المدونة

  • خورخي لويس بورخيس – المسيح على الصليب

    خورخي لويس بورخيس – المسيح على الصليب

    المسيح على الصليب. تلمس القدمان الأرضَ.

    ثلاثة أعمدة من خشب ولها الطول نفسه.

    المسيح ليس في الوسط. إنه الثالث.

    اللحية السوداء تكنس صدره.

    وجهه ليس ذاك الوجه من الصور القديمة.

    قسماته حادة . قسمات يهودية ، لكني لا أراه.

    سأظل أبحث عنه حتى اليوم الأخير من خطواتي على الأرض.

    الإنسان المحطم يتعذب ، إنه باق في الصمت.

    يخزه تاج الشوك.

    لاتطاله سخرية العوام الذين يرون مرات كثيرة ،

    كيف يموت. هو أو إمرؤ آخر. لافرق.

    المسيح على الصليب، يفكر وهو مشوش الذهن

    بالملكوت الذي قد يكون بإنتظاره.

    يفكر بالمرأة التي لم تكن له،

    لم ُيكتب له أن يرى اللاهوت

    أن يفقه الثالوث المقدس والغنوصيين *

    والكاتدرائيات وموسى أوكيم **

    وتغيير العقيدة بسيف غوتروم ***

    ومحاكم التفتيش ودم الشهداء

    والحروب الصليبية العاتية وجان دارك

    والفاتيكان ومانح البركة للجيوش.

    وهو يعرف أنه ليس ربّا ً وأنه إنسان

    يموت كاليوم. وليس هذا ما ينهكه

    بل الحديد القاسي ، حديد هذه المسامير.

    وهو ليس بروماني ولا يونانياً. إنه يئن.

    وأبقى لنا مجازات رائعة،

    ومعرفة عن المغفرة ( هذه الكلمات

    كتبها أيرلندي في السجن )

    الروح وصلت نهايتها، وهي تلهث.

    الذبابة تدّب على الجسد المنتفخ

    وأين العزاء في أن ذاك الإنسان

    قد تعذب كثيرا ًوحين أتعذب أنا الآن ؟

    _____________

    * يسّمون أيضا بالعارفين. ومذهبهم جمعٌ وتركيبٌ لشتى الأنظمة الدينية – الفلسفية. ويعود هذا المذهب الى القرنين الثاني والثالث في زمن الرومان ، وقد جمع أيضا عناصرا من الديانات الشرقية والمسيحية وأخرى من العبادة اليونانية القديمة ، و إعتمد على مبدأ تدرجية حا

    ** يقصد بموسى أوكيم المبدأ القائل بعدم مضاعفة أحوال الوجود ، ومعناه رفض الحالات التي لانصل إليها عن طريق التجربة. وهذا المبدأ صاغه اللاهوتي الإنكليزي وليم أوكيم W. Occam من القرن الرابع عشر.

    *** قد يكون المقصود هنا غوتفريد ( 1061 – 1100 ) الأمير الجرماني أحد قادة الحرب الصليبية الأولى.

    *

    ترجمة: عدنان المبارك

  • خورخي لويس بورخيس – العادلون

    خورخي لويس بورخيس – العادلون

    إنسان ما يعمل في حديقته كما أراد فولتير.

    هذا الذي هو شاكر لأن على الأرض توجد الموسيقى.

    هذا الذي يرى المسّرة في إكتشاف الأثيمولوجيا *

    الموظفان لاعبا الشطرنج في مقهى صغيرة

    في ( شارع الجنوب ) ،

    الفنان – صانع السيراميك الذي يرى اللون

    والشكل في تصميمه.

    المطبعي الذي يعرف كيف يرتب هذه الصفحة

    رغم أنها قد لا تعجبه البتة.

    المرأة والرجل قارئا الفقرات الأخيرة

    من أنشودة معيّنة.

    هذا الذي يربت على الحيوان المُنوَّم

    هذا الذي يبررالظلم الذي لحقه أو يريد تبريره.

    هذا الذي هو شاكر لأن على الأرض كان ستيفنسن.

    هذا الذي يفضل أن يكون الآخرون محقين.

    جميع هؤلاء الأشخاص الذين لا يعرف أحدهم

    الآخر، هم من ينقذ العالم.

