ
    وأكتبُ الشّعرَ
    لا تضغطي زرَّ الجرسِ
    دفاتري تمتلئُ بصرخاتِ سيارةِ الإسعافِ
    ويموتُ شخصٌ ما،

    بينَ كلماتي.

    المُغرَى

    علماءُ الآثارِ عَثَروا في سريري
    على جسد رَجُلٍ
    من العصرٍ الحجري
    كان يحملُ زهرةً بسبعِ أوراق
    كانوا يستفسرونَ عبثاً
    لم يفهموا لُغتي
    أرادوا أن يأخذوه
    إلى متحف الأنثروبولوجيا
    هو أخَذَ شكل سريري
    كان من المقرَّر أن لا يتسرَّب هذا الخبرُ
    لكنّه ماتَ وعظامُه بين الشراشفِ
    تحولتْ إلى دقيقٍ.

    مرحباً

    مرحباً أيُّها العالم
    أيُّها الضجر اللامنتهي!

    مرحباً سارقَ تَبغي
    وسارقَ دميةِ ابنتي ذاتَ العينِ الواحدةِ

    مرحباً قاتلَ أخي ..
    مرحباً أيها الضيف المفاجئ
    مرحباً أيُّها الإرهاقُ للقمةِ عيشٍ لا ينتهي

    حذاءٌ
    لونٌ
    مرحباً أيها العجزُ
    أيها القحطُ
    مرحباً يا عرَقَ الخجلِ
    مرحباً أيها العالمُ
    أيها الضجرُ اللامنتهي!

    مقاطع

    -عيناك زهرةُ عبّاد شمسٍ
    إلى أيِّ جهةٍ تستديرُ
    هناك الله!

    -غير حضورك
    لا شيء في العالم الكبيرِ
    أخذتُهُ على محملِ الجدِّ، حتى الحبّ!

    -تعالَ بقطارٍ إلى الجنوبِ
    هناك،
    أينما وجدتَ زهرةَ الأقحوانِ
    أنا هناك.

    -لستُ على ما يرام
    أشعرُ بخسارةٍ فادحةٍ
    من الزمنِ،
    من الحياةِ،
    مِن،
    ليسَ الحديثُ عن شخصٍ واحدٍ
    لا أعرفُ،
    أشعرُ أنَّ مفردةَ الأبدِ سحرتْ عيونَ
    عصفورِ ذاتي.

    خوف

    أحبُّ الحياةَ، أخافُ تكرارها
    أحبُّ الدينَ، أخافُ الكهنة
    أحبُّ القانون، أخافُ الحرَّاس
    أحبُّ الحبَّ، أخافُ النساء!
    أحبُّ الأطفالَ، أخافُ المرايا
    أحبُّ التحية.. أخافُ لساني!
    (أنا أخافُ .. إذن أنا موجود)
    هكذا يمُّر يومي وأيامي
    أنا أحبُّ يومي
    لكنّني، أخافُ الأيام.




    *نصوص: هومن هويدا ، سارا محمدي، حسين بناهى
    *ترجمة: مريم العطار

  • أحتاج يديّ لأكتب – كنزة تجيني

    أحتاج يديّ لأكتب – كنزة تجيني

    أكتبُ الشِّعر في المراحيض
    وعلى سرير الموت
    في الحدائق العامة بينما يأكل البشر عقولهم بأفواههم
    وفي غرفتي المسكينة حيث تموت الوحدة من الوحدة لِتُخلق وحدة جديدة.
    أنا بلا عَيْن وبِعيْن
    أنا بلا فهم وبإحساس
    أرى طريقًا سوداء حيث لا أحد سواي
    زرعت بعقلي مصباح في مقدمة قصيدة ولم أرى سوى نفسي
    هذا العالم الذي مركزه عقلي يقتل الأحياء برمشة عين
    وهذه الشمس التي فوقي تتوسد أفكاري لتنحني على ضوءها.
    كتبت الشِعر في منازل الفقراء
    وعلى أفواه الفلاسفة
    إلّا أنني لم أجد نفسي
    أين نفسي؟
    إلا أنني لم أجد إلا الشِعر
    كيف أتخلص من الشِعر
    يجعلني ميتة
    غير مرئية
    حقيقية أكثر
    وغير مرغوبة إلا أمام شجرة .


    كيف أتخلص من نفسي ؟


    “عندما تتوقفين عن البحث عنه
    سيبدأ الشعر في البحث عنك”

    لا تبحثي عن الشعر
    سيجدك في جميع الأحوال.

    توقفي عن البحث عنه
    الشعر يبحث عنك أيضًا.

    وإذا حدث وأن غادرني؟
    سيعود في الثلاثين.

    وإذا حدث وأن تركني؟
    سيفتقدك .

    وإذا حدث وأن تخلى عني الشعر؟
    لا يتخلى الشاطئ عن أمواجه .

    وإذا حدث وأن كرهته؟
    سيلتصق بأنفاسك

    هل سأنجو؟
    بالطبع ، بالشعر ستفعلين.

    هل سأنجو من الشعر؟
    بالطبع ، بالشعر نفسه ستفعلين.

    وإذا حدث وأن تركني في أصعب الأوقات؟
    سيعود في الأوقات الأصعب.

    هل يحب الفراغ؟
    يتغذى عليه.

    هل يخاف الفراغ؟
    أحيانا يطرد.

    هل يأتي من الفراغ؟
    يأتي من فراغ الألم.

    هل يفرغ الألم؟
    بالطبع، يتغذى عليه الشعر ليُكتب.

    هل يموت صاحب الشعر؟
    يموت جسده.

    هل يموت الشِعر؟
    لا يموت إلا ما هو موجود.

    هل أنا موجودة ؟
    اسألي الشعر.


    أرغب في الموت
    قبل يوم القيامة
    بجرعة مضاعفة
    من الأسبرين
    أو بنوبة عطش
    توّاقة
    للكافيين.

    ربّما تلتهم نصوصي القديمة أنامل أصابع يدي لأنني لم أكتب منذ يومين، فيقول لي الطبيب: يجب بتر معصميك قبل أن تتعفن ذراعيك كاملة “
    كيف أخبره بأنّ العفن الحقيقي موجود في روحي وأحتاج يدي لأكتب -أنقذ جزء منها عند كل نص أكتبه-
    يبتر الطبيب معصمي، فأموت مخنوقة.

    سأموت قبل يوم القيامة
    لا أعرف كيف
    قد يقتلني صداعي في ليلة أبحث فيها عن رائحة القهوة لتحتضن ألمي ولا أجدها لأنّ أبي يحب الشاي
    ولأنّ أمي تحب الحليب
    ولأنّ كلاهما لا يملكان الوقت لإحتضاني.

    سأرغب في الموت
    قبل يوم القيامة
    لأعيش فترة أطول
    في العدم
    في الشساعة
    في البرزخ
    حيث ينمو الشَّعرُ هناك
    كما ينمو الشِّعرُ هُنا.

