المدونة

  • فروغ فرخزاد – وهذه أنا

    وهذه أنا

    امرأة وحيدة

    على عتبة فصل بارد

    في ابتداء إدراك وجود الأرض الملوثة

    ويأس السماء .. الساذج المهموم

    وعجز هذه الأيدي الأسمنتية

    مضى الزمان

    مضى الزمان والساعة أربع مرات دقتْ

    أربع مرات دقتْ

    اليوم هو اليوم الأول من شهر “دي”

    إني أعرف سر الفصول

    وأفهم نطق اللحظات

    المنقذ يرقد في الرمس

    والأرض ، حضن الأرض

    تعرض لنا صورة للسلام.

    مضى الزمان و الساعة أربع مرات دقتْ

    تهب الريح … في الزقاق

    تهب الريح … في الزقاق

    وأنا أفكر بزمن تتلقح في الأزهار

    بالبراعم الهزيلة المقفرة الدم

    بهذا الزمن المتعب المسلول

    ويمر رجل تحت الأشجار المبتلة

    رجل تشبه فروع عروقه الزرقاء

    الأفاعي الميتة النافرة من بين كتفيه

    ويكرر بصدقيه المتقلبين

    ذاك التهجي الدامي

    سلاماً

    سلاماً

    وأنا أفكر بزمن تتلقح فيه الأزهار.

    على عتبة فصل بارد

    في مآتم المرايا

    في عزاء التجارب المقفرة اللون

    وهذا الغروب الحامل بالصمت

    كيف يمكن أن نعطي لذلك الرجل

    الصبور

    الوقور

    الحائر

    أمر الوقوف ؟

    كيف يمكن أن يقال للرجل أنه ليس بحيّ

    وأنه لم يكن حياً في أي زقت مضى ؟

    تهب الريح .. في الزقاق

    غربان الانزواء المنفردة

    تحوم في بساتين الكسل المسنة

    وكم حقيراً هو ارتفاع السلم

    إنها حملت معها كل سذاجة القلب

    إلى قصر القصص

    و الآن

    كيف سينهض شخص واحد للرقص

    ويرمي ضفائر طفولته

    في المياه الجارية

    ويسحق تحت قدميه

    التفاحة التي جناها وشمّها ؟

    يا صاحبي، يا صاحبي الوحيد

    يا لها من غيوم سوداء تنتظر يوم ضيافة الشمس

    كأن في مسير من تجدس الطيران ظهر ذلك الطائر في يوم

    كأنها كانت من خطوط الخيال الخضراء

    تلك الأوراق اليانعة

    المتنفسة في شهوة النسيم

    كأن تلك الشعل البنفسجية المحترقة في الذهن

    الصافي للنوافذ

    لم تكن سوى تصور برئ للمصباح .

    *

    ترجمة : محمد الأمين

  • فروغ فرخزاد – لا يبقى إلا الصوت

    لمَ أتوقف، لِمَ؟

    الطيور رحلتْ للبحثِ عن الجهة الزرقاء،

    الأفق عموديّ،

    الأفق عموديّ و الحركة تشبه النافورة،

    و الكواكب تدور نورانيةً في تخوم البصر،

    و تصلُ الأرض ُ التكرارَ في العلوّ،

    و تتحولُ الحفرُ الهوائيةُ إلى مجازات الصِلات.

    النهار اتساع لا تسعه مخيلةٌ ضيقةٌ لِدودِ الروزنامة.

    لم َ أتوقف؟

    الدروب تمرّ خلال شرايين الحياة،

    و نوعية البيئة في سفينة زهّاد القمر ستقتل الخلايا الفاسدة،

    و ما من شئ سوى الصوت في الفضاء الكيمياوي بعد الشروق،

    الصوت الذي ينجذب إلى ذرات الزمان.

    لمَ أتوقف؟

    فماذا يمكن للمستنقع أن يكون،

    سوى مكان تضع فيه حشرات الفساد ييوضَها؟

    الجثث المنتفخة تخربش أفكار المبرِّدة،

    يُخفي الئيم في السواد فقدانَ كرامته

    و الخنفساء!

    آه حين تتكلم الخنفساء!

    لمَ أتوقف؟

    فلا طائل من تواطؤ الحروف الرصاصية،

    إنّ تواطؤ الحروف الرصاصية لا يُنقذ الهواجس الحقيرة.

    أنا سليل الشجر،

    وتنفُّس الهواء البائت يوقع الكآبة في نفسي،

    طائر مات علّمني أن أتذكر الطيران.

    الاتحاد هو أقصى القدرات،

    الاتحاد بأصل الشمس المضئ،

    الانسكابُ في شعور النور،

    ومن الطبيعي أن تتهرأ طواحينُ الهواء.

    لمَ أتوقف ُ؟

    أنا أحتضن سنابل الحنطة غير الناضجة تحت ثُديّ و أرضعها،

    الصوت، الصوت فحسب الصوت،

    صوت التمنّي الشفاف للماء أن يتدفق،

    صوت اندياح نور النجوم على جدار أمومة التراب،

    صوت اندماج نطفة المعنى،

    و توسع الذهن المقسوم للعشق،

    إنه الصوت و الصوت والصوت باق في أرض الأقزام،

    وإن المعايير مسافرة دوما إلى المدار رقم صفر.

    لمَ أتوقف؟

    أنا أطيع العناصر الأربعة،

    وأنّ عمل تدوين دستور قلبي

    ليس عمل الحكومة المحلية للعميان،

    فما لي بضجيج التوحش المديد في عضو الحيوان الجنسي،

    و ما لي بالحركة الحقيرة للدود في الخلاء اللحمي؟

    لقد أودعني العِرقُ الدموي للورد بالحياة،

    فهل تعرف العرقَ الدموي للورد؟

    *

    ترجمة: حميد كشكولي

  • فروغ فرخزاد – ولادة أخرى

    كل وجودي آية معتمة

    يتكرر رحيلك فيها

    وستقتادُك ذات يوم

    نحو فجر الانبثاق والنمو الأبديين

    أني تأوهتكَ في هذه الآية: آه…

    أني عضّدتك في هذه الآية، بالشجر والماء والنار.

    الحياة ربما

    شارع ممتد، تجتازه كل نهار، امرأة بزنبيلٍ خاوٍ

    الحياة ربما، حبل يتدلى به رجل من غصن شجرة

    الحياة ربما طفل عائد من المدرسة.

    الحياة ربما، إشعال سيجارة في البرهة الرخوة بين ضجيعتين

    أو عبور مُواربٍ لمارٍ، يرفع قبعته

    ليحيّي، بابتسامة باهتةٍ، ماراً آخر: ” طاب صباحك “.

    الحياة ربما تلك اللحظة الموصدة

    إذ تبدد نظرتي نفسها في بؤبؤي عينيك

    أو في هذا الشعور الذي سأمزجه بإدراك القمر واستيعاب العتمة.

    في غرفة بحجم عزلة

    قلبي الذي بحجم حب

    يحدّق في دعاوى السعادة الساذجة

    بالزوال الجميل لورود المزهرية

    بالغسيل الذي غرسته في حديقتنا

    بغناء الكناريا المزغردة بمقدار نافذة.

    آه

    هي ذي حصتي

    هي ذي حصتي

    حصتي سماء تنتزعها مني ستارة مسدلة

    حصتي الهبوط من درجة سلّمٍ مهجورة

    واللحاق بشيء قابع في التلاشي

    حصتي دوران حزن ملوّنٍ في مزرعة الذكريات والغربة

    والاحتضار في أسى نداءٍ يقول لي: ” أحب يديكِ “

    أزرع يديّ في الجنينة

    سأخضّر، أعلم، أعلم، أعلم

    وستضع النوارس بيضها في حفر أناملي المطلية بالحبر

    سأعلق على أذني قيراطاً من حبتي كرزٍ توأم

    وسألصق أوراق وردة الكوكب على ضفائري

    فثمة زقاق

    ما زال فتيانه الذين أحبوني ذات يوم

    بشعرهم المجعّد،

    أعناقهم الرفيعة

    وأقدامهم النحيفة

    يفكرون بابتسامة بريئة لفتاة اختطفتها الريح ذات ليلة.