    _________

    * علم الإشتقاق ، مبحث أصول الكلمات ومصادرها.

    *

    ترجمة: عدنان المبارك

  • خورخي لويس بورخيس – الرجل الثالث

    خورخي لويس بورخيس – الرجل الثالث

    أوجّه هذا البيت من الشعر ( ولنأخذ الآن بهذه

    الكلمة حسب )

    الى الرجل الثالث الذي عبر أمامي الطريق أمس.

    ولم يكن أقل غموضا من الآخر لدى أرسطو.

    في يوم السبت خرجتُ من البيت.

    الليل كان ممتلئا بالناس.

    أكيد أن هذا الرجل الثالث قد إجتازني.

    تماما كما إجتازني الأول والرابع.

    دخل هو ( شارع باراغواي ). أنا توجهت صوب

    ( شارع قرطبة ).

    وعلى وجه التقريب ولدته كلماتي،

    ولن أعرف أن هناك نكهة معيّنة ، نكهته المفضلة.

    أنا أعرف بأنه حدّق طويلا في القمر.

    وليس بالأمرغير الممكن أنه مات.

    ويقرأ كلماتي ، وسوف لن يعرف

    أنني أكتب الآن وأفكاري صوبه.

    وفي المستقبل المبهم

    قد نكون خصمين يحترم أحدنا الاخر.

    أو صديقين يعزّ أحدنا الآخر.

    لقد فعلتُ شيئا لا رجعة عنه :

    خلقتُ وشيجة مع شخص آخر.

    وفي هذا العالم اليومي

    الشبيه للغاية بكتاب ألف ليلة وليلة

    ليس هناك من فعل لا يصير

    عملية سحرية ،

    وكل حقيقةِ الفرصةِ في أن تكون الأولى

    وفي صفٍ لا ينتهي.

    أنا أسأل ، هل هناك ظلال

    لم تنبذها هذه الأبيات غير العَجلِة.

    _________

    * علم الإشتقاق ، مبحث أصول الكلمات ومصادرها.

    *

    ترجمة: عدنان المبارك

  • خورخي لويس بورخيس – عصا الخيزران

    خورخي لويس بورخيس – عصا الخيزران

    كانت ماريا كوداما * من إكتشفها.

    إنها خفيفة بشكل غريب لكنها متسلطة

    ولاتخيب الآمال. وكل من يراها لن ينساها.

    ولكي ترسم المنطقة السحرية أنظر إليها ، وأحس أنها فلذة

    من تلك الإمبراطورية غير المنتهية التي بنت جدارها

    كي ترسم المنطقة السحرية.

    أنظرُ إليها. أفكرُ بتشوانغ – تسي الذي

    حلمَ بأنه فراشة وحين إستيقظ لم يعرف أنه

    كان رجلا قد حلم َ وأنه فراشة حلمت وأنه

    إنسان.

    أنظرُ إليها . وأفكرُ بالحِرَفي الذي عمل في

    الخيزران ولواه بالشكل الذي يمكن يدي اليمنى

    من مسك المقبض.

    لا أعرف أما زال حيّاً هذا الحرفي أم مات.

    لا أعرف هل هو ( تاويّ ) أم بوذي أم

    يبحث عن المشورة في الكتاب في النجوم السداسية الأضلاع.

    لن نلتقي نحن الإثنين ابدا.

    لقد ضاع هو بين الملايين التسعمائة والثلاثين

    لكن هناك شيئا – يجذبنا إليه.

    وليس بالأمر غيرالممكن أن أحدهم فكرَ

    بهذه الصلة منذ قديم الزمان.

    وليس بالأمر غيرالممكن أن يكون الكون بحاجة الى هذه الصلة.

    _____________

    * زوجة بورخيس.

    *

    ترجمة: عدنان المبارك

  • خورخي لويس بورخيس – الوداع

    خورخي لويس بورخيس – الوداع

    بيني وبين حبي تقف

    ثلاثمائة ليلة كثلاثمائة جدار

    وسيكون البحر كسحر بيننا

    لن يكون لي إلا ذكريات.