    لن أضطر
    لحلقِ شعر قدماي
    كل أسبوع
    لأنني فتاة و يجب أن أكون جميلة
    أُنثى القِرد ترتدي الشَعر
    الذي ينبتُ عليها منذ ولدت
    لكنّها الأجمل في نظر ذكرِها.

    لن أضطر لتحمُّل
    طبقات الملابس التي أرتديها في هذا الحرّ
    لأنني فتاة و يجب أن لا يفتن جسدي الرجال.
    سأكون عارية
    كما ذاتي من أحلامي
    لا شفرات حلاقة
    و لا أقمشة
    يغطي الشَّعر جسدي
    بدون إحراج
    كما يغطي الألم روحي.

    سأموت قبل يوم القيامة
    بسنة
    أو بسنتين
    وقت كافي لأقابل المُعذّبون.

    أسأل سيلفيا عن نوع الفُرن
    عن آخر قصيدة
    و الوقت الذي استغرقته
    لتُسافر بالألم من الألم
    أقول لها : ” هل أنهى موتك الألم، هل أفعلها! “

    أسألُ سقراط
    عن معنى الحكمة
    عن حدّة الحبل الملتف حول عنق الحياة
    التي حال الخروج منها فشُنِقْ.
    أقول له:” هل أنهى موتك الألم، هل أفعلها!”

    أسأل فان جوخ
    عن سرِّ الحركة الدائرية
    عن الوجه الذي خلف وجهه
    عن حكاية عبادات الشمس الذابلة
    وعن المخدر
    إن لم يكن الألم فماذا يكون!
    أقول له:” هل أنهى موتك الألم، هل أفعلها!”

    أرغب في الموت
    قبل يوم القيامة
    أجل..
    لا أعلم
    أحتاج هذا بشدة
    و في أقرب وقت
    أو سأنتحر داخل قصيدة.
    بين سطور شِعر
    لشاعر أسمر مجنون
    من إفريقيا الجنوبية
    مات قبل سنة
    لأنّه يكتب كثيرًا.

    أو ربما قريبًا
    ستقضي عليّ الشفرات اللحمية الحادة التي بداخلي
    -الوحيدة التي تعمل داخل قلبي المعطوب
    وسأقابل حينها، أخيرًا، الهناء.

  • المَنفى – وديع سعادة

    المَنفى – وديع سعادة

    الإنسان كائنٌ عاقل؟ صفة ناقصة. ما عادت دقيقة. الإنسان كائن منفيّ.

    بات صعبًا تحديد موطن للناس. المنفى اتسع. الأرض كلها صارت منفى.

    ما عاد هناك وطن. هذه تسمية أضحت من التراث. من الذاكرة الآفلة. البشر يقيمون في منفى لا في وطن.

    كان في الماضي منفى جماعيّ ومنفى فرديّ. صار الكلُّ كلِّيي النفي: منفيين في الخارج ومنفيين في الداخل ومنفيين في الجماعة ومنفيين في الذات.

    لم تبق في الخارج أية إشارة إلى أن هذا المكان، أو ذاك، هو مكاننا.

    ولا في الداخل إشارة إلى أن الذات لا تزال تخصُّنا.

    صار صعبًا، بل مستحيلاً على المرء تحديد ذاته، فكيف تحديد مكانه؟

    إذا الذات نفسها منفيَّة، هل يمكن التحدُّث عن مكان؟

    سيلٌ من الخطى على بلاط بارد. دفقٌ راكض يطوي الأمكنة. مشيٌ لا يحتفظ بأي مكان.

    لا درب. فقط تشعّبات. وخطوات تتشعّب على التشعّبات كلها ولذلك لا تسير.

    لم يبق للأقدام طريق تألفه وزاوية تتمدّد عليها. درب العودة إلى مكان أليف، بشوق و بطء وفرح، ما عادت ممكنة. صارت ممحوَّة. محتها الخطوات الراكضة وموت الألفة واستحالة العودة. محاها غياب المكان.

    المكان الذي غاب كمساحة، وغاب كحضور.

    ليس ممكنًا، بعد، أن تكون حاضرًا مع آخرين، لا بينهم ولا فيهم. لم يعد لديك كلام لهم ولم يعد لديهم كلام لك. إذا تكلّمتَ لا تتكلم إلا مع ذاتك ولو ظننتهم يصغون. وإن تكلّموا لا تسمع إلا صوتك ولو اعتقدوا أنك تصغي. لا تكون إلا فيك ولو كنت في جمهرة. ولا يكونون معك ولو كنت بينهم… لستَ إلا منفيًا وليسوا إلا منفيين.

    منفيٌّ في المكان ومنفيٌّ في الناس. منفيٌّ في الخارج ومنفيّ في الداخل.

    مثلّث المنفى: منفى المكان ومنفى الآخر ومنفى الذات.

    هل تجد ذاتك وطنًا لك؟ قُلْ. هل ذاتك مسكن؟

    هل بينكما لغة؟ أأنتما متفاهمان؟ أليفان؟ تنامان على سرير واحد؟ تترافقان على الطريق؟

    إني لا أرى غير عداء وخيانة.

    الذات لا تخلص لصاحبها، الذات تخون. لا ترافقه، تهجره، لا تنقذه، ترديه.

    لا أرى غير بُعد وغياب.

    لا أرى رفاقًا سوى الآفلين. لا رفاق إلا الموتى.

    غابت الأمكنة وغاب سكانها. لم يعد ثمة مكان ولا قاطنوه. صار خطأ ما تعلمناه عن مفهومي المكان والزمان، وعن الإقامة والاغتراب. تغيَّر كل شيء. انقلبت الحياة والإنسان والأشياء على مفاهيمها وعلى نفسها. دخلتْ في خلطٍ فوضوي حتى الإلغاء. إلغاء المكان وإلغاء الزمان وإلغاء الآخر وإلغاء الذات.

    دخل الكل في منفى كليّ. دخل الكل في الغياب.

    وكان هذا الغياب سيكون جميلاً لو لم يكن جرفًا جماعيًا، لو لم يكن التزامًا بالركام.

    كان جميلاً لو للغائب خصوصية غيابه، وللملغي فردانيّة اختيار الإلغاء.

    فللغياب الاختياري نصرٌ على الحضور. للمنفى الخاص نصر على الانتماء. للغياب والمنفى نصر على الجماعة والاستيعاب والامتصاص.

    هكذا، يكون المنفى نصرًا نادرًا. يفوز المنفيّ بذاته ولو ليس له رفاقٌ إلا الآفلين، لو ليس له رفاق إلا الموتى.

    هكذا يكون للفرد حضور.

    هكذا لا يكون للفرد حضور إلا بغيابه!



    *نص: وديع سعادة

  • تعويذة لدخول البيت – أمجد ناصر

    تعويذة لدخول البيت – أمجد ناصر

    خَطّي الَعتَبَة
    وادخلي البيت،
    بخفقة الضوء هذي
    شيِّعي حاملَ الرّمح
    إلى ذويه
    الذين افتقدوه.

