منشورات إبداعية

خورخي لويس بورخيس – حنا 1421
لن تكون هذه الصفحة أقل غموضاً من صفحات كتبي المقدّسة أو الكتب التي ترددها الأفواه الجاهلة، معتبريها من عمل الإنسان، وليس مرايا معتمة للروح. أنا الكائن الذي كان وسيكون ما زلتُ أتنازل واستخدم اللغة التي هي زمن متوال وشعار. من يلعب مع طفلٍ يلعب مع شيء مألوف وغامض؛ لطالما أردتُ اللعب مع أطفالي. كنتُ بينهم بدهشة وحنان. بفعلِ سحرٍ وُلدتُ بغرابة من أحشاء. عشتُ مسحوراً، مسجوناً في جسدٍ وفي تواضع نفس. عرفتُ الذاكرة، تلك العملة المتغيرة دوماً. عرفتُ الأمل والخوف، وجهيّ المستقبل الحائر. عرفتُ السهر والنوم والأحلام والجهل والشهوة ومتاهات العقل الفظة، وصداقة الإنسان، وإخلاص الكلاب الغريب. أُحببتُ وفُهمتُ ومُدحتُ وسُمّرتُ […]

خورخي لويس بورخيس – إلى الابن
أنا لستُ من يُنجبك، إنهم الموتى. إنه أبي وأبوه، سلسلة طويلة من الآباء، متاهة حبٍّ متلهفة. تنطلق من آدم، من الندم الأخوي، من الصباحات الأولى التي سيخضع لها الإنسان، والتي أصبحت أساطير لدرجة قدمها، حتى يبلغ، دماً ولبّاً، ذلك اليوم من المستقبل، الثانية الآنية التي أنجبك فيها يا بنيّ. هذا الحشد، أشعر به بقربي. إنه نحن جميعاً، إنه أسلافي وأنت، وأطفالك وأطفال آدم الأحمر. هؤلاء هم أنا أيضاً. إنها إرادة الطقس الأبوي. الأبدية هي لأشياء الزمن، في ذلك الذي يُسرع ويعبر ويتحرك. . من “الآخر”، ذاته * ترجمة : أنطوان جوكي

خورخي لويس بورخيس – جندي
طلقة تصيبه في جبهته. لن يعرف اسم مجرى الماء الذي كان يسير بمحاذاته. (القصة حقيقية، وأكثر من شخص كان هو) سقط على وجهه فاتحاً ذراعيه. يتأرجح الهواء الذهبي عند أوراق غابة الصنوبر. تميل الشمس بنصفها؛ الساعة رقيقة. بدقة تتسلق النملة على الوجه الخليّ. ستصعد الزغردات. كل شيء يتحوّل ويتحول حتى ذلك اليوم من المستقبل الذي سأناديك فيه، أنت وحدك، لم يسهر عليك أحد ولم تعرف حظوة الدموع، سقطتَ كما يسقط الرجل الميت. لن يحفظ ذاكرتك أي رخام. ست أقدام من الأرض هي كل مجدك القاتم. * ترجمة : أنطوان جوكي

خورخي لويس بورخيس – النوم
لو كان النوم هدنة، استراحة بسيطة، لماذا تشعر، حين تستيقظ فجأة، بأنه سُرق لك ثروة؟ لماذا نكره النهوض عند الصباح؟ لأننا نخسر سحراً خارقاً، حميماً لدرجة لا يمكن فيها تلقّيه إلا مستتر تحت ذهب الأحلام المحيّر، هبة الليالي، ربما البرهان الغامض لفلكٍ غير زمني وليس له ما يُسمّي سحره، فضيلة قصوى يشوّهها الصحو في مراياها. حين يفتح النوم لك جداره الأسود، ماذا ترى؟ من ستكون هذا المساء؟ * ترجمة : أنطوان جوكي

خورخي لويس بورخيس – الألغاز
إذاً سأكون غداً الموت واللغز، أنا الذي أسير مبتهجاً اليوم. لن يكون لي قبل ولا بعد، مقيماً أبدياً في مدارٍ سحري ومنعزل. إنه شرط التزهّد. لا أظن أني أهل بالجحيم ولا موعود بالمجد، لكني أشك في عدم قدرتي على التنبؤ. قصتنا تتغير مثل بروتيوس وتخفي قوانينها. من يدري أي متاهة تائهة، أي حرق أعمى من البياض سيُدهش قدري، حين تُعلِمُني تجربة الموت الغريبة عن نهاية المغامرة؟ لو يمكنني عندها أن أشرب من نهر “ليتي” الصافي، أن أكون دوماً، وما كنتُ. * ترجمة : أنطوان جوكي

