في الليلة الهادئة المعتمة
منفلتا من كل حضور، حضور بشري أو حيواني
مجتنبا الضجيج، سارقا بخفة
نار الكلام و كلام النار
له، للجميع، للحب الذي لن يعرفه بتاتا
والرماد البارد يعاقب يديه.
*
ترجمة: يعقوب المحرقي
من ” الغامض المتفتح “

في الليلة الهادئة المعتمة
منفلتا من كل حضور، حضور بشري أو حيواني
مجتنبا الضجيج، سارقا بخفة
نار الكلام و كلام النار
له، للجميع، للحب الذي لن يعرفه بتاتا
والرماد البارد يعاقب يديه.
*
ترجمة: يعقوب المحرقي
من ” الغامض المتفتح “

مليئة بالإشارات وبالشجر
تعبر الليل كالنار أو كالنهر
تتسلق الصمت والذاكرة
لا تنتهي كالحدث
خلقها، سيرتها، أنا يقينها.
*
ترجمة: يعقوب المحرقي
من ” الغامض المتفتح “

كل الانهيارات، الآلام، النسيان
الظل، الجسد، الذاكرة
السياسة، النار، شمس العصافير
الأقلام الأشد عنفا، الكواكب
التوبة قرب البحر
الوجوه، الهيجان، الحنان
أحيانا بالكاد ما يطل بصيصها
تنسى، تحرق، تهزأ، تلتمع
تسيس، تشمس، تبكي، تتوب وتلوذ بذاكرتها الأمواج
تنظر إلى وجوهها، تتموج، تفيض حنانا
تبحث عن ذاتها، تقوم حين تسقط
تموت كسائل و تولد كسائل
تتصادم، هي سبب للغموض
تتململ، يسيل لعابها، تأكل ذاتها، تتشرب
تمطر في داخلها وعلى النوافذ
ترى ذلها آتيا يجري بين أذرعهم
تنتهي بالارتماء في الكلام كالأموات
أو كالأحياء وهم يتحولون، تطرف أعينهم
إصرار في الصوت، مأخوذون بالصوت
يجولون العالم، إنسانيا لا ينتمون إلى أي كوكب، إلى البحار
كما التائبون، كالنسيان
جحيم آلام أو سياسات
ظل عتمة الجسد، عصافير هذا الوجه
الانهيار والذاكرة المتموجة.
*
ترجمة: يعقوب المحرقي
من كتاب ” رقة لا تَصدق ” مختارات شعرية.

غالبا ما يحدث ويعبث نسر كاسر بأحشائي، دون ان يلتهما، غالبا ما يحبها أو يمزقها، يمنح النهار لوجوهي النهائية. أنظُر إليها… يقول لي: أنظُر ما تأكل أيها الحيوان.. يقول لي النسر الجميل.
*
ترجمة: يعقوب المحرقي
من كتاب ” رقة لا تَصدق ” مختارات شعرية.

أتقاسم وحيوان غامض المنزل
ما أفعله نهاراً يأكله ليلاً
ما أفعله ليلاً يأكله نهاراً
شيء وحيد ينأى عن أكله: ذاكرتي
بإصرار يجس أدنى هفواتي ومخاوفي
لا أدعه ينام،
أنا حيوانه الغامض.
*
ترجمة: يعقوب المحرقي
من كتاب ” رقة لا تَصدق ” مختارات شعرية.

أيبدأ ؟ يا له من خبر.
أما تزال الشيخوخة في انتظاره ؟
يا لها من بارقة، حب ـ ذاكرة ذاته ـ ينحني
طوعا على ذاته
ناهشا منها
آه. لعجوز سيمتص عنقه ؟ آه.. الطاعون
زار بلادي
هاجم أعضاءها
غريب كالريح
*
ترجمة: يعقوب المحرقي
من كتاب ” رقة لا تَصدق ” مختارات شعرية.

