لا تحدث جلبة
في غرفة الموتى:
نرفع الشمعة
ونراهم يموتون.
أرفعُ صوتي قليلاً
على عتبة الباب
وأقول بضعَ كلماتٍ
لأضيءَ دربهم
لكن الذين صلّوا
حتى من تحت الثلج
يأتي عصفور الفجر
ويبدّل أصواتهم.
*
ترجمة : بول شاوول
لا تحدث جلبة
في غرفة الموتى:
نرفع الشمعة
ونراهم يموتون.
أرفعُ صوتي قليلاً
على عتبة الباب
وأقول بضعَ كلماتٍ
لأضيءَ دربهم
لكن الذين صلّوا
حتى من تحت الثلج
يأتي عصفور الفجر
ويبدّل أصواتهم.
*
ترجمة : بول شاوول
حلزونٌ يتسلقُ ناصيةَ الشباكْ
الى غرفتكَ بعيدَ الليلِ الممطرْ
تَدعوني لأشاهدَهُ فأقولُ موضحةً
أنْ ليس من الرفقِ أن تتركه هنالكْ
فقد يزحف نحو الغرفةْ
وعلينا أن نتنبه
كيلا يسحقه أحدٌ. تتفهم ذلكْ
وتحمله نحو الخارج بيد معتنية
كي يأكل زهرة نرجس .
.
أرى ثمة نوعا من الايمان يسود:
فرفقك ما زال يصاغ بكلمات مني
أنا يا من نصبت فخاخا للفئران وأطلقت النار على طيور برية
أنا من أغرقت قطيطاتك
وخنت أحبائك
واغتبت وبحت الأسرار لذاك وهذا وأولئك
ولكن تلك هي الدنيا. فأنا أمك
ونحن نرفق بالحلزون.
*
ترجمة: د. عادل صالح
طوال الظلام
المتخمون الممتلؤون هتفوا:
قمر..أيها القمر الكبير.
طوال الظلام
المتخمون الممتلئون
هتفوا:
قمر:
أيها القمر الكبير
طوال الظلام
الأغصان مع الأيدي الطويلة
تنبعث منها آه الشهوة
وهي تمضي إلى الأفق ونسيم التسليم
وفقاً لأوامر آلهة مجهولة ومرموزة،
وآلاف الأنفاس السرية في حياة الأرض المختبئة
وفي هذه الدائرة النورانية السيارة التي تضيء الليل،
طَرَقات على السقف الخشبي.
ليلى خلف الستارة
الضفادع في المستنقع
وفي تلك الحديقة السوداء غراب
كلهم معاً وبإيقاع واحد
صرخوا حتى الفجر:
قمر…
أيها القمر الكبير.
قمر.. ولكن
في كل الظلام الطويل
بعيداً عن هذه الهمهمة
ثمة صراخ في قمة أخرى:
القمر، قلب ليلته الوحيدة
كان يتفجر بحسرته الذهبية.
*
ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين
مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)
الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000
أكثر عزلة من ورقة الشجرة
مع حمل سعاداتي المهجورة
أبحر بهدوء
في مياه الصيف الخضراء
إلى أرض الموت
إلى شاطئ أحزان الخريف.
تركت نفسي في الظل
في ظل عشق لا يبالي،
في ظل هروب السعادة
في ظل عدم التوازن.
الليالي، حيث يطوف النسيم السكران
في السماء الواطئة المشتاقة.
الليالي إذ يعصف ضباب دموي
في أزقة الشرايين الزرق.
الليالي حيث وحدتي
وحيدة مع رعشات روحينا.
في ضربات النبض
يغلي إحساس الوجود
الوجود المريض.
في انتظار الأدوية سر)
هذا ما حفروه في الصخور القاسية
على قمم الجبال،
هؤلاء الذين في خط سقوطهم
لوثوا -بالرجاء المرّ- ليلةَ صمت الجبليين.
في اضطراب الأيدي الممتلئة
لا هدوء للأيدي الفارغة.
ظلام الأنقاض جميل”.
هذا ما غنته امرأة في المياه
في مياه الصيف الخضراء
كأنها تسكن في الحطام.
نحن، بأنفاسنا، يلوث أحدنا الآخر
وها، ملوثين بتقوى الفرح
نخاف صوت الريح
وسطوة ظلال الشك.
في غابات قبلاتنا نفقد ألواننا.
نحن في كل ضيافات قصر النور
نرتجف من وحشة الضياع.
الآن أنت هنا
تنبسط كعطر الأكاسيا
في أزقة الصباح.
ثقيل على صدري
حار في يدي
سكران في ضفائري
محترق
مندهش
أنت الآن هنا.
شيء ما، واسع قاتم ومديد
شيء مضبب
مثل صوت يوم بعيد،
يدور
ويبسط نفسه على
أجفاني القلقة.
لعلهم يغترفونني من الينبوع
لعلهم يقطفونني من الغصن
لعلهم، كالباب، يغلقونني على اللحظات القادمة
لعلي
لا أرى مرة أخرى.
نحن نمونا على أرض يباب
نحن أمطرنا على أرض يباب
نحن رأينا اللاشيء
بحصانه الأصفر المجنح
على الطرقات
يشق طريقه كملك.
يا للحسرة، نحن سعداء وهادئون
يا للحسرة، نحن ملتاعون وآفلون
سعداء لأننا نحب
ملتاعون لأن الحب لعنة.
*
ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين
مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)
الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000
طوال الليل
ثمة أحد ما في قلبي يقول:
منفعلة بقوة من لقائه
سيذهب، أول الفجر
مع النجوم البيض،
ليذهبْ سالماً).
أنا مع عطرك الراحل عن الدنيا
غير عارفة ماذا ينسج لي الغد،
عيناك مثل غبار ذهبي
ينسكب على أهدابي الغضة
جسدي محموم من ملامسة يديك
ضفيرتي تنحل بأنفاسك.
أزهر من الحب وأقول:
كل من يمنح حبيب قلبه
لا يجلس قاصداً تعذيبه
فليذهبْ، عيني تتبعه
فليذهبْ محفوظاً بحبي).