    II

    خَطّي الَعتَبَةَ
    وادخلي بقدمِ السَّعدِ؛
    الوعدُ
    قابَ قوسينِ أو أدنى،
    الدهرُ سيّافُ الفصول يُحني هامه
    فنشبُّ ونشيبُ في بارقِ كاحلِك.ِ

    III

    خَطّي الَعتَبَةَ
    وبسملي
    ففي كلِّ لفتةٍ منكِ يطيرُ سربُ يمامٍ
    أشدُّ بياضاً من سريرة النائم
    ومع كلِِّ فتلةٍ لكِ
    يهتدي قمرٌ ضالٌّ إلى مداره.


    بيدك اليمنى اطبعي كفَّ الحناءِ
    على قنطرَة البيتِ
    فليِلُ الليالي كلِّها
    عندما تضعينَ قدماً على العتبةِ
    مُرغَماً يَبْيَضُّ.


    *نص: أمجد ناصر
    *من ديوان: سرَّ من رآكِ

  • كلُّ قصيدة، كلُّ حب – أنسي الحاج

    كلُّ قصيدة، كلُّ حب – أنسي الحاج

    كلُّ قصيدةٍ هي بدايةُ الِّشعر
    كلُّ حبٍّ هو بدايةُ السماء.
    تَجذري فيّ أنا الريح
    اجعليني تراباً.

    سأعذبكِ كما تُعذب الريحُ الشجَرَ
    وتمتصّينني كما يمتصُّ الشجرُ التراب.

    وأنتِ الصغيرة
    كلُّ ما تريدينه
    يُهدى إليكِ إلى الأبد.
    مربوطاً إليكِ بألم الفرق بيننا
    أنتَزعُكِ من نفسكِ
    وتنتزعينني،
    نتخاطف إلى سكرة الجوهريّ
    نتجدّد حتى نضيع
    نتكرّر حتى نتلاشى
    نغيبُ في الجنوح
    في الفَقْد السعيد
    ونَلِجُ العَدَم الورديّ خالصَين من كلِّ شائبة.


    ليس أنتِ ما أُمسك
    بل روح النشوة.
    … وما إن توهّمتُ معرفةَ حدودي حتى حَمَلَتني أجنحةُ التأديب إلى الضياع.
    لمنْ يدّعي التُخمةَ، الجوعُ
    ولمن يعلن السأمَ، لدغةُ الهُيام
    ولمن يصيح ( لا! لا!)، ظهورٌ موجع لا يُرَدّ
    في صحراء اليقين المظفَّر.

    ظهورٌ فجأةً كدُعابة
    كمسيحةٍ عابثة
    كدُرّاقةٍ مثلَّجة في صحراء اليقين،
    ظهوركِ يَحني الرأسَ بوزن البديهة المتجاهَلَة
    فأقول له (نعم! نعم!)،
    وإلى الأمام من الشرفة الأعلى
    كلّما ارتميتُ مسافة حبّ
    حرقتُ مسافةً من عمر موتكَ
    كائناً من كنتَ!…

    ترتفعُ
    ترتفع جذوركِ في العودة
    تمضي
    واصلةً إلى الشجرةِ الأولى
    أيّتها الأمُّ الأولى
    أيتها الحبيبةُ الأخيرة
    يا حَريقَ القلب
    يا ذَهَبَ السطوح وشمسَ النوافذ
    يا خيّالةَ البَرق المُبْصر وجهي
    يا غزالتي وغابتي
    يا غابةَ أشباح غَيرتي
    يا غزالتي المتلفّتة وسط الفَرير لتقول لي: اقتربْ،
    فأقترب
    أجتاز غابَ الوَعْر كالنظرة
    تتحوّل الصحراء مفاجرَ مياه
    وتصبحين غزالةَ أعماري كلّها،
    أفرّ منكِ فتنبتين في قلبي
    وتفرّين منّي
    فتعيدكِ إليّ مرآتكِ المخبأة تحت عتبة ذاكرتي.

    يداكِ غصونُ الحرب
    يداكِ يدا الثأر اللذيذ مني
    يدا عينيكِ
    يدا طفلةٍ تَرتكب
    يداكِ ليلُ الرأس.
    تُسكتينني كي لا يسمعونا
    ويملأُ الخوفُ عينيكِ
    مُدَلّهاً مختلجاً بالرعب
    كطفلٍ وُلد الآن.
    تنسحب الكلمات عن جسدكِ
    كغطاءٍ ورديّ.

    يَظهر عُريكِ في الغرفة
    ظهورَ الكلمة الأوحد
    بلا نهائيّةِ السراب في قبضة اليد.
    مَن يحميني غابَ النهار
    مَن يحميني ذَهَبَ الليل.
    ليس أيَّ شوقٍ بل شوقُ العبور
    ليس أيَّ أملٍ بل أملُ الهارب الى نعيم التلاشي.
    فليبتعد شَبَحُ الخطأ
    ولا يقتحْمنا باكراً
    فيخطف ويطفىء
    ويَقتل ما لا يموت
    لكي يعيش بعد ذلك قتيلاً.

    الحبّ هو خلاصي أيّها القمر
    الحبّ هو شقائي
    الحبّ هو موتي أيّها القمر.
    لا أخرج من الظلمة إلاّ لأحتمي بعريكِ ولا من النور إلاّ لأسكر بظلمتك.
    تربح عيناكِ في لعبة النهار وتربحان في لعبة الليل.
    تربحان تحت كلّ الأبراج وتربحان ضدّ كل الأمواج.
    تربحان كما يربح الدِين عندما يربح وعندما يَخْسر.
    وآخذ معي وراءَ الجمر تذكارَ جمالكِ أبديّاً كالذاكرة المنسيّة،
    يحتلّ كلَّ مكان وتستغربين
    كيف يكبر الجميع ولا تكبرين.
    ذَهَبُ عينيكِ يسري في عروقي.


    لم يعد يعرفني إلاَّ العميان
    لأنهم يرون الحبّ.
    ما أملكه فيكِ ليس جسدكِ
    بل روحُ الإرادة الأولى
    ليس جسدك
    بل نواةُ الجَسد الأول
    ليس روحكِ
    بل روحُ الحقيقة قبل أن يغمرها ضباب العالم.

    الشمس تشرق في جسدكِ
    وأنتِ بردانة
    لأن الشمس تَحرق

    وكلّ ما يَحرق هو بارد من فرط القوّة.
    كلّ قصيدةٍ هي قَلْبُ الحبّ
    كلّ حبٍّ هو قلبُ الموت يخفق بأقصى الحياة.
    كلّ قصيدةٍ هي آخرُ قصيدة
    كلّ حبٍّ هو آخرُ الصراخ
    كلّ حبٍّ، يا خيّالةَ السقوط في الأعماق، كلّ حبٍّ هو الموت حتى آخره،
    وما أُمسكه فيكِ ليس جسدكِ
    بل قَلْبُ الله
    أعصره وأعصره
    ليُخدّر قليلاً صراخُ نشوتِهِ الخاطفة
    آلامَ مذبحتي الأبديّة.


