موتي سيجيءُ يوماً
بربيعٍ مضيءٍ من أمواجِ الضوءِ
في شتاءٍ مغبرٍ وبعيدٍ
أو في خريفٍ فائضٍ باللهيبِ والصراخ
موتي سيجيءُ يوماً..
يوماً من هذه الأيام المُرَّةِ أو الحلوةِ
يوماً فارغاً كهذه الأيام..
ظلَّ من الأمسِ أو الغد
عيني ممرَّاتٌ ضيِّقة
وجنتي كالمَرمرِ الباردِ
فجأةً.. حلمٌ ما سيأخذني
وسأفرغُ من الصراخِ المؤلم
تزحفُ يدي ببطءٍ على الدفترِ..
فارغةً من سحر الشعرِ
يوماً ما كان يدبُ بي دمُ الشعرِ
التربةُ كلَّ حينٍ تجرُّني إليها
تُريدُ أن تَضعني فيها
آهٍ.. رُبَّما العُشَّاق في مُنتصفِ الليلِ..
سيضعونَ الوردَ على قبري
مِن بَعدي -فجأةً- ستُزاحُ الستائر المُظلمة
وعيونٌ غريبةٌ تزحفُ على أوراقي ودفاتري
وفي غرفتي الصغيرة سيأتون
مِن بَعدي غريبٌ سيَتذكرُني
وستبقى مني خصلةُ شَعرٍ ومشطٌ
سأرحلُ ومنِّي سيبقى الخرابُ
روحي كشراعِ زورقٍ
في الأفقِ ستغيبُ
وستمرُّ الأيَّامُ والأسابيعُ والشهورُ
عينُكَ بانتظار رسالةٍ
ستُحدِّقُ على الطُرقِ
لكنَّ جسدي الباردَ سيضغطُ عليه التُراب
بعيداً عنكَ وعن دقَّاتِ قلبكَ..
سيتعفَّنُ قلبي تحت التُراب
منِ بعدِ اسمي.. سيغسلهُ المطرُ
بهدوءٍ من فوق صخرةِ القبرِ
قبري سيظلُّ دونَ اسمٍ في الطريق
فارغاً من خرافةِ الاسمِ والعار.
ترجمة: مريم العطَّار
من ديوان: (العصيان) – فروغ فرخزاد الأعمال الشعرية الكاملة
المدونة

مِن بَعدي – فروغ فرخزاد – ترجمة: مريم العطَّار

حياةٌ على مقاسنا ونصوص أخرى – وسام الموسوي
نصوص وسام الموسوي – العراق
حياة على مقاسنا
أنتِ تُضيِّعينَ حُبَّنا بالصمتِ
تُسخِّرين له الكثيرَ من أشياءك
حتى تلك الأشياء التي تستحقُّ الصراخ
الصراخ الذي لم تعرفي للآن
إنه خلاصةُ كلِّ الأشياءِ المجروحة بيننا .
*****
بالأمس رأيتك تُبعدين صورةً لكِ
عن صورةٍ لقلب مخذول
ألم تعرفي هذا القلب ؟
أنا أخبركِ،
إنه قلبُ من يكتب لكِ
ويحاول الآن أن يضع كلَّ حياته في قلبكِ
كمحاولة لمحو قساوة ماتفعلينه دائمًا .
*****
أنتِ تبتسمين الآن
وأنا أفكرُ كيف ستدوم ابتسامتك لأطول فترةٍ ممكنة
إنه الحبُ ياحبيبتي
الذي يشربني كلما
رأيتكِ تبتسمين وأنا أسقطُ كدمعة على وجه حياتنا الظالمة.
*****
لو أننا لم نحب بعض
ترى كيف ستكون أيامنا ؟
وماهو شكل ملامحنا ؟
أنا أسألكِ
لأنك لم تعرفي للآن
إن الحبَ هو خطوة مؤكدة لمعانقة الجراح .
*****
تعالي نرسم حياة صغيرة على مقاسِنا
أنا أضع خذلانكِ وكل الأشياء الجارحة فيها
وأنت ضعي ابتسامة واحدة
واحدة فقط
ليقفز قلبي يافعًا بعيدًا عن كل هذا السُقم .
عائلة من الكلمات
حين فتح الواقع أُذنيه
وفتحتْ الوردةُ ذراعيها لربيع الشعور
كان عليكِ أن تعرفي
أن الحياةَ ملك القراراتِ التي يتخذها الصمت
آه الصمت
الذي توغل بيننا
ونمى حتى صار لديه عائلة من الكلمات
الكلمات التي لم نقلها
الكلمات التي انتظرتنا
الكلمات التي كلما حاولنا قولها
تسقط من عيوننا على شكل دموع .
ثقوب تفضح الجهات
أرسم وطنًا
أضعُني وعائلتي فيه
وفي كلِّ مرةٍ
نتساقط من ثقبٍ في قلبه .
****
أرسمُ بيتًا
و أعلِّق على جدرانه صور الشهداء
كأحلام فشلت في تحقيقها البلاد .
****
أرسمُ علمًا جديدًا للبلاد
لا لونَ فيه سوى السواد
هكذا أرسمه دائمًا
كلما رأيتُه كفنًا للأبناء.
****
أرسمُ شجرةً
و سربًا من العصافير
وأنا أعرف أن السماء
بعيدة جدًا عن الأرض.
*****
أرسمُ نهرًا
وأضعُ أحلامنا في قاربٍ صغير
وأتناسى الثقوب التي تفضح الجهات.

يزرعُ التاريخ أم يحصده؟ – إحسان المدني
وأعرفكَ يا الله
بالقرآن،
والسوّر،
والتأريخ،
تمنح العراقيَّ لونه الأبيض الأسود الرمادي
فلا ألوانَ لنا
نحن الغرقى
في مياه الفراتِ
والطينِ
والأوبئة.
لا ألوانَ لنا
نحن الهلكى
بين المنازلِ
والشوارعِ
والأسرّة.
العراقي في حزنه الأقصى
لا يدري
أيزرع التاريخَ
أم يحصده؟
أيحرقه، أم ينثر فيه
قلبًا عربيًا،
طازجًا صغيرًا،
كبيرًا حكيمًا،
أم تقضي عليه الغربان الطائرة؟
أعرفكَ
إلها عراقيًا،
أو عربيًا،
شرقيًا أم غربيًا،
تمنح العراقيَّ جهاتِه الأربعة،
كرخًا ورصافةً،
عاصمةً وخيزران،
ونهرين كبيرين
يسيل منهما وجعُ الملائكة.
حينما أبحث عنك
يمكنكَ أن تكون عصفورًا،
يمكن للمدن أن تُحيكَ لك جناحين،
منقارًا للمقاومة،
وساقين طويلتين.
يمكنكَ أن تحطَّ على شجرة رمان كبيرة،
وبينما تذكر خساراتكَ
تتساقط الأسماء حبةً حبة،
تتساقط حمراءَ حلوةً بسكّر جرحكَ.
يمكنكَ أن تدورَ حول أعمدة الكهرباء،
على مقابض الأبواب،
وشرفات النوافذ،
غير أنكَ لن تعرفَ لون مكانكَ القديم.
يمكنكَ أن تحاولَ،
وأن تمارسَ المواصلة على سبيل التجربة،
لكنكَ ستظل هكذا،
دائرًا حول أشجار الرمّان،
وأشكال المنازل،
باحثًا عن لونٍ واحد،
ناسيًا أن العصافير رحالة
لا ألوانَ لها.
گوهر
أأنتِ الآن في خشبٍ أملس؟
أتلقّاكِ ملكان، أربع، أم قافلة؟
الموتُ كذبةُ الشعراء،
والموتُ كذبتكِ،
الموتُ فضيلتكِ التي تبغين.
الدمعُ مالحٌ
ووحدكِ الآن
بين ملكين، أو أكثر، في خشبٍ أملس
أتضحكين؟ أم تتوردين؟
أيمنحكِ الحبّ باقة انتظاره؟
والاعتذارات المنسية بعد ألف عام؟
ماذا والقلق؟..
صراخ في ليل خانقين،
مذ أن مرّ النحيبُ، مذ أن تلاشى.
گوهر،
طويلُ الطريق مرارةُ وصوله،
قصيره التفاتة الأحفاد،
وتلكم الجدارن وحيدة، يئنّها سريرٌ محمول،
لستُ أدريه، أين؟
مستطيل الفراغِ شمعته تضيء،
مربع الوحشةِ سقوطٌ يموء،
كان رأسكِ
كان رأسكِ
هنا.. كان أنينكِ الطويل.
العشرون
إنني أموتُ
فأين الترابُ؟
وماءُ زمزمَ، تسقيه تراتيلُ الأمومةِ
على ترابِ الكوفةِ.
أين مربع في الأرض ومتران،
بأربعة أضلاع،
تسّاقط ملائكةً آخرين
وأعمالًا صالحة.
أين الأصدقاء؟
يأتون من بلاد البردِ
لأرض عليّ، والمنارة،
يشيعون العويلَ؛
منقضيًا،
سرعان ما يبدأ.
أموتُ
فأين قلبي؛ لوعة العشرين
نبضةً أولى، لا تموت.
فأين شِّعري، باكيًا ينمو
ناميًا ينشج
آتيًا
آتيًا
والعويل.
أين الشفاعة
والعشرون نبضة أخيرة؛
وحدها أبدا
تؤلم بحرارة.

قصائد هايكو سويدية – توماس ترانسترومر- ترجمة: نزار سرطاوي
الشمس الآن على عُلُوٍّ منخفض.
ظلالنا عمالقة.
قريباً سيكون الظل هو كل شيء.
* * * * * *
الموتُ ينحني
فوقي، لغز شطرنج
لديه الحل.
** * * * *البحر جدار –
أسمع نوارسَ تصيح
إنَّها تُلوّح لنا.
* * ** * *
صمتٌ رمادي
المارد الأزرق يمُرّ
نسيمٌ بارد من البحر.
* * * * * *
ظلالٌ زاحفة
نحن ضائعون في هذه الغابة
بين قبائلَ من فُطر الغَوْشنة.
* * * * * *
على الرفّ في
مكتبة البُلَهاء،
مواعظ لم يمسسها أحد.
* * * * * *
شمس نوفمبر –
ظلّي الهائل ينجرف،
يُمسي مطموسَ المعالم
* * * * * *
مشهد على المنصّة –
يا له من هدوء غريب
الصوت الداخلي.
* * * * * *
أفكار في حالة توقف:
قطع من الفسيفساء
في باحة القصر
* * * * * *
امرأةٌ تنشر الغسيل
في صمت
الموت ليس ريحاً.
* * * * * *
عمق التربة
يغيب عن بالي
هادئاً كالمُذَنّب.
* * * * * *
زوجان من اليعسوب
مشدودا الوثاق إلى بعضها
مرّا وهما يرفّان.
* * * * * *
وجود الربّ.
نفق أنشودة الطير
ينفتح باب مقفل.
* * * * * *
والليل يتدفق
من الشرق إلى الغرب
بسرعة القمر.
* * * * * *
الشمس البيضاء
تتدرب وحدها عَدْواً في وجه
جبال الموت الزرقاء.
* * * * * *
أشجار صنوبر شعثاء
في هذا المستنقع المأساوي –
دائماً وإلى الأبد
* * * * * *
اسمعْ همهمةَ المطر…
أهمس بسِرّ
كي أتمكن من الدخول
* * * * * *
انظرْ كيف أَجلسُ بهدوء
مثل مركبٍ صغيرٍ يرسو على الشاطئ
أحسُّ بالسعادة ها هنا.
ترجمة: نزار سرطاوي
جَمرةُ الفقدان – قاسم حداد
قصيدة جمرة الفقدان – بصوت الشاعر قاسم حداد ماذا سَيبقى عندما تَنهالُ جَمرتنا الخفية
في هواءِ الليلِ
ماذا يَختفي فينا،
وهذا مَاؤنا الدمويّ يستعصي،
وطير الروحِ يِنتظر احتمالاً واحداً للموت.
*
هل نَمشي على ليل الحديد لجنةٍ تَهوي
ونمدح بالمراثي،
رُبما ينهار أسرانا على تذكارهم ونؤجل الأسلاف.
هل نُمنا طويلاً كي نُجرب موتنا
فينالنا، ويؤلف الأشياء.
ماذا يَنتهي فينا ويبدأ،
عندما تبقى بقايانا على بابِ المساء
وتصطفينا شَهوة المكبوت،
ماذا سنقرأ في المَرايا،
هل نؤثث سورة الفَتوى بتفسيرٍ يُكافؤنا على الأخطاء.
لو كنَّا عرفنا جَمرة الفُقدان، وهي علامةُ الشَّكوى،
ستمدح موتنا.. متنا.
*
هنا يأسٌ سينقذنا من الأحلام،
نحن شهوة الفردوس
نهذي في جحيمٍ غير مكتمل ٍ
لكي نسهو عن المكبوت والرغبوت.
لو نار ستوقظ ماءنا… كُنا تمادينا لئلا ننتهي.
يا منتهانا
هل سرى ترياقنا فينا
فأدركنا مرارتنا وأوشكنا على ندمٍ
فقدنا منحنى أحلامنا في الوهم،
قلنا شعرنا كي يفضح المَعنى ويغفر أجمل الأخطاء،
لو قلب لنا أغفى على كُرَّاسة الأسماء
كنا ننثني شغفاً، فنشهق في اندلاع الحُبِّ
يذبحنا ويلهو في شظايانا.
بكينا مرةً للحب، لم نكمل أغانينا.
بكينا حسرةً،
وتماهت الذكرى مع النسيان،
لو كنا مزجنا ليل قتلانا بماء النوم
لم نهمل قصائدنا على ماضٍ لنا.
متنا قليلاً وانتهينا في البداية،
لم نؤجل سرنا
كنا انتحرنا قبل قتلانا وأخطأنا كما نهوى،
فلا ماء سيرثينا ولا نار ستمدحنا.
*نص: قاسم حداد
ولادةٌ أخرى – فروغ فرخزاد – ترجمة: مريم العطَّار
كلُّ وجودي آيةٌ مظلمةٌ
تكرّرُكَ باستمرارٍ
وتريدُ أخذَكَ معَها إلى فجرِ الانبثاقِ والرحيلِ الأبديِّ
أنا في هذهِ الآيةِ.. تنهّدتُكُ آهٍ
أنا في هذهِ الآيةِ..
طعَّمْتُكَ في الشجرةِ والماءِ والنارِ
الحياةُ –ربَّما-..
شارعٌ طويلٌ تعبرُ منْهُ كلَّ يومٍ امرأةٌ تحملُ سلّةً لتبضّعِ
الحياةِ.. ربَّما
حبلٌ رفيعٌ يتدلّى منْهُ رجلٌ شانقٌ نفسَهُ على غصنِ شجرةِ
الحياةِ.. ربَّما
طفلٌ يرجعُ مِنَ المدرسةِ
الحياةُ.. ربَّما
إشعالُ سيجارتيْنِ ومسافةُ ما بينَ عناقيْنِ
أوْ عبورُ عابرٍ دائخٍ
يبتسمُ ابتسامةً لعابرٍ آخرَ ودونَ معنىً يقولُ..
“صباحُ الخيرِ”
الحياةُ.. ربَّما تلكَ اللحظةُ المسدودةُ
التي فيها عينايَ تدمّرانِ ذاتَهُما في لمعانِ عينيْكَ
وفي هذا الأمرِ شعورٌ
سأمزجُهُ بإدراكِ القمرِ وفهمِ الظلمةِ
في غرفةٍ بحجمِ الوحدةِ
قلبي
الذي هوَ بحجمِ الحبِّ
يفكّرُ بأبسطِ شيءٍ للسعادةِ
يفكّرُ بزوالِ جمالِ الوردةِ في السندانةِ
بشجيرةٍ أنتَ زرعتَها في حديقةِ بيتِنا
وبنغمةِ أصواتِ طيورِ الكناري
التي تغنّي بحجمِ النافذةِ فقطْ..
آهٍ..
هذا هوَ نصيبي..
هذا هوَ نصيبي..
نصيبي..
سماءٌ تحجبُها ستارةٌ!
نصيبي.. نزولٌ مِنْ سُلَّمٍ متروكٍ
ووصولٌ لشيءٍ مِنَ العفنِ والغربةِ
نصيبي.. دوارٌ محزنٌ في بساتينِ الذكرياتِ
وفي الحزنِ هناكَ صوتٌ يقولُ لي..
أحبُّ يديْكِ
ادفنْ يديَّ في الحديقةِ
ستنموانِ.. أعرفُ.. أعرفُ.. أعرفُ..
وطيورُ السنونو ستضعُ البيضَ في حفرةِ كفّي وأصابعي الملطّخةِ بالحبرِ
سأضعُ أقراطاً في أُذُني
مِنْ كرزٍ مزدوجٍ
وسألصقُ على أظافري أوراقَ زهرةِ الكوكبِ
هناكَ زقاقٌ فيهِ
أولادٌ عشّاقٌ
بشعرٍ أشعثَ وأعناقٍ رفيعةٍ.. سيقانٍ نحيفةٍ
يفكّرونَ بابتسامةِ فتاةٍ صغيرةٍ
أخذَها الريحُ معَهُ في ليلةٍ ما
هناكَ زقاقُ قلبي سرقَهُ مِنْ أحياءِ الطفولةِ
السفرُ حجمٌ في محورِ الزمنِ
وبحجمِ إخصابِ ذلكَ الزمنِ
حجمٌ مِنْ صورةٍ للوعيِ
ترجعُ مِنْ ضيافةِ المرايا
ولهذا.. هناكَ أحدٌ يموتُ
وأحدٌ يبقى
ليسَ هناكَ صيّادٌ يصطادُ اللؤلؤَ مِنْ جدولٍ صغيرٍ
أعرفُ ملاكاً صغيراً وحزيناً
يسكنُ في عمقِ المحيطاتِ
ويعزفُ قلبَهُ في نايٍ خشبيٍّ
ببطءٍ.. ببطءٍ..
ملاكٌ صغيرٌ في الليلِ يموتُ مِنْ قُبلةٍ
وفي الفجرِ.. سيولدُ مِنْ قبلةٍ أخرى.
ترجمة: مريم العطَّار

القُبلة – سيمين بهبهاني – ترجمة: مجاهد مصطفى
تَعال هُنا إذا أردتَ قبلة، ولماذا قبلة واحدة؟
خذ مائتي قبلة وارحل
بجسدك الميت زرني، صر حياً ثم ارحل!
سأناولكَ مائة قبلة طازجة، سأعطيكَ أكثر من قبلة أمام عيون الحساد، ودائماً خفيّة، تعال ثمَّ ارحل!
لا تطلب مني أسراراً ، ولاتحاول أن تقحم نفسكَ في شيءٍ لايعنيكَ إذا أردت أن أكون محبوبتكَ، وباندهاشٍ، تعال ثمَّ ارحل!
لنتبادل الحب، امنحني روحكَ وأكثر من روحكَ كعبدٍ، وامتثل لأوامري ثم َّارحل!
أنا في هذا المساء شمعة منيرة، بلهيبٍ ينبجس من جسدي
أنا روح منفصلة عن الجسد، تعال أطفئه، واشتعل ثم ارحل!
هذا المساء، أنا مليئة بالخمر، أنا قنينة لكلِّ الوجود
ابتلعني بجرعةٍ واحدة، وصر مخموراً من الموت ثم ارحل!
ترجمة: مجاهد مصطفى
قصائد عشق يابانية – ماريتشي كو – ترجمة: عبدالكريم الحنكي
(1)
أجلس إلى طاولتي
ما الذي أستطيع أن أكتب لك؟
مريضة بالعشق أنا،
أتوق إلى أن أراك جسدًا.
لا أستطيع أن أكتب إلا:
“أحبك. أحبك. أحبك”
يخترق الحبُّ قلبي
ويمزِّق أعضائي.
ونوبات الحنين تخنقني
ولن تكف.
(2)
إذا فكرت في الرحيل بعيدًا
والمجيء إليك،
فإنَّ عشرة آلاف ميلٍ تكون مثل ميل واحد.
لكنَّنا في المدينة ذاتها معاً
ولا أجرؤ أن أراكَ،
فالميل الواحد أطول من مليون ميل.
(3)
يا لألم هذه اللقاءات المختلسة
في عُمق الليل.
أنتظر أنا، تاركة الشوجي* مفتوحًا
ومتأخرًا تجيء أنت، وألمح ظلَّك
يتحرك بين الأوراق
على قاع الحديقة
نتعانق – متخفيين من أهلي.
أغطي وجهي براحتي وأبكي
فأكمامي قد ابتلت.