آه لقد ذهبت أنت الآن
والغروب يمدّ ظلاً على صدر الطريق،
إله الحزن القاتم
خفيفاً، يضع قدمه على معبد ناظري
ويكتب على الجدران
آيات كلها سوداء،
*
ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين
مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)
الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000
أبداً ما تمنيت أن أكون نجمة في سراب السماء
ولا شبيهة بأرواح المصطفين
أو جليسة للملائكة المظلمة.
أبداً، لم أكن منفصلة عن الأرض
لم أتعرف إلى النجمة.
على التراب وقفت
بقامتي مثل ساق نبتة
تمتص الهواء والشمس والماء
لتحيا.
حبلى من الرغبات
حبلى من الألم
أقف على الأرض لأمتدح النجوم
وأربّت على النسائم.
أنظرُ من كوّتي:
أنا لست سوى إيقاع أغنية
لست خالدة
ولا أبحث سوى عن إيقاع أغنية في
صراخ اللذة الأكثر عفة من
سكوت الحزن البسيط.
لم أفتش عن عشّ في جسد قطرة الندى
التي على زنبقة جسدي.
على جدار كوخي -الحياة
عابرو سبيل رسموا ذكرياتهم:
قلباً مطعوناً بسهم
شمعة ساقطة
نقاطاً صامتة مخطوفة اللون
على حروف مجنونة ببعضها.
كلما وصلت شفة إلى شفتيَّ
انعقدت نطفة في إحدى النجوم.
لماذا أرغب بنجمة
عندما تجلس في ليلي
على ضفة الذكريات؟
هذه أغنيتي
من القلب إلى القلب.
قبل هذا، لم تكن أكثر من ذلك.
*
ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين
مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)
الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000
انظرْ كيف أرى كآبة أعماقي
قطرةً قطرةً تذوب،
كيف ظلي الأسود المتمرد
أصبح أسيراً في يد الشمس.
انظرْ
وجودي كلّه تهدّم
ابتلعَ شراراتي
خذني إلى القمة،
وإلى الهاوية جرجرني.
انظرْ
سمائي كلّها مليئة بالشهب.
أنتَ جئت من البعيد البعيد
من أرض العطور والأنوار
أجلستني في زورق من عاج
من غيوم، بلّور.
خذني، أملي، سلواي
إلى مدينة قلبي
إلى مدينة الشعر واللوعة.
إلى طريق محفوفة بالنجوم اقتدتني
وأجلستني وراء نجمة.
انظرْ
أنا محترقة بالنجوم
صرت طافحة بالنجوم ومحمومة
زرعت النجوم في برك الليل
كسمكات حمر بسيطة القلب.
كم كانت أرضنا من قبلُ بعيدة
في حجرات السماء،
الآن، مرة أخرى، يصل صوتك
إلى مسامعي
صوت الجناح الثلجي للملائكة.
انظرْ إلى أين وصلت أنا
إلى المجرة
إلى قبة السماء
إلى الخلود.
الآن وقد بلغنا القمة
عمدني بنبيذ الأمواج
لفّني بحرير قبلاتك
نادِ عليَّ في آخر الليل
لا تهجرني ثانية
لئلا أنفصل عن هذه النجوم.
انظر
كيف شمع الليل
على طريقنا، قطرة قطرة
يذوب
إلى طياتك الدافئة
التي على مهود شعري
تنام
مترعة بالنبيذ
انظرْ
أنت تتنفس
وتتشمسن.
__________
*أي تصبح شمساً
*
ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين
مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)
الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000
وهذه أنا
امرأة وحيدة
على عتبة فصل بارد
في ابتداء إدراك وجود الأرض الملوثة
ويأس السماء .. الساذج المهموم
وعجز هذه الأيدي الأسمنتية
مضى الزمان
مضى الزمان والساعة أربع مرات دقتْ
أربع مرات دقتْ
اليوم هو اليوم الأول من شهر “دي”
إني أعرف سر الفصول
وأفهم نطق اللحظات
المنقذ يرقد في الرمس
والأرض ، حضن الأرض
تعرض لنا صورة للسلام.
مضى الزمان و الساعة أربع مرات دقتْ
تهب الريح … في الزقاق
تهب الريح … في الزقاق
وأنا أفكر بزمن تتلقح في الأزهار
بالبراعم الهزيلة المقفرة الدم
بهذا الزمن المتعب المسلول
ويمر رجل تحت الأشجار المبتلة
رجل تشبه فروع عروقه الزرقاء
الأفاعي الميتة النافرة من بين كتفيه
ويكرر بصدقيه المتقلبين
ذاك التهجي الدامي
سلاماً
سلاماً
وأنا أفكر بزمن تتلقح فيه الأزهار.
على عتبة فصل بارد
في مآتم المرايا
في عزاء التجارب المقفرة اللون
وهذا الغروب الحامل بالصمت
كيف يمكن أن نعطي لذلك الرجل
الصبور
الوقور
الحائر
أمر الوقوف ؟
كيف يمكن أن يقال للرجل أنه ليس بحيّ
وأنه لم يكن حياً في أي زقت مضى ؟
تهب الريح .. في الزقاق
غربان الانزواء المنفردة
تحوم في بساتين الكسل المسنة
وكم حقيراً هو ارتفاع السلم
إنها حملت معها كل سذاجة القلب
إلى قصر القصص
و الآن
كيف سينهض شخص واحد للرقص
ويرمي ضفائر طفولته
في المياه الجارية
ويسحق تحت قدميه
التفاحة التي جناها وشمّها ؟
يا صاحبي، يا صاحبي الوحيد
يا لها من غيوم سوداء تنتظر يوم ضيافة الشمس
كأن في مسير من تجدس الطيران ظهر ذلك الطائر في يوم
كأنها كانت من خطوط الخيال الخضراء
تلك الأوراق اليانعة
المتنفسة في شهوة النسيم
كأن تلك الشعل البنفسجية المحترقة في الذهن
الصافي للنوافذ
لم تكن سوى تصور برئ للمصباح .
*
ترجمة : محمد الأمين
لمَ أتوقف، لِمَ؟
الطيور رحلتْ للبحثِ عن الجهة الزرقاء،
الأفق عموديّ،
الأفق عموديّ و الحركة تشبه النافورة،
و الكواكب تدور نورانيةً في تخوم البصر،
و تصلُ الأرض ُ التكرارَ في العلوّ،
و تتحولُ الحفرُ الهوائيةُ إلى مجازات الصِلات.