    يا مساءات بجهدٍ مستحقة،

    أن أنظر إليك، أمل الليالي،

    حقل دروبي، سماءٌ

    أستعيدها وأفقدها…

    نهائيٌ كرخامٍ

    غيابك سيحزن مساءات أخرى.

    *

    ترجمة : أنطوان جوكي

  • خورخي لويس بورخيس – تطريق

    خورخي لويس بورخيس – تطريق

    كضرير بأيدٍ ممهّدة

    تفتح الجدران، تشاهد السماوات،

    ببطء مضطرب وخائف أسير متلمساً

    في شقوق الليل

    قصائد المستقبل.

    عليّ حرق ظل مكروه

    بشعلتها الصافية.

    على ظهر الزمن المجلود

    سأولد كلمات أرجوانية.

    سأحصر بكاء المساءات

    في جوهر القصيدة الصلب.

    لا يهمني أن ترحل النفس

    عارية فارغة كالريح

    لو أن عالم قبلة مجيدة

    ما يزال يفهم حياتي.

    تتحول الليلة إلى حقل حراثة

    لزرع بيوت شعر فيها.

    *

    ترجمة : أنطوان جوكي

  • خورخي لويس بورخيس – سبت

    خورخي لويس بورخيس – سبت

    لا حب فيك

    لكن جمالك

    يسدّ الزمن بأعجوبته.

    السعادة فيك

    كما الربيع في الورقة الجديدة.

    لستُ شيئاً تقريباً،

    فقط تلك الرغبة

    التي تضيع في المساء.

    اللذة تكمن فيك

    ككُمون القسوة في السيوف.

    *

    ترجمة : أنطوان جوكي

  • خورخي لويس بورخيس – العودة

    خورخي لويس بورخيس – العودة

    في نهاية سنوات المنفى

    أعود إلى دار طفولتي

    وأشعر بأني ما زلتُ في بلد غريب.

    لمست يداي الشجر

    كملامسة شخص نائم

    وكررتُ دروباً قديمة

    كما لو أني أستعيد من النسيان بيتاً من الشعر

    وحين انتشر الظل

    رأيتُ القمر الجديد النحيل

    يأوي الى أحضان

    نخلة ذات أوراق عالية،

    كما يأوي الطير إلى عشه.

    .

    أي حشد سماوات

    عليه معانقة الدار بين جدرانها،

    كم من غروبٍ بطولي

    سيناضل في عمق الشارع،

    كم من قمر جديد هش

    سيلقي بحنانه في الحديقة

    قبل أن تعرفني الدار من جديد

    وتصبح مألوفة!

    ليلة مار يوحنا

    روعة الغروب الشديدة

    عند حد السيف حطّمت المسافات.

    رقيقة هي الليلة كباقة صفصاف.

    نيران الفرح المباغتة

    تزفر في حمرتها، خشب أضحية

    ينزف حتى الموت في لهبه العالي،

    راية حيّة، كياسة عمياء.

    الظل ساكن كنظرة نحو البعيد؛

    اليوم يتذكر الشارع

    ماضيه الريفي.

    طوال الليلة المقدسة تُسبِّح الوحدة

    نجومها المتناثرة.

    *

    ترجمة : أنطوان جوكي

  • خوسيه أوغوستين غويتيسولو – هكذا

    خوسيه أوغوستين غويتيسولو – هكذا

    هكذا

    مرّاتٍ أجيء

    مستعجلاً، أعانق

    ركبتيكِ، ألامس

    شعركِ. آه يا إلهي، كثيرةٌ

    هي الأشياء التي أودّ

    قولها لكِ!

    سوف أشتري لكِ منديلاً،

    سأكون رجلاً صالحاً، سنذهب

    في رحلة… لا أعرف،

    لا أعرف ما يحدث لي.

    .

    أريد أن أموت هكذا،

    هكذا بين ذراعيكِ.