نتطارح الحب، وفجأة
يبرز مراقبو الحرائق
بخشخشاتهم ومشكاتهم
يا لهم من متوحشين
إذ يظهرون في مثل هذه اللحظة
أثرثر أنا، وقد أربكني ظهورهم،
بالسخافات،
ولا أستطيع أن أكف عن التحدث
بكلمات لا رابط بينها.
(4)
تسألني عما كنت أفكر فيه
قبل أن نصبح عاشقين
سهل هو الجواب
قبل أن ألتقيك
لم يكن لدي ما أفكر فيه.
(5)
يدثر الخريف الدنيا كلها
بالثوب الصيني المطرز العتيق
تصيح الجداجد: “نرفو الثياب العتيقة نحن”.
حريصة هي أكثر مني.
(6)
فقط نحن
في بيتنا الصغير
بعيدًا عن كل الناس،
بعيدًا عن العالم
ولا شيء سوى صوت الماء على الحجارة
حينها أقول لك:
“أنصت اسمع الريح بين الأشجار”.
(7)
مطارحتك الحب
كالشرب من ماء البحر
كلَّما شربت أكثر
ظمئت أكثر،
إلى أن لا يروي ظمئي شيء
سوى أن أشرب البحر كلَّه.
( 8 )
في الفجر شعاع واحد.
إنَّ هناء حبنا
لا يُدرك
لا شمس تشع هناك، ولا
قمر، ولا نجوم، ولا ومضة برق،
ولا حتى ضوء مصباح.
وكل الأشياء متوهجة
بالعشق الذي يضيء الدنيا كلها.
(9)
توقظني،
وتقبّلني
وأمنحك الندى
ندى أول صباح في الدنيا
(10)
في يوانع الشجر يغنى اليوغيزو
بين نباتات الأسل الخضراء تغني الضفادع
في كل مكان ثمة النداء نفسه
نداء الكائن للكائن
الغيوم الكئيبة تتهادى في الفراغ
قوارب الصيادين تتهادى في المد
تأخذها أشرعتها بعيدًا.
لكن الحبال التي ما تزال، كما كانت قديمًا، تفتل
مع شعر نسائهم،
تشدهم عائدين
فوق انعكاسات صورهم في الأعماق الخضراء
نحو موانئ الحب.
(11)
متمددة في المرج، أنفتح لك
تحت شمس الظهيرة،
والدخان الضبابي يكاد يخفى
تويجات وردتي.
(12)
لأنني أحلم
بك لي كلَّ ليلة،
فإن أيام وحدتي
ليست سوى أحلام
(13)
يلذعها العشق، فتصرخ
زيزة الحصاد. وصامتًا كاليراعة
يلتهم العشق جسدي.
(14)
لننم الليلة معاً هاهنا.
من يدري أين ننام غدًا؟
ربما ننطرح غدًا في الحقول نحن
ورؤوسنا على الصخور.
(15)
النيران
تضطرم في قلبي.
لا دخان يصاعد.
لا يعلم أحد.
(16)
توتر النهار أقضيه في
أحلام يقظة بك. وبالفرحة أسترخي
حين أسمع في الشفق
أجراس المساء وهي تقرع من معبد لمعبد.
(17)
من هناك؟ أنا.
أنا من؟ أنا ياء المتكلم. أنت كاف المخاطب.
لقد أخذت الضمير الخاص بي،
فنحن “نا”.
( 18 )
قمر الربيع المكتمل
يصعد من الفراغ
ويزيح جانبا شبكة
النجوم، ويجلس كرة من البلور الخالص
على المخمل الشاحب، بين الجواهر.
(19)
عطارد، هذا الربيع،
أبعد ما يكون عن الشمس
ويتوهج شعاع ضوء،
في حمرة الفجر
فوق الرمال
والأمواج التي لا تحصى
للمحيط الذي لا يحد.
(20)
ليتني أستطيع أن أكون
كانونًا له أحد عشر رأسًا
لأقبّلك، كانونًا
ذا ألف ذراع،
لأضمك إلى الأبد.
(21)
أصرخ،
والهزَّة
تنزح جسدي، فكأنَّني
شُققت نصفين.
(22)
لسانك ينقر ويتحرك
داخلًا فيَّ، فأتجوف
وأسطع
بضياء يبعث الدوار،
مثل دخيلة لؤلؤة كبيرة متعددة
(23)
آن الأوان الذي
يؤوب فيه الأوز البري.
وبين الشمس الهابطة
و القمر الصاعد يخط صف
من البرانت هيئة قلب
(24)
حين عدت من
الحمام الساخن، أتيتني أمام
المرآة الأفقية
بجانب السرير الواطئ، وبينما
نهداي يهتزان بين يديك
كان ردفاي يرتجان قبالتك.
(25)
مبكّر هو الربيع هذا العام
الغار، والخوخ والدراق،
والسنط واللوز
كلّها تزهر معا في آن،
وتحت القمر يفوح الليل
برائحة جسدك.
(26)
أحببني. في هذه اللحظة
نحن أسعد
البشر في العالم.
(27)
لا شيء في الدنيا يعدل
جزءًا من ستة عشر جزءًا من الحب
الذي يحرر قلبينا
ومثلما تضيء نجمة الصباح،
في الظلمة التي تسبق الفجر،
العالم كله بشعاعها
كذلك يلمع الحب في قلبينا
ويملؤنا بالبهاء.
( 28 )
أشد رأسك وثيقًا بين
فخذي وأنضغط على
فمك، وأطفو بعيداً
إلى الأبد، بقارب
أرجوان في نهر الجنة.
(29)
لا يمكن أن أنسى
ذلك الغسق المعطَّر داخل
خيمة شعري الأسود
عندما استيقظنا لنتعاطى الحب
بعد ليلة حب طويلة.
(30)
كل صباح،
أستيقظ وحيدة، وأنا أحلم
أن ذراعي هي لحمك
العذب المذاق
فأضغط عليها شفتي.
*الشوجي: نوع من الأبواب أو النوافذ الانزلاقية ذو شرائح ورقية.
ترجمة: عبدالكريم الحنكي
اتبَعْني قالَ المَلاك – بسام حجار
قال الملاكُ اتبعني
وكنتُ أخافُ
الموحشَ
والبرّيَّأخافُ الطريقَ
زاهدةً بين الحَصَى
والرَّمل والأشواكقالَ اتبعني
وما أحببتُ شيئاً
إلاّ أماتَني
وأحياني كطيفٍ
ثُمَّ
صارَ غَريبي.وَضعتُ صُوراً
في الحقيبةِ
وبنفسجَاتٍ وماءوتبعتُ الطيف إلى
سَرَاب البُيوت
هُناك
أَرهقَني الأزرقُ البعيدُ
والأفق المنهوكُ
بالصَّدى
والأجنحة المُثقلة بأملاحِ
الرَّفيف.كان المرُّ شرابَ
الشَّجرِ اليابس
والأرومات المُستوحِدَة
كأنَّها الظِّلال
جَمُدَتْ
واستَبدَلتْ رَقراقَها خَشَباً
ورَمَاداً.قال اتْبَعني
والمَلاكُ غَريبي
وكنتُ غَريبَهُ الذي يَتبَعُ
رفَّةَ الجَناح
وحفيفَ الغُلالةَ التي نُسِجَتْ
من أمْصالِ الضَّوْء
والسُّعال الخَافِت
والنَّزيف
في أروقة الذين يرحلون
تِباعاً.ورأيتُ البُستانيَّ الذي
أنبَتَ
أربعين عاماً من خوفي
وصيَّرها حطباً،
ورأيتُ البستانيَّ في حُلمي
ورأيتُ قبر أبي قصيّاً في
حُلم البستانيّ،
ورأيتني في حلم أبي
صبيَّاً بعد
ما أماتني الموت
لكنه
أحياني طيفاً
وأحياني ظلاً
يَصحَبُه الملاكُ بعضَ
الطَّريق،
وكنتُ أخاف العَراء
يستنبت أفياءَهُ
شوكاً
وتنهَمِر أصداؤه حصًى
لا يُعَدُّ،
ويُفارِقني الظِّلُّ الذي
نادى عليَّ
وأقامني جسماً من الرَّقراق
الدَّاكن.فقال الملاكُ اتبعني
وكنتُ أخاف الظَّلام
وكنتُ أخاف السَّماء
شاغرةً
بَعيدةً
والبيوتَ إذ تُعتِمُ نَوافِذُهاأخافُ نَومَ الَّذين أحببتُهم
حين قال الملاكُ
النوم نسيان أعمق
من الموتوالموتُ نسيَان.
وتبعتُ الملحَ الذي نثرتْهُ
يَدَاه.
ودلَّني الملحُ
فرأيتُ ظمأ الينابيع والآبار،
ودلَّني الظمأ
فرأيتُ السراب
وما بدَّدته
وأنفقتُ عاماً تلوَ عام
إذ تَراءى الماءُ مُبطئاً
مُتلعثماً
يَقتفي أثرَ اليَباس
فيبذُلُه اليَباسُ لقَسوة
الشَّوكِ والحجَر.قال الملاكُ اتبَعني
وتبعتُه
وما دلّني الملاكُ
وما عرفتُ الطريق
بل عرفتُ البعد
لا ينتهيوتبعتُه
وما وجدتني
إلا غائباً في نومهم
مقيماً في رجائهم
وأماتني الرجاء
وأحياني
وتبعتُه كالطيف
وما دلّني الملاكُ
وما اهتديتُكان نومُها صاخباً بالضَّحك
والمسرَّاتكان نوميَ أبيض كالغُلالةِ
وشفّافاً كالمصْلِ
وبارداً كجبينِ المَوتىقال الملاكُ اتبَعني
ودلَّنيكان السكونُ شَمعياً باهراً
والاضواءُ ملسَاء رَتيبة
كالرُّخام.أطيافٌ ساكنةٌ عند فُتحة
النَّفق الطَّويل.وعرفتُني
كنتُ هناك لم أزل
في نوم المَوتى
وما كان المَلاك.
من ديوان: بضعة أشياء (1997).