النهار اتساع لا تسعه مخيلةٌ ضيقةٌ لِدودِ الروزنامة.
لم َ أتوقف؟
الدروب تمرّ خلال شرايين الحياة،
و نوعية البيئة في سفينة زهّاد القمر ستقتل الخلايا الفاسدة،
و ما من شئ سوى الصوت في الفضاء الكيمياوي بعد الشروق،
الصوت الذي ينجذب إلى ذرات الزمان.
لمَ أتوقف؟
فماذا يمكن للمستنقع أن يكون،
سوى مكان تضع فيه حشرات الفساد ييوضَها؟
الجثث المنتفخة تخربش أفكار المبرِّدة،
يُخفي الئيم في السواد فقدانَ كرامته
و الخنفساء!
آه حين تتكلم الخنفساء!
لمَ أتوقف؟
فلا طائل من تواطؤ الحروف الرصاصية،
إنّ تواطؤ الحروف الرصاصية لا يُنقذ الهواجس الحقيرة.
أنا سليل الشجر،
وتنفُّس الهواء البائت يوقع الكآبة في نفسي،
طائر مات علّمني أن أتذكر الطيران.
الاتحاد هو أقصى القدرات،
الاتحاد بأصل الشمس المضئ،
الانسكابُ في شعور النور،
ومن الطبيعي أن تتهرأ طواحينُ الهواء.
لمَ أتوقف ُ؟
أنا أحتضن سنابل الحنطة غير الناضجة تحت ثُديّ و أرضعها،
الصوت، الصوت فحسب الصوت،
صوت التمنّي الشفاف للماء أن يتدفق،
صوت اندياح نور النجوم على جدار أمومة التراب،
صوت اندماج نطفة المعنى،
و توسع الذهن المقسوم للعشق،
إنه الصوت و الصوت والصوت باق في أرض الأقزام،
وإن المعايير مسافرة دوما إلى المدار رقم صفر.
لمَ أتوقف؟
أنا أطيع العناصر الأربعة،
وأنّ عمل تدوين دستور قلبي
ليس عمل الحكومة المحلية للعميان،
فما لي بضجيج التوحش المديد في عضو الحيوان الجنسي،
و ما لي بالحركة الحقيرة للدود في الخلاء اللحمي؟
لقد أودعني العِرقُ الدموي للورد بالحياة،
فهل تعرف العرقَ الدموي للورد؟
*
ترجمة: حميد كشكولي
كل وجودي آية معتمة
يتكرر رحيلك فيها
وستقتادُك ذات يوم
نحو فجر الانبثاق والنمو الأبديين
أني تأوهتكَ في هذه الآية: آه…
أني عضّدتك في هذه الآية، بالشجر والماء والنار.
الحياة ربما
شارع ممتد، تجتازه كل نهار، امرأة بزنبيلٍ خاوٍ
الحياة ربما، حبل يتدلى به رجل من غصن شجرة
الحياة ربما طفل عائد من المدرسة.
الحياة ربما، إشعال سيجارة في البرهة الرخوة بين ضجيعتين
أو عبور مُواربٍ لمارٍ، يرفع قبعته
ليحيّي، بابتسامة باهتةٍ، ماراً آخر: ” طاب صباحك “.
الحياة ربما تلك اللحظة الموصدة
إذ تبدد نظرتي نفسها في بؤبؤي عينيك
أو في هذا الشعور الذي سأمزجه بإدراك القمر واستيعاب العتمة.
في غرفة بحجم عزلة
قلبي الذي بحجم حب
يحدّق في دعاوى السعادة الساذجة
بالزوال الجميل لورود المزهرية
بالغسيل الذي غرسته في حديقتنا
بغناء الكناريا المزغردة بمقدار نافذة.
آه
هي ذي حصتي
هي ذي حصتي
حصتي سماء تنتزعها مني ستارة مسدلة
حصتي الهبوط من درجة سلّمٍ مهجورة
واللحاق بشيء قابع في التلاشي
حصتي دوران حزن ملوّنٍ في مزرعة الذكريات والغربة
والاحتضار في أسى نداءٍ يقول لي: ” أحب يديكِ “
أزرع يديّ في الجنينة
سأخضّر، أعلم، أعلم، أعلم
وستضع النوارس بيضها في حفر أناملي المطلية بالحبر
سأعلق على أذني قيراطاً من حبتي كرزٍ توأم
وسألصق أوراق وردة الكوكب على ضفائري
فثمة زقاق
ما زال فتيانه الذين أحبوني ذات يوم
بشعرهم المجعّد،
أعناقهم الرفيعة
وأقدامهم النحيفة
يفكرون بابتسامة بريئة لفتاة اختطفتها الريح ذات ليلة.
سفر حجم في مسلك الزمان
وإخصاب خط الزمان الجاف بحجم آخر
حجم من صورة واعية
عائد من ضيافة مرآة
وهكذا ثمة من يموت
وثمة من يبقى
ما من صيّاد، قط، سيصطاد لؤلؤة من جدولٍ متواضع
يصب في حفرة.
أنا أعرف عروسة بحر تسكن الأوقيانوس
تعزف بتؤدة، قلبها في قصبة.
عروسة بحر حزينة تموت ليلاً بقُبلة
وحين الفجر، تعود إلى الحياة بقُبلة أخرى.
لا أحد يفكر بالأزهار
لا أحد يفكر بالأسماك
لا أحد يريد تصديق أن الحديقة تحتضر
أن قلب الحديقة متورم تحت الشمس
وأن ذهن الحديقة ينزف، بهدوء، ذكرياتٍ خضراء
وحس الحديقة كأنه شيء مجرّد
يتفسخ في انزواء الحديقة
باحة بيتنا منعزلة
باحة بيتنا تتثاءب في انتظار هطول غيمة غريبة
حوض البيت فارغ
والنجوم الصغيرة عديمة التجربة
يتساقطن من شاهقات الأشجار على التراب
وبين النوافذ الباهتة لبيوت الأسماك
يأتي، في الليالي، صوت سعال
باحة بيتنا منعزلة.
الأب يقول: فات أواني
فات أواني
لقد حملت أوزاري
وأتممت عملي).