    *

    (عن لغتها الأصلية: الاسبانية

    ترجمة: جمانة حداد

  • خوسيه أوغوستين غويتيسولو – سيرة ذاتية

    خوسيه أوغوستين غويتيسولو – سيرة ذاتية

    “كُنْتُ مُنْذُ شَبَابِي تَعِساً حَزِيناً

    دَائِماً مُمْتِلِئٌ رُعْباً، مُمْتَلِئٌ حُزْنا” – مزمور88 –

    *

    حِيـنَ كُنْـتُ صَغِيـراً

    كُنِـتُ دَوْمـاً حَزِينـاً

    وَكَـانَ أَبِـي يَقُـولُ لِـي

    نَاظِـراً إِلَـيَّ وَمُحَرِّكـاً رَأْسَـه:

    يَا طِفْلِـي،

    أَنْـتَ لاَ تَصْلُـحُ لِشَـيْءٍ.

    ثُـمَّ الْتَحَقْـتُ بِالْمَدْرَسَـة

    حَامِـلاً الْخُبْـزَ وَتَحِيَّـاتِ الْوَدَاع،

    لَكِـن كَـانَ الْحُـزْنُ يَرَافِقُنِـي.

    نَعَـقَ الأُسْتَـاذ:

    أَيُّهَـا الطِّفْـلُ الصَّغِيـر

    أَنْـتَ لاَ تَصْلُـحُ لِشَـيْءٍ.

    جـَاءَتْ، بَعْـدَ ذَلِـكَ، الْحَـرْب،

    رَأَيْـتُ الْمَـوْت،

    وَحِيـنَ انْتَهَـتْ

    وَنَسِيَهَـا الْجَمِيـع

    وَأَنَـا مَـا زِلْـتُ أَسْمَـعُ حَزِينـاً:

    أَنْـتَ لاَ تَصْلُـحُ لِشَـيْءٍ.

    وحيـن ألبسونـي السراويـل الطويلـة

    غيـر الحـزن، حينـاً،

    سراويلـه.

    فقـال أصدقائـي:

    أَنْـتَ لاَ تَصْلُـحُ لِشَـيْءٍ.

    فِـي الشَّـارِعِ، فِـي قَاعَـاتِ الْمُحَاضَـرَات،

    كَارِهـاً، مُتَعَلِّمـاً

    الظُّلْـم وَقَوَانِينَـه،

    وَتَرَاتِيـلُ الْحُـزْنِ

    دَوْمـاً تُطَارِدُنِـي:

    أَنْـتَ لاَ تَصْلُـحُ لِشَـيْءٍ.

    مِـنْ حُـزْنٍ لِحُـزْنٍ

    سَقَطْـتُ مِـنْ سَلاَلِـمَ الْحَيَـاة،

    وَالْفَتَـاةُ التِـي أَحْبَبْـت

    قَالَـتْ لِـي يَوْمـاً

    وَكَانَـتْ مَرِحَـة:

    أَنْـتَ لاَ تَصْلُـحُ لِشَـيْءٍ.

    نَعِيـشُ الآنَ مَعـاً،

    أَخْـرُجُ نَظِيفـاً وَمُتَأَنِّقـاً.

    لَنَـا طِفْلَـةٌ أَحْيَانـاً أَقُـولُ لَهَـا

    وبمـرح:

    أَنْـتِ لاَ تَصْلُحِيـنَ لِشَـيْءٍ.

    *

    ترجمها عن الإسبانية: عبـد السلام مصباح – المغرب

    **

  • خوسيه أنخيل بالينطي – قوس نصر

    رماد وماذا يكون غبارك

    كدِّر لذة الحياة

    فنحن نكسر الشكوى

    إذ نحني أعناقنا

    الآن فضلة هي الصداقة

    والزمان الذي غدا مرا

    *

    ترجمة: خالد الريسوني

  • خوسيه أنخيل بالينطي – غياب

    هذا الحلم الذي انتهيت من رؤيته

    والذي في حافته الدقيقة صرت لامرئيا،

    يتاخم العدم .

    ** **

    صارت العزلة آهلة بأشباح من ورق وقش ،

    بصور لا أحد،

    بصفائح معدنية،

    بصفحات عارية حيث لا شيء قد كُتِبَ.

    يدمر البرد الذاكرة وبعدها نبدأ لا وجودنا،

    البرد الذي ينحدر

    من الجهة الأكثر شؤما من الليل

    حيث يبدأ التلاشي ولا نستطيع

    تذكر حتى من أحببناه .

    أسأل: أين أنت؟

    لكن أنا نفسي لست أدري

    .