    *نص: أنسي الحاج

  • انتحارٌ للكاتبة – دعاء سويلم

    انتحارٌ للكاتبة – دعاء سويلم

    يقول تلمان جينز:

    ” الشّعراءُ غالبًا ما يُقدمون على الانتحار، ونادراً ما يقدِمُ عليه المحامون والحرفيون والمعلمون، وكأنّ الانتحارَ خاصيَّةٌ وظيفية للكتاب والشعراء. اختيار الموت باعتباره آخر صفحة من رسالة الحياة، وبوصفه نهاية سعيدة، يصنعها مبدعون تتماهى كتاباتهم مع الحياة؛ فيعجزون عن الاستمرار في الكتابة، ويشعرون بعدم قدرتهم على مواصلة العيش، لعدم جدوى الاستمرار بالحياة، ما يدفعهم لوضع النهاية لها ومغادرتها طوعًا”.

    كثيرًا ما كنتُ أسأل عن السّر وراء ربط الإبداع الكتابي بالانتحار؟ لا أنكر بأنني حاولتُ كثيرًا فعلها، ولكن كلُّ محاولاتي باءت بالفشل، كنتُ أخاف من استخدام أدوية أبواي، فما ذنبهم إن متّ؛ أن يعيشوا يومًا أو أسبوعًا بلا دواء، وحالتنا الماديّة سيئة؟

    وإن استخدمتُ شيئا حادًّا مثل شفراتِ الحلاقة أو السّكين، ما ذنبُ أختي أن تمسح الدّماء التي تخصني؟ وأنا طوال عمري، لا أحبّ أن أكون ثقيلة حتى على نملة تمشي في حالها.

    ولو شنقتُ نفسي باستخدام المروحة الكهربائية، من سيرتدي من بعدي اللفحة التي استخدمتها، والشّتاء على الأبواب؟ حياتي، آهٍ يا لها من حياة، فشلتُ في كل شيء، حتى في الحياة العاطفية مثل “ماياكوفسكي”. إنني أنشر كل ما أفكّر به، مثلما نشرت “غادة السّمان” رسائل “غسان كنفاني” توقعت الجحيم المنتظر، مثلما توقعه “والت ويتمان” يوم طولب بجلده أمام الناس عقابا على ديوانه “أوراق العشب” فقال: “توقعت الجحيم ونلته”!

    أنا جبانة، هشة، صدقوني، أكتب لأتخلص من البشر والأشياء تماما مثل “فلوبير”. هناك رغبة في الكتابة ضد الحياة، ضد المبادئ، ضد الأخلاق حتى، وأي أخلاق ونحنُ نعيش في الظّلم؟ أين العدل؟ أين الآلهة التي ستخفف أحزاننا أم أنها مشغولة في الوهم والأساطير؟ هناك شرٌّ في كلماتي، مثل شر لوتريامون. يجب أن ينتهي كلُّ هذا الذي في قلبي؛ لأستطيع العيش ولو للحظةٍ واحدة. ما نحنُ إلا رغبات، نشتهي السّعادة الزائفة شهوةً.

    اليوم، تخلصتُ من كل شيء له علاقة بي، ولكنني إلى الآن لم أتخلص مني، حتّى في موتنا يجب أن نهتم بالآخرين، هل يمكن أن يتخيّل أحدكم حجم المعاناة لنحصل على الخلاص؟

    لو أمكننا التقاط المنتحرين من قبضة الحزن؛ لكانوا الآن معنا ! لو كان لصوتهم حماية؛ لأمكنهم المقاومة لأجل مقعد الانتظار ! كبر ذعرهم، وغرقوا بالضحك الهستيري، وعاث بهم الاختناق فسادا، لم يستطيعوا أن يهربوا من أنفسهم، كل ما حلموا به حزنا جديدا بعيدا عن خيبتهم المتكررة في ارتداء وجههم الفارغ كل يوم ! أسأل بلزاك ما الانتحار، فيقول: ” كل انتحار هو نظام راق للحزن” ! أحاول أن أقتله من جديد بيدي، عسى ألا يسمعه الأطفال والمهمشين، فيهمس لي ماركيز ربما هو، لم أركز بالصوت جيدا، يبدو أنه قال سينتحر في الساعة السادسة مساء، وسيظن الناس أنه حادث سير، وهو عائد من حفل كتابه الذي ألفه حديثا، اسمه “كورونا والجحيم” ! آه منك يا ماركيز، حتى بعد وفاتك، تريد أن تقول بأن القهوة غير صالحة للأموات؟!

    فتقاطعني سيلفيا بلاث، قائلة: ” الموت فن على غرار كل ما عداه وإني أمارسه بإتقان… أمارسه حتى يصير جهنم أمارسه حتى يبدو حقيقة في وسعكم القول إنه دعوتي ” . فأنهزم بالحوار، وأعود محملة بثقل رأسي، فلو أمكنني مصارحتهم أنني أحبهم؛ لربما آمنوا بالحياة ! هناك من سنحميه، علينا أن نتحرك بسرعة، قبل أن يترك أحدهم المقعد فارغا، بالرسالة ذاتها، وبالخط المتعرج ألما.. _ ” لم أكن أريد ذلك، لكنه الخلاص، أنا متعب يا رفقاء الجحيم”!

    ****

    أنوي الانتحار من حافة السرير سقوطا على الأرض فينتهي كل شيء، ولكني أفشل بعد التفكير بالاحتمالات، هذه الأرض لا أحد يموت عليها بكرامة، تحبّ تقبيل الأحذية وتتجاهل الأرواح.

    أم كلثوم تبعث رسائل تحذير، ولا أحد يكترث! تحذير من الحب؟ من الخوف؟ من الحيرة؟ من العمر؟ من النسيان؟ من الليل؟ فأمسك بالباب جيدا كي لا يدخله أحد، هناك صوت لا شكل له يحاول التسلق، يعيشُ في الماء والهواء، أرفع وجهي تجاه سقف غرفتي بكل خوف، إنه ينتظرني!

    عيوني تنتفخ، ليس من البكاء، بل من تشققات جلدي، هناك من يتوحد مع كل جزء بداخلي، فإلى أين أهرب بروحي؟ تحت أظافري؟ لبيوت الله؟ هل أنا سارتر كي أنسى همي وأتوحد مع هموم غيري؟ هل أنا تشيخوف كي أهتم بالوقت وينساني الفراغ؟ هل أنا فرجينيا وولف لأكتب رسالة انتحار ثم ألقيها في البحر؟ هل أنا طاغور ليحبني الناس كما أنا بلساني المقطوع؟

    لا جواب.