وفي غرفته، من الصبح حتى الغروب
هو إما يقرأ الشاهنامه)(*)
أو ناسخ التواريخ).(**)
الأب يقول للأم:
اللعنة على كل سمكة وكل طير.
ما همني، إذا مِتُّ،
أكانت الحديقةُ أمْ لمْ تكنْ
يكفيني راتب التقاعد).
الأم كل حياتها سجادة مفروشة
على عتبة رعب جهنم.
الأم تقتفي آثار أقدام خطيئة
في أعماق كل شيء،
وتظن أن الحديثة ملوثة
بسبب كفر شجرة.
الأم مذنبة بالفطرة
الأم كل يوم تقرأ الدعاء
وتعزّم على كلَّ الأزهار
وتعزّم على كلَّ الأسماك
وتعزّم على نفسها
الأم في انتظار يوم الظهور).
وحلول المغفرة.
أخي يسمي الحديقة مقبرة
أخي يسخر من شغب الحشائش
ويعدُّ جثث السمكات المتعفنة
تحت جلد الماء المريض،
أخي مدمن فلسفة
أخي يرى شفاء الحديقة في انهدامها.
إنه يسكر
يضرب بقبضته الحائط والباب
يريد أن يقول: أنا متوجع، تعب، يائس.
يأسه مثل بطاقته الشخصية وتقويمه ومنديله
وقداحته وقلمه،
يأخذه معه إلى الزقاق والسوق،
يأسه من الضآلة بحيث يضيع كلَّ ليلة
في زحام الحانة.
وأختي التي كانت صديقة الزهور
وكلمات قلبها الساذجة
عندما تضربها أمي،
تأخذ الزهور إلى محفلها العطوف الصامت
أحياناً تستضيف عائلة الأسماك
إلى الشمس والحلوى..
بيتها في الجانب الآخر من المدينة
هي داخل بيتها الاصطناعي
مع أسماكها الحمر الاصطناعية
وفي حماية حب زوجها الاصطناعي
وتحت أغصان أشجار تفاحها الاصطناعية
تغني أغاني اصطناعية
وتصنع أطفالاً طبيعيين.
كلما جاءت تزورنا
تتوسخ أذيال تنورتها من فقر الحديقة
تستحم بالكولونيا،
هي كلما جاءتنا
تكون حبلى.
باحة بيتنا منعزلة.
باحة بيتنا منعزلة.
في كل يوم يأتي من وراء الباب صوت انفجار
جميع جيراننا يزرعون في تراب حديقتهم القذائفَ
والبنادقَ بدلَ الزهور،
جيراننا يغطّون أحواضهم المبلّطة.
الأحواض، رغماً عنها،
صارتْ مخازن سرية للبارود.
وأطفال زقاقنا ملأوا حقائبهم المدرسية
قنابلَ صغيرة.
باحة بيتنا دائخة.
أخاف الزمن الذي أضاع قلبه
أخاف التصور العبثيِّ لكل هذه الأيدي
أخاف من تجسّم غرابة كل الوجوه،
أنا وحيدة
مثل تلميذة تعشق درس الهندسة بجنون
وأعتقد أن من الممكن أخذ الحديقة إلى المستشفى
أعتقد
أعتقد
أعتقد
قلب الحديقة تورم تحت الشمس
قلب الحديقة ينزف، بهدوء، ذكرياتٍ خضراء.
_____________
(*) الشاهنامه: كتاب سير الملوك الفرس، ألفه الفردوسي سنة 300 هـ، يحكي فيه تأريخ وأساطير الفرس حتى دخول العرب بلاد فارس.
(**) ناسخ التواريخ: كتاب تأريخي لمؤلفه لسان الملك الميرزا محمد تقي سبهر الذي عاش في زمن الدولة القاجارية
*
ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين
مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)
الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000
إني رأيت حلماً: أحدهم سأتي
إني رأيت حلمَ نجمة قرمزية
أهدابي ترفّ
وأحذيتي تتراكب
لأكنْ عمياء إذا كذبتُ
أنا رأيت تلك النجمة القرمزية
عندما لم أكن نائمة
أحد ما يأتي
أحد ما يأتي
أحد أجمل
لا يشبه أحداً، ليس مثل أبي، ليس مثل أنسي)،
ليس مثل يحيى)، ليس مثل أمي،
إنه مثل الذي يجب أن يكون
وطوله، أطول من أشجار بيت البنّاء،
ووجهه
أكثر إشعاعاً من وجه صاحب الزمان
ومن شقيق سيد جواد) الذي رحل.
إنه يرتدي زيّ الحارس، لا يخاف،
ولا يخاف حتى من سيد جواد) الذي
يملك كل غرف بيتنا.
واسمة مثل الذي تناديه أمي في أول الصلاة وآخرها:
يا قاضي القضاة
يا صاحب الحاجات).
بمقدوره أن يقرأ بعين مغمضة
كل كلمات كتاب الصف الثالث الصعبة،
وبمقدوره طرح الألف من العشرين مليوناً.
بلا تخاذل،
يستطيع أن يستلف ما يحتاج من بضائع
من دكان سيد جواد
يستطيع، مرة أخرى، أن يجعل مصباح الله)
الذي كان أخضرـ كان مثل صبيحة السحر أخضرـ
يجعله يضيء على سماء مسجد مفتاحيان)(1)
آخ
كم هو الضياء جميل
كم الضياء جميل
وكم يتمنى قلبي أن يمتلك يحيى عربة
وسراجاً،
وكم يتمنى قلبي
أن أجلس على عربة يحيى
بين البطيخ والرقي
وأدور حول ساحة محمدية)(2)
آخ..
كم هو ممتع الدوران حول الساحة
كم هو ممتع النوم فوق السطح
كم هو ممتع الذهاب إلى حديقة ملي)(3)
كم هو لذيذ طعم البيبسي)
كم هو ممتعة سينما فردين)(4)
وأنا كم أحب هذه الأشياء الممتعة
وكم يتمنى قلبي أن
أشدّ ضفيرة بنت سيد جواد.