ارتجال أبوكاليبسي – محمد اسماعيل
خلفَ سور المقابر الغامض الأسود
بين جنبات الموتى الأحرار
أتوارى عن عيونِ الناظرين
أرتدي ثوبَ الحياة المزركشِ بالتجريدات
والناسُ في انتشارٍ حولي في كل اتجاه
ولا زلتُ هنا ياعزيزتي
في حجرتي المظلمة
أضاجعُ الوحدة بشرهِ التائقِ
أبعثرُ أشيائي بفوضى
وأبحثُ عن معنى جديدٍ في كلِّ العوالمِ التي أخلقها وأطلقها
أخطُّ فصلاً في روايةِ النهاية
أستنشقُ عبيرَ هواءٍ قد تسلَّلَ نحوي هاربًا على غير قدري
من نسماتِ الحقول
لا زالت تنبيءُ عن حياةٍ هنا
رغمَ رشوحِ الموتِ من جدران غرفتي
لا زالَ يقاسمُ معه ريحَ الموتِ وحدتي
ووجدي من وجودِ الشوق يقتلني كسفاحٍ غاشم
بلا وجودِ شهودٍ
بلا مريدين حولي
بلا ضجةٍ ولا دليل
بلا سيدٍ يدفعُ عني بمناجاة الإله
ولا زلتُ هنا يا عزيزتي
أبدأ كل ليلةٍ مراسمَ ليلي الحزين
ألقي تعويذة العشق
كي أصرف آلام النوستاليجا المفرطة.
أن تراني عينكِ الثالثة بين فخذيك – السعيد عبدالغني
استيقظت اليوم شبقا جدا
أريد تقبيلكِ وذوق اللمى الفاكهي المُدَخن
وبتر تصوراتي عن العالم.
أن تراني عينكِ الثالثة بين فخذيكِ
أن تحاججيني بالقبلات أيهما أهم في الحب الجنس أم الجنون؟
لقد ولدت وفي شبق طغياني مجنون
أنجذب نحو الهُوات الأنثوية المسجونة
وأهيم في حويها الفيزيائي والروحي.
لم يكن كل ما في داخلي ثائرا
بقيت أشياء ستشتعل بتدليكي مناطقكِ المنزوية
الريشتان المضمومتان على عالم حيوي كامل
هذا العالم الجسر البعيد للمطلق.
سأعصر نهديكِ ليطرحوا البعيد اليوتوبي
وأدلكهما بحواسي الافلة
وأمص جدب الحلمات المجسدة جدب العصور جميعها.
أول جنس معكِ كان مختلفا
الجسد الأبيض الشمعي
والضحكة العالية المتخيلة في الإيلاج
التي أرهبت سكون العدوم
الذي يغزو كل نكسات زمننا وإشراقاته.
نحن هؤلاء الشبقون الحزانى
نذرنا جسدنا للنشوة العابرة
على مضاجع بسيطة وركيكة
لنكابد آلام الفكر بالحس
آلام الانفتاح على الخوض الكبير للحياة.
نهدد الموت بالقبلة
ونريح ظهورنا من أسواط المجتمع
والكلمات هي القبل التجريبية في المخيلة.
سارة عزب تكتب “كلما امتلأت كؤوسنا أفرغناها دون أن ننتبه”
كلما امتلأت كؤوسنا أفرغناها دون أن ننتبه!
حزني العميق علي فقدان قصيدتي الأخيرة بعد أن مُزقت في أحد ثورات غضبي تفوق انكساري لحظه تأكدي لخيانتك.
لازال رحيق جسدك عالقٌ عندها ، لازالت تتعرق منك أنت لا منها.
لازال جسدها راقدٌ في قاع قلبك لا تُحركه ابتهالاتي ولا كلماتي التي انثرها فوقك كي أحاول طردها
لازالت ذكراها تدفعك نحو الانتصاب و البكاء بصوت عالٍكلما امتلأت كؤوسنا أفرغناها دون أن نتبه لعدّها!
أنا لا أعدّ الليالي التي لا تجمعنا
لكنني لا أخبر احدا عن هذا..
كلما
كلما تأملت تلك الزوايه تحديدا رأيتك بوضوح كأنك هنا أمامي
كأنه لم يمر علي رحيلك خمس اعوام
كأنني لم أصبح أماً و زوجة
كأن كل المسافات التي قطعتها لأبتعد عنك لا تكفي
الطرقات بدونك لا تنتمي إلى ذاكرتي
الدقائق بدونك هي لا شئ
فراغ معتم لا حياة فيه
كتلك المسافه بين الحلم و اليقظةالآن أدقق في تلك الفتحات التي تتخلل سقف غرفتي و اُعلق عليها مرات خيبتي فيك و أنتظر أن يأتي ذلك البُعبع الذي كانت تُحدثني عنه جدتي كي أنام قبل التاسعة
و تخبرني بصوت هامس إنه يأتي ليأكل الاطفال المستقظين بعد التاسعة
لكن جدتي
أطفالي عراة الأقدام، بلا هوية أو خوف
متهالكين تماما كقلبي
لا يعنيهم حضور البعبع أو تخطيهم التاسعة
فكلما امتلأت كؤوسنا أفرغناها دون أن ننتبه!قصائدي تفوح بالكحول الممزوج بمرارة لا تُخطئها فم كل ما يقرأها
و بقايا عطر و لحنا و كأسين و عباءة سوداء متهالكه شهدت منحنيات جميلاتٌ لا حصر لهم
ضاجعهم الشيطان برغبتهم الكاملة و منحهم علامة أبدية فوق أجسادهن كي يعودوا إليه مراراً و تكرارا..حقائقنا تكمن خلف ما نقوله دون أن نقصد و ما نقصده هو كل ما نحاول ادعاءه تحت شعارات خرقاء لا معنى لها!!
تقول أمي لابنتى و هي تمشط لها شعرها الطويل
( البنت الحلوة تلعب مع البنات مش مع الولاد
لترد ابنتي البنت حلوه تعمل إللي هيا عايزاه)فأبتسم و أدير رأسي كي لا تغضب أمي.
كلما امتلأت كؤوسنا أفرغناها دون أن تنتبه!
عيناه الذابلتين و ترهل ذقنه و ذلك الشيب الذي كسا لحيته دفعني فورا لاحتضانه فور رؤيته دون أن يتحدث
لم أكن في حاجه إلي حديثه
كنت في حاجه إلي ابتلاعه بالكامل تحت جلدي
مسامات جلدي تفوح بأحاديث لا يمكن أن تتحول إلي كلمات
فقط اقترب كي تسمعها و تُفسرها .
مختارات من ديوان “الثورة على العالم”للسعيد عبدالغني
إن حصلت فنائي فيك هل تقيني وجودي في؟
إن وحدتك في شيء هل تتوحد في غيره؟
ماذا أفعل دلني؟تيهي أكبر من معرفتي…
*
عيني الثالثة
دودة مقدسة تتمشى على جسد النهايات.
*
تهت كثيرا عن فضائي
الذي أعانق فيه
كل شيء
وهو الصمت العميق قبل اللغة وبعدها.
*
كل فعل عدا الصمت إن عُد من الأفعال،تنتفع به الأنا.
*
لا حد جمالي لدي للتذوق،أي شيء يمكن استخراج منه عالم مجنون.
*
الانوجاد يفرض معه غيره.كدلالة وكوجود مغاير للذي تم انوجاده.
*
يمكن أن أتحرر من كل حجبي لكن عريي أكثر غموضا
يمكن أن أكتب كلي لكن صمتي أغنى من الكلام.
*
أنا القشرة التي تتفسخ
مما تحوي من معاني
إن تركت كلها لتدمرت
وإن حسرته لخسرته.
*
أحب الشعر لانه يكاثر كل شيء إلى وحدتي.ولا يفرق عني إلا ما أراد.
*
قدرتني على التجسيد
فلا تقدر حبي لك إلا على التجريد والاطلاق.
*
أمشي وفي قدمي كل أغلال الأرض
ورأسي حرة منها جميعها..
*
نرقص
دعينا نرقص
بلا بصائر أي شيء في تخومنا الملون
بلا هذا الحزن البارد لا الصافي.
لن يشعر أحدا بألم أحد
لأنه لم يعشه كاملا
ولن تشع عيناه بالمحو مثلنا.
ولتكن الوردة الحية أو الميتة
هي ما تجمع بين بتلاتها
طيوف من فقدنا في الأيام العبثية تلك.
القلم ممكن ينسلخ إلى مزمار
يحرك الآسن في الأرواح التي بلا انعكاس لأنها الكل.
القلم ممكن ينكمش لذرة أخرى
تخلق انفجارا عظيما في عابر أو عابرة.
القلم رقعتنا المتبقية
بعد مصادرة الحدائق
والدواخل الشاسعة.
لا أرض تتسع لنا ناريمان
ولا سماء
إلا الأرض والسماء المبتناة من الكلم.
هيا..هيا
ردي على ندائي
في قلبكِ حامل التمر والزبيب
أسمعتكِ خفقي،رقصتي الوحيدة.
*
القول المتخَيّل
قال:
زهدك الأكبر ليس عدمك
بل وجودك في وحملي.
الوحدة تدركني بها أكثر
خلف خلقي ومنهم.
كل موجود باب لي
لكن المحبة بابي الأوسع.
لا شريك لي في ولا فيك
وكل اللغة باطلة لأنها بين،
ذق تجريدي فيك
واشهد يا مزدلفي محوك
واحمد.
أفنيت منك ذاتك
لأوصلك بذاتي
فالذات إن تجردت من نفسها ارتقت إلي.
*
المرآة
أصقل المرايا حولي من كل جهة
وأكسرها عندما تبديني جميلا.
هذا من مبررات صفائي إلى الآن
ومن علل محاربتي للوجوه.
لو أذيت مرآتي
سأتوه بين الهويات
ولو أطعتها بالكامل سأكون نرسيس المعاصر
*
التدمير بالتجريد
هيا ندمر اللغة
بالتجريد،
هيا نخلق اللغة
بالشعر،
سنفنى وتبقى الأشياء.
ستبقى الاشياء الجميلة والكريهة
سيبقى الشعر مهملا
وستبقى السيادة لبلور الأفق
الكائن الشعري الذي لم يغلب بعد.
أما أنا وأنت
فخلايا حية محنطة في الابعاد والهواء
ونوتات مكررة حتى تحرير الزوال لكل شيء
*
اللغة والسوط
أريد الكثير خارج قدرتي
أدمنت سوطي علي
وكفرت بأسواط الآخرين.
أنا جلاد اللغة
حتى تتشنج بالنغم
وتعترف بابتذال كل شيء.
أدمنت سوطي علي
وكفرت بأسواط الآخرين
والخوض ينكسر كلما تألمت.
وسوطي علي قد يكون كلمة
قصيدة
عالم خيالي يوتوبي
أو شجرة أكل منها متنها الآخر.
أدمنت نشوتي بما داخلي
وزهدت في نشوتي بما خارجي.