  • أنا حفيد الملك الأمازيغي القديم – عبدالرحيم الخصار

    أنا حفيد الملك الأمازيغي القديم – عبدالرحيم الخصار

    قصيدة: (أنا حفيد الملك الأمازيغي القديم) بإلقاء: أحمد قطليش

    أنا حفيد الملك الأمازيغيّ القديم
    الذي ماتَ غدرًا بطعنةٍ من أيدي الرُّومان
    هوايتي أن أضرمَ النار في الجليد
    و أبني المصائدَ لطيورٍ لا تصل الأرض
    يخطرُ لي أحيانًا أن أخرج سمكةً من النهر ثم أعيدها إليه
    و أقفُ عكسَ التيار أنتظر موهمًا نَفسي أني سأصطادها يومًا ما
    يخطر لي أحيانًا أن أفتح أقفاصًا في السطح
    و أطلق العصافيرَ التي أفنيتُ سنواتٍ في رعايتها.
    أنا حفيدُ الملك الأمازيغيّ القديم
    لا أعرفُ جُملةً من لغتي، لا أذكرُ شيئًا عن أسلافي
    سوى أن جديَ كان راعيًا في جبال الأطلسِ يُطارد قطعان الأروية
    وعبر منحدرات اللوز كان يركضُ بالليلِ والنَّهار
    ناصبًا شباكَهُ وفخاخَهُ لطرائد الوادي والغابة
    وكباقي النازحين ستقذفُهُ المجاعةُ إلى السهول
    ليُصلح أواني العربَ ويتغزلَ بامرأةٍ ستغدو يومًا ما جدتي.
    أنا حفيدُ الملك الأمازيغيّ القديم
    لا كتابَ يذكر شيئًا مما أنتظر
    كلُّ الكتب تروي دائمًا عكس الحكاية
    غيرَ أني حين أنظرُ إلى وجهِ جدتي
    كأنَّما أنظر إلى وجه امرأةٍ من الهنود الحُمْر
    قالت لي فيما مضى : أنتَ حفيد الجبال
    فاتجهتُ إلى الجنوب كما يتجه أركيولوجيٌّ إلى صحراء بلا خريطة
    سألتُ الشيوخَ والعرافينَ والرُّعاةَ والحكماءَ
    سألتُ مطاريدَ الليلِ والباحثين عن الدفائنِ وحفاري الآبار
    تَقَفيتُ آثارَ السُّلالةِ في السفوح وعلى مقربةٍ من الأفلاج
    في منعرجاتِ القرى ومشاعاتها في الكهوفِ والمداشرِ والمغارات
    لم أسمع سوى رجع صوتيَ كهدير رُكامٍ من الثلج ينهار
    خبَّرتني عجوزٌ تتكئ على عكازة ومئة عامٍ وأكثر
    أنَّ جدي كان حطابًا، لذلك حمل فأسه قبل الرحيل
    و في حمأةِ الغضب أسقط شجرةَ العائلة.
    أنا حفيد الملك الأمازيغيّ القديم
    في داخلي تركضُ قطعانٌ من الجواميس إلى أن تَتعَب
    تتعاركُ النسور ويتناثرُ ريشَهَا بين الجبال
    تعوي ذئاب في أكماتِها
    بيدَ أن صوتها القاسي لا يجتاز الوجار
    في الداخلِ تموتُ أفكارٌ كثيرةٌ بنيرانٍ صديقة
    والدي ينظرُ إلى صورةِ أبيه المُعلَّقة فوق الدولاب
    وتسقطُ من شفتيهِ الكلماتُ الثقيلةُ في جوفِ الليل
    لم تقطِّب حاجبيكَ وتحمل الخنجرَ والبندقيةَ
    و لا أحد يطاردنا اليوم؟
    لماذا تركتَ الآخرين وتدحرجتَ من الجنوب
    مثلما تتدحرجُ صخرةٌ من أعالي الجبل
    وتتفتتُ على جرافِ في ضِفَّة الوادي؟
    أنا حفيد الملك الأمازيغيّ القديم
    لم أرث عن أسلافي سوى نَظرتي المُرتابة
    و إحساسي الدائم بأني أمشي على رصيفٍ يرتج
    و أتكئ على حائطٍ سَيَنهار
    وأمدُّ يدي إلى ظلمةٍ لا نهايةَ لها وأسبحُ في مياه غادرة
    فماذا أفعل فيك أيُّها العالم و كلُّ أملاكي قلم وورقة؟
    أسهرُ الليالي أشذِّب الكلمات
    أناشدُ صورًا في الألبوم أن ترقص معي
    وأفتح نافذتي في عز الشتاء على نوافذ مغلقة
    يركضُ الناس متلهفين باتجاه الحياة
    و أنا يجرفني التيار باتجاه حياةٍ أخرى
    يهتفُ الناس بأسماء بعضهم كما لو أنهم قديسون
    و أنا أفضل أن أحيا صامتًا على أن أهتفَ باسم أحد
    أن أكون أعمى على أن أُبصِرَ مواكبَ العته تمر بزهوٍ أمام بيتي
    أن أكون أصمَّ على أن أسمع نشازكِ أيتها الحياة
    ربما اعتاد أجدادي الجلوسَ في أعالي الجبل
    خوفًا من غدر السفوح
    لذلك أحيا في غُرفةٍ على السطح
    أقرأ كتابًا عن شعوب المايا
    و أسمعُ أغنية لأحفاد آشور
    أطيلُ النظرَ إلى السماء وألملمُ شتات النجوم
    أجلسُ مثل بومةٍ على كتف العالم
    و أخافُ أن أسقط فَتَدْهسُني أطرافه
    أخافُ أن تَجتَثَّني يدٌ ما وتطوِّحُ بي إلى سُهبٍ سحيق.
    أنا حفيد الملك الأمازيغيّ القديم
    الذي سادَ هذه الأرض قبل ألفي عام
    و الذي لا أملكُ له صُورةً على جدار غرفتي
    فقط أتخيلهُ شبيهًا برجالِ الأساطير
    بصولجانٍ من عاجِ الفيلةِ وتاجٍ من الريشِ والذهب
    رأيته مرة في منامي بعمامة رجل كردي
    ربما أشياء كثيرة تربطني بالأكراد
    غير أني أتنفسُ هواءَ هاتِهِ البلادَ كما يحلو لي
    و أدبُّ كسائرِ الخلق في المنحدرات
    لكنَّها رغبةُ الماءِ في أن يَعرِفَ نبعه
    قبل أن يَجرِفه الشَّلال
    رغبتي أنا في أن ألتفت إلى الوراء
    كي أجلو وِجهَتي
    لتبدو واضحةً مثل صورَتي في المرآة.




    نص: عبدالرحيم الخصار
    إلقاء: أحمد قطليش

  • سأعدُّ خُطواتي – دعد حداد

    سأعدُّ خُطواتي – دعد حداد

    أيُّها الدربُ المُوحش!
    يا دربَ الحبِّ!
    سأعدُّ خطواتي،
    فالوحدة علمتني العدَّ.

    ***

    أمي حملتني يومًا، وأنتَ،
    أوقعتني يومًا،
    بعينَيْكَ ذلك الألق المتوهِّج حينًا، والخافت حينًا،
    سأعدُّ خطواتي..
    فالوحدة علمتني العدَّ،

    ***

    الحارسُ كان بالمرصاد..
    عينان خبيثتان، ومنظار،
    أسرعتُ قبل أن تخطئ قدمي،
    قبل أن يهبط الليل، وحدي،
    سأعدُّ خطواتي..
    فالوحدة، علمتني العدَّ،

    ***

    في العودةِ أمسكَ أحدهم بيدي،
    خلف عينيه، اختبأتُ،
    هنا دفءٌ، وأمانٌ،
    سأعدُّ خطواتي..
    فالوحدة علمتني العدَّ..
    قلبي الخائف.. كان بائسًا،
    ولكنِّي احتفظتُ به،
    وكنت دومًا أقوى من ذاكرتي
    كي لا أنسى..
    أن أعدَّ إلى العشرة..
    وحينما ضممتني إليكَ بحنوِّ طائرِ البطريق
    تلعثمَ قَلبي..
    قلتُ: واحد..
    نظرت في عينيكَ تهتُ.. قلتُ:
    إثنان، عشرة..