هل غادر عبر الريح
أم هو من حيل الحنجور الأخضر ؟
أغادر ايزيدور دوكاس دو لوتريامون *
عبر الريح أم كان:
من حيل الحنجور الأخضر
ايزيدور الحب الآخر
آكل الوجوه العفنة
الكآبات واليأس
الآلام البيضاء والغضب الحزين
مستنفرا شجاعته
مستبدلا البؤس
بوميض أو آخر
***
الأمريكي الجنوبي الرائع
بطحالب في فمه
من أين يجيء بهذا الألق ؟
وجدها في الوجوه العفنة
حزن، كآبات
آلام بيضاء وغضب حزين
تمس قلبه
تعفنه ـ كما يقال ـ
تسلمه لليأس والحزن
رأيناه كطائر صغير
في زاوية ” كانيلون و بول ميش “
يسرح الحزن
كخطيبة نقية
تخبىء الاغتصابات
التي داهمت الحي
***
” آه.. أيتها الخطيبة الرقيقة ” يخاطبها
مستندة على ذراعيه
المفتوحتين، وكبحر يخرج
من نظراته، فمه
قبضتيه وعنقه
” لنر.. كيف تموتين يا جميلتي “
يخاطبها
حين يحبها ـ في باريس ـ يجردها من سلاحها
كعيد ونار
بالأمس ما تني تدوي
في غرفة بحي ” بواسونيير “
تنضح بالعرق الأمريكي
***
أيا.. دوكاس لوتريامون
أيها المونتي فيدي ايا… ايا
أو فيد اوو مونت… لموتك
كما لكرة ذهبية
سعيرا مستلا
الحزن ضُرب عنقه
الغضب خبى
ذهب عبر الريح ـ هذه المرة فقط ـ
حيث مات ايزيدور دوكاس
أو كمطر حب آخر
بلل “نوتر دام “
الكومونة المسلحة والحبيبة
بالجمال الطالع
من حنجوره الأخضر العفن
***
في السابع والستين وتسعمائة بعد الألف
في وادي الببغاوات الصغير
سمعنا طيرانه الوشيك
أو كما بدى يدوي
مواجها الغابة المثقوبة،
كآبات البلاد،
الأحزان المهولة،
وكان من سقط الآخر
لهذه المرة فقط
حيث كان دوكاس مستريحا
في مخيم الظلال.
.
لقد كانت أوروبا مهدا للرأسمالية. وغذي الطفل في المهد بالذهب والفضة من البيرو، المكسيك وبوليفيا. كان على الملايين من الأمريكان ان يموتوا ليسمن الطفل، الذي شب قويا، طوّر اللغات، الفنون، العلوم، أساليب الحب والحياة، وأبعادا أخرى لكينونة الإنسان.
من قال بان لا رائحة للثقافة ؟
.
تجولت في باريس و روما.. ما أبدعها من مدن. في شارع كورسو على البولمش فجأة اصطدت سمكة لقبيلة التينوس تمزقها كلاب اندلسية….
انك لا تشم أوروبا القديمة.
.
تشم الإنسانية ونظيرها، تلك القاتلة والأخرى القتيلة.
مضت قرون، وجمال ضحية الغزو ما يزال يتفسخ عفونة تحت عينيك.
*
ترجمة: يعقوب المحرقي
من كتاب ” رقة لا تَصدق ” مختارات شعرية.

المطر يذيب المساء، وثمة
تفكير يتشبث بالقطرات
تحتمت عليه الموافقة.
الزيّ التنكري يحدّق
في الخيول التي تدوس الليل بسنابكها
لكي يأتي خبز آمن،
بدون ازدراء.
جسدك من خيوط تحفر فراغاً هائلاً
في عينيّ.
إنه رفيق تأخري في الرحيل.
لقد قلت لأني لم أقل.
في الخارج ابني لن يعود.
أين أضحى نجم سُهيلك
المكرّر القراءة كالدرس.
ثمة مشاهد غير آمنة
تسقط من الشفة المعضوضة الهيكل
غير المكتمل لضربة صمت.
*
ترجمة: عصام الخشن ولاوتارو أورتيز
من ديوان “كان سوف يكون!!”

الحزن هو حدث.
ابتلاع الحزن هو فعل.
وبين الحدث والفعل يمر
قمر طفولي وكتاب أبيض ،
زينوا فيه كلمة الألم بمساحيق
التجميل.
وهي تبدو الآن كثمرة،
وكصُدفَة، وكجزيرة وحيدة
على الأرض.
وفي القاع يمكن رؤية هلع
طيور غامضة تقتل
نسيان الندامة.
لا تهاجر إلى ما هو أبعد
من مولد الهذيان.
ثمة أحد يتكلم في نسختي
وارتعاش مُطارد يصدر الضجيج.
*
ترجمة: عصام الخشن ولاوتارو أورتيز
من ديوان “كان سوف يكون!!”

قطّ بخسٌ، قذرٌ، وحيدٌ
في الشارع يشتمّ رائحة رسالة
انتشلها أحد ما من دمه .
ينظر
كلمات ملقية، يشتمّها
مثلما يتوجب شمّ الكلمات.
مثله الذي يراها عن قريب بعيدة.
الرسالة الملقية موجودة هنا،
لعقها الليل
القط يحدّق فيها، ويتحسسها.
وما من أحد آخر.
*
ترجمة: عصام الخشن ولاوتارو أورتيز
من ديوان “كان سوف يكون!!”