    من يستطيع أن يجيب.

    أطرق كل الأبواب.

    الباب الوحيدة التي تنفتح

    هي الوحيدة التي لا تعرف الصفح.

    *

    ترجمة: خالد الريسوني

  • خوسيه أنخيل بالينطي – ستغدو رماداً

    أعبر الفلاة ووحشتها

    السرية اللاتسمى.

    يحمل

    القلب يبس الحجر

    والانفجارات الليلية

    لهيولاه ولعدمه.

    مع ذلك ثمة ضوء ناء،

    وأعلم أني لست وحيدا

    وإن بعد هذا وذاك لن يوجد

    تفكير وحيد

    قادر على مواجهة الموت،

    فلست وحيدا.

    ألامس في الأخير

    هذه اليد التي تقاسمني الحياة

    وفيها أثبت ذاتي

    وأتحسس كم أحب،

    أرفعها نحو السماء

    وإن كانت رمادا أعلنها: رماد.

    وإن كانت رمادا فلكَم أملك حتى الآن،

    لكم مدت لي في صيغة أمل

    ** ** ** ** ** **

    لربما كان يجب علينا

    أن نعيد في أناة كتابة

    حيواتنا

    أن نجري عليها تحويرات

    في الامتداد والتأريخ،

    أن نمحو عن وجوهنا كل خبر

    عن ذواتنا

    في الألبوم الأمومي.

    كان يجب علينا أن نترك

    شهودا مزيفين

    ظلالا مموهة

    آثارا مهشمة

    شهادات تعميد غير محررة

    أو في كل ذاكرة

    نافذة مشرعة،

    إطارا فارغا، خلفية

    بيضاء لامحالة لأجل اللعبة اللامتناهية

    لكشاف الظلال

    لا شيء.

    الممكن، لاشيء.

    **

    دع كلماتك تهرب

    حررها منك

    واعبر في أناة

    بلا ذاكرة وأعمى،

    تحت القوس المذهب

    الذي يمده الخريف الفسيح في الأعلى

    احتفاء بالظلال بعد الموت

    *

    ترجمة: خالد الريسوني

  • خوسيه ريزال – وداعي الأخير

    وداعاً، يا وطني المعبودَ، يا بقعةً تحبّها الشمس،

    يا دُرّة بحرِ الشرق، وفردوسَنا المفقود،

    يُفرحني أن أهبَك روحي الذاوية؛

    حتى وإنْ كانتْ أشدَّ ألقاً وطراوةً وازدهاراً

    لوهبتُكها، لوهبتُها من أجل خيرك.

    بعضُهم يهبُك حياتَه من غيرِ تفكيرٍ بلا ريب،

    وهو يُقاتلُ في ساحاتِ الوغى بجنون؛

    لا يهمُّ المكان، فالسروةُ، والغارُ أو الزنبق،

    السجنُ أو الحقلُ المفتوحُ، المعركةُ أو العذابُ الشديد

    كلُّها سواء إذا طلبها الوطنُ والبلد.

    سأموتُ متى اصطبغتِ السماءُ بالحُمرة

    وطلعَ النهارُ أخيراً بعد الظلام؛

    فإذا احتجْتَ إلى قرمزٍ لتصبغَ فجرَك،

    فاهرقْ دمي، واسكبْه في ساعةٍ طيّبة

    وليُذهِّبْه شعاعٌ منعكسٌ من ضوئِه الوليد.

    أحلامي مُذْ كنتُ فتى يافعاً تقريباً،

    أحلامي مُذ كنت شاباً مُلِئ قوةً

    كانتْ في أن أراكَ درّة بحرِ الشرق

    وقد جفّ الدمعُ من عينيك السوداوين، وجبينك الصقيل مرفوع

    من غير تقطيب ولا غضونٍ، ولا علائمَ خجل.

    يا حُلمَ حياتي، يا أملي القديمَ اللاهب،

    سلاماً! بذا تهتفُ لك روحي التي سترحل قريباً؛

    سلاماً! آه، ما أجملَ السقوطَ كيما تطير؛

    ما أجملَ الموتَ لتُمنَحَ حياةً، وما أحلى الموتَ تحت سمائك

    والرقدةَ الأبديّةَ في أرضِك الساحرة.