    من: الأعمال الشعرية الكاملة (أنا التي تبكي من شدَّة الشعر) – دعد حداد

  • إطلاق الشهقة الأخيرة بين أذرع النهر (شعر بنجابي) – فخار زمان – ترجمة: شوقي شفيق

    إطلاق الشهقة الأخيرة بين أذرع النهر (شعر بنجابي) – فخار زمان – ترجمة: شوقي شفيق

    العلاقات الزجاجية

    كلُّ شيءٍ يتوقف فجأة
    الخلاخيل
    الرَّغبات
    الزُّجاج
    ما انكسَر لا يتجمَّع ثانيةً
    الخلاخيل الرغبات الزُّجاج.

    عدَّاد

    أنا عدَّاد سيارة الأجرة
    الكلُّ يراني
    بعد أن يقطعوا مسافة ما
    لأنَّني أحدّد الأجرة.

    غرفة التجميد

    لا أحد يرى؛ لا أحد يتكلم؛ لا أحد يتحرك
    واحدًا واحدًا؛ بالتناوب
    يضعوننا
    في غرفةِ التجميد.

    سرطان

    تعاني من سرطان الدم، تناول أي ترياق
    حسنًا ماذا بعد
    ألم ترتعد:
    من أجل ماذا؟
    تعاني من سرطان الدم
    حسنًا – سأموت
    لأتخلَّص من هذا العناء.

    قلق

    زوجة جاري
    جاءت تتشكى
    قالت: ابنك الأصغر سيء ومثير للأعصاب
    إنه لا يتحلى بأية فضيلةٍ من أبيه
    يغازل ابنتي ويضايقها
    (إنَّه لا يقارن بأبيه، على الإطلاق ).

    الوقت

    الوقت لا ينقضي أحيانًا
    لكن الوقت أحيانًا
    في طرفة عينٍ
    يزول.

    سمكة السلمون

    من البحر العظيم عميق الغور
    تحرر ذاتها
    صوب النهر تنزح
    في النهر تضع بيضها، وتفقسه.
    ثانية، باتجاه البحر العظيم عميق الغور
    تذهب.

    عندما ينادي الموت
    مرة أخرى، تندفع باتجاه النهر الصغير
    مٌحرِّرة ذاتها من البحر
    كيما تطلق شهقتها الأخيرة بين أذرع النهر.

    قطارة الجلوكوز

    واحدة واحدة
    بالتناوب
    في الوريد
    بقطرات
    تتدفق الحياة
    احذر لا تحركُ يَدكَ
    وإلا فإنَّ اللاصق
    سينزاح من مكانه
    والحياة ستكفّ عن الجريان.

    بين بين

    البارحة – كما دخلت على رؤوس أصابعها
    اليوم – تركتني بالطريقة ذاتها
    بصمتٍ وهدوء.
    لا جلجلة خلخال حين مجيئها
    ولا رنين حليةٍ عند الذهاب
    بين البارحة واليوم
    ليس من عمل ثمة
    ليس ثمة نزف صغير
    ولا عبئًا كبيرًا.

    ذنب

    مرة افترقنا- افترقنا إلى الأبد
    لم يكن ذنبها
    ولا ذنبي
    عندما تقابلنا ثانية
    التقت عيوننا
    فاشتعل ضوء اللقاء
    لكن، أكثر من الضوء
    كان حزن الفراق الوشيك.

    مخبول

    بدراية
    يمكن للانفجار
    أن يتم في أية لحظة
    أنا، نافخًا وجنتي
    جاعلًا عنقي منتصبًا
    متشوفًا إلى السعادة القسوى،
    أصنع فقاعات من الصابون.

    *نص: فخار زمان
    **ترجمة: شوقي شفيق



  • السمكة في الداخل – ندى قطان

    السمكة في الداخل – ندى قطان

    السمكة في الداخل

    اليوم فقط ناداني رجل عابث قائلاً: “أيتها السمكة!” رسم الرجل بيديه شكلاً ما بدا لي أشبه بجرّة ماء طينية ذابت من فورها قبل أن تقسو في الشمس.

    لم أجبه. بل فكرت فوراً أنه لابد بأني ذراعي الممتدتان تجذفان دوماً هنا وهناك قد استحالتا زعانف مفيدة. وأن قدميّ المسطحتان قد أصبحتا ذيلاً رشيق الحركة. ثمة انقلاب موجي داخلي يحرُثُني فأتنفس ، ويُخرجني نحو الشمس الحارة ، ثم يعود بي إلى أعمق نقطة في البحر الأعمق دون أن أغرق.. رحلة تجري بسلاسة ودون مقاومة… كل المخلوقات التي تشبهني تحوّلت في أطرافها بطرائق مختلفة أيضاً ، لكن السباحة في داخلي هي شيء آخر يطرقُ كل يوم معنى جديداً عصيّاً على اكتشاف بقية الكائنات الحية كلها.

    كانت الخراف تتحرك متتابعة في السماء. بإمكانها أن تكون خرافاً بيضاء أو غيماً أبيض ولن يُحدث ذلك أدنى التباس في المخيلة ؛ بإمكان الشمس أن تكون كرة ركلتها فيلسوفة ما بطيش.. دون حساب الزمن أو ساعة رملية دقيقة تنفذ حباتها عند الأفق فيقبض الإله على ناصيتيها ويقلبها رأساً على عقب بصبر نافذ دلالة على مضي يوم كامل بأربع وعشرين ساعة أو 1440 دقيقة أو 86400 ثانية (والثواني هي حبات الرمل نفسها هنا) 

    لا فرق عندي إذاً في مسببات الأشياء أو آليات العمل. ربما أفضل أن تكون الشمس ببساطة كما تبدو لي: حبة مشمش ناضجة أرميها في فمي وأخفيها في جوفي كي ألج الليل. ثم ألفظها حين أريد كحبة در حين أريد أن يكون النهار.. فيكون. لكن هل بمقدوري فعل ذلك؟ إذاً فلتكن شمساً أو كرة أو ساعة أو حبة مشمش. لا فرق يحدث في المخيلة. لا يُحدث المنطق فرقاً.

    ***

    الحلم

    لا أحسُّ بالبَتْر وأنا أدخن. 

    سجائري أصابع إضافية لمن لا تكفيهم الأصابع الخمس الأولى. أصابع نحيلة بيضاء لفتاة في العاشرة.. التهمها بين شفتيَّ وأنا على الشرفة المطلة على الاسفلت الساكن ، وفي سريري – وأنا أعلم جيداً أن رزان لا تزال مستيقظة رغم أنها مغمضة العينين..