الذكريات القديمة التي تُصنع اليوم
تعرّي الماضي، وثمة ورود
للا النفي التي تخلف وراءها
ترهات اللغة التي تحلم.
الفعل الذي كان يحطمك
عقيدة قناع بشري عبثي؟
هذا شديد الوطأة
بثقل الصعوبة التي تسقط
على قُصّ الصدر، بستان النخيل، العمياء.
الورود تحكي عن أفعال الجُدجُد
عندما يكون ظلك هو الورق.
*
ترجمة: عصام الخشن ولاوتارو أورتيز
من ديوان “كان سوف يكون!!”

مهداة إلى الشاعر خورخي بوكانيرا
*
على فراش من أحجار ينام
سلب الأحلام، اللسان المقطّع إرباً
لذكرى القبّرة الجميلة.
وكانت الجموع التي تلتهم المرتفعات
والوجود الذي يقاوم الاتساخ
ونور الحظ الغاضب
يسألون: ما هي القبرة؟ كل
شئ يصبح اسمه حباً عندما يسمونه كذلك
ثمن الوردة التي تثلّم الدماغ بسكتها
مخترقة تعاسات لا تحصى، تحت
وفوق، ومقابل، وحول.
*
ترجمة: عصام الخشن ولاوتارو أورتيز
من ديوان “كان سوف يكون!!”

هكذا هي الحال.. إنهم يسلبون الحياة
ساعة الترجّل ، رقصة الخريف
كلمات أطفال
مثلك
لا أحد يهيئ كفن
الورود التي لن يروها.
للصمت صرير في الصباح المحاصر
أغمض العينين وأرى
الآخر الذي لن نحظى به.
أيتها السويقة الخضراء
غوصي في نارك.
*
ترجمة: عصام الخشن ولاوتارو أورتيز
من ديوان “كان سوف يكون!!”

(1)
/ سيئتجافة شفتي/ أقصد: ارتجافة قبلاتي تمتد في ماضيك معي، في خمرك/ فاتحا باب الوقت/ حلمك يسقط من المطر النائم/ أعطني مطرك/ أتوقف/ ثابتا في مطرك الحلمي/ بعيدا في التفكير/ بلا خوف/ بلا نسيان/ في منزل الزمن يوجد الماضي/ تحت قدمك/ التي ترقص/
(2)
أين مفتاح قلبك؟/ سيئ هو العصفور الذي يمّر/ لي، لم يسر بأي شيء/ تركني مرتجفا/ أين قلبك الآن؟ / ماذا الهلع ترقص/ لم يعد لديّ سوى عينين جائعتين وجرّة بلا مياه/ تحت النشيد هناك الصوت/ تحت الصوت هناك الورقة التي تركتها الشجرة تسقط من فمي/
(3)
الصباح يجعل العصافير تلمع/ مفتوح / شاب / نشربه معا مع هلع التفكير / حب هادئ:
لتدفئ الماضي/ قل قبل وستستيقظ القبلات/ سنسقط قرب الشمس / أذكر تنانيرك الحمراء / ورودك الحمراء / قبلاتك الحمراء / قلبك الأبيض /
(4)
انحني / ان أردت/ انظري / ان أردت / العصفور الذي يطير في صوتي / رقيق جدا / عبر العصفور يمر درب يقود إلى عينيك / انتظري يدك / ثمة عشب هنا حيث لم تعودي/ كل شيء ينام / العصفور / الصوت / الدرب / العشب الذي أتى غدا /
(5)
كم عيناك جميلتان / وأجمل منهما نظرتيهما / وأجمل من ذلك مرآهما حين تنظرين إلى البعيد / في الجو أبحث عن:
مصباح دمك/ دم ظلك / ظلك على قلبي /
(6)
أوراق حمراء وخضراء / أوراق جافة / أوراق ندية / تسقط من صوتك / نائمة / تنام تحت الشمس / تحتك / أنظري كم انها تنتظر ان يطفئها الرعب / تسمع الشمس سقوط أوراقك / التي ترتجف في الليل الذي يشعل الغابة /
(7)
الحر الذي يدمر التفكير يدمر نفسه وهو يفكر / يرتجف النور في قبلاتك / و يوقف الدرب / يوقف الزمن / بعيدا / افتحي القبلات / اتركي عشبا في القلب المحروق / استيقظ المطر من عصفور ينتظر البحر في البحر /
(8)
في الصباح المفتوح ببطء تمر عبر عينيك البهائم التي أحرقتك داخل الحلم / ما من مرة قالت شيئا / تترك عندي رمادا / تتركني وحيدا مع الشمس /
(9)
قدمك تسير ليلا / خفيفة/ تفتح المطر / تفتح النهار / لا يعرف الموت عنك شيئا / عشب أسفل قدمك وظل يكتب البحر /
(10)
تقولين كلمات مع الشجر / لها أوراق تغني وعصافير تكدس الشمس / صمتك يوقظ صرخات العالم /
(11)
ذاهبا من ناحيتك أكتشف العالم الجديد من جهتك / جزرك مثل مصابيح قاتمة/ تجيء/ وتأتي / في الزمن / في صوتك يسقط البحر متوجعا مني /
(12)
ما أعطيتني إياه كلمة ترتجف في يد الزمن المفتوحة كي تشرب / يسكت المنزل حيث قبلنا بعضنا داخل الشمس /
(13)
أنت كلمتي الوحيدة لا أعرف اسمك /
(14)
ما تقولينه يسقطه عصفور لأكون عشا / يسقط العصفور داخلي / أنظري ما يفعله بي /
(15)
صوتك قاتم بالقبلات التي لم نتبادلها / بالقبلات التي لم تبادليني إياها / الليل غبار هذا المنفى / قبلاتك تعلّق أقمارا تجمد دربي / وأرتجف تحت الشمس /
(16)
حين أموت سأستمر بسماع ارتجافة فستانك في الريح / أحدهم قرأ هذه الأبيات سأل: (كيف ذلك؟ / أيستسمع؟ أي ارتجافة؟ / أي فستان؟ / أي ريح؟) قلت له أن يصمت / أن يجلس إلى طاولتي / أن يشرب نبيذي / أن يكتب هذه الأبيات: حين أموت سأستمر بسماع ارتجافة فستانك في الريح /)
(17)
هواء شخصين منفصلين / هواء قبلات لم نتبادلها / يطوي قمح بطنك / هذه الزنابق البيضاء والشمس / تعالي / أو لن أرغب في أن أولد / احملي مياهك المضيئة / وستزهر الأغصان / انظري إلى هذا: أنا طفل محطم / أرتجف في الليل الذي يسقط مني /
(18)
كل من ينادي الأرض هو وقت / هو انتظار منك /
(19)
يا حبي الناعم لا ترحلي عن هنا / عن حبة رملي / عن هذه الدقيقة / عندما نكون معا تسقط النار على حطام الشمس
(20)
ليس عندك باب / مفتاح / ليس عندك قفل / تسرقين الليل / تسرقين النهار / تخترع المحبوبة من يحبها / مثلك / مفتاح / يرتجف في باب الزمن /
(21)
سمعت صوتك في نافذتي / لا تفضي نافذتي على صوتك / بالكاد تطل على العالم / كيف جاء صوتك؟ / متحدانليء بالثلج يأكل قمحا في همهمة الشمس /
(22)
في الليل يوقف بطنك كواكب / يتنفس مثل الأرض / بطنك أرض / في قمح بطنك تطير عصافير تغني في الآتي /
(23)
في طهارتك يخرج من العالم عالم / هذه السعادة عمياء / تهرسني كثور /
(24)
أن أحبك يعني: كلمة لم تقل بعد / شجرة بلا أوراق تعطي ظلالا /
(25)
مطرك يسقط قطع زمن / قطعا من اللانهائي/قطعا منّا/لهذا السبب نحن بدون منزل بدون ذاكرة؟/
(26)
الرغبة تفكير؟ كأجساد في الشمس؟ (/ أنارغبة حيوان ترتدي النار / لها ساقان طويلتان تصلان إلى النسيان / الآن أظن أن عصفورا صغيرا في صوتك يجر البيت من الخريف /
(27
ناظرا إلى شجرة التفاح رأيت حبي / كبر لا تسألوا لماذا / لا تقولوا شيئا/ شجرة التفاح مثل كواكب تشتعل /
(28)
ما هو اسمك؟/ أنا أعمى جالس في فناء رغبتي / أتسول الوقت / أضحك من الحزن أبكي من الفرح أي كلمة ستلفظينها؟/ أي اسم سيسميك؟ /
(29)
لم تمت عصافير
قبلاتنا /
ماتت القبل /
تطير العصافير في النسيان الأخضر /
سأضع خوفي بعيدا /
تحت الماضي /
الذي يحرق
والذي يصمت كالشمس /
*
ترجمة: اسكندر حبش
أقيمت المأدبة ْ
لم أتحدث ْ ساعة ً أو ساعتينْ
وبعد حينْ
التفتوا إليّ ناظرينْ
الحاذقونَ
الضاحكون في حديثٍ غزليٍّ
المهذبونْ
الفوضويون الذينَ
فاضَ فيهمُ الحنينْ
وبعدها
توقفوا عن الحديثْ
.
هم يجهلون فيمَ تفكيري
ولم أكنْ مفكراً في أيِّ شيءٍ
كنت آكل الطعامَ
أحتسي الخمر فحسبْ
شخصٌ بسيطٌ أنا
وليس من قلبين في جوفي
ولا أريد شيئاً
ربما ليس سوى من فرغتْ عقولهمْ
هم الذين يوهمون الناسَ
أن فكرهم بلا حدودْ!
*
ترجمها عن اللغة الصينية مباشرة ً: سيد جودة
-1-
هدوؤنا حلو وأزرق ومتألم في هذه الساعة.
كل شيء بطيء كالثور الماشي على الثلج
كل شيء لين كأعناب الكرمة.
عزلتنا هائلة كالوجود. عميقة كطعم الثمار المفعوسة.
عزلتنا لا تنتهي في التعب.
ليسه خطأ, البطء. وفي نفوسنا لا يسكنوا شهداء المعرفة.
في أحراج التوت البعيدة تعشش عصفورة الزيت التي تولد من النهار. أحياناً أشعر بظمأ أحمر. عزلتها حلوة تماماً كما عزلتنا
بطئها ليس خالياً من الروتين…
-2-
في المصدر كانت الزهور المشتعلة امتدادات المياه
وعناقيد التمر المرة.
بالتأكيد تلك اللحظة كانت الوحيدة المستحقة الذكرى.
وإذا القطيعة تنمو على حافة الرغو لبئر التاريخ. حينما
اللهيب يتلملم تحت القناطر الحجرية, لأي غرض نمضي إلى
قلب الفولاذ الذي للزمان؟
كيف نحصن النفس في يوم معرفة مواهبه تجن؟
أشواك البرية لن تتمكن من خرمشة الكلمة الأولى
وجراح البخار الذي تصاعد من الذعر
وانغمست في عمق التعبير لن تشفي المطر.
فهاهنا تولد للنسيان الرمال المتنقلة.
فهاهنا, في الحامض الجامد لأولى قبلاتها, قبلات الأنثى
التى تألمت بطنها من كثرة الآسى, ترتج العصفورة المتسترة
عن النظر. عصفورة القفر.
ومع ذلك أحداً لم ينزل إلى رحى الطواحين ليشرب المياه المرة
أحداً لم يذكر صرخة البداية.
مع الكلمة الأولى ولِد الفزع. ومع الفزع اشتعلت أوراق
المعرفة والنسيان.
ولكن لا تكفي إنحنائة الهامة كما عبّادة شمس اللذة.
لا يكفي ازدياد جمر الحريق الآخر.
الشريعة الأولى محفورة على رقة الطوب
وهناك شفاء منظم لحالة الإنهاك.
لذا نفس الحالة تكون إذا الطبيعة تهشمت قبل الآوان.
أو أحراج حمراء سدت المعبر من الأطراف.
تأتي لحظة فيها لا يستعمل الشَّك بعد كالنقود.
تأتي لحظة فيها الهدوء الحلو والمثلج يتملص كالقط
من الفوهة الضيقة للفزع.
وإلى أن تاتي تلك الساعة, ساعة الجوز الفارغ والثنايا
تمحى الأدلة المحفورة على الخزف؟
لذا لن تبقى إمكانية للعودة: من المستحيل أن تقطع في
يوم واحد غابات من الأشجار الفارهة.
-3-
لا شيء يتغلب على الإستسلام السميك هذا المساء.
كل شيء هاديء أمامي: اللقالق التي علت إلى جزيرة السكون
والبساتين المزهرة من عبر سكة الحديد الممتدة.
في حمّيات قديمة, قديمة لدرجة حتى الألم لا يستطيع الوصول
إليها, يحتمي الزمان ورتابته تمطر مطراً كبريتياً وأزرقاً أكثر من
النسيان.
كالعشب ينمو بين السيوف , ويتغذى فقط من العزلة. لكن
رغم ذلك كيانه حلو كرغوة الزبدة.
رغم ذلك. لا تنصبوا أمامه علامات إستفهام صفراء
ولا تطالبوا بآلهة من الخِرق في المكان الذي فيه
ماء السخافة فقط.
الكل يعلمون ليس للزمان عظمة أخرى سوى إستسلامه.
-4-
أصْلي من عناصر رعاة فقدوا حريتهم عندما فقدوا قطعانهم
وبراريهم.
لمدة زمن طويلة رعى أبائي قطعانهم في الديار التي يكثر
فيها الصمت والأقحوان.
ولم يكن لهم الاه آخر سوى وجودهم . ولا ذاكرة أخرى
سوى النسيان.
ما زالت ساخنة الحجرة التي شربوا فوقها دم كرومهم
حين هبوط المساء. ولكن ما أبعد ذلك الشيء, إذ ما زلت
أتذكر.
ما أبعد عني ديار منابع الزمن, الوطن الذي ولد فيه الإنسان
وانتهى في نفسه كما زهرة على الماء.
إنهم لم يدركوا عظمة النار, ولا افتقار المحبة
عند شجر يفتقد العصير.
كانت هائلة مخازن فقرهم. كان البطء في جذور لبهم
وفي هدوئهم جمعوا لأجلنا نقوداً خضراء من الأمل.
ولكن لحظة العودة إلى لا شيء وصلت عندما بدأت
الثيران الخانعة بالإنهزام. ومحاصيل عزلة وعشب شقت
مصيداتهم.
الآن يرعى قطيع الريح في ديار النسيان.
وثمة شيء عميق يعزلنا عنهم.
شيء ما عميق جداً ومقفر
كما حفرة مفتوحة وسط القلب.
*
ترجمة : فرج بصلو
منذ زمن طويل جدا
لم أستطع البكاء.
العبرة تخنقني وأنا أشاهد فيلما العبرة تخنقني
فيتورم جسمي كله وتتفتح زهرة خزامى تحت القمر
ثم تتصلب
تويجات جفوني
ويستجمع شيء في داخلي قواه
ولا أبكي.
عندما اصطدمنا بعمود هاتف
صرخ بي أبي لا تبك
كنت مرعوبا وعلى وشك أن اقتل—
ولكن لا تبك
قال أبي.
لم أستطع البكاء لأن الرجال لا يبكون.
عندما عضني الكلب في ساقي لم أستطع البكاء،
عندما ماتت ((جوي)) لم أستطع البكاء—
كم سيكون شعورا جميلا
أن تنساب دمعة من زاوية عيني
على وجنتي
نحو قوس شفتي
حيث أستطيع تذوقها
ولكنني لا أبكي.
شيء ما يغلق الممرات، القنوات
تحت جلدي.
قنوات الدمع صلصال أحمر متشقق
منذ ثلاثين عاما
مصابة بجفاف
منذ أن كنت في الثامنة عندما ضربت لأنني بكيت.
قلبي باب فرن أتون مفتوح
يضطرم من أجل دموع تطفي ناره
ولكن الذين يكيلون الفحم يديمون اشتعاله
بلا تبك لا تبك لا تبك.
أريد أن أفك رباط يدي مثل قفازات ملاكم منهك
وأضعهما على الطاولة، مقبوضتين بإحكام
في وضع دفاعي
وأريد أن تنبت لي يدان جديدتان
زهرتين مفتحتين
مبللتين بدموعي.
أحب اللون الأزرق
اللون البني.
أحب
أن ألمس وجنتي المتشققتين
وأحيل شفقتي
إلى همسات باكية.
ولكنني طالما كان عليّ أن أكبتها في داخلي
أحبس نفسي، أطبق فمي
لكي لا أبكي.
.
إنني أبكي يا رجل
وكذب أنني لا أفعل.
أعانق أخي وأصلي كتفا لكتف
أركع وأقبّل الأرض
وأبكي—آه لو أنني أستطيع البكاء.
لا تترجموا دموعي إلى فكر،
أريد أن أنشج بدموع خريفية على نافذتي
وأمسح الزجاج الذي يحجب عني العالم.
أريد أن أملأ كل ثقب في قلبي ببرك دمع متلألئة
أن أملأ مغطس الصحون في مطبخي بالدموع.
إن مجرد التفكير بأنني لم أبك كل هذه السنين
يجعلني أرغب في البكاء.
ولكنني تعلمت أن لا أبكي—
الكبار لا يبكون، الناس يقولون،
أليست هذه دموع تماسيح يا ولد،
لا يمكن أن تخدعني بهذه الدموع—
هراء!!
لست خادعا أحدا سوى نفسي بعدم بكائي.
تنح جانبا—
سوف أبكي
حتى أبلّ قميصي
وأجعل يديّ تتلألآن نديتين
بدموع
تسيل من وجهي على ذراعيّ
وساقيّ وصدري،
وعليك أن تنظر إليّ،
لأنني أغرق دروبك الرجولية بدموعي،
لكي أسترد دموعي.
سأبكي حتى لا تبقى دمعة واحدة
أبكيها
من أجل ما قاسيناه من عدم البكاء،
وكيف إننا خدعنا أنفسنا لاعتقادنا إن الرجال لا يبكون.
سأبكي في الباص، في الفراش، على مائدة الغداء، على الأريكة
بما يكفي لأن تطفو سفينة نوح عليه،
أطلق عصفورة قلبي
لتعيد لي البرعم الوحيد لحياتي
المخضوضرة—
وأنت اذهبي وانكحي نفسك
أيتها الأيام اليابسة الأعين.
ها قد جئتُ
لأمنحكم موسم ريح شيكاني*
ها قد جاء طفل البكاء الشيكاني
مغرقا جدران السجن
وغرف نوم أطفالي
أرش الدموع وأقذفها
حتى تبلغ كاحلي،
أزرع الرز والذرة والبقول
في حقول تتلألأ بدموعي،
وأنتم يا ضاربو الكرة وكسّارو البندق يا ذوو الجلود اليابسة
يا من لا تريدون لجزماتكم القاتلة كاسرة العظم أن تبتل
تنحوا جانبا
لأنني آت لكم بالمطر.
.
كانت الوداعات مناسبات بكاء—
وداع لجدتي، لأخي
لأصدقائي، لجيراني،
لمعلميّ، وللصبيان الآخرين،
ولم أذرف دمعة قط
رغم إنني شعرت بالعبرة تخنقني.
عضضت على أسناني بقوة كي أكبتها،
أخفضت رأسي وفكرت بشيء آخر.
ظللت أسمع أصواتا في داخلي
تقول لي لا تبك لا تبك لا تبك!!
الصبيان لا يبكون،
اكشف عن نفسك
كن عرضة لفأس في قلبك من مغفل لا يبكي،
كن مخنثا،
كن جبانا وستتألم
إن بكيت.
لقد تألمت ُ عندما لم أبك
لم أبك كل تلك المرات لشعوري بالخجل
أمام الناس
خوفا أن يظن الآخرون إنني لست رجلا
خوفا من أن يسخروا مني،
كثيرون منا كانوا يسمعون أخبارا مأساوية
ولم يبك منهم أحد
لأنه ليس صحيحا—
إننا بحاجة إلى البكاء—
بحاجة إلى أن نستيقظ في منتصف الليل
ونبكي
ومثلما يتقلص حوض المرأة وبطنها
عند الولادة، نحن كذلك بحاجة إلى أن نلد
تلك النوبة الرهيبة من الدموع
ونبكي أولئك الذين لم نبكهم أبدا.
دع ساقيك ترتجفان و ذراعيك تعانقانك
في حالة بكاء كحالة مدمني المخدرات.
لنبك من أجل المساكين في السجون،
المبعدين عن أسرهم،
من أجل ابنة الفلاح
التي التهمها السرطان بسبب مبيد الحشرات
ونبكي
من أجل المشردين
الذين لم يستطيعوا تسديد رهن بيوتهم،
أولئك الذين ينامون تحت الجسور
واليائسين،
أن نذرف اختلافاتنا بحيرة من دموع
حيث نستطيع أن نغسل وداعاتنا ولا مبالاتنا.
الآباء يبكون أطفالهم،
ليبك الأطفال بين ذراعيّ،
ليبك الرجال بين ذراعيّ،
لتبك الحامل بين ذراعيّ،
لنبك جميعا
بعد ممارسة الحب وبعد المشاجرة
لنجعل البكاء صلاة
لغة مصنوعة من الأنين والنشيج والشهقات،
هيا ابكوا بصوت عال، بصوت أعلى، يا أحبتي، ابكوا! ابكوا! ابكوا!
——————–
* الشيكانو والشيكاني تعني الأميركي من أصل مكسيكي
*
ترجمة : د. عادل صالح الزبيدي

بشرتي في حالة مزرية. أوه، حبيبي،
هل أحببتَ ثوبي المنزلي الجديد؟
إنه نسخةٌ طبق الأصل عن فستانٍ
كانت ارتدته “كيم نوفاك” في إحدى أفلامها.
كم أرغبُ لو كان لي في هذه اللحظة
كلب بخطوات طويلة.
هل تحب الألعاب النارية، أقصد، ليس فقط
في الرابع من تموز،
بل الألعاب النارية في كل وقت؟
ثمة أناس يحبون ذلك، كما تعلم.
إنهم مثل أولئك الذين يحبون
موسيقى الأوركسترا، ويسمعونها
في كل أوقات النهار.
أناسٌ مائلون، هكذا كان يسمّيهم أبي.
أما أنا، فمن السهل إسعادي.
أحبّ لعبة البينغ بونغ وطيورَ الوشق،
كؤوسَ النبيذ المضادّة للكسر،
رائحةَ الكيروسين،
وطقطقةَ الجَزر تحت الأسنان.
أحبّ أيضاً دودَ القزّ والدوّامات.
وأكثر ما أمقتُهُ هو أن أكونَ
في مقدمةِ الواصلين إلى حادث سيئ.
*
ترجمة: عابد اسماعيل

الطائر البحري الأزرق
يعيش فوق الصخور العارية
في جزيرة (غالاباغوس)
ولا يخشى شيئاً.
إنها حياة بسيطة:
طيورٌ تعيش على الأسماك
وثمة حيوانات مفترسة قليلة.
ذكر الطير لا يجازفُ بحياته
في مطاردة الإناث.
هو يكتفي
بجمع أشياء العالم الزرقاء
ويبني منها عشاً
علبة تبغ “غولواز” مرمية،
خيط مقطوع لسبحة،
قطعة قماش من بزّة بحّار.
هذا يعوّض عن الحاجة
لريشٍ مزركش، باهرٍ؛
في الحقيقة، قبل خمسين مليون سنة،
كان ذكرُ الطير مملاً
و لا يستطيع الغناء جيداً.
.
ولم تكن أنثى الطير
تطلب منه أكثر
كان الأزرقُ
يرويها تماماً،
وله تأثيرٌ سحريٌ عليها.
حين تعودُ من تعبِ نهارٍ
من النميمةِ والصيد،
ترى أنه جَلَب لها
نثرةً جديدة من ورقة زرقاء:
من أجل هذا تكافئهُ
بجسدِها الداكن،
وتتحرّك النجومُ
فوق الورقة الزرقاء، قربهما،
مثل عيونِ مخّلص لطيف.
فراشة الكرسي المتحرك
أوه، أيتها المدينة النائمة ذات الكراسي المتحركة
حيث يمكن للجرذ أن يُقدِمَ على الانتحار
لو كان بمقدوره التركيز لمدة أطول
في كتاب تاريخ القوارض
هناك في مدينته السفلية
ذات الكراسي الكهربائية المتحرّكة!
.
الفتاة الحبلى دائماً، والمصابة بالكدمات
مثل خوخة،
تركب دراجتها ذات الشرائط الكثيرة،
وتصعدُ عكسياً الدَرجَ
في مخزن “الترولي” المهجور.
.
كان الطقسُ حاراً البارحة.
اليوم، ثمة فراشة متجمّدة
في منتصف الهواء،
يقطفها، كالعنب،
طفلٌ أقسمَ
أنه يستطيع الاعتناء بها.
.
أوه، أيتها المدينة الواثقة،
حيث بذور الأفيون تُمرّرُ كفواتير ركوب،
حيث الدبابير في قلب الإنسان
يمكن أن تهجعَ وتنامَ،
وحيث النظارتان تنتفخان
في بحيرة أرجوانية من أحلام اليقظة،
.
هانحن ننتظرُ، في غرفنا المفتوحة، فصلاً جديداً،
كانتظار شاحنةٍ من المثلّجات.
.
فرسٌ هنديٌ يعبرُ السهولَ
مهمهماً بصلوات سنسكريتية
أمام فوهةٍ من البراغيث.
شجيرةُ الرحيق تقول:
ظننتُ أنني قادرةٌ على السباحة.
.
رئيس البلدية يتبوّلُ على الجانب الخاطئ
من الشارع! الهندباء البرية ترسلُ شرَرَها:
احترس، شعرُكَ مقفلٌ!
.
احترس، البوقُ يحتاجُ إلى كأسٍ من الماء!
احترس، مثوىً مخملياً!
احترس، آمرُ الضوءِ تزوّجَ
مزقةً عتيقةً من وتر.
*
ترجمة: عابد اسماعيل

هذا هو جمالُ أن تكونَ وحيداً
حتّى نهاية الصيف:
ثلّةُ حيواناتٍ ضالّة تنام فوق المصطبة
تحت ظلّ قدميّ،
ورائحةُ أوراقٍ تحترقُ
في حي آخر.
وقتٌ متأخر من الصباح،
وجبهتي حيةٌ بالظلال،
بعضُ الخفافيش تطيرُ جيئةً وذهاباً،
على إيقاعِ صفيري الخافت،
والدغلُ يضجّ بالنحل.
.
هذا هو بيتُ القصائد غير المكتوبة،
هذا هو المكانُ الذي لم أولد فيه.
*
ترجمة: عابد اسماعيل