خورخي لويس بورخيس – لحظات
لو عشتُ حياتي من جديد، فسأُجرّبُ في الثانيةِ أن أَستزيدَ من الخطايا، لن أُجرّبَ أن أتكامَل، سأَرتاحُ أكثَر ، سأتَشَبَعُ أكثر . مما أنا عليهِ الآنَ، سأَخذُ الأمورَ بجدّيةٍ أقَلّ وأَلتزمُ أقلّ بعاداتي الصحيّةِ، سأُغامرُ أكثرَ ، سأكثرُ من أسفاري، سأَشهَدُ لحظاتِ غروبٍ أكثَر، سأَصعدُ مرتفعاتٍ أكثَر، سأسبحُ في أنهارٍ أكثَر، سأزور من الآيس كريمِ أكثَر، وأغرقُ في خيالاتٍ أقَّل، فقد كنتُ ممّن يعيشُ حياةٌ حصيفةً، حياةً خصيبةً. في كلّ لحظةٍ من حياتي، عشتُ، طبعاً، أوقات سعادةٍ .لكن، لو قُدّر لي أن أعودَ فسأُجرّبُ اللحظاتِ الحُلوةَ فقط، إن لم تعرف ما تدلُّ عليهِ الحياةُ، فلا تخسَرِ الآنيةَ ! كنتُ ممّن لا […]

خورخي لويس بورخيس – يحكي الشاعرُ شهرتَه
خدُّ السماءِ قياسُ مجدي، تجهَد مكتباتُ الشرقِ أن تَقنِصَ شِعري، يفتشُ الحُكّامُ عني لحَشوِ فمي بالذهبِ، وتحفظُ الملائكةُ آخر مقاطعي عن ظهرِ قلبٍ. أدواتُ فنّي الفقدُ واللّوعةُ. آهٍ. غيرَ أني ولِدتُ لأموت . * من ديوان “نمور الحلم”

خورخي لويس بورخيس – حدس بالحبّ
لا نظرتكِ الحميمة، برمشٍ رائعٍ كالعيدِ، ولا جسمكِ الملتهب، بلُغزٍ خفيٍّ من الطفولة، أو عَطايا حياتكِ، المستّكِنّة بالكلماتِ والصمتِ، يتلبسُ عليَّ كالهبةِ من مرأى نومكِ، مضمومةً بين ذراعي. بكراً من جديدٍ، بمعجزةٍ من نومٍ غافرٍ ساكنةً لامعةً، كشيء سعيدٍ نستذكرُه، تمنحينني شَطَّ عُمركِ الذي لا تملكين. محتشِداً بالصمتِ أُدركُ حَدَّ كيانكِ وهو باهرٌ وأراكِ، كم يراكِ أول مرّةٍ. شاخَ خيالُ الزمانِ، فارغاً من الحُبّ، مِنّي. * من ديوان “نمور الحلم”

خورخي لويس بورخيس – بعد المغيب
الغروبُ مزعجٌ دائماً إن كان مسرحياً أو أبكمَ، والمزعجُ أكثر آخرُ النور المستميتِ الذي يدهنُ السطحَ بالصدأ فلا يبقى على الأفقِ شيءٌ من أًبّهةِ الغروبِ أو صَخَبهِ. كم يتقدّمُ النورُ عَصِياًَ، متوتّراً بانسحابهِ، مختلفاً، هذيانٌ يَعرضُ خوفَ الإنسانِ من ظُلمةِ الفضاءِ، ثم يكفُّ لحظةَ نُدركُ زَيفَهُ، بطريقةِ حُلمٍ ينكسرُ بعلمِ النائمِ أنه يحلُمُ. * من ديوان “نمور الحلم”

خورخي لويس بورخيس – حدود
يوجَد بيتُ شِعرٍ لن أذكُرّه ثانيةً، يوجَد شارعٌ قريبٌ ممنوعُ على خطوتي، توجّد مرآةٌ رأتني لمرةٍ أخيرة، يوجَد بابٌ أغلقتْه حتى نهايةِ العالمِ. وسطَ الكتبِ بمكتبتي (أحفظُها أمامي) بعضُها لن أُعيدَ فتحَه أبداً. في هذ الصيفِ أكملتُ عامي الخمسينَ : الموتُ يُخضعني على الدوام. * من ديوان “نمور الحلم”