    في ليلة ما كنت أقفز على ساقي الوحيدة في الحلم محاولاً اللحاق بالميكروباص الأبيض الصغير الذي يقلني إلى مقر عملي في الكتيبة 1. حين استيقظت كان جسدي ينتفض كسمكة شبوط خرجت من وعاء الماء وسط دمشق، ويتفصد عرقاً كأنه خرج تواً من معمعة الفعل الجنسي.. فكرت بأن جسدي هذا لقمة سائغة في الفراش ؛ وسجائري غير موجودة أيضاً بقربي على الطاولة..

    على مقعد الحديقة ، مقعد الاحتياط… هكذا كنت أرى نفسي والشمس تغمرني على شرفتي.. سجائري التي أحتفظ بها في خزانتي اختفت أيضاً. ثمة أعقاب السجائر فقط – وهي تشبه فخذي الأيسر.. عندما كانت تقول رزان أنني أدخن كثيراً ، كنت أشعل لفافتين معاً ؛ أنفث دخاني فوق شاربيّ ، فيهتزان كقرون الاستشعار، وأبدو كقدر يغلي..

    الشمس تصبح الآن شديدة جداً كأنها قوة مكرِّسة لفعل شيء ما. الشمس شباك مفتوح، أو هوّة ، أو مقبرة جماعية مكشوفة. تدفعني مثلما كانت تفعل عندما كنت في الخدمة.. أنا خارج المنزل الآن. أقفز مثلما فعلت في الحلم.. لا يسعني التوقف! الاسفلت الساكن يتلقى ضرباتي التي تشبه ضربات ازميل.. ويبقى متزناً، فأشبعه ضرباً أكثر وأكثر. ليس العالم في الخارج مليئاً بالدموع مثل رزان.. لا يثير تنقلي بين الناس على هذه الحال فضولهم أو استغرابهم – ربما كان الناس ، وأعمدة النور ، والأشجار ، والأبنية هم من يقفزون باتجاهي.. أستطلع أوضاع المارة رغم ذلك، وأتحرى أجسادهم فأجدها كاملة، كاملة – مثل جسد رزان.

    ***

    تُرهبني الطبيعة

    حين أخرج من فوهة المدينة السوداء

    إليها.

    شجر طويل يتكاثف ، يتكتّم..

    فلا أفهم!

    لا سماء إلا في المنافذ الضيقة المخاتلة

    بين الورق..

    النافذة في غرفتي

    متسع نحو الأفق.

    لا أفق في الأفق..

    سوى غابة اسمنتية متدرّجة..

    ساكنة.

    قطط بيضاء ترتادها أحياناً

    فضولية ، متشردة..

    لكن ذلك لا يعني شيئاً ،

    لكن ذلك يشبه شياً ،

    مثل رسم ما

    في غرفتي ، المتسع الأعظم هو طاولتي

    بل صفحة بيضاء.

    الشيء يعنيني فأرسمه

    الرسم يسكنني ، فأنسى الشيء

    الأشجار في الغابة أناس تقف

    على ساق واحدة.

    امرأة بساق،

    رجل بساق،

    أطفال مثبتون إلى التراب..

    بساق،

    الجوقة.. واقفة بسكون

    ***

    المشهد

    قتيل يجثو فوق الطريق.

    لا تنقذه!

    والضوء في الساعة العاشرة مكسور مشظى

    ربما ينوي الراحة.. يغفو قليلاً هكذا في العتمة.

    ومواء قط ضئيل شارد للهواء..

    ليس لك.

    وغبار عالق فوق شبابيك المدينة

    يتنفس حتماً بعد عناء سفر

    من شدة الريح.

    وغراب جريح..

    أو أنه يحتفل للمرة الأولى بلون غريب

    ورقص غريب.

    ما أدراك أنت في المشهد العام؟

    ***

    قهوة أخيرة

    يأخذني أساه..

    حين يسقط العالم في الصباح

    فوق رأسه ،

    وفي فنجان قهوته.

    وأقول له: الكتابة هواية غير مكلفة.

    فيقول أنها جد مؤلمة.

    وأقترح الشمس ويوماً من الهواء..

    فيمد أشرعته حولي

    في غرفة ملآى..

    بأشياء منه.

    ويذكرني: العالم في فنجاني.

    فأتذكر: بلى وبدون سكر.

    والمشي مربك..

    أذكره بالمواعيد الملحة

    وتلك الرسائل والتنبيهات

    فيبعدها في الهواء.

    يقول أن ساعته محطمة

    والناس كما يراهم ثقوب سوداء

    (كرماد دخانه كما يشير)

    ثم أنه ليس بمقدوره الخروج عارياً،

    وأضحك،

    في ثوبي المليء بالأشجار،

    ويبسم، ثم يقرر أن يحتسي اليوم فنجانه. 

    وأقترح قهوة أخرى جديدة!

  • فدوى سليمان – قويةٌ كفراشةٍ، هشُّةٌ كجبل

    فدوى سليمان – قويةٌ كفراشةٍ، هشُّةٌ كجبل

    في السابع عشر من أغسطس، لعام 2017، وفي قلب باريس، رحلت الشاعرة والممثلة والمناضلة السورية فدوى سليمان، بعد صراع طويل مع المرض.

    تقول عنها إيتيل عدنان:

    نعلمُ إن القدر قاسٍ، ولكنه دوماً أقسى مما ظنناه. تعرّفتُ إلى فدوى مؤخراً، ورأيتُ شدّة التزامها بكلّ ما يؤثّر فيها. أثناء محادثتها، رأيتُ إلى أيّ حدّ لم تكن تحتمل الظلم في هذا العالم. كانت قد كرّستْ نفسها من أجل سورية مفتوحة للجميع، سورية السلام. كانت قد كرّستْ نفسها للشعر أيضاً. لقد فقدنا بوفاتها شاعرة كبيرة وضوءً أمامنا. أرجو منكم قراءة شعرها، بانتباه، والإنصات إلى صوتها عبر كلماتِها وأفكارها، ونشدان العدالة، على منوالها، عبر اللاعنف. أقول لها إننا لن ننساها أبداً.

    إيتيل عدنان – شاعرة لبنانية – أمريكية
    فدوى سليمان

    هذه هي الكلمة التي قدَّم بها الناشر الفرنسي ايمانيول مويزون ديوان فدوى سليمان “كلما بلغ القمر”:

    منذ الأزل، وفي كل صراع جديد تخوضه الإنسانية، هناك أكاذيب جديدة تؤدي لحرق الكتب، الكلمات، الجمل، الصور، الأفكار والذاكرة، ولكن القصيدة تنبثق من مكان غير متوقع.

