المدونة

  • فروغ فرخزاد – في شوارع الليل الباردة

    أنا لست نادمة‏

    أنا أفكر بهذا الاستسلام‏

    هذا الاستسلام المعفّر بالألم‏

    أني قَبَّلتُ صليب قدري‏

    على مرتفع تلال مقتلي.‏

    في شوارع الليل الباردة‏

    الأزواج دائماً يهجرون بعضهم مترددين‏

    في شوارع الليل الباردة‏

    لا صوت سوى: الوداع…الوداع…‏

    أنا لست نادمة‏

    كأنما قلبي يجري في تلك الجهة من الزمن‏

    الحياة ستكرر قلبي‏

    وزهرة القاصد التي تجري على بحيرات الريح‏

    هي التي ستكررني.‏

    آه، هل ترى‏

    كيف يتمزق جلدي؟‏

    وكيف حليب نهدي الباردين‏

    يتجمّد في عروقي المزرقة؟‏

    والدم كيف يبدأ نموّه الغضروفي‏

    في معصمي الصبور؟‏

    أنك، أنا، أنت‏

    والذي أحبه.‏

    وكنتَ الذي يجد فجأة في داخله مرة أخرى‏

    اتصالاً أبكم‏

    مع آلاف الأشياء المحملة بغرابة مجهولة‏

    وكل شهوة الأرض الحادة‏

    التي تمتص كل المياه في داخلها‏

    لتحبل كل السهول‏

    اسمعْ‏

    إلى صوتي بعيد المدى‏

    في ضباب التهجّد الكثيف‏

    للقائمين في السَحَرْ‏

    وأبصرْني في صمت المرايا‏

    كيف ألمس بما تبقى من يدي،‏

    مرة أخرى، العمقَ المظلمَ لكل الأحلام‏

    وأَوشمُ قلبي كالبقع الدامية‏

    على سعادات الوجود البريئة.‏

    أنا لست نادمة‏

    مني أنا، يا حبيبي، تكلّمْ مع الأنا الأخرى‏

    التي ستجدها أنت مرة أخرى بهاتين العينين العاشقتين‏

    في شوارع الليل الباردة.‏

    واذكرني في قبلتها الحزينة.‏

    على الغضون التي تحت عينيك الرحيمتين.‏

    *

    ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين

    مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)

    الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000

  • فروغ فرخزاد – عبور

    فروغ فرخزاد – عبور

    حتامَ عليَّ الذهاب‏

    من ديار إلى ديار؟‏

    لا أستطيع، لم يعد بمقدوري البحث.‏

    كل الزمن حب وحبيب آخر.‏

    تمنينا أن نكون هاتين السنونوتين‏

    المسافرتين طوال عمريهما‏

    من ربيع إلى ربيع.‏

    آه، لقد تأخر الآن‏

    تهدّم في ورأيتُ امتزاج قبلتك‏

    على شفتيّ كما لو قطعة مظلمة نازحة‏

    من غيمة ـ كنزٍ أزهقت روحها المعطرة‏

    في عبورها‏

    كم هو ملوث بخوف الزوال، حبي الحزين، ‏

    حياتي كلها ترتعد لأني أراك‏

    كأني أرى، من النافذة، إلى شجرتي‏

    الوحيدة المورقة‏

    في المهبِّ الأصفر المحموم.‏

    كأني أنظر إلى صورة‏

    تنكسر) في جريان الماء الشبحي.‏

    ليلة ويوم.‏

    ليلة ويوم.‏

    ليلة ويوم.‏

    دعني أنس.‏

    ما أنت سوى لحظة‏

    لحظة واحدة تفتح عيني على برهوت ‎) المعرفة‏

    دعني أنس.‏

    *

    ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين

    مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)

    الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000

  • فروغ فرخزاد – تلك الأيام

    ذهبت تلك الأيام‏

    تلك الأيام الجيدة، ‏

    الأيام الممتلئة والنزيهة، ‏

    تلك السماوات المغطاة بالـبلك * .‏

    تلك الأغصان المثقلة بالكرز، ‏

    تلك البيوت المتكئة معاً على غلاف‏

    اللبلاب الأخضر، ‏

    سطوح البالونات اللعوبة تلك، ‏

    تلك الأزقة السكرى من عطر الأكاسيا.‏

    ذهبت تلك الأيام‏

    حيث من بين شقوق أجفاني‏

    يتصاعد غنائي مثلما فقاعة تغلي‏

    مترعة بالهواء، ‏

    وحيث تنعكس عيني على كل الأشياء‏

    وتشربها كحليب طازج، ‏

    كأنما في بؤبؤيَّ أرنب قلق وسعيد‏

    يسافر كل صباح مع الشمس العجوز‏

    إلى حقول مجهولة، ‏

    وفي الليالي‏

    يغوص في غابات العتمة.‏

    ذهبت تلك الأيام‏

    الأيام الثلجية الآفلة‏

    عندما من وراء الزجاج، في الغرفة الدافئة، ‏

    دائماً‏

    أتأمل في الخارج، ثلجي الطاهرَ‏

    كيف يتساقط مثل زغب ناعم‏

    بهدوء‏

    على السلم الخشبي القديم‏

    على حبال الغسيل المرتخية‏

    على ضفائر الصنو برات العجائز‏

    وأفكر بالغد…، ‏

    آه‏

    الغد: حجم أبيض صقيل‏

    يبدأ مع حفيف عباءة جدتي؟،‏

    مع بزوغ ظلّها الشبحي في إطار الباب‏

    وهو يطلق نفسه في إحساس النور البارد،‏

    وفكرة التحليق الحائر للطيور، ‏

    في كؤوس الزجاج الملونة.‏

    الغد…‏

    دفء الكرسي يجلب لي النوم.‏

    عجولة أنا وغير خائفة أبتعد عن‏

    أنظار أمي لأمسح خطوط الباطل من‏

    مسوداتي العتيقة.‏

    عندما ينام الثلج.‏

    أتجول قلقة في الحديقة، ‏

    وتحت أصّ شجرة الآس اليابسة‏

    أدفن عصافيري الميتة.‏

    ذهبت تلك الأيام‏

    أيام الانجذاب والحيرة‏

    أيام النوم والصحو،‏

    أيامَ كل ظل له سر، ‏

    وكل علبة مغلقة تخفي كنزاً‏

    وكل زاوية من الصندوق، في سكوت‏

    الظهيرة، كأنها العالم، ‏

    وكل من لا يخاف من الظلمة‏

    كان في عيني هو البطل.‏

    ذهبت تلك الأيام‏

    أيام العيد‏

    انتظار الشمس والوردة، ‏

    ارتعاشات العطر في اجتماع صامت، ‏

    وعفّة النرجس الصحراوي‏

    الذي يزور المدينة آخر صباحات‏

    الشتاء، ‏

    أغاني البائع المتجول في الشارع‏

    الطويل المبقع بالأخضر، ‏

    السوق وهي تطوف في روائح هائمة‏

    ـ الرائحة القوية للقهوة والسمك ـ، ‏

    السوق تمتد تحت الأقدام‏

    تمتزج بكل لحظات الطريق‏

    وتدور في قعر أعماق عيون الدمى، ‏

    السوق كانت أمّاً‏

    تذهب مسرعة إلى أحجام ملوّنة وسيالة‏

    ثم تأتي‏

    مع علب الهدايا في الزنابيل الملأى.‏

    السوق كانت مطراً‏

    ينهمر‏

    ينهمر‏

    ينهمر‏

    ذهبت تلك الأيام‏

    أيام التأمل في أسرار الجسد‏

    أيام التعارف الحذر‏

    مع جمال الشرايين الزرق:‏

    ـ يد من وراء الحائط تناديني بوردة، ‏

    ـ واليد الأخرى‏

    بقعُ حبرٍ على تلك اليد المرتبكة‏

    المضطربة الخائفة.‏

    والحب‏

    يكرّر نفسه بتحية خجلى.‏

    في الظهيرات الحارة الملوثة بالدخان‏

    نادينا حبنا في غبار الزقاق‏

    وعرفنا اللغة البسيطة لأزهار الـقاصد)، ‏

    نحن أخذنا قلوبنا إلى بستان الرحمات المعصومة‏

    وأقرضنا الأشجار، ‏

    والمدفع، مع رسائل القبلات، كان يدور‏

    في أيدينا، ‏

    وكان الحب‏

    ذلك الحس الشبحي في الظلمة الثامنة‏

    حاصرنا فجأة‏