لم أنا صغيرة إلى هذا الحدّ
حيث أضيع في الشوارع؟
ولماذا أبي ليس صغيراً
ولا يضيع في الشوارع،
لم لا يفعل شيئاً لتقريب يوم مجيء هذا
الذي يأتي في منامي؟
وأهل محلة المسلخة
الذين تراب حدائقهم أيضاً ملطخ بدم
وماء أحواضهم ملطخ بدم
ورف أحذيتهم ملطخ بدم
لم لا يفعلون شيئاً
لم لا يفعلون شيئاً؟
كم هي كسولة شمس الشتاء
أنا كنست درجات عتبة البيت
وغسلت زجاج النوافذ أيضاً.
لماذا أبي
في النوم فقط
يرى الحلم؟
أنا كنست درجات عتبة البيت
وغسلت زجاج النوافذ أيضاً
أحد ما يأتي
أحد ما يأتي
أحد ما، معنا بقلبه، معنا بنفسه، معنا بصوته
لا يستطيع الإمساك بقدومه
وتكبيله وزجّه في السجن
هو الذي تطفل تحت أشجار يحيى القديمة
ويوماً أثر يوم
يكبر…. يكبر
هو الآتي من المطر، من صوت هدير المطر
من بين همس ورود الأطلس
من فوق سماء توبخانة)(5) في ليل الألعاب
النارية،
يبسط المائدة ويقسّم الخبز
ويقسم البيبسي
ويقسم حديقة ملي).
ويقسم شراب السعال
ويقسم يوم التسجيل
ويقسم غرف المستشفى
ويقسم أحذية البلاستيك
ويقسم سينما فردين).
ويقسم أشجار بنت سيد جواد
ويقسم كل ما عملته الريح
ويعطيني نصيبي
لقد رأيت حلماً…
___________
(1) مسجد في طهران.
(2) ساحة في جنوب طهران.
(3) ملّي:متنزه كبير وسط طهران.
(4) سينما فردين: سينما في جنوب طهران.
(5) التوبخانة: ساحة في جنوب طهران، ومعناها ساحة المدفع.
*
ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين
مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)
الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000

وهذه أنا
امرأة وحيدة
على عتبة الفصل البارد،
في بدء إدراك الوجود الملوث بالأرض
ويأس السماء البسيط الحزين
وعجز تلك الأيدي الإسمنتية.
مضى الزمن
مضى الزمن ودقّت الساعة أربع مرات
دقت أربع مرات
اليوم أول شهر دي(1)
أنا أعرف سرّ الفصول
وأفهم كلام اللحظات.
المنقذ يرقد في لحده
والتراب، التراب المضياف
علامة السكينة.
مضى الزمن ودقت الساعة أربع مرات
تأتي الريح في الزقاق
تأتي الريح في الزقاق
وأنا أفكر باقتران الزهور
وبالبراعم ذات السيقان النحيلة، فقيرة الدم
وبهذا الزمن المتعب المسلول
والرجل العابر من جنب الأشجار الرطبة
الرجل الذي حبال شرايينه الزرق
كالأفاعي الميتة، تزحف من طَرَفِيْ حلقومه
إلى الأعلى، وبصدغيه الهائجين يكرّر ذلك
اللفظَ المدمى:
ـ سلاماً
ـ سلاماً
وأنا أفكر باقتران الزهور.
على عتبة الفصل البارد.
في محفل عزاء المرايا
والحشد المعزي لتجارب باهتة اللون
وهذا الغروب اليانع بحكمة الصمت
وهذا الذي يعبر هكذا
صبوراً وقوراً
حائراً
كيف يؤمر بالوقوف؟
كيف يقال له: أنت لست حياً؟
إنه لم يكن حياً أبداً.
تأتي الريح في الزقاق
غربان العزلة، وحيدة
تدور في الحدائق الشائخة الكسلى
والسلّم… يالارتفاعه الحقير.
لقد أخذوا معهم كلَّ صفاء القلب
إلى قصر الحكايات
والآن، مرة أخرى،
مرة أخرى كيف ينهض شخص إلى الرقص
ويحلّ ضفائر طفولته في الماء الجاري،
والتفاحة التي اقتُطِفَتْ في النهاية
وشُمّتْ
ستدحرجها الأقدام.
حبيبي يا حبيبي الأوحد
كم من غمامة سوداء تنتظر يوم ضيافة الشمس
كأنها في مسير على هيئة التحليق
يومَ تجلّى ذلك الطائر
كما لو من الخطوط الخضراء للتخيّل،
هذه المستنقعات الجديدة التي تستنشق شهوةَ النسيم
كأنما الشعلة
الشعلة البنفسجية التي تلتهب في ذهن النوافذ الطاهر
لم تكن سوى صورة بريئة للمصباح.
تأتي الريح في الزقاق
هذا أول الانهدام
يومها أيضاً عندما انهدمتْ يداك، هبّت الريح.
أيتها النجوم العزيزة
أيتها النجوم الورقية العزيزة
عندما يعصف الكذبُ بالسماء،
كيف اللجوء إلى سُوَر الأنبياء الخجلين؟
نحن مثل موتى آلاف آلاف السنين
سنلتقي
وعندها ستحكم الشمس على أجسادنا بالفساد.
بردانة أنا وكأني لن أدفأ أبداً
حبيبي، يا حبيبي الأوحد كم هو عمر هذا النبيذ.
أنظرْ فهنا ما أثقل الزمن
وكيف الأسماك تمضغ لحمنا
لمَ، دائماً ، تتركني في قعر البحر؟
بردانة أنا وبي ضيق من الأقراط الصدفية
بردانة وأعرف
أن من بين كل الأوهام الحمر الوحشية للشقائق
لن يتبقّى سوى
بضع قطرات من الدم
سأهجر الخطوط
سأهجر عدّ الأرقام
ومن الأشكال الهندسية الضيقة
سألجأ لمساحة الحس الواسعة
أنا عارية، عارية، عارية،
عارية كالصمت بين كلامي عن الحب
وجروحي كلها بسبب الحب
الحب، الحب، الحب،
أنا التي أنقذتُ تلك الجزيرة من انقلاب المحيط
وانفجار الجبل
ومن فناء سرّ ذلك الوجود المتحد
الذي وُلدت الشمس من أحقر ذراته.
سلاماً أيها الليل المعصوم
سلاماً أيها الليل، يا من تستبدل عيون ذئاب
الصحراء
بحُفَر من عظام الإيمان والثقة،
وعلى ضفاف أنهارك، ثمة أرواح الصفصاف
تشمُّ أرواح الفأس الرؤوم.