خورخي لويس بورخيس – الهبات
وهبني الله الليلَ والكتبَ، بسخريةٍ بالغةِ، كلاَ وفوراً. جعلَ عينَيّ المطفأتينَ في مدينةِ الكتبِ ملَكَين،فتقرأُ عيناي في مكتبةِ الأحلامِ هذه الفقرات البليدةَ التي يستسلمُ الصباحُ لصَبوتِها. بكتبهِ اللانهائيةِ، فيجهِدهُما كالمُخطّطاتِ المُجهَدَةِ التي دمَروها بالأسكندريةِ. وكما تروِي حكايةٌ يونانيةٌ، فقد هلكَ ملكٌ جوعاً وعطشاً، بينَ الجنائنِ والنوافير: مثلهُ أكدّحُ دونما هدفٍ ضمنَ حدودِ مكتبةِ عماي الهائلةِ. هلالَ عتمتي أتكشّفُ ببطءٍ شبهَ النهورِ الأجوفِ بعصايَ المتردّدةِ. أن الذي أتصوّرُ الجنةَ دائماً على شكلِ مكتبةٍ. أجولُ عبرَ الأروقةِ المُثقَلَةِ، فأحسُّ غالباً، من فزّعٍ مُبهَمٍ قدسيّ، أنني الآخرُ هنا، الميتُ السائرُ على دوامِ الأيامِ. فأيّنا سيكتبُ هذه القصيدةَ وأنا الجَمعُ على عتمةٍ مُفرَدةٍ؟ أتبيّن الدنيا […]

خورخي لويس بورخيس – نحنُ الزمن
نحنُ الزمنََ. نحنُ المجازَ الشهير من هيراقليطسَ الغامضِ. نحنُ الماءَ، لا الماسَ الأصلبَ، نحنُ المفقودَ، لا الثابتَ الساكنَ. نحنُ الغديرَ ونحنُ الإغريقيَّ الناظرَ نفسَهُ في الغدير. صورتُهُ تتحوّلُ في الماءِ من تحوّلِ المرآةِ، من بِلَّورٍ يتحوّلُ كاللّهبِ. نحنُ الغديرّ الزاهي مُسبقاً، برحلتهِ إلى البحرِ. قد طوّقَتهُ الظِلالُ. يودّعُنا كلّ شيءٍِ ، ويمضي في سبيلهِ. لا تطبعُ الذكرى أحجارَه. لكن، هناك ما يتلبَثُ لكن، هنتك ما يتحسّرُ. * من ديوان “نمور الحلم”

خورخي لويس بورخيس – السعادة
هذا الذي يحضن المرأة هو آدم. والمرأة هي حواء. وكل شيء يحدث للمرة الأولى. رأيتُ شيئا أبيض في السماء. يقولون لي أنه القمر، لكن ما عليّ أن أفعله بهذه الكلمة، بهذه الميثولوجيا كلها. الأشجار تثير خوفا فيّ. إنها بمثل هذا الجمال. الحيوانات الهادئة تقترب مني كي أسّميها بأسمائها. ليس ثمة حروف في كتب المكتبة. لكن حين أفتحها تبرز الحروف. وحين أتصفح الأطلس أختلق شكل سومطره. وهذا الذي يشعل عود ثقاب في الظلام، يكون من إكتشف النار. في أعماق المرآة شخص آخر، متربص، وهذا الذي ينظر الى البحر يرى إنكلترا. وهذا الذي يُلقي أبيات ليلينكرون * يبدأ المعركة. حلمتُ بقرطاجنة، بفرق الرومان […]

خورخي لويس بورخيس – الأسكندرية، 641 بعد الميلاد
منذُ أولِ آدمَ، ذاكَ الذي تلقى الليلَ و النهارَ و تعرّفَ على شكلِ يدِه و الرجالُ يختلقونَ القصصَ، و ينقشونَ على الصخرِ، و المعدنِ، و الأوراقِ كلُ ما يحويه العالمُ أو تختلقهُ الأحلامُ. ها هنا ثمرةُ جهدِهم: المكتبة. يُقالُ أنَّ ثروةَ المجلداتِ التي تحويها تفوقُ عددَ النجومِ و حباتِ الرملِ في الصحراء، وأنَّ الرجلَ الذي يحاولُ قراءتها جميعاً، سوفَ يفقدُ عقلَهُ، و يفقدُ فائدةَ عينيهِ الجريئتين. ها هُنا ذاكرةُ القرونِ العظيمةُ ذاكرة السيوفِ و الأبطالِ، رموز الحسابِ المُختصرةُ المعرفةُ التي تتخيلُ الكواكبَ، و تحكمُ القدرَ، قوى الأعشابِ، و النقوشاتُ الطلسميةُ، الشِعرُ الذي يُخلّدُ لمساتِ العشقِ، العلمُ الذي يفكُ شفرةَ المتاهةَ الوحيدةَ […]
خورخي لويس بورخيس – إلى قطعة نقد
باردةٌ و عاصفة، تلكَ الليلةُ التي أبحرتُ فيها من “مونتفيديو”. و أثناءَ دوراننا حولَ “سيرو”، رميتُ من مقدمةِ السفينةِ قطعةَ نقدٍ معدنية، لمعتْ و غمزتْ وسطَ المياهِ العكرة، وميضَ ضوءٍ ابتلعهُ الوقتُ و الظلمة. أحسستُ أني ارتكبتُ عملاً غيرَ قابلٍ للنقضِ، مُضيفاً إلى تاريخِ الكوكبِ سلسلتينِ غيرِ نهائيتينِ، متوازيتين، يُحتملُ أنهما أبديتانِ: قدري الخاص، مصنوعاً من قلقي، عشقي، و انزعاجاتي العقيمة و قدرَ تلك الدائرة المعدنية محمولةً بعيداً بواسطةِ الماءِ إلى الأعماقِ الهادئة أو إلى بحارٍ قصيّة لا تزالُ تعبثُ بمخلفاتِ الساكسون و الفايكنج. كل لحظةٍ تخصني، نائماً أو يقضاناً، توازي لحظةً تخصُ القطعةَ النقديةَ العمياء. أحياناً أشعرُ بالشفقة، و أحياناً […]