    ليس للقصيدة سلاح ولا حدود، ليس لها سوى الصدى، كنبضة قلب، كصوت رعد يملأ المكان، قادم من بعيد في وجه التشظي، تتنفس،  تتحدث، عن الألم والعنف والعبث، قصائد “كلما بلغ القمر” تأخذنا إلى أماكن الذاكرة، أغنية،  غضب الأرض المجروحة، وغضب المعنى المقتول، وأغنية انتظار، انتظار ملوث بهمجية الإنسان. المنفى ليست كلمة ثابتة في المعنى،.ليست كلمة موضوعة فوق ساحة تاريخنا،  المنفى هو حركة حلزونية أبدية،  المنفى ألف وجه ووجه،  ذكرى وجوه نألفها، ألفُ رائحةٍ ورائحة تأتي من الطفولة،  ألفُ تلةٍ وتلة. للمنفى حركةٌ تشبه حركة النهر، وتأتي بصورة الأجداد، عطور الفجر، حرارة الطين. المنفى هو انعكاس لذاكرتنا، لونُ التأرجحِ أمام الهاوية، عبر مزاج الأزمنة القديمة والحاضرة مع الأماكن (باريس، حمص، طرطوس) القصائد تفتخر بنفسها كلما بلغ القمر.

    ايمانيول مويزون – ناشر فرنسي

    مختارات من ديوان: كلما بلغ القمر

    عودة

    وسوفَ أعودُ، لا لأعود؛

    بل لأنَّه عَوْدٌ

    لألقى نهايتي التي شئتُ

    الغناء الهادئ

    مطرٌ على مطر

    وطينٌ فوق طين

    ***

    صورة

    لِي قُوَّةُ الفَرَاشَةِ

    وَضعْفُ ثَورْ

    وَلِي هَشَاشَةُ الجِبَالِ

    وَصَلابَةُ خَيْطِ العَنكَبُوت

    وَلِي ضَجِيْجُ أَرْجُلِ النَّمْلَة

    وَصَمْتُ البَحْر

    وَلِي مَوتُ الحَياةِ في الشَّرْنَقَة

    وَحَيَاةُ المَوتِ فِي السَّائِرِين

    وَخُضْرَةُ أَوْرَاقِ الخَرِيفِ

    وَاصْفِرَارُ العُشْبِ فِي آذَارْ

    ولِي تَـمُّوزُ

    لَنْ يَعُودَ بِتَمُّوزْ

    وَلِي مِنَ الأيَّامِ لَحْظَة

    حِيْنَ يَأخُذُ القَلْبُ اسْتِرَاحَتَهُ الأبَدِيّة

    يَنْتَهِيَ كُلُّ شَيءْ

    لِيَكُونَ لِي

    مَا لَـمْ يَبْدَأْ بَعْدُ

    أَو بَدَأ..

     

    ***

    في العتمة المبهرة

    في العتمةِ المُبهِرة

    نشربُ كأسَ زوالِنا

    وننتظرُ انقضاضَ يدِكم الكريمة

    لترميَ بنا في العدم

    في العتمةِ المُبهِرة

    تُطمَس أدمغتُنا

    وتُمْحى ذاكراتُنا 

    وتُمْسح آثارُنا عن الوجود

    في العتمةِ المُبهِرة

    النجومُ لحمُنا ولحمُكم

    والقمرُ تلُّ عظامِنا وعظامِكم

    ودفُّ العيدِ قرعُ رصاص

    رقصةُ موتِنا

    وموتِكم

    وسكّينُ الحلوى

    تقطّعُنا تقطّعكُم

    في العتمةِ المُبهِرة

    لا بوّابةَ للخروجِ وحدَكُم ممكِنة

    في العتمةِ المُبهِرة

    علينا أن نعرفَ الفرقَ ما بينَ المرايا والمرايا

    كي يلتقي الظِلُّ ظِلَّه

    ومَن يقتُلْ مراياهُ ينكسِر

    في العتمةِ المُبهِرة

    نحنُ أشباحُ مَن كانوا هناك

    شلّالَ ضوءٍ يقودُ نحو الشمس

    فسلّطنا علينا بوّاباتِ جحيمِكُم وجحيمِنا

    في العتمةِ المُبهِرة

    عيونُ سوريّا تشقُّ جُنحَ الليل بالنورِ تقول:

    أوقفوا هذه المجزرة

    ***

    إلقاء بصوت فدوى سليمان لمقطع من ديوانها في باريس

  • لن أقول شيئاً هذه المرَّة – مهدي سلمان

    لن أقول شيئاً هذه المرَّة – مهدي سلمان

    الكلامُ بركة كبيرة، راكدة وآسنة، أقذف فيها حجراً،

    اليعاسيب تطير من حولها، الضفادع تتقافز على مائها،

    يخرج الأخضر الكامن فيها، أقفُ على مشارفها، رافعاً

    طرفَ ثوبي، وقدمي في الرخو، وأصرخ في الصدى:

    لا أحد على صليبك سواي

    أنا وحدي هنا:

    لا أحلمُ بشيء، لا أفكرُ في شيء، ولا أتذكرُ شيئاً، أحاولُ أن

    أكونَ حجراً في طريقٍ معزولة، لم يلمس منذ ملايين

    السنين، وحدهُ الهواء يمرُّ عليهِ وئيداً، لا يحفرهُ ولا يحرّكه،

    يلمسهُ بتوجّس ويذهب.

    حجرٌ كالصمت

    صغيرٌ ومهمل

    ويسدّ مجرى المعنى.

    2

    إنني لا أكتب، أنا فقط أحكّ للظُلمة جلدها الثقيل بأظفار القلق

    الوحشية، علّها ترغب في احتضاني يوماً.

    لن أغامر بشيء، سوى بهذا الرأس، الذي لا فائدة منه، الذي

    يتدحرج بلا توقف نحو المجهول، ويجرّني معه.

    فلأفترض أني قادر على هذا الشيطان الذي داخلي، لكن

    كيف أقدر على صوره الكثيرة التي تتجلى في كل هذا

    الوجود؟ ياللخدعة الماكرة.

    قمرٌ مكتملٌ مثل فضيحة، بردٌ ناقصٌ بخبث، وموسيقى

    سوداء حزينة تحكُّ رطوبةَ الشارع

    هذا ليلٌ يليقُ بانفصال،

    يليقُ بابتسامة الخاسرين، بتنهيدةٍ يائسة تتدحرج ببطء على

    عقارب الساعة، ولا تسقط.

    وها أنا بلا ضمير

    أحاول كتابة قصيدة تفضحني.

    3

    أحلامٌ تعبثُ برأسي وتحيله فقاعات وحل، غربان من هواء

    بارد يحطون على ندمي الواسع، تفقأ تذكري الرخو

    بأجنحتها اللزجة مثل بركات السماء، ومناقيرها الحادة

    كصداي.

    واقفٌ أنا، أهشهم بيديّ المكتوفتين، أعض رقابها بأسنانٍ

    صدئة وأبكي، وحينما الدم الحار من رأسي ينفجر، ويبلل

    جسدي المرفوع على صليب الهزيمة، أغمضُ عيني في

    الختام البرتقالي.

    النوم نفقي إلى الهاوية، أحفره بصبرٍ مستحيل، كل ليلة.

    ولا ينتهي، ولا يصل. سأحفر نفقي إلى العالم، بحذر.




    *نص: مهدي سلمان