    وجذبنا في زحام الأنفاس الملتهبة الحرى‏

    والابتسامات المسروقة.‏

    ذهبت تلك الأيام‏

    تلك الأيام مثلما نباتات تفسخت في الشمس، ‏

    من أشعة الشمس تفسخت‏

    وضاعت تلك الأزقة التي‏

    كانت سكرى من عطر الأكاسيا، ‏

    ضاعت في شوارع اللا عودة المليئة بالصخب.‏

    والبنت التي لونت خديها يوماً‏

    بأوراق الشمعدان، ‏

    الآن امرأة وحيدة‏

    الآن امرأة وحيدة‏

    __________

    * البلك: نوع من الشذر الصغير الملون تزين به الثياب

    *

    ترجمة: ناطق عزيز – أحمد عبد الحسين

    مخـتارات من كتاب: (عمدني بنبيذ الأمواج)

    الناشر: (اتحاد الكتاب العرب)2000

  • فروغ فرخزاد – بأي شيء؟

    نوم نوم نوم

    هو النوم

    فوق حبات الرمل الحارة

    تحت اشعة الشمس الحادة

    ***

    من بين الجفون النصف المفتوحة

    ينظر المهموم الى :

    غزارة مياة ظفائري المبللة

    تجري فوق صدرة

    ورائحة عطر خمرة جسدة

    قد هبت في جسدي

    ***

    انظر الى المهموم :

    مالت السماء نحو وجهة

    ويدة في حبات الرمل الحارة

    وبة قطع مسكورة من الصدف

    قد خط خطا” مضىء غير واضح

    ***

    احبها

    كالبذرة للنور

    كالحقل للرياح

    كالزروق للموج

    او طائرا في العلالي

    احبها

    ***

    من بين الجفون النصف المفتوحة

    انظر الى المهموم:

    ليت مع هذا الهدوء ومع هذا الصفاء

    وبين سواعدي

    ان تصبح ترابا”

    مع هذا الهدوء ومع هذا الصفاء

    وبين سواعدي

    تحت ظل ضفائري

    لحظة تذوقك الخمر

    ناحية عطش جسدي الشاب

    كهطول المطر الناعم

    كالقمر المدلل

    ليتك تصبح ترابا”

    ليتك تصبح ترابا”

    ***

    حتى اخر جسد

    في حملة الايام البعيدة

    لم ياخذ من لون ورائحة جسدك

    ولم تتطبع مع جسدك

    حتى اخر امراة

    لاتنم في منخفض صدرك

    لاتغفو بجانب بيتك

    لاتجري صوب بيتك

    لاتسمعك نغمة القلب

    ***

    من بين الجفون النصف المفتوحة

    انظر الى المهموم:

    كالامواج انت من ساحلي

    تبتعد

    وكذلك تبتعد

    نحو الافق اللامحدود

    كنور ثاقب

    ***

    باي شي تستطيع

    ان تبقي هذا الحب السرمدي ؟

    باي قبلة ؟ باي شفة ؟

    في اي لحظة ، في اي ليلة ؟

    ***

    ليس مثلي انا اصبحت

    مثل الايام ….

    مثل الفصول ….

    مثل عش الطيور ….

    كالثلج على سطوح المنازل ….

    هذة النهاية

    اصبحت غبارا” في وسط الظلال

    مثل صورة قديمة

    تمزقت اربا” اربا”

    ***

    باي فكر تستطيع

    ان تهرب من زوال الايام والالام !

    باي دمعة تستطيع

    ان ترفع الحجاب عن رؤية حيرة الزمان

    باي يدا” تستطيع

    ان تبقي هذا الحب السرمدي ؟

    باي يد ؟

    ***

    نوم نوم نوم

    هو النوم

    فوق حبات الرمل الحارة

    تحت اشعة الشمس الحادة

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    1- باكدام است ؟ معناها ( باي شيء) وهي قصيدة من ديوان اسير .

    *

    ترجمة:ايفان كريم

  • فرناندو بيسوا – الدون سيباستيان، ملك البرتغال

    فرناندو بيسوا – الدون سيباستيان، ملك البرتغال

    الدون سيباستيان، ملك البرتغال

    مجنون، نعم، مجنون، لأني اشتهيت العظمة

    هذه التي لا يمنحها القدر.

    لم استطع احتواء يقيني داخلي

    ولهذا، وحيث يقوم الشاطئ الرملي،

    فإن وجودي هو ما بقي وليس ما هو قائم?.