خورخي لويس بورخيس – نشيد
في ذاك الصباح رائحة لاتصَّدق تضوع في الهواء ، رائحة الزهور المتفتحة في الجنة. على ضفاف الفرات يكتشف آدم زفير الماء العذب. المطر الذهبي يسقط من السماء : إنه ُحب زيوس. من البحر تتقافز السمكة ، في حين أن الإنسان من أغريجنتو Agrigento* يتذكر أنه كان في الماضي سمكة. وفي المغارة المسماة التاميرا Altamira** ترسم يدٌ بلا وجه ، قوس ظهر الثور. يد فرجيل البطيئة تمرعلى الحريرالذي جاءت به من دولة الإمبراطورالأصفر القوافلُ والسفن. العندليب الأول يغني في المجر. المسيح يرى عملة ً تحمل صورة القيصر الجانبية. فيثاغورس يكشف أمام يونانييه بأن شكل الزمن هو الدائرة. وفي جزيرة ما وسط المحيط […]

خورخي لويس بورخيس – الشريك في الذنب
هم يصلبوني. وعليّ أن أكون الصليب والمسامير. يقدّمون لي الكأس ، وعليّ أن أكون السمّ الزعاف. يخدعوني ، وعليّ أن أكون كذبا ً. يحرقوني ، وعليّ أن أكون جحيماً. عليّ أن اقدم المديح والشكر في كل لحظة. أنا أحيا بكل شيء ومهما كان الشيء. بعبء الكون ، بالإذلال ، بالحبور. عليّ أن أبرر الأمر الذي يجرح فيّ. ليست بالحسبان سعادتي وشقاءي. إني شاعر. * ترجمة: عدنان المبارك

خورخي لويس بورخيس – كتبي
كتبي ( وهي لاتعرف أني موجود ) هي جزء مني مثل الوجه ، بصدغيه الأشيبين وزوج من عيون رمادية، أبحث عنهما ‘ عبثا ً ، في عمق المرآة. وألمسهما بتقعّر راحة اليد. وليس بدون منطق مرّ أظن أن الكلمات الجوهر التي تعبّر عني تختبيء بين الصفحات التي لاتعرف من أنا ، وليس الأخرى من صفحات كتبي. وهذا أفضل الأمور. أما أصوات الموتى فتقول عني هذا كله على الدوام. * ترجمة: عدنان المبارك

خورخي لويس بورخيس – المنتحر
في الليل لا تبقى حتى نجمة واحدة. لايبقى الليل. أموت ومعي الثقل كله، ثقل الكون الذي يصعب حمله. أدمّر الأهرام والنقود القديمة والقارات والوجوه. أدمرُ طبقات الماضي. أحيلُ التأريخ الى رماد ، والغبار الى غبار. أنظرُ الى آخر غروب للشمس الأخيرة. أستمعُ الى الطير الأخير. وأسّجلُ العدم لكن لغير أحد. * ترجمة: عدنان المبارك

خورخي لويس بورخيس – المسيح على الصليب
المسيح على الصليب. تلمس القدمان الأرضَ. ثلاثة أعمدة من خشب ولها الطول نفسه. المسيح ليس في الوسط. إنه الثالث. اللحية السوداء تكنس صدره. وجهه ليس ذاك الوجه من الصور القديمة. قسماته حادة . قسمات يهودية ، لكني لا أراه. سأظل أبحث عنه حتى اليوم الأخير من خطواتي على الأرض. الإنسان المحطم يتعذب ، إنه باق في الصمت. يخزه تاج الشوك. لاتطاله سخرية العوام الذين يرون مرات كثيرة ، كيف يموت. هو أو إمرؤ آخر. لافرق. المسيح على الصليب، يفكر وهو مشوش الذهن بالملكوت الذي قد يكون بإنتظاره. يفكر بالمرأة التي لم تكن له، لم ُيكتب له أن يرى اللاهوت أن يفقه […]