    سفر حجم في مسلك الزمان

    وإخصاب خط الزمان الجاف بحجم آخر

    حجم من صورة واعية

    عائد من ضيافة مرآة

    وهكذا ثمة من يموت

    وثمة من يبقى

    ما من صيّاد، قط، سيصطاد لؤلؤة من جدولٍ متواضع

    يصب في حفرة.

    أنا أعرف عروسة بحر تسكن الأوقيانوس

    تعزف بتؤدة، قلبها في قصبة.

    عروسة بحر حزينة تموت ليلاً بقُبلة

    وحين الفجر، تعود إلى الحياة بقُبلة أخرى.

  • فروغ فرخزاد – قلبي يحترق على الحديقة

    لا أحد يفكر بالأزهار‏

    لا أحد يفكر بالأسماك‏

    لا أحد يريد تصديق أن الحديقة تحتضر‏

    أن قلب الحديقة متورم تحت الشمس‏

    وأن ذهن الحديقة ينزف، بهدوء، ذكرياتٍ خضراء‏

    وحس الحديقة كأنه شيء مجرّد‏

    يتفسخ في انزواء الحديقة‏

    باحة بيتنا منعزلة‏

    باحة بيتنا تتثاءب في انتظار هطول غيمة غريبة‏

    حوض البيت فارغ‏

    والنجوم الصغيرة عديمة التجربة‏

    يتساقطن من شاهقات الأشجار على التراب‏

    وبين النوافذ الباهتة لبيوت الأسماك‏

    يأتي، في الليالي، صوت سعال‏

    باحة بيتنا منعزلة.‏

    الأب يقول: فات أواني‏

    فات أواني‏

    لقد حملت أوزاري‏

    وأتممت عملي).‏

    وفي غرفته، من الصبح حتى الغروب‏

    هو إما يقرأ الشاهنامه)(*)‏

    أو ناسخ التواريخ).(**)‏

    الأب يقول للأم:‏

    اللعنة على كل سمكة وكل طير.‏

    ما همني، إذا مِتُّ،‏

    أكانت الحديقةُ أمْ لمْ تكنْ‏

    يكفيني راتب التقاعد).‏

    الأم كل حياتها سجادة مفروشة‏

    على عتبة رعب جهنم.‏

    الأم تقتفي آثار أقدام خطيئة‏

    في أعماق كل شيء،‏

    وتظن أن الحديثة ملوثة‏

    بسبب كفر شجرة.‏

    الأم مذنبة بالفطرة‏

    الأم كل يوم تقرأ الدعاء‏

    وتعزّم على كلَّ الأزهار‏

    وتعزّم على كلَّ الأسماك‏

    وتعزّم على نفسها‏

    الأم في انتظار يوم الظهور).‏

    وحلول المغفرة.‏

    أخي يسمي الحديقة مقبرة‏

    أخي يسخر من شغب الحشائش‏

    ويعدُّ جثث السمكات المتعفنة‏

    تحت جلد الماء المريض،‏

    أخي مدمن فلسفة‏

    أخي يرى شفاء الحديقة في انهدامها.‏

    إنه يسكر‏

    يضرب بقبضته الحائط والباب‏

    يريد أن يقول: أنا متوجع، تعب، يائس.‏

    يأسه مثل بطاقته الشخصية وتقويمه ومنديله‏

    وقداحته وقلمه،‏

    يأخذه معه إلى الزقاق والسوق،‏

    يأسه من الضآلة بحيث يضيع كلَّ ليلة‏

    في زحام الحانة.‏

    وأختي التي كانت صديقة الزهور‏

    وكلمات قلبها الساذجة‏

    عندما تضربها أمي،‏

    تأخذ الزهور إلى محفلها العطوف الصامت‏

    أحياناً تستضيف عائلة الأسماك‏

    إلى الشمس والحلوى..‏

    بيتها في الجانب الآخر من المدينة‏

    هي داخل بيتها الاصطناعي‏

    مع أسماكها الحمر الاصطناعية‏

    وفي حماية حب زوجها الاصطناعي‏

    وتحت أغصان أشجار تفاحها الاصطناعية‏

    تغني أغاني اصطناعية‏

    وتصنع أطفالاً طبيعيين.‏

    كلما جاءت تزورنا‏

    تتوسخ أذيال تنورتها من فقر الحديقة‏

    تستحم بالكولونيا،‏

    هي كلما جاءتنا‏

    تكون حبلى.‏

    باحة بيتنا منعزلة.‏

    باحة بيتنا منعزلة.‏

    في كل يوم يأتي من وراء الباب صوت انفجار‏

    جميع جيراننا يزرعون في تراب حديقتهم القذائفَ‏

    والبنادقَ بدلَ الزهور،‏

    جيراننا يغطّون أحواضهم المبلّطة.‏

    الأحواض، رغماً عنها،‏

    صارتْ مخازن سرية للبارود.‏

    وأطفال زقاقنا ملأوا حقائبهم المدرسية‏

    قنابلَ صغيرة.‏

    باحة بيتنا دائخة.‏

    أخاف الزمن الذي أضاع قلبه‏

    أخاف التصور العبثيِّ لكل هذه الأيدي‏

    أخاف من تجسّم غرابة كل الوجوه،‏

    أنا وحيدة‏

    مثل تلميذة تعشق درس الهندسة بجنون‏

    وأعتقد أن من الممكن أخذ الحديقة إلى المستشفى‏

    أعتقد‏

    أعتقد‏

    أعتقد‏

    قلب الحديقة تورم تحت الشمس‏

    قلب الحديقة ينزف، بهدوء، ذكرياتٍ خضراء.‏

    _____________

    (*) الشاهنامه: كتاب سير الملوك الفرس، ألفه الفردوسي سنة 300 هـ، يحكي فيه تأريخ وأساطير الفرس حتى دخول العرب بلاد فارس.‏

    (**) ناسخ التواريخ: كتاب تأريخي لمؤلفه لسان الملك الميرزا محمد تقي سبهر الذي عاش في زمن الدولة القاجارية

    *

    ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين

    مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)

    الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000

  • فروغ فرخزاد – الذي لا يشبه أحداً

    إني رأيت حلماً: أحدهم سأتي‏

    إني رأيت حلمَ نجمة قرمزية‏

    أهدابي ترفّ‏

    وأحذيتي تتراكب‏

    لأكنْ عمياء إذا كذبتُ‏

    أنا رأيت تلك النجمة القرمزية‏

    عندما لم أكن نائمة‏

    أحد ما يأتي‏

    أحد ما يأتي‏

    أحد أجمل‏

    لا يشبه أحداً، ليس مثل أبي، ليس مثل أنسي)،‏

    ليس مثل يحيى)، ليس مثل أمي،‏

    إنه مثل الذي يجب أن يكون‏

    وطوله، أطول من أشجار بيت البنّاء،‏

    ووجهه‏

    أكثر إشعاعاً من وجه صاحب الزمان‏

    ومن شقيق سيد جواد) الذي رحل.‏

    إنه يرتدي زيّ الحارس، لا يخاف،‏

    ولا يخاف حتى من سيد جواد) الذي‏

    يملك كل غرف بيتنا.‏

    واسمة مثل الذي تناديه أمي في أول الصلاة وآخرها:‏

    يا قاضي القضاة‏

    يا صاحب الحاجات).‏

    بمقدوره أن يقرأ بعين مغمضة‏

    كل كلمات كتاب الصف الثالث الصعبة،‏

    وبمقدوره طرح الألف من العشرين مليوناً.‏

    بلا تخاذل،‏

    يستطيع أن يستلف ما يحتاج من بضائع‏

    من دكان سيد جواد‏

    يستطيع، مرة أخرى، أن يجعل مصباح الله)‏

    الذي كان أخضرـ كان مثل صبيحة السحر أخضرـ‏

    يجعله يضيء على سماء مسجد مفتاحيان)(1)‏

    آخ‏

    كم هو الضياء جميل‏

    كم الضياء جميل‏

    وكم يتمنى قلبي أن يمتلك يحيى عربة‏

    وسراجاً،‏

    وكم يتمنى قلبي‏

    أن أجلس على عربة يحيى‏

    بين البطيخ والرقي‏

    وأدور حول ساحة محمدية)(2)‏

    آخ..‏

    كم هو ممتع الدوران حول الساحة‏

    كم هو ممتع النوم فوق السطح‏

    كم هو ممتع الذهاب إلى حديقة ملي)(3)‏

    كم هو لذيذ طعم البيبسي)‏

    كم هو ممتعة سينما فردين)(4)‏

    وأنا كم أحب هذه الأشياء الممتعة‏

    وكم يتمنى قلبي أن‏

    أشدّ ضفيرة بنت سيد جواد.‏

    لم أنا صغيرة إلى هذا الحدّ‏

    حيث أضيع في الشوارع؟‏

    ولماذا أبي ليس صغيراً‏

    ولا يضيع في الشوارع،‏

    لم لا يفعل شيئاً لتقريب يوم مجيء هذا‏

    الذي يأتي في منامي؟‏

    وأهل محلة المسلخة‏

    الذين تراب حدائقهم أيضاً ملطخ بدم‏

    وماء أحواضهم ملطخ بدم‏

    ورف أحذيتهم ملطخ بدم‏

    لم لا يفعلون شيئاً‏

    لم لا يفعلون شيئاً؟‏

    كم هي كسولة شمس الشتاء‏

    أنا كنست درجات عتبة البيت‏

    وغسلت زجاج النوافذ أيضاً.‏

    لماذا أبي‏

    في النوم فقط‏

    يرى الحلم؟‏

    أنا كنست درجات عتبة البيت‏

    وغسلت زجاج النوافذ أيضاً‏

    أحد ما يأتي‏

    أحد ما يأتي‏

    أحد ما، معنا بقلبه، معنا بنفسه، معنا بصوته‏

    لا يستطيع الإمساك بقدومه‏

    وتكبيله وزجّه في السجن‏

    هو الذي تطفل تحت أشجار يحيى القديمة‏

    ويوماً أثر يوم‏

    يكبر…. يكبر‏

    هو الآتي من المطر، من صوت هدير المطر‏

    من بين همس ورود الأطلس‏

    من فوق سماء توبخانة)(5) في ليل الألعاب‏

    النارية،‏

    يبسط المائدة ويقسّم الخبز‏

    ويقسم البيبسي‏

    ويقسم حديقة ملي).‏

    ويقسم شراب السعال‏

    ويقسم يوم التسجيل‏

    ويقسم غرف المستشفى‏

    ويقسم أحذية البلاستيك‏

    ويقسم سينما فردين).‏

    ويقسم أشجار بنت سيد جواد‏

    ويقسم كل ما عملته الريح‏

    ويعطيني نصيبي‏

    لقد رأيت حلماً…‏

    ___________

    (1) مسجد في طهران.‏

    (2) ساحة في جنوب طهران.‏

    (3) ملّي:متنزه كبير وسط طهران.‏

    (4) سينما فردين: سينما في جنوب طهران.‏

    (5) التوبخانة: ساحة في جنوب طهران، ومعناها ساحة المدفع.

    *

    ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين

    مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)

    الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000

  • فلنؤمن بحلول الفصل البارد – فروغ فرخزاد  – ترجمة: ناطق عزيز وأحمد عبد الحسين

    فلنؤمن بحلول الفصل البارد – فروغ فرخزاد – ترجمة: ناطق عزيز وأحمد عبد الحسين

    وهذه أنا‏

    امرأة وحيدة‏

    على عتبة الفصل البارد،‏

    في بدء إدراك الوجود الملوث بالأرض‏

    ويأس السماء البسيط الحزين‏

    وعجز تلك الأيدي الإسمنتية.‏

    مضى الزمن‏

    مضى الزمن ودقّت الساعة أربع مرات‏

    دقت أربع مرات‏

    اليوم أول شهر دي(1)‏

    أنا أعرف سرّ الفصول‏

    وأفهم كلام اللحظات.‏

    المنقذ يرقد في لحده‏

    والتراب، التراب المضياف‏

    علامة السكينة.‏

    مضى الزمن ودقت الساعة أربع مرات‏

    تأتي الريح في الزقاق‏

    تأتي الريح في الزقاق‏

    وأنا أفكر باقتران الزهور‏

    وبالبراعم ذات السيقان النحيلة، فقيرة الدم‏

    وبهذا الزمن المتعب المسلول‏

    والرجل العابر من جنب الأشجار الرطبة‏

    الرجل الذي حبال شرايينه الزرق‏

    كالأفاعي الميتة، تزحف من طَرَفِيْ حلقومه‏

    إلى الأعلى، وبصدغيه الهائجين يكرّر ذلك‏

    اللفظَ المدمى:‏

    ـ سلاماً‏

    ـ سلاماً‏

    وأنا أفكر باقتران الزهور.‏

    على عتبة الفصل البارد.‏

    في محفل عزاء المرايا‏

    والحشد المعزي لتجارب باهتة اللون‏

    وهذا الغروب اليانع بحكمة الصمت‏

    وهذا الذي يعبر هكذا‏

    صبوراً وقوراً‏

    حائراً‏

    كيف يؤمر بالوقوف؟‏

    كيف يقال له: أنت لست حياً؟‏

    إنه لم يكن حياً أبداً.‏

    تأتي الريح في الزقاق‏

    غربان العزلة، وحيدة‏

    تدور في الحدائق الشائخة الكسلى‏

    والسلّم… يالارتفاعه الحقير.‏

    لقد أخذوا معهم كلَّ صفاء القلب‏

    إلى قصر الحكايات‏

    والآن، مرة أخرى،‏

    مرة أخرى كيف ينهض شخص إلى الرقص‏

    ويحلّ ضفائر طفولته في الماء الجاري،‏

    والتفاحة التي اقتُطِفَتْ في النهاية‏

    وشُمّتْ‏

    ستدحرجها الأقدام.‏

    حبيبي يا حبيبي الأوحد‏

    كم من غمامة سوداء تنتظر يوم ضيافة الشمس‏

    كأنها في مسير على هيئة التحليق‏

    يومَ تجلّى ذلك الطائر‏

    كما لو من الخطوط الخضراء للتخيّل،‏

    هذه المستنقعات الجديدة التي تستنشق شهوةَ النسيم‏

    كأنما الشعلة‏

    الشعلة البنفسجية التي تلتهب في ذهن النوافذ الطاهر‏

    لم تكن سوى صورة بريئة للمصباح.‏

    تأتي الريح في الزقاق‏

    هذا أول الانهدام‏

    يومها أيضاً عندما انهدمتْ يداك، هبّت الريح.‏

    أيتها النجوم العزيزة‏

    أيتها النجوم الورقية العزيزة‏

    عندما يعصف الكذبُ بالسماء،‏

    كيف اللجوء إلى سُوَر الأنبياء الخجلين؟‏

    نحن مثل موتى آلاف آلاف السنين‏

    سنلتقي‏

    وعندها ستحكم الشمس على أجسادنا بالفساد.‏

    بردانة أنا وكأني لن أدفأ أبداً‏

    حبيبي، يا حبيبي الأوحد كم هو عمر هذا النبيذ.‏

    أنظرْ فهنا ما أثقل الزمن‏

    وكيف الأسماك تمضغ لحمنا‏

    لمَ، دائماً ، تتركني في قعر البحر؟‏

    بردانة أنا وبي ضيق من الأقراط الصدفية‏

    بردانة وأعرف‏

    أن من بين كل الأوهام الحمر الوحشية للشقائق‏

    لن يتبقّى سوى‏

    بضع قطرات من الدم‏

    سأهجر الخطوط‏

    سأهجر عدّ الأرقام‏

    ومن الأشكال الهندسية الضيقة‏

    سألجأ لمساحة الحس الواسعة‏

    أنا عارية، عارية، عارية،‏

    عارية كالصمت بين كلامي عن الحب‏

    وجروحي كلها بسبب الحب‏

    الحب، الحب، الحب،‏

    أنا التي أنقذتُ تلك الجزيرة من انقلاب المحيط‏

    وانفجار الجبل‏

    ومن فناء سرّ ذلك الوجود المتحد‏

    الذي وُلدت الشمس من أحقر ذراته.‏

    سلاماً أيها الليل المعصوم‏

    سلاماً أيها الليل، يا من تستبدل عيون ذئاب‏

    الصحراء‏

    بحُفَر من عظام الإيمان والثقة،‏

    وعلى ضفاف أنهارك، ثمة أرواح الصفصاف‏

    تشمُّ أرواح الفأس الرؤوم.‏

    أنا آتية من عالم تستوي فيه الأفكار والكلام والأصوات‏

    عالم مثل جحر الأفاعي‏

    عالم مليء بأصوات أقدام أناس‏

    في لحظة تقبيلهم إيّاك‏

    ينسجون في أذهانهم حبل إعدامك.‏

    سلاماً أيها الليل المعصوم‏

    بين النوافذ والرؤية‏

    دائماً ثمة فاصلة‏

    لِمَ لمْ أنظرْ؟‏

    مثل الزمن الذي عبر فيه رجل من جنب الأشجار الرطبة..‏

    لِمَ لمْ أنظر؟‏

    كأن أمي بكت تلك الليلة‏

    تلك الليلة التي بلغت فيها وجعي‏

    وانعقدت النطفة‏

    تلك الليلة غدوت عروس عناقيد الأكاسيا‏

    تلك الليلة كانت أصفهان ملأى بإيقاع البلاط الأزرق‏

    وهذا الذي كان نصفي عاد إلى نطفتي‏

    وأنا أراه في المرآة‏

    كالمرآة طاهراً ومضيئاً‏

    ناداني‏

    فصرت عروس عناقيد الأكاسيا.‏

    كأن أمي بكت تلك الليلة‏

    ياللضياء العبثي المتلصص في تلك الكوّة الموصدة‏

    لِمَ لمْ أنظر؟‏

    كلّ لحظات السعادة تعرف‏

    أن يديك ستنهدمان‏

    وأنا لمْ أنظر‏

    إلى أن انفتحتْ نافذة الساعة‏

    وغرّد الكناري الحزين أربع مرات‏

    غرد أربع مرات‏

    والتقيتُ بتلك المرأة الصغيرة‏

    التي كانت عيناها مثل عشين خاويين‏

    من السيمرغ(2)‏

    وكانت تروح هازّةً فخذيها‏

    كأنها تقود بكارة أحلامي العظيمة إلى سرير الليل.‏

    ترى هل سأمشط ضفائري في الهواء ثانية؟‏

    ترى هل سأزرع البنفسج في الحدائق ثانية؟‏

    وهل سأضع الشمعدانات في المساء وراء النافذة؟‏

    هل سأرقص فوق الكؤوس ثانية؟‏

    وهل سيأخذني جرس الباب ـ مرة أخرى ـ إلى‏

    انتظار الصوت‏

    قلت لأمي: أخيراً انتهى

    قلت: دائماً قبل أن تفكري يقع الحادث.‏

    يجب أن نبعث التعازي إلى الصحيفة. 