    فإذا رأيتَ ذاتَ يومٍ زهرةً متواضعةً

    نابتةً فوقَ قبري بين العشبِ البسيط،

    فقرّبْها من شفتيك، وقبّلْ روحي فيها.

    فأحسّ في جبهتي تحت القبرِ الباردِ

    بنفْحةِ حنانِك، وبدفْءِ نَفَسِك.

    دعِ القمرَ يَرَني بسنا هادئٍ حلو،

    دعِ الفجرَ يرسلْ وهجَه العارض،

    دعِ الريحَ تئِن بغمغمةٍ رصينة؛

    وإذا ما هبطَ عصفورٌ وحطَّ على صليبِ قبري

    فدعِ العصفورَ يعزفْ لحنَه، لحنَ السلام.

    دعِ الشمسَ الحارقةَ تقشعِ المطر

    والسماءَ تصْفُ، فتصفوَ صيحةُ احتجاجي إثرها؛

    دع صديقاً لي يبكِ نهايتي المبكّرةَ؛

    وإذا ما صلّى أحدٌ من أجلي في الأماسي الصاحية

    فصلِّ يا وطني للهِ من أجل راحةِ نفسي.

    صلِّ من أجلِ كلّ الذين ماتوا غيرَ سعداء:

    من أجل كلّ الذين عانَوا عذاباتٍ لا مثيلَ لها،

    صلِّ من أجلِ أمّهاتِنا البائساتِ اللاتي يتأوّهن مرارةً؛

    من أجل الأيتامِ والأراملِ، ومن أجلِ الأسرى المُعذّبين،

    صلِّ من أجل نفسِك بأن ترى خلاصَك الأخير.

    وإذا ما تلفّعتِ المقبرةُ في الليلِ البهيم

    وظلَّ الأمواتُ وحدَهم ساهرين فيها،

    فلا تعكّرْ صفوَ راحتِهم، ولا صفاءَ السر.

    فإذا ما سمعتَ ألحانَ قيثارةٍ أو سالتيريو

    فسوف أكون، أنا يا وطني الحبيبَ، من يُغنّيك…

    وإذا ما نَسيْتُم جميعاً قبري

    وضاعَ كلُّ صليبٍ أو حجرٍ يشيرُ إلى مكانِه،

    فدعِ الإنسانَ يحرثْه ويبعثرْه بالمِعزقة

    وسوف يكون رفاتي قبل أن يصيرَ هباءً

    ذلك الغبارَ الذي يكسو بساطك.

    لا أبالي، حينئذٍ بأنْ تنساني

    فلسوفَ أعبرُ جوَّك وفضاءَك ووديانَك،

    سأكونُ نغمةً مرتعشة، نقيّة في مسمعك،

    سأكونُ عِطراً، نوراً، ألواناً، وحفيفاً، غناءً،

    أنّة دائمةً تردّدُ جوهر إيماني

    اسمعْ يا وطني المعبودَ، يا ألمَ آلامي

    اسمعْ يا وطني الحبيبَ وداعي الأخيرَ.

    أُودِعُكَ هنا كلَّ شيءٍ، أودِعُك آبائي وحُبّي

    فأنا راحلٌ إلى حيثُ لا عبيدَ ولا جلاّدين ولا طُغاةَ،

    إلى حيثُ الإيمانُ لا يَقْتُلُ، إلى حيثُ مملكةُ الله.

    وداعاً يا أبويّ وإخوتي، يا قِطعاً من روحي،

    يا أصدقاءَ الطفولةِ في الوطنِ المفقود؛

    قدِّموا الشكر بأنِ استرحتُ من العناءِ اليوميّ؛

    وداعاً يا صديقتي الأجنبيّةَ الحلوةَ، يا فرحي.

    وداعاً يا كائناتٍ حبيبةً. فالموت راحة.

    *

    ت. علي إبراهيم الأشقر

  • خوسيه مارتي – أزرع وردة بيضاء

    أزرع وردة بيضاء

    في يوليو كما في يناير

    للصديق المخلص

    الذي يمد يده لي بصدق.

    وللقاسي الذي يمزّق

    القلب الذي أحيا به،

    لم أزرع كراهيةً ولا أشواكا:

    زرعت وردة بيضاء.