أنا آتية من عالم تستوي فيه الأفكار والكلام والأصوات
عالم مثل جحر الأفاعي
عالم مليء بأصوات أقدام أناس
في لحظة تقبيلهم إيّاك
ينسجون في أذهانهم حبل إعدامك.
سلاماً أيها الليل المعصوم
بين النوافذ والرؤية
دائماً ثمة فاصلة
لِمَ لمْ أنظرْ؟
مثل الزمن الذي عبر فيه رجل من جنب الأشجار الرطبة..
لِمَ لمْ أنظر؟
كأن أمي بكت تلك الليلة
تلك الليلة التي بلغت فيها وجعي
وانعقدت النطفة
تلك الليلة غدوت عروس عناقيد الأكاسيا
تلك الليلة كانت أصفهان ملأى بإيقاع البلاط الأزرق
وهذا الذي كان نصفي عاد إلى نطفتي
وأنا أراه في المرآة
كالمرآة طاهراً ومضيئاً
ناداني
فصرت عروس عناقيد الأكاسيا.
كأن أمي بكت تلك الليلة
ياللضياء العبثي المتلصص في تلك الكوّة الموصدة
لِمَ لمْ أنظر؟
كلّ لحظات السعادة تعرف
أن يديك ستنهدمان
وأنا لمْ أنظر
إلى أن انفتحتْ نافذة الساعة
وغرّد الكناري الحزين أربع مرات
غرد أربع مرات
والتقيتُ بتلك المرأة الصغيرة
التي كانت عيناها مثل عشين خاويين
من السيمرغ(2)
وكانت تروح هازّةً فخذيها
كأنها تقود بكارة أحلامي العظيمة إلى سرير الليل.
ترى هل سأمشط ضفائري في الهواء ثانية؟
ترى هل سأزرع البنفسج في الحدائق ثانية؟
وهل سأضع الشمعدانات في المساء وراء النافذة؟
هل سأرقص فوق الكؤوس ثانية؟
وهل سيأخذني جرس الباب ـ مرة أخرى ـ إلى
انتظار الصوت
قلت لأمي: أخيراً انتهى
قلت: دائماً قبل أن تفكري يقع الحادث.
يجب أن نبعث التعازي إلى الصحيفة.
الإنسان الأجوف
الإنسان الأجوف ممتلئ بالثقة.
أنظرْ، كيف، عند المضغ، أسنانه تقرأ النشيد،
وعيناه، حين يحدّق تمزّقان.
أما ذلك، فهو يعبر من جنب الأشجار
صبوراً
وقوراً
حيران
في الساعة الرابعة
في اللحظة التي كانت حبال شرايينه
كالأفاعي الميتة من طرفي حلقومه إلى الأعلى،
وبصدغيه الهائجين يكرر ذلك اللفظ المدمى:
ـ سلاماً
ـ سلاماً
وأنت…
ترى هل شممتَ يوماً
الشقائق الأربع الزرقاء…؟
مضى الزمن
مضى الزمن وأرخى الليل سدوله على أغصانِ
الأكاسيا العارية،
الليل يتزحلق على زجاج النافذة،
وبلسانه البارد
يمتص إلى داخله ما تبقى من اليوم الذاهب
من أين أتيت أنا؟
من أين أتيت أنا؟
هكذا مدهونة برائحة الليل؟
لمْ يزلْ تراب ضريحه طريّاً
أعني ضريح تينك اليدين الخضراوين الفتيتين.
كم كنتَ رحيماً أيها الحبيب ـ يا حبيبي الأوحد.
كم كنتَ رحيماً عندما تكذب
كم كنتَ رحيماً عندما تغلق جفون المرايا
وتقتلع القناديل من سيقانها السلكية
وفي الظلام الظالم تأخذني إلى مراتع الحب
إلى أن يجلس ذلك البخار الدائخ من حريق العطش
على مرج النوم.
تلك النجوم الورقية
تدور على اللامنتهى
لماذا قالوا الكلام بالصوت؟
لماذا استظافوا النظر ببيت الملتقى؟
لماذا أخذوا الرغبة إلى حياء الضفائر العذرية؟
انظرْ
كيف يحيا ذلك الشخص الذي يتكلم بالكلام
ويعزف بالنظر
وبرغبة الرهبة نام مصلوباً على أعمدة الوهم
وكيف بقي على خدّه
أثر أغصان أناملك الخمس
التي تشبه الحروف الخمسة للحقيقة
ما هو الصمت، ما هو، ما هو يا حبيبي الأوحد؟
ما الصمت سوى كلام لم يُتَكلّمْ به.
أنا أتأخر عن الكلام، لكنْ لغة العصافير.
لغة الحياة، جُمَل فرح الطبيعة الجارية،
لغة العصافير، تعني: الربيع، الأوراق، الربيع.
لغة العصافير، تعني: النسيم، العطر، النسيم.
لغة العصافير، تموت في المصنع.
مَنْ هذا، هذا السائر على جادّة الأبدية
نحو لحظة التوحيد
يوقّتُ ساعة الأزلية مع منطق رياضيات التكامل والتفاضل؟
مَنْ هذا
هذا الذي لا يرى في صياح الديكة
بداية قلب اليوم
بل بداية رائحة الإفطار؟
من هذا الذي على رأس تاج الحب
يتفسخ في ثياب الزفاف؟
وأخيراً لم تشرق الشمس على القطبين اليائسيين
في زمن واحد،
أنت خلوتَ من إيقاع البلاط الأزرق
وأنا ـ لفرط امتلائي ـ على صوتي يصلّون…
الجنائز السعيدة
الجنائز الملول
الجنائز الصامتة المتأملة
الجنائز المرخيِّة، الأنيقة ، الأكولة في
محطات الأوقات المحددة،
وفي قاع الأنوار المقرَّرة الضبابية
وشهوة شراء فاكهة اللاجدوى العفنة.
آه….
كمْ من الناس في تقاطعات الطرق
تقلقهم الحوادث
وأصوات صفارات الوقوف
في اللحظـة الـتي يجب
يجب
يجب
أن يُسحق رجل تحت عجلات الزمن،
ذلك الرجل العابر من جنب الأشجار الرطبة،
من أين أتيتُ أنا؟
قلتُ لأمي: لقد انتهى.