    جنوني، دع الآخرين يتقبلوه مني

    وكل ما يحتويه

    فمن دون جنون ما هو الانسان

    ان لم يكن مجرد حيوان جيد الصحة

    وجثة مؤجلة تتوالد باستمرار؟

    (? ما هو قائم: أسطورته التي تخلد هزيمة سيباستيان المنكرة في جهاده ضد ملك المغرب في معركة القصر الكبير 1578 حيث انتشرت اسطورة تقول ان الملك سوف ينفى يوما وينقذ شعبه فيكون مخلصه).

    *

    ترجمة: نزار آغري

  • فرناندو بيسوا – ما يؤلمني ليس

    فرناندو بيسوا – ما يؤلمني ليس

    ما يؤلمني ليس

    ما ينبع من القلب

    بل تلك الاشياء الجميلة

    التي لن تكون أبدا.

    هم أشكال من دون شكل

    تمر دون ألم

    قادرة على ان تعرف

    او تحب ان تحلم بهم.

    هم كما لو ان الحزن

    شجرة، تترك اوراقها

    تتساقط، واحدة تلو الاخرى

    بين الأثر والضباب.

    *

    ترجمة: نزار آغري

  • فرناندو بيسوا – اذ كنتُ طفلا

    فرناندو بيسوا – اذ كنتُ طفلا

    اذ كنتُ طفلا

    عشتُ جاهلا

    كي أقبض الآن

    على تلك اللحظة

    ? ? ?

    اليوم أحس

    ما كنته آنذاك

    الآن تمر حياتي

    مصنوعة من تظاهراتي

    ? ? ?

    ولكن في هذا السجن

    اقرأ، في كتابي الوحيد،

    ابتسامة شخص آخر

    عمن كنته آنذاك.

    (1933)

    *

    ترجمة: نزار آغري

  • فرناندو بيسوا – أنام. إن حلمتُ

    فرناندو بيسوا – أنام. إن حلمتُ

    أنام. إن حلمتُ، أنسى الاشياء التي حلمت بها حين استيقظ.

    أنام. ان نمت دون أحلام، أستيقظ على ميدان

    مفتوح لا أعرفه. اني استيقظ

    الآن على ما أجهله

    سيّان ان حلمت او لم أحلم

    الأفضل ألا استيقظ ابدا.

    (1933)

    *

    ترجمة: نزار آغري

  • فرناندو بيسوا – كان هناك إيقاع في نومي

    فرناندو بيسوا – كان هناك إيقاع في نومي

    كان هناك إيقاع في نومي

    ضاع حين أفقت.

    لماذا تركت نكران ذاتي

    الذي عشت فيه؟

    لا اعرف ما الذي كان في ما لم يكن

    اعرف انه هدهدني بنعومة

    كما لو ان الهدهدة تاقت

    لأن تحولني الى ما انا عليه ثانية.

    كانت هناك موسيقى صمتت

    عندما أفقت من حلمي بها

    ولكن الموسيقى لم تمت: ما زالت تنساب

    في ما يوقفني عن التفكير.

    (1934)

    *

    ترجمة: نزار آغري

  • فرناندو بيسوا – التلال، والسكون الذي فيها، لأنها بعيدة

    فرناندو بيسوا – التلال، والسكون الذي فيها، لأنها بعيدة

    التلال، والسكون الذي فيها، لأنها بعيدة…

    مناظر أي: لا أحد…

    عندي روح خُلقت لتكون روح ناسك

    ولكني لستُ في طمأنينة

    لو كنت آخر، لكنت شخصا غيري. مثلما هو

    أرضى بما أعطيتُ،

    كشخص يتلصص على بستان

    يمكث فيه آخرون.

    أي آخرين؟ لا أعرف. في الهدوء غير الأكيد

    هناك سكون غير موجود.

    وأنظر، دون قراءة، في الكتاب المفتوح

    الذي لن يخبرني أبدا.

    (1934)

    *

    ترجمة: نزار آغري

  • فرناندو بيسوا – ميلاد

    فرناندو بيسوا – ميلاد

    في تلك الأيام التي احتفلوا بيوم ميلادي

    كنت سعيداً لأن أحداً لم يتوف

    ففي البيت القديم حتى يوم الميلاد كان تقليداً ابن مئات الأعوام

    والفرحة للجميع. وفرحتي استجابة لوصايا دين ما.

    في تلك الأيام التي احتفلوا بيوم ميلادي

    تمتعت ببصمة غريبة لشخص لا يدرك شيئاً

    لايدرك أن أحدا من طرف العائلة كان حكيماً

    ومن أنه لم تكن لدي تفاؤلات نماها الآخرون عندي

    بعد ذلك عندما نظرت إلى الحياة ضاع مني مذاقها.

    أجل ! مما كنت كخيال ذاتي

    ممن كنت بقوة القلب وقرابة العائلة

    ممن كنت في مساءات ريفية تقريباً

    ممن كنت لأن الذين أحبوني حين كنت طفلاً

    ممن كنت, ياالله! ممن فقط الآن أدرك إني كنت..

    ما أبعده!

    (حتى إنني لا أجده)

    في تلك الأيام التي احتفلوا بيوم ميلادي

    الشخص الذي أنا هو الآن كما رطوبة في نهاية البهو بآخرة البيت

    ينمو من الجدران…

    الشخص الذي أنا الآن , للبيت, لمن أحبوه يرتجف من خلال دموعي

    الشخص الذي أنا الآن هو الفرصة أن يبيعوا البيت

    أن يموتوا جميعاً

    وأحيا بعد ذلك كمثل ثقاب بارد..

    في تلك الأيام التي احتفلوا بيوم ميلادي

    أي حب يوجد في أيام كتلك كما أن للمرء

    توقا ماديا للروح لتتواجد هناك ثانية

    بواسطة رحلة روحية ومادية

    بإزدواج الأنا مع ذاتي…

    أن ألتهم الماضي كما يلتهم الجوعان الخبز بلا وقت لتماهي

    الزبدة بين الأسنان!

    ثانية أرى الماضي بوضوح يعميه عما هو موجود هنا

    المائدة المحضرة لمتغذين إضافيين, الأواني ذات الرسومات

    الأكثر جودة, كؤوس إضافية..

    المونة مكدسة حتى أطرافها, حلويات, فاكهات. والباقي في ظل

    الدرج –

    العمات العجوزات, الأعمام على إختلافهم. كل شيء كان لأجلي

    في تلك الأيام التي احتفلوا بيوم ميلادي.

    قف أيها القلب!

    لا تفكر. دع التفكير للذهن!

    ياالله, ياالله, ياالله!

    اليوم ولا مرة ليس لي يوم ميلاد.

    صعب

    الأيام تتراكم فيَّ. سأصل الشيخوخة حين أكون عجوزاً

    هذا كل ما في الأمر

    من المزعج جداً عدم إتياني بالماضي معي. كخلسة موجودة في الجيب

    تلك الأيام التي إحتفلوا بيوم ميلادي.

    _________

    ١٥/١٠/١٩٢٩

    *

    ترجمة: فرج بصلو

  • فرناندو بيسوا – حل الحقائب التي حزمت بغية الرحيل

    فرناندو بيسوا – حل الحقائب التي حزمت بغية الرحيل

    حل الحقائب التي حزمت بغية الرحيل

    هل خاطرت حقا بحقيبة؟

    ما يهم؟ في وجه الفراق يصيبك اليأس

    لأن الامر سيّان لك.

    ابدا ستكون حلمك عن نفسك.

    تعيش سعيا لأن تكون

    ورقة ممزقة لمحاولة بذلت، خبط عشواء،

    من أجل إيمان مفقود.

    كيف تربط الاحزمة

    كل ما ترغب في أخذه

    ولكن الحقيبة وحدها، وليس الرحيل

    هي التي تبقى دائما.

    ما ترغب في أخذه

    يكاد ينفجر!

    ولكن الحقيبة وحدها وليس الحياة

    في الحقيبة هي التي تبقى دائما.

    (1931)

    *

    ترجمة: نزار آغري

  • فرناندو بيسوا – مختارات

    فرناندو بيسوا – مختارات

    (1)

    كمراكب فوق اليمّ

    هي أغاني البرتغاليين

    ترحل من روح إلى أخرى

    تخاطر بالغرق.

    (2)

    نظمت كل لآلئ

    هذا العقد لأهديه إليك.

    اللآلئ قلبي

    والخيط? حزني.

    (3)

    الأرض بلا حياة. لا

    شيء آخر يحيا سوى القلب

    تلفك الأرض الباردة

    لا حنيني.

    (4)

    دعيني لهنيهة أعتقد

    أنك لا تزالين قربي.

    حزين ذاك الذي يظن

    أنه بحاجة ليخدع نفسه بنفسه.