ونشوتي قد تكون
غنوة لقلب يجلس بجواري في المترو
أو وخزة لدف في الأذن
أو أرض قمح صفراء فانجوخية
لتحميل الديوان كاملا، يرجى الضغط هنا

نتحدثُ مع الأجراسِ عنك – عبدالله حمدان الناصر
لأن جرسًا واحدًا في اليد ليس خيرًا من عشرة على جدار.
لأن النسيان ضبعٌ لا يتورع عن حناء الأمهات ولا ينحني لأعشابهن.
ولأن الجرس المعلق بسلسلة المفاتيح يختفي بشكل غامض كل مرة في حقيبة الأم المعبأة بكل شيء: من علكة المستكة إلى اسفنجة تلميع الأحذية. من دليل هاتف الصديقات الراحلات إلى حلوى الأطفال المنتهية الصلاحية. من إبر السكريّ إلى سكرودرايفر العوينات. من شجرة العائلة إلى أكداس مفاتيح البيوت المباعة وسيارات الموتى القديمة. من قصاصات الصور الشمسية إلى علب أحجار المرّ وحبة البركة….
من أجل ذلك كان لابد من أجراسٍ لاسلكية لاصقة مثل بلاستر الجروح.
أجراسٌ تعمل بالبطارية ومكن إلصاقها بالنافذة بالسرير المعدني، بالعكاز الرمادي، بمشّاية الشيخوخة، بكرسي الحمام، بالكرسي المتحرك، بالأثاث، بديكور السيارة الخشبي. بكل مكان مساحته خطوة يمكن أن تذرعيه وينقطع فيه نَفَسُك، أو تنفجر فيه مثانتك الخربة، قبل أن يصل الصوت لأحد.
جرسٌ في اليد ليس خيراً من عشرة على الجدار. لأن اليد تخرّف وتنسى. والخادم تختفي أحيانًا للصلاة أو المعاكسات. والبطاريات لا تدوم مثل وجه الله.
جرسٌ في اليد ليس خيرًا من عشرة على الجدار. لأن أنفاسكِ مخادعةٌ وتنفد، غطيط الأبناء مع زوجاتهم لا ينفد.
ومثل من يذهبون للحرب ويزنّرون أجسادهم بذخيرة فائضة عن الحاجة. تزنرين جسدك الرقيق بالأجراس، وتذخّرين جدران البيت بالأجراس. كأنما تحتمين بالأجراس من الموت العارض للسكون، حين لا يقوم أحدٌ في الليل للتأكد من أسطوانة الأكسجين، ولا ينتبه أحد لامتلاء الرئة فجأة بماء الغياب.
ولأنك أصبحتِ تشاهدين الملائكة أكثر من المعتاد والديكة في الحديقة باتت أنشط من ذي قبل. أصبحتْ أصابعكِ محشوةً بالذعر وتنقر الجرس أحياناً بلا مبرر. والخادم أصبحت لا تأخذ طلبك للنجدة على محمل الجد.
ولأن الأجراس بسبب مرضك صارت تنبت في البيت مثل ثمار الرعد. باتت الأجراس أيضًا لعبة في أيدي الأحفاد ولم يعد سهلًا تمييز الإنذارات الكاذبة من استغاثاتك الحقيقية حين يتلكأ قلبك أو تأخذك الكوما في منتصف الليل.
لكننا الآن في منامك الطويل، بعد أن بردت أصابعك وصمتت ثمار الرعد في البيت، بتنا نشتاق إلى إنذاراتك الكاذبة، ونتحدث طويلاً مع الأجراس عنك.
*: نص: عبدالله حمدان الناصر

أيُّها الشِّعرُ هبني السَّلام – جاكومو ترنتشي – ترجمة: الرداد شراطي
أيُّها الشعر
أيُّها الشعر المُنفلت، دُم رفيقي رجاءً!
يا روحاً حنوناً، أنتَ خَلاصي الوحيد
كُن شاهداً فوق صَليبي
حين يَخرُسُ صَوتِي.
تَسجُنُ العتمةُ القلبَ، يهنُ الجسَدُ
مندفعاً يَجتاحُني سباتُ الاحتضارِ الأخير
من حشرجات الألم يُحرِّرني
دُم رفيقي أيُّها الشعر رجاءً!
يا مَقام لَحني الوحيد إنِّي أعزل
مُدَّ لي يدكَ
بعد هذا الهدِّ المتوالي
هبني السَّلام.
شُفوف
ما لهذا الليل بلا عَتمة
ولا مَسالك
سفينة تائهة فقدتْ معابرها هذا الليل
ما هذا الضُّمور الذي يَسكنني
لمَ تودِّعونَني على عَجلٍ؟
بالأشياء ضِقْتُ وإن غنَّت
أعزل أغني، دَمٌّ ورُفاتٌ أنا ليس إلَّا.
مُنهكاً أُجبي المَعاني،
أغوصُ عميقاً في بُحيرتي
خَلِّصني إلهي من عتمتِها!
خلِّصني مما خرُسَ لحنه
من سطوةِ الخِطابِ ويَأسِه
أيُّ حِدادٍ هذا الذي تخلَّى عنِّي؟
من أعادَ لي ما لستُ أملكهُ؟
لا وجود إلَّا لما ينقُصنا
ما يرتعدُ من أمانٍ، ما يرتجُّ من ذكريات بين رفاتكم
عبثاً يترككم؟
عتمة هي اللاعتمة
تيأس الذاكرة، تندحرُ
تهديني لحناً حادَّاً وتتركني.
صعودُ الموتى
للعتمة، للتجهّم، لغرفتكَ الفارغة
لعتمةٍ بلا ليلٍ تتوق
امح مسالككَ حين أودعكَ
لئلا أقفوها ملء لهاثي الدائريّ.
من القعر المُعتم تكره أن أنتشلك ثانية
بالهجوع في الأعماق تنتشي
لن أدعك إن توسلت إليك
سأسجنك، ليتني أعثر عليكَ في ضاحية الزمن.
في عُلبة الأيام أحجزك
أبي أيُّها الفقد، كابد لتعودَ ثانيةً
تكلَّم أو غنِّ رجاءً
حيٌّ أنا بجواركَ.
يَغمرني الجدب
تعبئني الفاكهة
لي اليَقظة والليل
أنعم في هدأتكَ، بكَ سألحق قريباً.
احتضار
ماء الرَّحمة، دَفْقَ الدَّواخل
خلّصني من صليب الخطيئة المُرتجَّة
حِينَ يغمر ذاك اللحن جسدَ الرعب
خلّصْهُ من نفَسه، انثُرْهُ في احتدام باذخٍ
ملءَ جُرحي الغامض.
بَقَايَايَ، تَخلَّصي مِن تلك الإشارة
امَّحي على عتبة مملكة الحشْر
واحضُني بطاقةٍ هشَّةٍ
الرُّعب المنثور على الجمر؟!
طويلٌ هو الليل، عسيرٌ هو الكلام
عبثاً يُطاوعني جَسدي
لإفرازاتهِ ينقاد
يتلاشى
ملء صوتِ سيلانِهِ
ملء أنينه الدائم
ينهدّ على ضفَّته المُهلِكَة
تحت الكون المختَلَّ
في رَعشتي المريضة
يتهيأ لي أني أنامُ
آلام الكون تُحاصرُني
خَلْفَ الصَّبَاح والعُشْبِ
تغزوني حين آتي أعزلَ
لم أبكِها منذ زمن، لم أنتشِ
خُضرة الذاكرة، بدَاخِلِي تَحْتَدِمُ
نِهَايَةُ سبتمبر جَذلى
لِمَ الهواءُ قلقٌ ويانع
لابساً كلَّ الأسماء، يملأ غرفتي
عن وعودٍ وزلَّاتٍ يُبعدني.
مملكةُ آدم – أمجد ناصر
لا أعرفُ كيف ومتى وصلتُ إلى حيثُ لا يصلُ الأنصارُ أو الشُّهودُ.
جاءتْ عرباتٌ تجرُّهَا كائناتٌ، نصفُها بشريٌّ
ونصفُها حمارٌ وحشيٌّ.
رموني مع الذين قضوا نحبَهُم.
كنتُ مختنقِاً.
ولم أكنْ ميتاً تماماً.
كنتُ بلا نَفَسٍ تقريباً.
لا أعرفُ ما الذي أصابَني.
كان هناك هواءٌ حامضٌ
ومُرُّ وحرّيفٌ وثقيلٌ.
تنفَّستُهُ.
فلم يكنْ هناك هواءٌ غيرَهُ.
لابدَّ أنَّ لوني شَحبَ
وأطرافي ارتجفتْ
وفمي طَفَحَ بزبدٍ.
رأيتُ آخرين على هذه الهيئة
لكنَّهم كانوا متخشِّبين.
قطعةً واحدةً.
هكذا يكونُ الأمواتُ، أليس كذلك؟
لأنَّ الدمَ والنَّفس والذكرياتِ
تُطرِّي الجسد، وتجعلُهُ قابلاً للانثناء.
بسبب كَثرتِنا،
لأننا ملأنا الأرضَ التي كانت خضراءَ بما لا أدري
فصارتْ خضراءَ من القَيءِ وبرادةِ النُّحاسِ المُجنْزرِ،
راحوا يرمُوننا على عجلٍ في العرباتِ
التي ظلَّتْ تعمل على مدارِ الساعةِ.
هكذا وصلتُ إلى هنا خطأ.
ربَّما.
لستُ متأكداً.
كنتُ بلا طاقةٍ، لأدافعَ عن بقايا نَفَسي
ونبضي الضعيفِ
وقدرتي
على رؤيةِ الأشياء بالأخضرِ
وذاكرتي التي طَفِقَتْ تستعرضُ
كلَّ الأشياءِ التي أحببتُها،
خصوصاً الماء.
عطشانٌ.
رأيتُ ماءً كثيراً.
رأيتُ ينابيعَ.
شلالاتٍ.
أنهاراً هادرةَ.
واحاتٍ في صحراء.
ماءً ينزُّ من كتفِ جبلٍ.
….
عندما قامُوا بِفَرْزِنا صحوتُ.
رأوني أُحرِّك يدي.
