شعر عربي معاصر

نهارات – بسام حجار


-1-
لفرطِ ما أحذفُ النهاراتِ لم يبقَ مني إلا كائنُ الأرق، شبيهي، الذي يحسبُ أنَّ الوقت يمضي إذا مَشيتُهُ مراراً من البابِ إلى النافذة، من النافذة إلى النافذة، ولا أُدركُ جَدواه. لفرطِ ما أحاولُ نسيان الوقتِ أقعُ في خطأ الانتظار، وأعلمُ أنَّ من هو مثلي لا ينتظرُ شيئاً ولا يرغبُ في شيء، لأنَّ الأشياء قاطبةً تُقيمُ في نهارات أحذِفُها لكَي لا يبقى مني إلا رميمُ الأرقِ، شبيهي، الذي ما عرفتُ سواه.
هذا نهارٌ.
وتلكَ مشاغلهُ.
أدَعهُ لابنتي لكي تفرحَ به. لجاري الذي يُشغلهُ بضحكتهِ الصباحية وبمئة وعشرين كيلوغراماً من الرضا والعافية والسعادة الغامرة، وبمئةٍ وتسعين سنتيمتراً من التفاؤل والإدراك والتعقّل.

هذا نهارٌ
قال اللهُ.
وبَعد؟

-2-
مُياومونَ
يحتشدونَ تحت شمسهِ الواضحة.
عُمَّالُ مرافئ وأُجرَاءُ
عاشِقونَ وقُساة وتُعساء.
عجائز وفتيان. أحياءٌ وأحياء. وأحياء.
كُثرٌ وصاخبون.

هذا نهارٌ آخرٌ
قال الله.
وبَعدُ؟

-3-
قلتُ لابنتي: لا تَرفعي السِّتار.
لا تفتحي الباب.
لا تُعلِّقي هذه الشمس الغبيَّة على باب غرفتكِ، فالشمس
التي تُعلِّقينها
على الباب أو عند زاوية المكتبة
أرَقُّ من تلكَ التي ستُضيءُ
نَهاري، نهارَكِ،
نهارَ الباعةِ والموظَّفين،
نهارَ العَرَقِ والروائح والاختناقِ
والسَّعي والصُّداع والمُحادثة.

قلتُ لابنتي: لا تَرفعي السِّتار.
لقد متُّ في ساعاتِ اللَّيلِ
الأخيرة،
ولن أستفيق
متُّ ضَجراً
ومتُّ حزناً
ومتُّ سَهواً
ومتُّ موتاً
لا تَرفعي السِّتار أو تفتحي الباب
أو تُعلِّقي ما يُشبِهُ الضَّوءَ في أرجاء الغابة.
فهذا نهارٌ آخرُ،
أعلَمُ،
وآخرُ أيضاً،
أعلَمُ،
وماذا بَعدُ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى