قصص قصيرة

قافلة الكلاب – سماء عيسى
مرَّت قافلةُ كلاب، كنتُ قد احتميتُ بجدرانٍ آمنة، الساعةُ كانت الثانية فجراً، بعدها ظلَّت تَعوي عُـواءً مُـراً، لم أجد ثمة مـن داعٍ كي أفيق وأتابعها، تركتُها تنبحُ وتدورُ حول الجدران الفاصلة عني إياهـا، ثـم رحلـتْ وسـاد المكان هـدوءٌ تام. غير أن ابنتي اقتربتْ مني وقالت: لمَ أنتَ غير قادرٍ على النوم يا أبي؟ قلتُ لها: الكلابُ أيقظتني بعوائها، قالت: لم تأتِ الكلابُ هُنا ولم يعـوِ كلبٌ في هذه الحارة منذُ زمنٍ بعيد، ربما مرَّ عليك في المنام كابوس ثقيـلٌ يـا أبـي. إذن سأعودُ إلى فراشي، ولكن لا تفتحي البـاب أيتها الصبية، حتى لو لجأ إليكِ هاربٌ من كلاب الثانية فجراً. بكتْ […]

الخطاف الذي لم يبتلعه العدم “مختارات قصصية” – نذير الزعبي
الخطاف الذي لم يبتلعه العدم لم يجُل بخاطر الخطّاف الذي كان مُعلقاً قُبيل لحظاتٍ بخيط الصنارة، أنّ فمَ إحدى فرائسه سيغدو سجناً أبدياً في طرفة عين.قضمت السمكة العملاقة خيطَ الصياد بفكِّها المسنون فقطعته دون عناء، وأكملت سعيها في الأعماق. كان جوفها أشدَّ حلكةً من قاع البحر، فلم يستطع هدير الكائنات من حولها أن يرفع الهلع عن قلب الخطاف المغروس في فمها، وقد بات على يقين بأن هذا هو العدم. خلال تجوالها قربَ القاع، مرت السمكة العملاقة بمرساةٍ صدِئة. سمع الخطاف أنين المرساة، فأصاخ السمع إلى هذيانها المتهدج كالبكاء. كانت تقول بحرقةٍ: “ليته كان العدم”. فرشاة الأسنان لا تحفل بطعم المعجون فرشاة […]

(مُحرِكةُ الدمى) وقصص أخرى “من الأدب البيروفي” – كلاوديا أُيوَّا دُنوسو – ترجمة: مريم الدوسري
مُحرِكةُ الدمى في السادسة عشرة من عمري أدركتُ أنني أريد أن أصبح مُحَرِكة دمى، ولكن الحياة دفعت بي في طريق آخر. أعملُ الآن كموظفة استقبال في فندق، وأحيانًا أشعر بأنني دمية يحركني مدير الفندق، مسؤولي، مدير الموارد البشرية، والضيوف. دميةٌ دائمةُ الابتسام تتحدثُ بنبرةٍ تكادُ من فرط التهذيب لا تكون حقيقية. ولكنني اليوم في السادسة والعشرين وقررتُ أن الوقتَ قد حان لأحقق حلمي. أبدأ بدمية المسؤول. أرفعُ ذراعيه وأقلدُ صوته العصفوري: موظفةُ الاستقبال هي الأكثر ذكاءً في هذا الفندق، يجب أن تكون هي المسؤولة. كما أنها، وإن لم تكن تدركُ ذلك، جميلة. أكررُ الأمر مع مدير الموارد البشرية مقلدةً صوته الشبيه […]

“بلاغة الصور” وقصص أخرى – عبير أحمد
بينما أحدثه عن اشتياقي، يرسل صورة، ليس أميًّا، يُجيد لغتين، ولكنه ينأى عن الكلمات، يترك للصور عناء التعبير، مرةً أرسل لي صورة برج إيڤل وهو في فرنسا، فعلمت أنه اشتاق لي بطول هذا البرج.

السقوط الأخير – محمد القليني
فكر في أن عليه الخروج من الشارع إلى الدولاب، ثم إلى حجرته، ومن ثم يحمل الشـوارع شـارعاً شـارعاً على كتفه، معيداً إياها إلى أماكنهـا القديمة. وفكر في أن عليه البدء بشـارعه، ثم الشـارع الذي يليـه، ثم الذي يليهما، وهكذا إلى أن ترجع المدينة كما كانت.

زيارة ليلية – شيخة حليوى
كلّ ليلةٍ يقطعُ أبي الطّريقَ من المقبرة إلى بيتنا. أسمعُ خطواته في الحديقة، وأتظاهر بالنوم بينما هو يبحثُ عن عصاهُ الّتي يخبّئها في خزانتي. أتركُ له الباب مفتوحًا وألعبُ معهُ لعبةً مُسليّة، هو ينسى عينيهِ في القبر، وأنا أخبّئُ العصا كلّ مرّة في مكانٍ آخر.

الفيلسوف – شيرْوُود أندرسن – ترجمة: علي المجنوني
كان شيخاً ذا لحيةٍ شيباء وأنفٍ ضخم ويدين كبيرتين. وكان قبل أن نعرفه بوقت طويل طبيباً يذرع شوارع ونسبيرگ في ولاية أوهايو من منزل إلى آخر ممتطياً جواداً أبيض ضامراً. تزوج في وقت لاحق من فتاة ذات مال. ورثت بوفاة والدها مزرعة خصيبة كبيرة. كانت الفتاة هادئة وطويلة وسمراء، وعدّها كثير من الناس في غاية الجمال. تساءل الجميع في ونسبيرگ عن سبب زواجها من الطبيب. وفي غضون عام من الزواج توفيت. كانت براجمُ الطبيب كبيرة على نحو استثنائي. فعندما يقبض يديه تبدو البراجم كأنها عناقيد من كرات خشبية غير مصبوغة بحجم الجوز تنظِمها قضبانٌ فولاذية. كان يدخّن غليوناً، وبعد وفاة زوجته […]

تحفة فنية عنوانها المنزل (مختارات قصصية) – ندى عبدالرحمن
لا يظهر من الأب سوى ظهره. كل من في اللوحة بما فيهم الأبناء الذين قرروا أخذ استراحةٍ أبدية من اللعب في أرجاء الردهة الخلفية. تساءلوا في لحظةٍ سابقة، كم ضربة سيضربها الرسّام بريشته ليلتفت الأب؟

دريكسيت – آنا ميتش – ترجمة: كريم جمال الدين
دريكسيت* بدأ ذلك منذ نصف عام في غرفة الأطباء. لم يصوت أي شخص على القرار ولا حتى “دوروتيا” نفسها، بل استسلمت خلايا جسدها وقررت نيابة عنها أنه قد حان الوقت لتنحيها وهي لا زالت في سن الثامنة والعشرين وبعد إقامتها في لندن لمدة أربعة أعوام. لم تفهم ما قاله الطبيب في البداية على الرغم من أنها تتحدث الإنجليزية بطلاقة، بل وحتى وهي طفلة صغيرة فقد تحدثت الإنجليزية بصورة جيدة، فلم تقرر أمها العمل ثلاث مناوبات: واحدة في مكتب البريد، واثنتان كعاملة نظافة عبثاً كي لا تتحدث “دوروتيا” الإنجليزية في النهاية بطلاقة. لكن لسبب ما لم يكن مصطلح “سرطان عنق الرحم” قد […]

قصة من الأدب الياباني: عزيزٌ على القلب – أيكو ماتِسودا – ترجمة: مريم الدوسري
بحلول الخريف، يتوقف المشاة على الرصيف، أو عند الزاوية، وبلطف يعلقون على الرائحة التي تملأ المكان. “آه! ما أحلى رائحة العَبِقة!” لا أعرف رائحة العَبِقة، وهذا أمر يفاجئ الآخرين دائماً. أعاني من التهاب الأنف منذ صغري، فأجد نفسي مضطرة لأن أشرح زياراتي المتعددة إلى مشفى الأذن والأنف والحنجرة، وما يفعله الجهاز حاد الرأس الذي يُحشر في أنفي، طنينه الغريب، اهتزازه المتواصل، والإحساس الغريب الذي يخلفه شفط المخاط من أنفي. مللت من شرح هذا في كل مرة، كما سئمت المواعيد الطبية التي لا تنتهي، حتى توقفت عن الذهاب إلى المستشفى في نهاية المطاف. من ذلك الحين، أُصَرِّف أموري بدون وصفة طبية بأي […]

حيوانات لا تُدَجَّن – بيلار كنتانا – ترجمة: مريم الدوسري
الفهد في الأورونكو، في أقصى الشرق الكولومبي، حدثني متجول ألماني عن محمية على مشارف المحيط الهادي في أقصى الغرب من البلاد، فيها فهد ينزه بطوق ورسن كما لو كان كلباً. ولأن الفهود ليست حيواناتٍ أليفة كان عليّ أن أرى ذلك. قطعتُ سهول البلاد الواسعة، سلاسلها الجبلية الثلاث، ووديانها الجرداء بالحافلة وصولاً إلى بوينافنتورا حيث كل شيء رمادي ممطر. دامت رحلتي، في زورق سريع ركبته في بوينافنتورا عبر بحر أخضر يموج، ساعة. من خوانتشاكو، آخر محطة قبل الوصول إلى محمية الفهد، حيث يعيش مجتمع عرقيّ أسود في بيوت من خشب، ويحرس فيها جنود القاعدة البحرية رصيفاً إسمنتياً. قدنا دراجة نارية إلى مرفأ […]

معزوفة الماسورة والماء – محمد العنيزي
أنا يوسف السَّبّاك صاحب الذاكرة الحيّة، المزدحمة بالشوارع والبيوت والمواسير وخزانات المياه .. لازلت أذكر تماماً كل الحنفيات والمواسير التي أتقنتُ سباكتها في بيوت المدينة .. وشبكات من المواسير تكفي لبناء جسر كبير. بَصمتي محفورة في مواسير البيوت الجديدة .. وفي ذاكرة الشم رائحة الإسمنت المعجون بالماء والرمل في أيام التعب اللذيذ. أنا صديق الحنفيات، وعرَّاب المياه المتدفقة، تسكنني رغبة جامحة في رؤية ذرات الماء تلمع تحت أشعة الشمس، وأعشق رائحة البلل في التربة والأعشاب، لو كنت قاصا أو روائيا لكتبت أجمل القصص والحكايات بلغة عذبة، تشبه سريان الماء العذب عندما أطلقه في المواسير الفارغة بعد الانتهاء من تركيبها. تعرفني المواسير […]

قصص من الأرجنتين – ترجمة: جعفر العلوني
قطعت أذني وخرجتُ من المنزل. في المصعد سألني جاري عمّا حدث، فأجبته أنني تعرضت لحادث بينما كنت أتزحلق على الثلج. أما بائع الكشك فقلت له إنّ أحداً ما هاجمني ومعه سكين حاد. ثم في المقهى، أصر النادل على معرفة ما حدث لي، فأجبته، لقد سقطت مني لا أكثر ولا أقل.

أحبكِ لأنكِ تشبهين بساتين العالم – محمد العنيزي
هذه الليلة سأعترف لكِ بأنني أحبكِ لأنكِ تشبهين بساتين العالم.

العَدم سيّد الصحراء- سماء عيسى
الطائر منـذُ أعوامٍ بـعـيـدةٍ مَـضـت، كـان طـائـر يأتي إلى قريتنـا كـلّ مساء، بعد غروب الشمس. يتخذ له مكاناً على شجرة، ثم ما أن تحل العتمة، حتى يبدأ في الحديث والصداح. لم يكـن أحدٌ مـن سكان القرية يـفـهـم مـاذا يريـد الطـائر؟ وهـو -أي الطائر- لم يكـن مطالباً الأشياء والكائنات فهـم مـا يـقـول. يبدو أنَّـه كـان يـُكـرر كلامه كلَّ يوم. كان في صداحه بعض من الحزن، الحزن الذي كان يوحي بنذير …. كنَّا سكان القرية نطرد ذلك النذير إلى عتمات بعيدة تسكن أعماقنا، الطير مثلما كان محل استغرابنا، كان أيضاً محل خوفنا المُرتقب، من أن سوءاً ما سيحدث دون ريب. ذات فجر تحت […]

سُعال – عبدالله ناصر
كان جدي يسعلُ طوال اليوم كما لو أنَّ شيئاً قد عَلِق في جوفِهِ. كلَّما سَعَل تزحزح قليلاً ذلك الشيء ثمَّ عاد إلى مَكانه. هكذا يقول جدي. أما الطبيب، فيخبرنا أنَّ جدي أكثر عافية من أبنائِه، بل وحتَّى من أحفاده.

البنادق وحمالات الصدر – عبد الله ناصر
كلما غردت العصافير أو نعبت الغربان ظنّ الإنسان أنها تسخر من ساقيه العاجزتين وكتفيه المشعرتين بلا أجنحة فعاد تعيسًا رغم كونه يعيش تلك الأيام أزهى عصوره الغرامية.

من فرنسا مع حبي – جان ماري لوكليزو – ترجمة: هناء خليف غني
أوريا إن اسمكِ يلهمني ويغمرني بالسعادة حين أنطقه. لقد استوطن روحي وملأ عليَّ مسامعي وشغل قلبي ودخل مسامات جلدي وخلايا جسدي، أحياناً أشعر كما لو أنني كنتُ أحمله معي طوال حياتي.

13 زاوية، أو زوايا لا محدودة – وادي الأزرق
إلى الأُميين، الذين لا يعرفون القراءة ولكن يقرأون رسالتي على كلِّ حال، إلى قيصر في فراش الموت، إلى أول من نظرَ إلى القمر، إلى الصعاليكِ والشواذ والضائعين، إلى من هم على الهامش ومن هم خلف السياج، والأهمُ… إلى الكارثة، أكتبُ رسالتي.

أربع قصص قصيرة جداً للأرجنتيني إنريكي أندرسون إمبرت – ترجمة: عبدالله ناصر
عدت إلى البيت في ساعات الفجر الأولى، مثقلاً بالنعاس والتعب. وعندما دخلت كان الظلام دامساً، وكي لا أوقظ أحداً مشيت بحذر حتى الدرج الحلزوني الذي يقود إلى غرفتي. وما إن وضعت قدمي بصعوبة على الدرج، حتى تساءلتُ ما إذا كان هذا البيت بيتي أم بيتاً آخر يشبهه.



