    الإنسان الأجوف‏

    الإنسان الأجوف ممتلئ بالثقة.‏

    أنظرْ، كيف، عند المضغ، أسنانه تقرأ النشيد،‏

    وعيناه، حين يحدّق تمزّقان.‏

    أما ذلك، فهو يعبر من جنب الأشجار‏

    صبوراً‏

    وقوراً‏

    حيران‏

    في الساعة الرابعة‏

    في اللحظة التي كانت حبال شرايينه‏

    كالأفاعي الميتة من طرفي حلقومه إلى الأعلى،‏

    وبصدغيه الهائجين يكرر ذلك اللفظ المدمى:‏

    ـ سلاماً‎‏

    ـ سلاماً‎‏

    وأنت…‏

    ترى هل شممتَ يوماً‏

    الشقائق الأربع الزرقاء…؟‏

    مضى الزمن‏

    مضى الزمن وأرخى الليل سدوله على أغصانِ‏

    الأكاسيا العارية،‏

    الليل يتزحلق على زجاج النافذة،‏

    وبلسانه البارد‏

    يمتص إلى داخله ما تبقى من اليوم الذاهب‏

    من أين أتيت أنا؟‏

    من أين أتيت أنا؟‏

    هكذا مدهونة برائحة الليل؟‏

    لمْ يزلْ تراب ضريحه طريّاً‏

    أعني ضريح تينك اليدين الخضراوين الفتيتين.‏

    كم كنتَ رحيماً أيها الحبيب ـ يا حبيبي الأوحد.‏

    كم كنتَ رحيماً عندما تكذب‏

    كم كنتَ رحيماً عندما تغلق جفون المرايا‏

    وتقتلع القناديل من سيقانها السلكية‏

    وفي الظلام الظالم تأخذني إلى مراتع الحب‏

    إلى أن يجلس ذلك البخار الدائخ من حريق العطش‏

    على مرج النوم.‏

    تلك النجوم الورقية‏

    تدور على اللامنتهى‏

    لماذا قالوا الكلام بالصوت؟‏

    لماذا استظافوا النظر ببيت الملتقى؟‏

    لماذا أخذوا الرغبة إلى حياء الضفائر العذرية؟‏

    انظرْ‏

    كيف يحيا ذلك الشخص الذي يتكلم بالكلام‏

    ويعزف بالنظر‏

    وبرغبة الرهبة نام مصلوباً على أعمدة الوهم‏

    وكيف بقي على خدّه‏

    أثر أغصان أناملك الخمس‏

    التي تشبه الحروف الخمسة للحقيقة‏

    ما هو الصمت، ما هو، ما هو يا حبيبي الأوحد؟‏

    ما الصمت سوى كلام لم يُتَكلّمْ به.‏

    أنا أتأخر عن الكلام، لكنْ لغة العصافير.‏

    لغة الحياة، جُمَل فرح الطبيعة الجارية،‏

    لغة العصافير، تعني: الربيع، الأوراق، الربيع.‏

    لغة العصافير، تعني: النسيم، العطر، النسيم.‏

    لغة العصافير، تموت في المصنع.‏

    مَنْ هذا، هذا السائر على جادّة الأبدية‏

    نحو لحظة التوحيد‏

    يوقّتُ ساعة الأزلية مع منطق رياضيات التكامل والتفاضل؟‏

    مَنْ هذا‏

    هذا الذي لا يرى في صياح الديكة‏

    بداية قلب اليوم‏

    بل بداية رائحة الإفطار؟‏

    من هذا الذي على رأس تاج الحب‏

    يتفسخ في ثياب الزفاف؟‏

    وأخيراً لم تشرق الشمس على القطبين اليائسيين‏

    في زمن واحد،‏

    أنت خلوتَ من إيقاع البلاط الأزرق‏

    وأنا ـ لفرط امتلائي ـ على صوتي يصلّون…‏

    الجنائز السعيدة‏

    الجنائز الملول‏

    الجنائز الصامتة المتأملة‏

    الجنائز المرخيِّة، الأنيقة ، الأكولة في‏

    محطات الأوقات المحددة،‏

    وفي قاع الأنوار المقرَّرة الضبابية‏

    وشهوة شراء فاكهة اللاجدوى العفنة.‏

    آه….‏

    كمْ من الناس في تقاطعات الطرق‏

    تقلقهم الحوادث‏

    وأصوات صفارات الوقوف‏

    في اللحظـة الـتي يجب‏

    يجب‏

    يجب‏

    أن يُسحق رجل تحت عجلات الزمن،‏

    ذلك الرجل العابر من جنب الأشجار الرطبة،‏

    من أين أتيتُ أنا؟‏

    قلتُ لأمي: لقد انتهى.‏

    قلت: دائماً قبل أن تفكري، يقع الحادث،‏

    يجب أن نبعث التعازي إلى الصحيفة

    سلاماً يا غرابة العزلة.‏

    أستودعك الغرفةَ.‏

    لأن الغمام القاتم رسول آيات‏

    التطهير الجديدة،‏

    وفي استشهاد الشمعة‏

    سرٌّ مضيء يعرف أنها آخر وأطول شعلة.‏

    بعدك التجأنا إلى المقابر‏

    والموت يتشمم تحت عباءة جدتي‏

    الموت ـ هذه الشجرة العظيمة‏

    الأحياء ـ في المبتدأ- يستغيثون بأغصانها الملولة‏

    والأموات ـ في المنتهى ـ يتشبثون بجذورها الفسفورية.‏

    والموت جالس على الضريح المقدس‏

    في زواياه الأربع، وفي لحظة واحدة‏

    أضاءت أربع شقائق زرق…‏

    فلنؤمنْ‏

    فلنؤمنْ بحلول الفصل البارد‏

    فلنؤمنْ بحطام حدائق التخيّل‏

    وبالمناجل المقلوبة العاطلة‏

    والبذور السجينة‏

    أنظر…ياللثلج الهاطل‏

    لعلّ الحقيقة كانت تينك اليدين الفتيتين،‏

    تينك اليدين الفتيتين‏

    اللتين دُفنتا تحت هطول الثلج المديد.‏

    في العام القادم‏

    حين يضاجع الربيعُ السماءَ‏

    وراء النافذة‏

    ويغليان ملتحمين،‏

    النوافير الخضر ـ السيقان الخفيفة‏

    سوف تزهر يا حبيبي‏

    يا حبيبي الأوحد.‏

    فلنؤمن بحلول الفصل البارد.‏

    ______________

    (1) ذي: الشهر العاشر في السنة الإيرانية ويقابله الكانونان من السنة الميلادية.‏

    (2) السيمرغ: طائر أسطوري معناه بالفارسية الثلاثين طائراً، استخدمه الصوفية رمزاً دالاً على الذات الإلهية، كما في كتاب منطق الطير لفريد الدين العطار.‏

    *نص: فروغ فرخزاد 
    *ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين

  • فروغ فرخزاد – ولادة أخرى

    وجودي كلّه آية مظلمة‏

    تكررك دائماً في نفسها‏

    ستأخذك إلى سَحَر الدهشة‏

    والعود الأبدي‏

    أنا تأوهتك في هذه الآية: آه…‏

    أنا، بهذه الأية، ربطتك بالشجر‏

    والماء‏

    والنار.‏

    لعلّ الحياة شارع طويل تجتازه امرأة كل يوم بزنبيل‏

    لعلّ الحياة حبل يعلّق به رجل نفسه من غصن.‏

    لعلّ الحياة طفل يعود من المدرسة.‏

    لعلّ الحياة‏

    إشعال سيجارة في برهة ارتخاء متعانقين‏

    أو مرور عابر سبيل دائخ‏

    يرفع قبعة عن رأسه‏

    قائلاً لعابر آخر بابتسامة فارغة:‏

    صباح الخير.‏

    لعلّ الحياة‏

    تلك اللحظة المغلقة‏

    التي تحطم نظرتي نفسها‏

    في امتناع عينيك‏

    وفي هذا الشعور الذي سأمزجه‏

    بفهم القمر‏

    وإدراك الظلام.‏

    في غرفة بحجم عزلة‏

    قلبي‏

    الذي بحجم الحب‏

    ينظر لأعذار السعادة البسيطة‏

    لزوال جمال الزهور في المزهرية‏

    للشتلة التي غرستها أنت في حديقة بيتنا‏

    ولغناء الكناري‏

    المغرد بحجم نافذة.‏

    آه…‏

    هذا نصيبي‏

    هذا نصيبي‏

    نصيبي سماء أخذت مني إسدال ستارتها‏

    نصيبي نزول من سلّم مهجور‏

    والوصول إلى شيء في التفسخ والغربة.‏

    نصيبي نزهة ملوثة حزناً‏

    في حديقة الذكريات‏

    وفي حزن صوت محتضر‏

    يقول لي: “أحب يديك”.‏

    أغرس يدي في الحديقة‏

    أخضر، أعرف،أعرف،أعرف،‏

    بأن السنونوات ستضع بيضها‏

    وفي خُفَر أناملي المصبوغة بالحبر‏

    أعلّق على أذنيّ قرطين‏

    من كرزتين حمراوين توأمين،‏

    وألصق على أظافري‏

    أوراق زهرة داليا.‏

    ثمة زقاق‏

    صبيانه هناك كانوا مغرمين بي‏

    ما زالوا بالشعر المشعث ذاته والأعناق النحيفة‏

    والأرجل العجفاء يفكرون بابتسامات الفتاة البريئة‏

    التي، في ليلة ما، أخذتها الريح معها.‏

    ثمة زقاق سرقه قلبي‏

    من حارات طفولتي‏

    سفرُ حجم من خط الزمان‏

    وبالحجم الذي لّقح خطَّ الزمان الجاف‏

    حجم من صورة عارفة‏

    ترجع من ضيافة المرآة.‏

    وعلى هذا النحو‏

    أحدٌ ما يموت‏

    أحدٌ ما يبقى‏

    ليس هنالك صياد يصطاد اللؤلؤ‏

    من جدول صغير‏

    يصب في حفرة‏

    أنا أعرف ملاكاً صغيراً حزيناً‏

    مسكنه المحيط‏

    وقلبه يعزف بهدوء… بهدوء‏

    وفي ناي صغير.‏

    ملاك صغير حزين.‏

    يموت بسبب قبلة في الليل.‏

    ويولد، بقبلة، وقت السحر.‏

    *

    ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين

    مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)

    الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000

  • فروغ فرخزاد – الطائر كان طائراً فقط

    الطائر قال: ياللعطر، ياللشمس‏

    آه… لقد أتى الربيع‏

    وأنا ذاهب لأبحث عن زوجتي‏

    على شفا الإيوان‏

    طار الطائر‏

    قفز كالرسالة وغادر‏

    كان الطائر صغيراً‏

    الطائر لا يفكر‏

    الطائر لا يقرأ الجريدة‏

    الطائر ليس عليه ديون‏

    الطائر لا يعرف الناس‏

    الطائر على الهواء‏

    يحلّق فوق إشارات الخطر الضوئية‏

    يسأل عن ارتفاع المجهول‏

    ويجرّب اللحظات الزرقاء بجنون‏

    الطائر، آه، كان طائراً.. فقط.‏

    *

    ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين

    مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)

    الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000

  • فروغ فرخزاد – هديــة

    أنا أتكلم عن نهاية الليل‏

    أتكلم عن نهاية الظلام‏

    وعن نهاية الليل أتكلم.‏

    إذا ما جئت إلى بيتي‏

    أيها العطوف‏

    فهات مصباحاً ونافذة‏

    لأرى ازدحام الزقاق السعيد.‏

    _________

    . وضعت القصيدة بعد وفاة الشاعرة على شاهدها قبرها.‏

    *

    ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين

    مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)

    الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000

  • فروغ فرخزاد – الطائر ميت لا محالة

    قلبي منقبض‏

    قلبي منقبض‏

    أذهبُ إلى الإيوان‏

    وبأناملي أمسح بشرة الليل المديد‏

    مصابيح العلاقات مطفأة‏

    مصابيح العلاقات مطفأة‏

    لا أحد سَيُعِّرِفَني على الشمس‏

    لا أحد سيأخذني إلى ضيافة العصافير‏

    ضع الطيران في خاطرك‏

    فالطائر ميت لا محالة.‏

    *

    ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين

    مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)

    الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000

  • فروغ فرخزاد – الجمعة

    الجمعة الصامتة‏

    الجمعة المتروكة‏

    الجمعة ـ كالأزقة العتيقة ـ حزينة‏

    الجمعة أفكار كسلى مريضة‏

    الجمعة تثاؤبات مؤذية ومديدة‏

    الجمعة ـ لا انتظار‏

    الجمعة استسلام.‏

    البيت خال‏

    البيت موحش‏

    البيت بابه موصد على هجوم الفتوة‏

    بيت الظلام وفكرة الشمس‏

    بيت العزلة والتفاؤل والترديد.‏

    البيت: ستارة، كتاب، صندوق، صور.‏

    آه…، كم هو هادئ، عَبَرَ ممتلئاً بالغرور‏

    عمري مثل ساقية غريبة‏

    في قلب هذه الجُمَع الصامتة المتروكة‏

    في قلب هذه البيوت الخالية الموحشة‏

    آه، كم هو هادئ‏

    عَبَرَ‏

    ممتلئاً بالغرور.‏

    *

    ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين

    مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)

    الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000

  • فروغ فرخزاد – بين الظلام

    بين الظلام‏

    ناديتك أنت،‏

    كان السكون‏

    والنسيم يلاعبان الستارة‏

    في السماء الملول‏

    نجمة تحترق‏

    نجمة تذهب‏

    نجمة تموت.‏

    ناديتك أنت‏

    ناديتك أنت‏

    كان وجودي كله‏

    مثل قدح حليب‏

    بين يدي.‏

    نظرة القمر الزرقاء‏

    ارتطمت بالزجاج.‏

    أغنية حزينة‏

    تصاعدت من مدينة السلاسل‏

    كالدخان،‏

    وكالدخان‏

    تتزحلق على النوافذ.‏

    طوال الليل‏

    ثمة بين نهدي‏

    أحد ما يلهث يائساً‏

    نفَسَاً نفسَاً.‏

    أحد ما ينهض‏

    أحد ما يريدك‏

    أحد ما يناديك،‏

    مرة أخرى سوف يسحب‏

    يديه الباردتين.‏

    طوال الليل، هناك‏

    يتساقط الحزن‏

    من الغصون السوداء.‏

    أحد ما متأخر عن نفسه‏

    أحد ما يناديك‏

    والهواء يتساقط عليه‏

    كالحطام.‏

    شجرتي الصغيرة تتعشق الريح،‏

    الريح التي لا قرار لها.‏

    أين بيت الريح؟‏

    أين بيت الريح؟‏

    *

    ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين

    مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)

    الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000

  • فروغ فرخزاد – آيات أرضية

    عندها.. بردت الشمس‏

    وارتفعت البركة من الأرض‏

    عندها، الأرض الخضراء يبست كالصحراء‏

    جفّت الأسماك في البحر‏

    والتراب لم يعد يتقبل الموتى من بعدُ، ‏

    الليل في كل النوافذ الشاحبة‏

    مثل خيال مرتبك‏

    كان يتراكم ويطغى، ‏

    والطرقات أطلقت نهاياتها في الظلمة.‏

    لم يعد أحد يفكر بالحب‏

    لم يعد أحد يفكر بالفتح،‏

    لم يعد أحد أبداً‏

    يفكر بأي شيء.‏

    في كهوف العزلة ولد العبث‏

    ومن الدم انبعثت روائح الأفيون والحشيش‏

    النساء الحوامل وضعن أطفالاً بلا رؤوس‏

    والمهود ـ لفرط حيائها ـ لاذت بالمقابر.‏

    كم هي أيام مرة وسوداء‏

    لقد قهر الخبزُ قوّة النبوة العجيبة‏

    وها أن الأنبياء ـ جوعى ومساكين ـ‏

    يفرون من أرض الميعاد.‏

    حملان المسيح الضالة‏

    لم تعد تسمع في عمق الوديان، صوتَ‏

    الراعي هاتفاً:هَيْ… هَيْ..‏

    كأنما الحركات، الألوان والصور‏

    انعكست مقلوبة في عيون المرايا،‏

    وفوق رؤوس المهرجين السفلة‏

    وعلى سحنات العواهر الوقحة‏

    ثمة هالة نورانية مقدسة‏

    مثل مظلة تحترق.‏

    مستنقعات الخمر، ببخارها المزّ السامّ‏

    استدرجتْ حشد المثقفين الساكن إلى‏

    أعماقها، ‏

    والجرذان المؤذية أكلت صفحات الكتب‏

    المذهّبة في المكتبات العتيقة.‏

    ماتت الشمس‏

    ماتت الشمس، وغداً سيكون لها في‏

    ذهن الأطفال معنى أبكم وضائع، ‏

    إنهم لغرابة هذا اللفظ القديم في‏

    واجباتهم المدرسية سيرسمونها‏

    بقعة سوداء غليظة‏

    الناس‏

    الجمع المتهالك من الناس‏

    ميتو القلوب‏

    المتكئون‏

    المنذهلون‏

    في ظل وطأة أجسادهم المشؤومة‏

    يرتحلون من غربة إلى غربة، ‏

    الشهوة المؤلمة للجريمة‏

    تتورم على أيديهم.‏

    أحياناً‏

    شرارة، شرارة بسيطة تجعل هذا‏

    الحشد الساكت الفاني‏

    يتلاشى بلمح البصر.‏

    إنهم يهجمون بعضهم على بعض‏

    الرجال بعضهم يقطع بالسكين حلقوم الآخر،‏

    وعلى أسرّة من دم‏

    يغتصبون العذارى.‏

    إنهم غرقى وحشيتهم‏

    إحساسهم بالإثم شلّ أرواحهم‏

    العمياء الغبية.‏

    وَ دائماً.‏

    في مراسم الإعدام‏

    عندما يضعون حبلاً في عنق المحكوم.‏

    وتقفز عيناه المتشنجتان من محجريهما‏

    تراهم منزوين في أعماقهم‏

    ومن التخيل الشهواني‏

    تصعق أعصابهم الشائخة التعبى.‏

    ودائماً‏

    في أطراف الساحات العامة‏

    ترى هؤلاء المجرمين الصغار‏

    يقفون وكلهم دهشة‏

    من الانسكاب الأبدي لماء النوافير‏

    ربما لم يزل وراء العيون المسحوقة‏

    في عُمقِ الانجماد‏

    ثمة من هو نصف ميت‏

    على وشك موت كاذب،‏

    وهو في سعيه المحتضر‏

    يريد أن يؤمن بنقاء صوت الماء.‏

    ربما‏

    لكنْ كم هو فراغ لا نهائي هذا.‏

    لقد ماتت الشمس‏

    وما من أحد عرف بأن تلك الحمامة‏

    الحزينة التي فرّت من القلوب‏

    اسمها: الإيمان.‏

    آه‏

    أيها الصوت الحبيس‏

    ترى، هل أن عظمة يأسك‏

    من لا اتجاه في هذا الليل الضجر‏

    سوف تفتح ثقباً إلى النور؟‏

    آه‏

    أيها الصوت الحبيس‏

    يا صوت الأصوات الأخير.‏

    *

    ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين

    مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)

    الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000

  • فروغ فرخزاد – في شوارع الليل الباردة

    أنا لست نادمة‏

    أنا أفكر بهذا الاستسلام‏

    هذا الاستسلام المعفّر بالألم‏

    أني قَبَّلتُ صليب قدري‏

    على مرتفع تلال مقتلي.‏

    في شوارع الليل الباردة‏

    الأزواج دائماً يهجرون بعضهم مترددين‏

    في شوارع الليل الباردة‏

    لا صوت سوى: الوداع…الوداع…‏

    أنا لست نادمة‏

    كأنما قلبي يجري في تلك الجهة من الزمن‏

    الحياة ستكرر قلبي‏

    وزهرة القاصد التي تجري على بحيرات الريح‏

    هي التي ستكررني.‏

    آه، هل ترى‏

    كيف يتمزق جلدي؟‏

    وكيف حليب نهدي الباردين‏

    يتجمّد في عروقي المزرقة؟‏

    والدم كيف يبدأ نموّه الغضروفي‏

    في معصمي الصبور؟‏

    أنك، أنا، أنت‏

    والذي أحبه.‏

    وكنتَ الذي يجد فجأة في داخله مرة أخرى‏

    اتصالاً أبكم‏

    مع آلاف الأشياء المحملة بغرابة مجهولة‏

    وكل شهوة الأرض الحادة‏

    التي تمتص كل المياه في داخلها‏

    لتحبل كل السهول‏

    اسمعْ‏

    إلى صوتي بعيد المدى‏

    في ضباب التهجّد الكثيف‏

    للقائمين في السَحَرْ‏

    وأبصرْني في صمت المرايا‏

    كيف ألمس بما تبقى من يدي،‏

    مرة أخرى، العمقَ المظلمَ لكل الأحلام‏

    وأَوشمُ قلبي كالبقع الدامية‏

    على سعادات الوجود البريئة.‏

    أنا لست نادمة‏

    مني أنا، يا حبيبي، تكلّمْ مع الأنا الأخرى‏

    التي ستجدها أنت مرة أخرى بهاتين العينين العاشقتين‏

    في شوارع الليل الباردة.‏

    واذكرني في قبلتها الحزينة.‏

    على الغضون التي تحت عينيك الرحيمتين.‏

    *

    ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين

    مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)

    الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000

  • فروغ فرخزاد – عبور

    فروغ فرخزاد – عبور

    حتامَ عليَّ الذهاب‏

    من ديار إلى ديار؟‏

    لا أستطيع، لم يعد بمقدوري البحث.‏

    كل الزمن حب وحبيب آخر.‏

    تمنينا أن نكون هاتين السنونوتين‏

    المسافرتين طوال عمريهما‏

    من ربيع إلى ربيع.‏

    آه، لقد تأخر الآن‏

    تهدّم في ورأيتُ امتزاج قبلتك‏

    على شفتيّ كما لو قطعة مظلمة نازحة‏

    من غيمة ـ كنزٍ أزهقت روحها المعطرة‏

    في عبورها‏

    كم هو ملوث بخوف الزوال، حبي الحزين، ‏

    حياتي كلها ترتعد لأني أراك‏

    كأني أرى، من النافذة، إلى شجرتي‏

    الوحيدة المورقة‏

    في المهبِّ الأصفر المحموم.‏

    كأني أنظر إلى صورة‏

    تنكسر) في جريان الماء الشبحي.‏

    ليلة ويوم.‏

    ليلة ويوم.‏

    ليلة ويوم.‏

    دعني أنس.‏

    ما أنت سوى لحظة‏

    لحظة واحدة تفتح عيني على برهوت ‎) المعرفة‏

    دعني أنس.‏

    *

    ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين

    مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)

    الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000

  • فروغ فرخزاد – تلك الأيام

    ذهبت تلك الأيام‏

    تلك الأيام الجيدة، ‏

    الأيام الممتلئة والنزيهة، ‏

    تلك السماوات المغطاة بالـبلك * .‏

    تلك الأغصان المثقلة بالكرز، ‏

    تلك البيوت المتكئة معاً على غلاف‏

    اللبلاب الأخضر، ‏

    سطوح البالونات اللعوبة تلك، ‏

    تلك الأزقة السكرى من عطر الأكاسيا.‏

    ذهبت تلك الأيام‏

    حيث من بين شقوق أجفاني‏

    يتصاعد غنائي مثلما فقاعة تغلي‏

    مترعة بالهواء، ‏

    وحيث تنعكس عيني على كل الأشياء‏

    وتشربها كحليب طازج، ‏

    كأنما في بؤبؤيَّ أرنب قلق وسعيد‏

    يسافر كل صباح مع الشمس العجوز‏

    إلى حقول مجهولة، ‏

    وفي الليالي‏

    يغوص في غابات العتمة.‏

    ذهبت تلك الأيام‏

    الأيام الثلجية الآفلة‏

    عندما من وراء الزجاج، في الغرفة الدافئة، ‏

    دائماً‏

    أتأمل في الخارج، ثلجي الطاهرَ‏

    كيف يتساقط مثل زغب ناعم‏

    بهدوء‏

    على السلم الخشبي القديم‏

    على حبال الغسيل المرتخية‏

    على ضفائر الصنو برات العجائز‏

    وأفكر بالغد…، ‏

    آه‏

    الغد: حجم أبيض صقيل‏

    يبدأ مع حفيف عباءة جدتي؟،‏

    مع بزوغ ظلّها الشبحي في إطار الباب‏

    وهو يطلق نفسه في إحساس النور البارد،‏

    وفكرة التحليق الحائر للطيور، ‏

    في كؤوس الزجاج الملونة.‏

    الغد…‏

    دفء الكرسي يجلب لي النوم.‏

    عجولة أنا وغير خائفة أبتعد عن‏

    أنظار أمي لأمسح خطوط الباطل من‏

    مسوداتي العتيقة.‏

    عندما ينام الثلج.‏

    أتجول قلقة في الحديقة، ‏

    وتحت أصّ شجرة الآس اليابسة‏

    أدفن عصافيري الميتة.‏

    ذهبت تلك الأيام‏

    أيام الانجذاب والحيرة‏

    أيام النوم والصحو،‏

    أيامَ كل ظل له سر، ‏

    وكل علبة مغلقة تخفي كنزاً‏

    وكل زاوية من الصندوق، في سكوت‏

    الظهيرة، كأنها العالم، ‏

    وكل من لا يخاف من الظلمة‏

    كان في عيني هو البطل.‏

    ذهبت تلك الأيام‏

    أيام العيد‏

    انتظار الشمس والوردة، ‏

    ارتعاشات العطر في اجتماع صامت، ‏

    وعفّة النرجس الصحراوي‏

    الذي يزور المدينة آخر صباحات‏

    الشتاء، ‏

    أغاني البائع المتجول في الشارع‏

    الطويل المبقع بالأخضر، ‏

    السوق وهي تطوف في روائح هائمة‏

    ـ الرائحة القوية للقهوة والسمك ـ، ‏

    السوق تمتد تحت الأقدام‏

    تمتزج بكل لحظات الطريق‏

    وتدور في قعر أعماق عيون الدمى، ‏

    السوق كانت أمّاً‏

    تذهب مسرعة إلى أحجام ملوّنة وسيالة‏

    ثم تأتي‏

    مع علب الهدايا في الزنابيل الملأى.‏

    السوق كانت مطراً‏

    ينهمر‏

    ينهمر‏

    ينهمر‏

    ذهبت تلك الأيام‏

    أيام التأمل في أسرار الجسد‏

    أيام التعارف الحذر‏

    مع جمال الشرايين الزرق:‏

    ـ يد من وراء الحائط تناديني بوردة، ‏

    ـ واليد الأخرى‏

    بقعُ حبرٍ على تلك اليد المرتبكة‏

    المضطربة الخائفة.‏

    والحب‏

    يكرّر نفسه بتحية خجلى.‏

    في الظهيرات الحارة الملوثة بالدخان‏

    نادينا حبنا في غبار الزقاق‏

    وعرفنا اللغة البسيطة لأزهار الـقاصد)، ‏

    نحن أخذنا قلوبنا إلى بستان الرحمات المعصومة‏

    وأقرضنا الأشجار، ‏

    والمدفع، مع رسائل القبلات، كان يدور‏

    في أيدينا، ‏

    وكان الحب‏

    ذلك الحس الشبحي في الظلمة الثامنة‏

    حاصرنا فجأة‏

    وجذبنا في زحام الأنفاس الملتهبة الحرى‏

    والابتسامات المسروقة.‏

    ذهبت تلك الأيام‏

    تلك الأيام مثلما نباتات تفسخت في الشمس، ‏

    من أشعة الشمس تفسخت‏

    وضاعت تلك الأزقة التي‏

    كانت سكرى من عطر الأكاسيا، ‏

    ضاعت في شوارع اللا عودة المليئة بالصخب.‏

    والبنت التي لونت خديها يوماً‏

    بأوراق الشمعدان، ‏

    الآن امرأة وحيدة‏

    الآن امرأة وحيدة‏

    __________

    * البلك: نوع من الشذر الصغير الملون تزين به الثياب

    *

    ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين

    مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)

    الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000

  • فروغ فرخزاد – بأي شيء؟

    نوم نوم نوم

    هو النوم

    فوق حبات الرمل الحارة

    تحت اشعة الشمس الحادة

    ***

    من بين الجفون النصف المفتوحة

    ينظر المهموم الى :

    غزارة مياة ظفائري المبللة

    تجري فوق صدرة

    ورائحة عطر خمرة جسدة

    قد هبت في جسدي

    ***

    انظر الى المهموم :

    مالت السماء نحو وجهة

    ويدة في حبات الرمل الحارة

    وبة قطع مسكورة من الصدف

    قد خط خطا” مضىء غير واضح

    ***

    احبها

    كالبذرة للنور

    كالحقل للرياح

    كالزروق للموج

    او طائرا في العلالي

    احبها

    ***

    من بين الجفون النصف المفتوحة

    انظر الى المهموم:

    ليت مع هذا الهدوء ومع هذا الصفاء

    وبين سواعدي

    ان تصبح ترابا”

    مع هذا الهدوء ومع هذا الصفاء

    وبين سواعدي

    تحت ظل ضفائري

    لحظة تذوقك الخمر

    ناحية عطش جسدي الشاب

    كهطول المطر الناعم

    كالقمر المدلل

    ليتك تصبح ترابا”

    ليتك تصبح ترابا”

    ***

    حتى اخر جسد

    في حملة الايام البعيدة

    لم ياخذ من لون ورائحة جسدك

    ولم تتطبع مع جسدك

    حتى اخر امراة

    لاتنم في منخفض صدرك

    لاتغفو بجانب بيتك

    لاتجري صوب بيتك

    لاتسمعك نغمة القلب

    ***

    من بين الجفون النصف المفتوحة

    انظر الى المهموم:

    كالامواج انت من ساحلي

    تبتعد

    وكذلك تبتعد

    نحو الافق اللامحدود

    كنور ثاقب

    ***

    باي شي تستطيع

    ان تبقي هذا الحب السرمدي ؟

    باي قبلة ؟ باي شفة ؟

    في اي لحظة ، في اي ليلة ؟

    ***

    ليس مثلي انا اصبحت

    مثل الايام ….

    مثل الفصول ….

    مثل عش الطيور ….

    كالثلج على سطوح المنازل ….

    هذة النهاية

    اصبحت غبارا” في وسط الظلال

    مثل صورة قديمة

    تمزقت اربا” اربا”

    ***

    باي فكر تستطيع

    ان تهرب من زوال الايام والالام !

    باي دمعة تستطيع

    ان ترفع الحجاب عن رؤية حيرة الزمان

    باي يدا” تستطيع

    ان تبقي هذا الحب السرمدي ؟

    باي يد ؟

    ***

    نوم نوم نوم

    هو النوم

    فوق حبات الرمل الحارة

    تحت اشعة الشمس الحادة

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    1- باكدام است ؟ معناها ( باي شيء) وهي قصيدة من ديوان اسير .

    *

    ترجمة:ايفان كريم

  • فرناندو بيسوا – الدون سيباستيان، ملك البرتغال

    فرناندو بيسوا – الدون سيباستيان، ملك البرتغال

    الدون سيباستيان، ملك البرتغال

    مجنون، نعم، مجنون، لأني اشتهيت العظمة

    هذه التي لا يمنحها القدر.

    لم استطع احتواء يقيني داخلي

    ولهذا، وحيث يقوم الشاطئ الرملي،

    فإن وجودي هو ما بقي وليس ما هو قائم?.

    جنوني، دع الآخرين يتقبلوه مني

    وكل ما يحتويه

    فمن دون جنون ما هو الانسان

    ان لم يكن مجرد حيوان جيد الصحة

    وجثة مؤجلة تتوالد باستمرار؟

    (? ما هو قائم: أسطورته التي تخلد هزيمة سيباستيان المنكرة في جهاده ضد ملك المغرب في معركة القصر الكبير 1578 حيث انتشرت اسطورة تقول ان الملك سوف ينفى يوما وينقذ شعبه فيكون مخلصه).

    *

    ترجمة: نزار آغري

  • فرناندو بيسوا – ما يؤلمني ليس

    فرناندو بيسوا – ما يؤلمني ليس

    ما يؤلمني ليس

    ما ينبع من القلب

    بل تلك الاشياء الجميلة

    التي لن تكون أبدا.

    هم أشكال من دون شكل

    تمر دون ألم

    قادرة على ان تعرف

    او تحب ان تحلم بهم.

    هم كما لو ان الحزن

    شجرة، تترك اوراقها

    تتساقط، واحدة تلو الاخرى

    بين الأثر والضباب.

    *

    ترجمة: نزار آغري

  • فرناندو بيسوا – اذ كنتُ طفلا

    فرناندو بيسوا – اذ كنتُ طفلا

    اذ كنتُ طفلا

    عشتُ جاهلا

    كي أقبض الآن

    على تلك اللحظة

    ? ? ?

    اليوم أحس

    ما كنته آنذاك

    الآن تمر حياتي

    مصنوعة من تظاهراتي

    ? ? ?

    ولكن في هذا السجن

    اقرأ، في كتابي الوحيد،

    ابتسامة شخص آخر

    عمن كنته آنذاك.

    (1933)

    *

    ترجمة: نزار آغري