    *

    ترجمة: أحمد يحيى

    ترجمها للإنجليزية: مارك وايز

  • خورخي جيتان دوران – لن يهزمني الموت

    خورخي جيتان دوران – لن يهزمني الموت

    لن يستطيع الموت هزيمتي.

    صارعتُ وعشتٌ.

    جسدا قلقا ضدّ روح،

    من أجل رحلة اليوم البيضاء.

    .

    في خراب “تروي” كتبت:

    “ كلّ شيء إما موت أو حبّ ”

    ومنذ ذلك الحين لم أسترح.

    قلت في روما:

    “ ليس هناك آلهة، فقط زمن ”

    ومنذ ذلك الحين لا خلاص لي.

    أسكتّني في إسبانيا،

    لأن صوت الغضب تحدّى

    النسيان بأعماقي،

    بمزاجي،

    بدمّي؛

    ومنذ ذلك الحين

    لم تتوقّف النار.

    ربما تصبح الأرض الغريبة

    مكان استراحة للبطل.

    ربما يغني العشب الطازج

    مثل نحلة الغبار

    على جفونه.

    أنا لا أستسلم:

    أريد أن أعيش معركة كلّ يوم،

    كما لو كان اليوم الأخير.

    .

    قلبي يصارع البحر.

    *

    ترجمها للإنجليزية: راؤول حاي

    ترجمها عن الإنجليزية: أحمد يحيى

  • خوان رامون خيمينيث – الشاعر الشجرة

    خوان رامون خيمينيث – الشاعر الشجرة

    أيها الشاعر المنتهي

    يا شجرة مغروسة بك، وبك وحدك تنبت

    بمشيئتك المديدة وأرادتك الحرة!

    يا البهاء ما تستطيع أن تهدي الي ذاتك

    أيها الشعر

    من أغصان وأوراق وزهور وثمار،

    كيف تقدر أن تؤلف

    مع الطائر والريح والمطر والسحابة

    والبحيرة والصخرة

    كمال التناغم

    ومنتهي جمال المغامرة الأخيرة والأولي.

    منك البداية والنهاية

    بالرمزية روحك الخالدة في الحياة

    في لحظة قصوى من وعيك بالجمال الأسمى

    وأنت في ربيعك الغارب.

    وعلي الأرض حب من جذورك

    وتحت السماء عناق من غصونك!.

    *

    ترجمة: محمد الميموني

  • خوان رامون خيمينيث – الجبين المتأمل

    خوان رامون خيمينيث – الجبين المتأمل

    من يدري ما الوجه الآخر للوقت

    كم مرة كان الفجر خلف الجبل

    وكم للأفق الفوار الجليل

    من ذهب في أحشاء الصواعق

    تلك الوردة كانت صيفا

    وكم وهَب ذلك السيف من حياة.

    حسبت أعلي الطريق مرج زهور

    فكان مستنقعا،

    حلمت بمجد الإنساني

    فصادفت مجد الألوهية في أعماقي

    (La frente pensativa 1912-1911)

    *

    ترجمة: محمد الميموني

  • خوان رامون خيمينيث – أنا لستُ أنا

    خوان رامون خيمينيث – أنا لستُ أنا

    أنا هذا السائر بجانبي الذي لا أراه،

    الذي أكاد أحياناً أزوره

    وفي أحيانٍ أخرى أكاد أنساه.

    هذا الذي يبقى صامتاً عندما أتكلم.

    هذا الذي يسامحُ عندما أحقد،

    هذا الذي يتنزه عندما أكون داخل البيت،

    هذا الذي سيبقى واقفاً عندما أموت.

    *

    ترجمة عبدالقادر الجنابي

  • خوان خيلمان – حالة حصار

    خوان خيلمان – حالة حصار

    خوان جلمانأوامر، أحذية، قضبان

    في الخارج الصباح في ديمومته

    في الداخل الحب الكبير

    ما يزال يتحرك، يفز واقفا

    الأمل طفل غير شرعي، بريء

    يوزع المنشورات، يدوس على الظل.

    *

    ترجمة: يعقوب المحرقي

    من ” الغامض المتفتح “