لم أكن أرتدي كفناً. كنتُ في ثيابِ العملِ، في جُيُوبي أقلامُ رصاصٍ، مفكَّاتٌ، مفاتيحُ. هل كنتُ حدَّاداً، نجَّاراً، ميكانيكيَّاً، أم شاعراً؟ لا آثار بلطات أو طلقاتٍ على جسدي. حاروا أين يضعونَني! هذه قوافلُ الموتى تتوافدُ. هناك مهاجعُهُم التي يُفرَزُون إليها بأرقامٍ في أعناقهِم. وأنا لستُ ميتاً. لا يصعدُ الأحياءُ إلى هذه الأعالي. أجسادُهم أثقلُ من أن تُنْقَلَ حتَّى في عرباتٍ تجرُّها كائناتٌ، نصفُها بشريٌّ، ونصفُها حمارٌ وحشيّ.
لا يصعدُ الأحياء إلى علِّيِّنْ. لم يتذكروا أن حيَّا وصلَ إلى هٌنا، ولا يعرفون كيف يعيدونَ الأحياء، فَمَنْ يصلُ إلى هنا لا يعودُ. سألوا مَنْ أنا؟ نسيتُ، بالضبطِ، مَن أكون، فقلتُ لهم: رسولٌ! جفلُوا. ليست هيئتي لرسولٍ ولا يُرمَى الرُّسلُ، كيفما اتَّفق، في عرباتِ الموتى. تغيَّرتْ ملامحُهُم، فقلتُ لهم كلّا، لستُ رسولاً إلهياً، فلا أقوى على ذلك، ولكنْ، بما أنني وصلتُ إلى هنا، ولم يفعلْ ذلك حَيٌّ قبلي، ربَّما شاعران، أحدهما يُسمّى المعرِّيُّ، والثاني يُدعى دانتي، فأنا رسولُ الذين ظلّوا في بلاد البراميلِ والسارينَ في مملكةِ آدم التي ترون من مرتفعاتِكم البعيدةِ هذه اللهبَ الذي يتصاعدُ من أطرافِها، والدخانَ الذي يلفُّها، والروائحَ التي تزكمُ الأنوفَ (ألَّا تشمّونها؟) وبما أني وصلتُ إلى هنا خطأ، وهذا على ما يبدو لم يحدثْ من قبلُ، فهناك احتمالان: أنَّ الأخطاء ليست عُمْلةً بشريةً فقط، أو أنَّ في ذلك دلالة.
قولُوا له إني أريدُ أن أراهُ.
أريدُ أن أقولَ له إني قادمٌ من مملكةِ مخلوقِهِ آدم، حيثُ صارت الكلمةُ للزُّومبيِّين،
مصَّاصي الدماء،
أَكَلة لحومِ البشر،
هَاتكي الأعراض،
مُغتصِبي الصِّبيةِ الصغار،
رجال الخازوقِ والكراسي الكهربائيةِ،
مُحوِّلي القرودِ إلى بشرٍ، والعكس،
عاقِّي آبائهم وأُمَّهاتهم،
الذين يقطعونَ الرؤوسَ كَدَرسٍ سريعٍ في التَشريحِ،
خَزَنَةِ البَراميلِ المعبَّأةِ بـ التي إن تيْ والمساميرِ وأنصالِ السكاكينِ… وغيرهم وغيرهم.
لستُ متأكِّداً أنَّه على علمٍ بما يجري، أو رُبَّما نَسيَنا، فَمَن نحنُ في كونهِ اللانِهائيِّ؟ هناكَ شيءٌ خطأٌ. ليس وصولي إلى هُنا، ولكن تركنا في ظلماتٍ، لم يَنرها قبسٌ واحدٌ يدلُّ على قدرةٍ، أو حكمةٍ من أي نوعٍ.
ومثلُ موسى لن أبرحَ مكاني هذا الذي لا أعرفُ أينَ هوَ حتَّى أراهُ يُشير بأصبعَيْه، ويضعُ طرفَ إبهامهِ على أنملةِ الخُنصرِ، فتسيحُ سبعةُ جبالٍ دفعةً واحدةً، فأنا ابنُهُ مثلُ أولئكَ الذين لولا الصحراءُ والحَيْرةُ ما صاروا أنبياءَ.
من ديوان: مملكة آدم – أمجد ناصر
البابُ المُوارَبُ – قاسم حداد
ذلك البابُ الموارَبُ غير مُكترثٍ بوحشتنا الغريبة
وهي تهتف في النوافذِ واصطخابِ الرُّوح.
يا البابُ الموارَبُ غير مكترثٍ
تواضع بُرهةً وارأف وصدِّقنا قليلاً،
أيُّها البابُ الموارَبُ غير مكترثٍ بنا
اغفر لنا واسأل وصادقنا قليلاً.
هل تمادينا وبالغنا بحبِّك كُلَّ هذا الليل
كي يأتي عليك الوقتُ تُنسانا
و تبقى موصداً.
نغفو على أشلائنا،
نحن الذين انتابنا ماء العناق وساعة الرؤيا
و أنتَ موارَبٌ،
قُمصانُنَا مَثقوبة ويداكَ في وحشيَّة النِسيان تَمحُونا .
لماذا وحدنا قُمصانُنَا مَثقوبة بالقلبِ
هل نهفو إليكَ وأنت في غيبوبةِ الرؤيا
ترانا دون أن تحنو على ما ينتهي فينا .
أيُّها المرصودُ والعشَّاق يَنتظرون في بهوِ المَسافة
قُل لنا واغضب علينا
وامتحِن واعصف بنا واشفق علينا،
إنَّما لا تعتذر عَنا أمام الناس .
يا باب النجاة ومُنتهى أسرارنا
افتح لنا وانظر
ولا تغفل
ولا تقس علينا .
أيُّها البابُ الموارَبُ..
جئ لنا.. واذهب إلينا.
النصُّ والخَبَر – قاسم حداد
آتِيك ِ، آتِيكِ، لا أنْتِ فِي الشَّكِ ولا أَنَا فِي الغَفْلَةِ. أَمَضَّنِي السَّفَرُ وثَلْجُهْ، الصَمْتُ وجَحِيْمُهْ، أَمَضَّتْنِي القِفَارُ وسِيْرةُ الوَحْشِ.
ومَا عَلَيكِ إِلا أَنْ تَظُنِّي بِيَ الظُنُونَ ولا أَخْذِلُها، وتُطْلِقِي خَلْفِيَ الكُتُبَ لِكَي أَخْذِلَكِ.
آتِيكِ، فَلا مَفَرّ ولا خَلاص مِمِّا اخْتَرناهُ إلا اختِيارَهُ. آتِيكِ فَابْذُلِي الوَقْتَ، وبالِغِي فِي الحُبِّ لِنُصَابَ بالبَهْجَةِ، ويُصَابَ النَاسُ بِمَا يُرِيْدُونْ.
عَلَيكِ أَنْ تَبْذُلِي رَيْشَ كَتفكِ، لِكَي أَضَعَ عَلَيهِ رَأسِي وأَبْكِي لَكِ البُكَاءَ كُلَّهُ، إلى أَنْ تَحْتَرِقَ كَبِدِي، ويَتَصَاعَدَ مِنْها اللَّهبُ والشَوَاظُ وبُخَارُ اللَّهْفَةِ.
وعَلَيْكِ أَنْ تُصْغِي لِلأَخْطَاءِ المُلَفَّقَةِ كُلِّها. تُصْغِي إليْها بِلا اكْتِراثٍ. فَفِي كَتفكِ يَنْهالُ جَيْشٌ مِنَ الفُرْسَانِ المَهْزُومِينَ يَزْعُمُونَ انْتِصَاراتِهمْ.
عَلَيكِ بكَتفكِ الرَهِيفَةِ ورِيْشِها، عليك أَنّ تَحْتَمِلِي عُوَاءَ الذِئْبِ ونَحِيب الكَبِدِ المَفْدُوحِ. عَلَيْكِ دَيْنٌ لِي أُؤَدِّيهِ عَنْكِ، ولَكِ دَيْنٌ عِنْدِي تُؤَدِّيْنَهُ لِي. كِلانَا مَسْحُورٌ وكِلانَا لا فَكَاكَ لَهُ مِمَّا هُوَ فِيه.
عَلَيْكِ أَنْ تُؤْمِنِي بِي قَادِمَاً ذاتَ لَيْلٍ، فَازِعَ القَلْبِ مُحْتَقِنَ الأحْدَاقِ مَجْنُون الفُؤَادِ مَحْسُورَ الجَسَدِ، بَاحِثَاً عَنْ صَدْرٍ يَدّخِرُ الجنَّةَ لِي.
فَعَلَيكِ أَنْ تَشُقِّي لِيَ القَمِيْصَ عَلى آخِرِهِ كَي أَدْخُلَ أنَّى أَتَيْتُ وأخْرُج أنَّى ذَهَبْت.
عَلَيكِ أَنْ لا تَكُفِّي عَنِ السَهَرِ ولا تَأخُذُكِ سِنَةٌ مِنْ النَوم، ولا يَفُوتُكِ الحُلُمْ. وسَاعَةَ أَنْزلُ عَلَيكِ مِثْل مَلَكٍ يَحْملُ النَبَأَ، لا يُخَالِجُكِ شَكٌّ فِي شَخْصٍ لا يُشْرِكُ فِيكِ شَيئَاً ولا تَنَالُهُ المَظَنَّةُ ولا يَصْدُرُ عَنْ سِواكِ ولا يَذْهَبُ لِسِواكِ ولا يَقُولُ عَنْ سِواكِ ولَيْسَ لَهُ مَآلٌ غَيْرُكْ.
عَلَيكِ أَنْ تَجْعَلِي الخِبَاءَ بَهْوَ الكَونِ وسُرادِقَ المجَرّةِ وسَرِيْرَكِ السَديم. عَلَيكِ أَنْ تَجْعَلِي بَابَ الخِبَاءِ مَتْروكاً بَعْدِي، لِكَيْ تَدْخُلَ البَادِيةُ كُلُّها والحَضَرُ كُلُّهُ، فَيَنْظُرونَ إلَينا ونَحْنُ نَضَعُ أَعْضَاءَنا فِي القَتْلِ والقِتَالِ. تَحْتَّكُ وتَحْتَدِمُ وتَرْتطِمُ ويَتَطَايَرُ مِنْها النُورُ وتَنْدَفِقُ النِيرَانُ.
دَعِي لَهُمُ الخِبَاءَ فِي التَّرّْكِ لِكَي يَنْهَالُوا ويَنّْهَلُوا مِمَّا نَفْعَلُ ولا يَعُودُونَ يَشُّكُوْنَ فِي النَّصِّ والخَبَرْ.