قلت: دائماً قبل أن تفكري، يقع الحادث،
يجب أن نبعث التعازي إلى الصحيفة
سلاماً يا غرابة العزلة.
أستودعك الغرفةَ.
لأن الغمام القاتم رسول آيات
التطهير الجديدة،
وفي استشهاد الشمعة
سرٌّ مضيء يعرف أنها آخر وأطول شعلة.
بعدك التجأنا إلى المقابر
والموت يتشمم تحت عباءة جدتي
الموت ـ هذه الشجرة العظيمة
الأحياء ـ في المبتدأ- يستغيثون بأغصانها الملولة
والأموات ـ في المنتهى ـ يتشبثون بجذورها الفسفورية.
والموت جالس على الضريح المقدس
في زواياه الأربع، وفي لحظة واحدة
أضاءت أربع شقائق زرق…
فلنؤمنْ
فلنؤمنْ بحلول الفصل البارد
فلنؤمنْ بحطام حدائق التخيّل
وبالمناجل المقلوبة العاطلة
والبذور السجينة
أنظر…ياللثلج الهاطل
لعلّ الحقيقة كانت تينك اليدين الفتيتين،
تينك اليدين الفتيتين
اللتين دُفنتا تحت هطول الثلج المديد.
في العام القادم
حين يضاجع الربيعُ السماءَ
وراء النافذة
ويغليان ملتحمين،
النوافير الخضر ـ السيقان الخفيفة
سوف تزهر يا حبيبي
يا حبيبي الأوحد.
فلنؤمن بحلول الفصل البارد.
______________
(1) ذي: الشهر العاشر في السنة الإيرانية ويقابله الكانونان من السنة الميلادية.
(2) السيمرغ: طائر أسطوري معناه بالفارسية الثلاثين طائراً، استخدمه الصوفية رمزاً دالاً على الذات الإلهية، كما في كتاب منطق الطير لفريد الدين العطار.
*نص: فروغ فرخزاد
*ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين
وجودي كلّه آية مظلمة
تكررك دائماً في نفسها
ستأخذك إلى سَحَر الدهشة
والعود الأبدي
أنا تأوهتك في هذه الآية: آه…
أنا، بهذه الأية، ربطتك بالشجر
والماء
والنار.
لعلّ الحياة شارع طويل تجتازه امرأة كل يوم بزنبيل
لعلّ الحياة حبل يعلّق به رجل نفسه من غصن.
لعلّ الحياة طفل يعود من المدرسة.
لعلّ الحياة
إشعال سيجارة في برهة ارتخاء متعانقين
أو مرور عابر سبيل دائخ
يرفع قبعة عن رأسه
قائلاً لعابر آخر بابتسامة فارغة:
صباح الخير.
لعلّ الحياة
تلك اللحظة المغلقة
التي تحطم نظرتي نفسها
في امتناع عينيك
وفي هذا الشعور الذي سأمزجه
بفهم القمر
وإدراك الظلام.
في غرفة بحجم عزلة
قلبي
الذي بحجم الحب
ينظر لأعذار السعادة البسيطة
لزوال جمال الزهور في المزهرية
للشتلة التي غرستها أنت في حديقة بيتنا
ولغناء الكناري
المغرد بحجم نافذة.
آه…
هذا نصيبي
هذا نصيبي
نصيبي سماء أخذت مني إسدال ستارتها
نصيبي نزول من سلّم مهجور
والوصول إلى شيء في التفسخ والغربة.
نصيبي نزهة ملوثة حزناً
في حديقة الذكريات
وفي حزن صوت محتضر
يقول لي: “أحب يديك”.
أغرس يدي في الحديقة
أخضر، أعرف،أعرف،أعرف،
بأن السنونوات ستضع بيضها
وفي خُفَر أناملي المصبوغة بالحبر
أعلّق على أذنيّ قرطين
من كرزتين حمراوين توأمين،
وألصق على أظافري
أوراق زهرة داليا.
ثمة زقاق
صبيانه هناك كانوا مغرمين بي
ما زالوا بالشعر المشعث ذاته والأعناق النحيفة
والأرجل العجفاء يفكرون بابتسامات الفتاة البريئة
التي، في ليلة ما، أخذتها الريح معها.
ثمة زقاق سرقه قلبي
من حارات طفولتي
سفرُ حجم من خط الزمان
وبالحجم الذي لّقح خطَّ الزمان الجاف
حجم من صورة عارفة
ترجع من ضيافة المرآة.
وعلى هذا النحو
أحدٌ ما يموت
أحدٌ ما يبقى
ليس هنالك صياد يصطاد اللؤلؤ
من جدول صغير
يصب في حفرة
أنا أعرف ملاكاً صغيراً حزيناً
مسكنه المحيط
وقلبه يعزف بهدوء… بهدوء
وفي ناي صغير.
ملاك صغير حزين.
يموت بسبب قبلة في الليل.
ويولد، بقبلة، وقت السحر.
*
ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين
مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)
الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000
الطائر قال: ياللعطر، ياللشمس
آه… لقد أتى الربيع
وأنا ذاهب لأبحث عن زوجتي
على شفا الإيوان
طار الطائر
قفز كالرسالة وغادر
كان الطائر صغيراً
الطائر لا يفكر
الطائر لا يقرأ الجريدة
الطائر ليس عليه ديون
الطائر لا يعرف الناس
الطائر على الهواء
يحلّق فوق إشارات الخطر الضوئية
يسأل عن ارتفاع المجهول
ويجرّب اللحظات الزرقاء بجنون
الطائر، آه، كان طائراً.. فقط.
*
ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين
مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)
الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000
أنا أتكلم عن نهاية الليل
أتكلم عن نهاية الظلام
وعن نهاية الليل أتكلم.
إذا ما جئت إلى بيتي
أيها العطوف
فهات مصباحاً ونافذة
لأرى ازدحام الزقاق السعيد.
_________
. وضعت القصيدة بعد وفاة الشاعرة على شاهدها قبرها.