من ديوان: مجنون ليلى
محاولة وصْل ضفَّتين بصوت – وديع سعادة
كنتَ تريد شيئًا يطير، طلبتَ تبغاً وأضفتَ أخَوات إلى الحمامات في فضاء الغرفة. كنتَ تريد شيئًا يطير شيئًا يخرج من النافذة، فرميتَ نفسك عبر الزجاج. لكنَّ نقطة الدم التي خرجت منك، ظلَّتْ في الداخل.
أنت الذي الآن في مكان آخر وثلاثُ بطَّات تنام أمام بيتك، كنتَ تحدّق طويلاً في الجدران كي تسمع أصوات آبائك المعلَّقين. دعني إذن أتحدَّث إليك، اسمعْ صوتي، صوتي من هذا المكان، الذي هو صوتك من المكان الآخر.
ساعةَ عرفوا ناحَ بعضُهم وبعضُهم ظلَّ صامتًا وهم يرافقوننا إلى مكاننا الأخير. أخذونا في صندوق، محمولَين بثماني أيد وبنظرات كثيرة. كنتَ تنظر إليَّ أنا الحيُّ فيك، وأنظر إليك أنت الميت فيَّ. تريد أن تبتسم لي، وأريد أن أبكيك. لكننا صمتنا، وتركناهم يدفنوننا هناك.
نحن اللذين يتكلمان مع نفسيهما الآن، أنت من هناك وأنا من هنا، نحن الواحد: الحيُّ المتحدّث مع ذاته الميتة، ماذا لدينا بَعْدُ غيرُ الذكرى؟
لم يكن عند أهلنا بطّ. غير أننا، من كثرة ما حلمنا به، جاء أخيرًا ونام على بابنا.
لكنك كنت تغادر.
وصلوا ولم يروا دمًا. الدم ظلَّ في الداخل. ليس في الداخل تمامًا وليس في الخارج تمامًا. على حافتهما. على الزجاج. على الحافة التي ما كانت في الخارج ولا كانت في الداخل.
أنت النائم الآن ولا تهتمُّ بدم. النائم بعيدًا وثلاثُ بطَّات تنام أمام بيتك. لا تجزعْ سأطعمها. في الخزانة حبوب. اشتريتها أنت ذات مساء، حين كنتَ تمشي وحيدًا في المدينة حالمًا بها.
وجاءت.
لكنها، هي أيضًا، لم ترَ دمك.
وجاء غيرها. الناس والأشجار والطيور، ولم يروا دمك. أوصلوك إلى قبرك، وعادوا.
حملوك لأنك لا تستطيع أن تصل وحدك.
وأهالوا فوقك التراب لتختفي.
بين هذه الجدران أمضيتَ حياتك. وُلدتَ في الزاوية، وأقصى رحلة كانت من الجدار إلى الجدار.
كنتَ تريد شيئًا آخر. صراخك لم يكن إلا نداء لهذا الشيء في الخارج. لكي تخرج، ولو نقطة دم واحدة، من النافذة.
لم تكن تنادي منذ ولادتك غير الموت!
اعطني كأس ماء. ظمآن أريد ان أشرب. اعطني فقط شيئًا دليلاً على أنك لا تزال تراني.
عيناك مغمضتان. فوقهما تراب. عيناك فراغان.
تراني بفراغين وتسمعني بفراغين. فراغك سامعي ورائيَّ. المليء لا يعبره صوت ولا ضوء. اسمعني إذن وانظر إليَّ.
تراني بفراغين وتسمعني بفراغين. فراغان ظَلاَّ داخل جدران فارغة. وخروجهما الأول كان إلى الموت.
الموت؟ عرفنا إذن: الخارج، هذا هو الموت!
أين الملائكة؟ قولوا للملائكة أن تأتي ها نحن وصلنا. لا نحبُّ موتًا بلا ملائكة. معنا رماد، نتسلَّى به كلَّ الأبدية. يخفق جناح ملاك فتطير نثرات، تطير أرواحُ حمامات، شقيقاتُ حمامات كانت في تلك الغرفة. ويحطُّ ملاكٌ فنطعمه همسات، نطعمه نظرات، ونتسلّى… فلتأت الملائكة نحن وصلنا.
معنا رماد، نتسلَّى كلَّ الأبدية.
وصَلْنا… لكنَّ الملائكة أيضًا كانت موتى!
ثمانية وأربعون عامًا، كان هذا إذًا هو الزمن!
كان هذا عنقَ الأبدية، الذي حسبناه عناقًا طويلاً. الفمَ الذي قبَّلناه تحت غيمة سريعة.
حينَ وُلدنا، انهمر مطرٌ من جلد أمّنا. مطر بقي في الزاوية، قرب العتبة، بقي هو أيضًا في الداخل. لم يره الذين كانوا في الخارج، ولا الذين دخلوا. كان مطرًا يخصُّها وحدها، يروي حقلها الداخلي، الذي لا يراه أحد.
وحين كنا نغادر، انهمر مطرٌ أيضًا. على الناس، على الخشب، على الشجر… لكنه كان مطرًا بعيدًا، بعيدًا جدًا.
كان ينهمر هناك، في البعيد، في المكان الذي يسمُّونه حياة.
هذا هو الزمن إذًا، هذه هي الأبدية: ثمانية وأربعون عامًا!
وقبل ذلك عدم، وبعد ذلك عدم.
ها نحن الآن عدمان يتحدثان. فراغان يحاولان أن يمتلئا بأصوات.
ضُمَّ صوتك إلى صوتي. ضُمَّ صمتك إلى صمتي علَّهما يصيران صوتًا.
العدم هو نحن الآن. إنه نحن. لا شيء آخر.
حدّثني عن صوتك الأول، عن لعبتك الأولى، عن ذراعك الصغيرة حول عنق أمك، عن حذائك في الحقول… تحدَّثْ، اصنعْ أصواتًا، املأ هذا العدم.
تقول أمُّنا كان صوتنا الأول صراخًا. ألقتْ حمْلَ الحطب عن ظهرها أمام باب الفرن، وبعد دقائق سمعتْ أوَّل صوت من أصواتنا.
قال الذين حواليها: مبروك. ووصل إليها كلامهم، من بين رذاذ جسدها، مثل قوس قزح كانت تراه في الشتاء.
وُلدنا في تموز، في عزّ الصيف، ومع ذلك كانت تمطر!
لكنه كان مطرًا يخصُّها وحدها. وكان يَعِدُها بزهور وثمار… أما نحن، فكُنّا نبكي.
وحينذاك نظرتُ إليكَ نظرتي الأولى، كمن ينظر في الصباح إلى مرآة و يمشي.
ليس عندي ما أقوله. فقط أريد أن أتكلم، أن أصنعَ جسرًا من الأصوات يوصلني بنفسي. ضفَّتان متباعدتان أحاول وصْلَهما بصوت.
الكلمات أصوات. أصواتٌ لا غير. هكذا هي الآن، هكذا كانت دائمًا. أصواتٌ لا نوجّهها إلى أحد. نحن لا نكلّم الآخرين. نكلّم فقط أنفسنا. الآخرون شيء بعيد وغريب، لا نراه ولا نعرفه، وتقريبًا ليس موجودًا.
لم يكن الكلام غير عزلة، لم يكن غير صمت.
مع ذلك أريد أن أتكلَّم الآن، أريد أن أكرِّر عزلتي… ولكن، ماذا يقول لنفسه من هو ميت؟!
إنهما الآن هنا، الذاكرة التي أوصدت وراءها الباب، والنسيان الواقف على العتبة. هنا يتحلَّقان حول طيف روح، سقط الروح من النافذة ولاقاه طيفه إلى الباب. وأكتبُ كي أتذكَّر جسد هذا الروح. كي أتذكَّر أنْ كان لي جسد. أنْ كان لي وبر على جسدي لا أعرف أين صار. كي أتذكَّر بالأحرى أنَّ ما كان لي هو وبرٌ لا جسد، وأني لم أفعل طوال أيامي سوى البحث عن جسدي.
يخالجني أحيانًا شعور بأن البشر يعيشون بلا جسد. يستمرُّون في الحياة ما داموا يبحثون عن جسدهم، وحين ييأسون من العثور عليه يموتون.
أنا، نفسي، عشت بلا جسد. كنت طافحًا بالروح لكني كنت بلا جسد. بَحَثَ روحي عن جسدي طويلاً. مشى أعرج ضالاً مجنونًا. و ظلّ وحيدًا، ظلَّ هباء، روحًا يابسًا يبحث عن قطرة. وحين رمى نفسه من النافذة كان فقط لرؤية قطرة دم. دمٌ يقال إنه يسري في الأجساد! لكنَّ قطرة الدم ظلَّت فوق، على الحافة، بين الداخل و الخارج، على الحدود التي ليست لأحد.
كنت أريد شيئًا يطير، شيئًا يخرج من النافذة.
لم يكن لي جسد. لكنَّ شيئًا غريبًا كان يلتصق بي.
هل كان ذاك الغريب جسدي؟
فلنضحكْ، لنفتحْ عظْمتي فكَّيْنا ونضحك. ضحكتكَ الخارجة من عظمتين فارغتين ستكون أجمل ما في هذا النصّ، صدِّقني.
أنتَ بطل هذا النصّ، وإنك بطل ميّت. لكن حين أريدك حيًّا يجب أن تحيا. الكتَّاب يحرّكون شخوصهم كما يريدون، وعليك أن تتحرَّك كما أريد حتى لو كنت ميتًا. لا تقلْ إن النعش ضيّق وصرتَ ترابًا. على الكتَّاب أن يحرّكوا التراب ويوسعوا النعوش. وعليهم أن يعيدوا الأموات إلى الحياة أيضًا.
كنتَ متمردًا دائمًا. قطعتَ حياتك بعصبية، كمن يقطع غصنًا فوق رأسه بسيف.
وكنا، أنت و أنا، في جبهتين: علينا أن نتقاتل بشراسة، وأن نتفاوض بخداع. ولم نصل إلى سلام، ولا إلى هدنة.
أنت ميت أمامي الآن وأريدك أن تعترف بأنك كنت عدُوِّي، وكان عداؤنا لنفسنا أشرس من عدائنا للآخرين.
الآخرون شيء آخر. يمكنك أن تنساهم إذا عجزتَ عن قتلهم. ولكن كيف تنسى نفسك؟ أمامك حلٌّ وحيد: أن تقتلها!
وقتلتَها.
فلنضحكْ إذن أمام هذا الانتصار. أمام قطرة الدم الخفيَّة.
ولنتذكَّر جسدنا الذي كان ملفوفًا بجلد مقفَل.
جسدُنا، ظلامُنا الداخليُّ المرعب! وأفكّر الآن كيف كان الدم يبصر طريقه في العروق! وكيف عاشت هذه الأحشاء سنوات من دون أن ترى شيئًا!
جسدنا كان قتيلاً. قتيلٌ بعماه، وقتيل برغبة الرؤية. ظلامُه وضوؤه قاتلاه. الظلامُ والضوء اللذان يستدعيان، كلاهما، سكينًا، لفتح كوَّة.
من هذه الكوَّة أراك الآن. الكوّة التي فتحتها أنت بنفسك.
لم تتحمَّل ظلامك الداخلي. كنت تريد للدم ضوءًا وللأحشاء رؤية…. وأشعلت ضوءًا: للجلد، والدم، والأحشاء، وللموت أيضًا.
رفاقنا كانوا يصفون الأمل بالضوء. يقولون “ضوء الأمل”. أما أنت فاخترت ضوء الموت.
اخترعوا صفات لكلّ شيء، وأرادوها حلوةً وبليغة، وأن يكون لها صدىً! كمن يصرُّ على اختراع صوت، لخطوات ناسٍ غابوا.
في البدء كانت صفات، وكان علينا نحن أن نخترع أشياء تنطبق عليها.
كان علينا أن نخلق كونًا من مجرَّد نُعوت!
وخلقنا كونًا، ووضعنا فيه حياة. لكن ما جَمَعَنا ليست الحياة بل الموت. الحياة كانت للتفرقة. وتصالحنا لأوَّل مرَّة حين متنا.
لستُ أبحث الآن عن ضوء الحياة. لا. بل عن نار تدفئ.
في السماء أرواح ترتجف من البرد. أريد أن أشعل لها نارًا. أريد أن أبكّل أزرار قمصانها.
كنا نملك صراخًا قليلاً. وبهذا الصراخ قلنا ذات يوم للحياة نحبّك.
مشينا نبحث عن أصدقاء، عن ناس عن نبات عن حجارة، نلهج لهم بحبنا. مشينا حتى تفلَّع قلبنا.
رأينا أمكنة لكل شيء. للنمل للشجر للطير للأرض للنجوم… أين مكان حبّنا؟
أين نَضعُ هذا الحبَّ أين نُسْكن هذا الحيوان؟ تخلَّعَتْ أكتافنا.
مشينا الشوارعَ كلَّها الأمكنةَ كلَّها وكلُّها ملأى. الأرض امتلأت قبل وصولنا وصار ما نحمله بلا مكان. صرنا المكان الوحيد لحمْلنا، صرنا وهمَ مكانه. مكانُهُ وهْمُنا ومكانُنا وهْمُه. صار هو، ونحن، والمكان، وهمًا.
في البدء كان الوهم. والوهم صار أرضًا حَلَلْنا فيها.
وَهْمُ الأرض وَلَدَ وهمَ الرغبة. ووهمُ الرغبة وَلَد وهمَ الحبّ. ووهمُ الحبّ وَلَدَ وهمَ الولادة.
ووهمُ الولادة وَلَدَ وهمَ الحياة. ووهمُ الحياة وَلَدَ وهمَ النسيان. ووهمُ النسيان وَلَدَ العزلة…
ومن وَهْم الأرض إلى وهم الحبّ أربعة عشر وهمًا. ومن وهم الحبّ إلى وهم الحياة أربعة عشر وهمًا. ومن وهم الحياة إلى العزلة أربعة عشر وهمًا…
في البدء كان الوهم. والوهم صار جسدًا وحلَّ فينا.
آه مونيك، يا واهبة الأوهام جسدًا جميلاً. كنت تنامين على الأرض لئلاَّ يقال ارتفعت شبرًا نحو الأوهام، بل لكي تنزل هي إليك.
وكانت تنزل. تغسل عينيك، فمك، عنقك، صدرك، عانتك، ساقيك… فتنامين نظيفة.
يا مونيك التي كانت تنام على الأرض أين أنت الآن؟ أنا تحت مترين عن الأرض، وتحت عظامي حصاةٌ تزعجني. قولي لأحد كي يُزيح هذه الحصاة أريد أن أنام.
مشينا كثيرًا، باحثين عن حُبّ قليل. مشينا بقامات قصيرة في شوارع طويلة، وكنا بالكاد نُرى.
نريد حُبًّا، صرخنا، الحُبُّ يطيل قاماتنا.
أعطتنا دلالُ قفلها المقدَّس، هدى مفتاحَ بوَّابتها، غادةَ مزلاجَها، وأورورُ أطفالاً.
يا صاحبة القفل المقدَّس يا حارسة البوابة يا امرأة المزلاج يا أمّ الأطفال، نريد حُبًّا، نريد مكانًا.
فلترتفع المياهُ ليضطرب الغَمْرُ ليستبدَّ الهَلَعُ بالأنهار العالية. أريد قليلاً من الماء. فقط لئلاَّ تموت هذه الأسماك في حوضي.
إنني ميت كفاية، ومعي الوقت كي أنسج الأحلام. ميت كفاية كي أخترع الحياة التي كنت أريدها.
ليس جميلاً يا وديع أن تستلقي هكذا في الأبدية من دون أن تحلم. ليس جميلاً، في الموت أيضًا، ألاَّ تعيش الحياةَ التي كنت تشتهيها.
الموت فسيح، يتَّسع لكل شيء. انسَ الأرضَ الكوكبَ الضيّق. وتَهادَ في فضائك الواسع، في عدمك. واضحكْ طويلاً.
العدم فسيح. وتستطيع أن تمدَّ فيه ضحكتك إلى الأبد.
من ديوان: محاولة وصْل ضفَّتين بصوت
من خطاب محب – رولان بارت – ترجمة: هاجر سيد
”أنا غارقٌ، أنا استسلم“.
أن تكون غارق هي موجة ُمن الفناء، تؤثر على المحب باليأس أو الرضا.
أحيانًا أجد نفسي أتوق لأكون غارق بين المصيبة والرفاهية. هذا الصباح (في البلدة) المناخ خفيف المَذاق، ملبدٌ بالغيوم. إنني أعاني من بعض الحالات، فكرة الانتحار حدثت لي، نقية من أي استياء وغيظ (بلا ابتزاز أحد) فكرة خالية من النكهة، تُنبهني بلا شيء، تكسر لا شيء، تطابق لون صمت وعزلة هذا الصباح.
يوم آخر،
ننتظر القارب عند البحيرةِ،
من السعادة.
تحت المطر،
هذه المرة،
موجة الفناء ذاتها،
عبرتني.
هذا ما يحدث احيانًا،
دون أي اضطراب معين،
ولا أي رثاء.
البؤس والبهجة، يبلعانني
أنا منحلٌ دون تقطيعي
أنا اسقط، انا اتدفق انا اذوبُ.
ومثل هذه الأفكار__تنخدش، تُلمس وتختبر (بالطريقة التي تتحسس بها قدمك الماء) تظهر ثانيةً دون شيء مهيب.
بهذه الدَماثة بالتحديد.
ازمة الابتلاع يمكن أن تأتى من جرح، بل ومن الانصهار ايضًا : نموت سويًا في حُب بعضنا: موت مفتوحٌ مخفف إلى أثير، موتٌ مغلق لمقبرة مشتركة.الابتلاع لحظة تنويم مغنطيسي، وظيفةٌ مقترحة، تقودني أن اتلاشى دون أن أقتل نفسي. من حيث، ربما، لُطف الهاوية: ليس لدي مسؤولية هنا، حيث( فعل الموتِ) ليس شأني: أودعت نفسي، وسلمتها (لمن؟) للإله، للطبيعة، لكل شيء، ماعدا بعضنا.
من أجل ذلك، في المناسبات التي أكون فيها غارقًا، هذا لأن لم يعد لدي مكان في أي مكان، حتى في الموت. وصورة الآخر، التي التصقت بها، والتي عشت عليها، لم تعد موجودة. إنها كارثة غير ذي جدوى قد تبدو أنها محت الصورة للأبد، وأحيانًا سعادة مفرطة مكنتني ان أتوحد مع الصورة: في أي حالة، منقطعة أو منحلة، ذائبة أو منفصلة، أنا وذاتي لا نجتمع في أي مكان معًا: في مواجهة، ولا أنتِ ولا أنا ، ولا الموت، ولا أي شيء آخر خاطبته.
بغرابة، إنه أقصى فعل للفناء في تشكيل صورة المحب، نتيجة لإزاحتها أو التعرف عليهاــ أحيانًا يحدث سقوط تشكيل الصورة لفترة قصيرة من التذبذب، أفقد كياني كمُحب: في صباح متكلف، دون عمل لأفعله: شيئا أقرب للامكان.
في حب الموت” هي مبالغة كما قال كيتس” الموت تحرر من الموت، راودني تخيلًا ما (نزيف خفيف لا يتدفق من أي مكان محدد في جسدي، غشاوة تدريجية، بحيث يكون لدي الوقت لأخفف من معاناتي دون أن أموت” وبشكل زائف أعلق في مفهوم الموت. (مُزيف بالطريقة التي يزور بها مفتاحٍ بتغليفه) أتخيل ولادة الموت بالقرب مني، وأتخيل ذلك وفقًا لمنطق غير مخطط له. أنجرف إلى خارج القتال المزدوج الذي يربط الحياة والموت بمعارضتهم لبعضهم البعض.
البحث عن صباح، بعد مساءًا صعبًا، إكس كان يشرح بعناية للغاية، صوته كان مضبوطًا، جُمله مكونة بشكل جيد، بعيدةً عن أي شيء يصعب تفسيره. حيث أنه في بعض الاحيان يتوق إلى الإغماء، نادمًا على عدم قدرته على الاختفاء متى شاء. كلماته كانت تقول أنه كان يقصد الاستسلام لضعفه بأن لا يقاوم الجروح التي قذفها العالم في وجهه. ولكن في نفس الوقت يستبدل القوة الفاشلة بقوة أخرى وأفترض أن تجاه وضد كل شيء، إنكار من الشجاعة ومن ثمّ إنكارٌ للأخلاق، هذا ما كان يقوله صوت إكس.
سارتر: الإغماء والغضب مراوغاتٌ كالعواطف.
ترستان : في الهاوية المقدسة من الاثير اللانهائي، في روحك المتسامية اتساع بلاحدودية. من كتاب “عُزلة الموت” أنا أغرق، أنا غارق وغير واعٍ، آهٍ ياللنعم!



