*
ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين
مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)
الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000
قلبي منقبض
قلبي منقبض
أذهبُ إلى الإيوان
وبأناملي أمسح بشرة الليل المديد
مصابيح العلاقات مطفأة
مصابيح العلاقات مطفأة
لا أحد سَيُعِّرِفَني على الشمس
لا أحد سيأخذني إلى ضيافة العصافير
ضع الطيران في خاطرك
فالطائر ميت لا محالة.
*
ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين
مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)
الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000
الجمعة الصامتة
الجمعة المتروكة
الجمعة ـ كالأزقة العتيقة ـ حزينة
الجمعة أفكار كسلى مريضة
الجمعة تثاؤبات مؤذية ومديدة
الجمعة ـ لا انتظار
الجمعة استسلام.
البيت خال
البيت موحش
البيت بابه موصد على هجوم الفتوة
بيت الظلام وفكرة الشمس
بيت العزلة والتفاؤل والترديد.
البيت: ستارة، كتاب، صندوق، صور.
آه…، كم هو هادئ، عَبَرَ ممتلئاً بالغرور
عمري مثل ساقية غريبة
في قلب هذه الجُمَع الصامتة المتروكة
في قلب هذه البيوت الخالية الموحشة
آه، كم هو هادئ
عَبَرَ
ممتلئاً بالغرور.
*
ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين
مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)
الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000
بين الظلام
ناديتك أنت،
كان السكون
والنسيم يلاعبان الستارة
في السماء الملول
نجمة تحترق
نجمة تذهب
نجمة تموت.
ناديتك أنت
ناديتك أنت
كان وجودي كله
مثل قدح حليب
بين يدي.
نظرة القمر الزرقاء
ارتطمت بالزجاج.
أغنية حزينة
تصاعدت من مدينة السلاسل
كالدخان،
وكالدخان
تتزحلق على النوافذ.
طوال الليل
ثمة بين نهدي
أحد ما يلهث يائساً
نفَسَاً نفسَاً.
أحد ما ينهض
أحد ما يريدك
أحد ما يناديك،
مرة أخرى سوف يسحب
يديه الباردتين.
طوال الليل، هناك
يتساقط الحزن
من الغصون السوداء.
أحد ما متأخر عن نفسه
أحد ما يناديك
والهواء يتساقط عليه
كالحطام.
شجرتي الصغيرة تتعشق الريح،
الريح التي لا قرار لها.
أين بيت الريح؟
أين بيت الريح؟
*
ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين
مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)
الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000
عندها.. بردت الشمس
وارتفعت البركة من الأرض
عندها، الأرض الخضراء يبست كالصحراء
جفّت الأسماك في البحر
والتراب لم يعد يتقبل الموتى من بعدُ،
الليل في كل النوافذ الشاحبة
مثل خيال مرتبك
كان يتراكم ويطغى،
والطرقات أطلقت نهاياتها في الظلمة.
لم يعد أحد يفكر بالحب
لم يعد أحد يفكر بالفتح،
لم يعد أحد أبداً
يفكر بأي شيء.
في كهوف العزلة ولد العبث
ومن الدم انبعثت روائح الأفيون والحشيش
النساء الحوامل وضعن أطفالاً بلا رؤوس
والمهود ـ لفرط حيائها ـ لاذت بالمقابر.
كم هي أيام مرة وسوداء
لقد قهر الخبزُ قوّة النبوة العجيبة
وها أن الأنبياء ـ جوعى ومساكين ـ
يفرون من أرض الميعاد.
حملان المسيح الضالة
لم تعد تسمع في عمق الوديان، صوتَ
الراعي هاتفاً:هَيْ… هَيْ..
كأنما الحركات، الألوان والصور
انعكست مقلوبة في عيون المرايا،
وفوق رؤوس المهرجين السفلة
وعلى سحنات العواهر الوقحة
ثمة هالة نورانية مقدسة
مثل مظلة تحترق.
مستنقعات الخمر، ببخارها المزّ السامّ
استدرجتْ حشد المثقفين الساكن إلى
أعماقها،
والجرذان المؤذية أكلت صفحات الكتب
المذهّبة في المكتبات العتيقة.
ماتت الشمس
ماتت الشمس، وغداً سيكون لها في
ذهن الأطفال معنى أبكم وضائع،
إنهم لغرابة هذا اللفظ القديم في
واجباتهم المدرسية سيرسمونها
بقعة سوداء غليظة
الناس
الجمع المتهالك من الناس
ميتو القلوب
المتكئون
المنذهلون
في ظل وطأة أجسادهم المشؤومة
يرتحلون من غربة إلى غربة،
الشهوة المؤلمة للجريمة
تتورم على أيديهم.
أحياناً
شرارة، شرارة بسيطة تجعل هذا
الحشد الساكت الفاني
يتلاشى بلمح البصر.
إنهم يهجمون بعضهم على بعض
الرجال بعضهم يقطع بالسكين حلقوم الآخر،
وعلى أسرّة من دم
يغتصبون العذارى.
إنهم غرقى وحشيتهم
إحساسهم بالإثم شلّ أرواحهم
العمياء الغبية.
وَ دائماً.
في مراسم الإعدام
عندما يضعون حبلاً في عنق المحكوم.
وتقفز عيناه المتشنجتان من محجريهما
تراهم منزوين في أعماقهم
ومن التخيل الشهواني
تصعق أعصابهم الشائخة التعبى.
ودائماً
في أطراف الساحات العامة
ترى هؤلاء المجرمين الصغار
يقفون وكلهم دهشة
من الانسكاب الأبدي لماء النوافير
ربما لم يزل وراء العيون المسحوقة
في عُمقِ الانجماد
ثمة من هو نصف ميت
على وشك موت كاذب،
وهو في سعيه المحتضر
يريد أن يؤمن بنقاء صوت الماء.
ربما
لكنْ كم هو فراغ لا نهائي هذا.
لقد ماتت الشمس
وما من أحد عرف بأن تلك الحمامة
الحزينة التي فرّت من القلوب
اسمها: الإيمان.
آه
أيها الصوت الحبيس
ترى، هل أن عظمة يأسك
من لا اتجاه في هذا الليل الضجر
سوف تفتح ثقباً إلى النور؟
آه
أيها الصوت الحبيس
يا صوت الأصوات الأخير.
*
ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين
مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)
الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000