    (5)

    ميتا، سأبقى إلى جانبك

    بدون أن أعرف شيئا، بأن أحس بشيء…

    يكفيني هذا الأمر

    لكي يكون للموت فضل.

    (6)

    لا أعرف أن كانت الروح تحيا في الماوراء

    إن متّ – رغبت في الموت.

    لأنني لو حييت، لرغبت في رؤيتك. وإلا

    لن أستطيع نسيانك إلا بالموت.

    (7)

    بلى، هواء البارحة كان أتعس

    على بابك مرّ أيضا

    اسمعي: يحمل تنهيدة

    تعرفين جيدا من أرسلها لك.

    (8)

    أعطيتك قلبي

    أنظري كيف عاملته!

    لم تعيديه لي بعد

    ربما – لأنه تحطم.

    (9)

    العلبة التي من دون غطاء

    تبقى دائما مفتوحة

    أعطني واحدة من ابتسامتك

    لا أتمنى شيئا آخر.

    (10)

    انتظرتك ساعتين.

    سأنتظرك سنتين.

    هل أنتظر بعد؟ لا تجيئين.

    هل لأن النهار لا يزال مشرقا؟

    (11)

    طيلة الليل، سمعت المياه في الحوض

    تنزل نقطة نقطة.

    طيلة الليل، سمعت في روحي:

    لا تستطيعين أن تحبيني.

    (12)

    النهارات هي النهارات. الليالي

    هي الليالي. لا أنام أبدا…

    لأني لا أراك نهارا،

    لأني أفكر فيك ليلا.

    (13)

    تحملين زهرة في يدك

    قطفتها بلا انتباه…

    لكن هل قطفت

    قلبي بانتباه؟

    (14)

    عيناك حزينتان، تائهتان،

    لا تركنان إلى شيء…

    آه يا حبي، يا حبي

    على الأقل لو كنت هذا اللاشيء!

    (15)

    بعد النهار يأتي الليل،

    بعد الليل يأتي النهار

    وبعد الحنين يأتي

    الحنين المستبد بنا.

    (16)

    أيستحق الأمر أن أكون رزينا؟

    لا أعرف أن كان يستحق العناء.

    الأفضل أن أبقى ساكنا.

    أن أنظر إلى وجه مطمئن.

    (17)

    ترتدين خفين،

    يضربان الأرض بنعليهما.

    الأجدر أن أموت، قبل

    أن لا أسمعهما مجددا.

    (18)

    تديرين رأسك لتسألي

    تبدأ أقراطك بالرقص

    مثل سنونوتين مملتين

    لا تعرفان الطيران بعد.

    (19)

    تحملين زهرة في يدك

    لا أعرف أن كنت ستعطيني إيّاها.

    أما الزهور التي على وجهك

    فتعرفين كيف تحتفظين بها.

    (20)

    آه، أيتها الشابة الشقراء،

    آه، أيتها الشقراء الشابة،

    قولي للذي يراك?هنا

    انك ما زلت صغيرة جدا.

    (21)

    لك، كتاب لا تقرأنيه،

    لك، زهرة تفرطين أوراقها،

    لك، قلب على قدميك

    لا تنظرين إليه أبدا.

    (22)

    لم تقولي أبدا إن أحببت

    ما لم أقله لك.

    أعرف جيدا أنك تكهنت بذلك.

    لا أعرف ما كنت تفكرين به.

    (23)

    ملكت زهرة لأهديها

    للتي لم أجرؤ على أن أقول

    لها أنني أرغب في محادثتها.

    ذبلت الزهرة للتو.

    (24)

    حينما تنظرين إلى الوراء

    لا أعتقدن أن ذك من أجلي.

    لكنك تنظرين، تنظرين

    وهذا أفضل.

    (25)

    كل يوم أفكر

    بهذه الحركة المقدامة:

    تلتقطين الوشاح

    المهمل، بالقرب من هنا.

    (26)

    أسمعك تنشدين من النهار

    من الليل أسمعك تنشدين.

    واحسرتاه عليّ، إن كان من الفرح!

    واحسرتاه عليّ، إن كان من الكرب!

    (27)

    الحبق الذي يشترى، ليس

    أفضل من الذي نهبه.

    دع الحبق جانبا

    وأعطيني قلبك.

    (28)

    الزهرة التي تقطف

    لا تحيا طويلا.

    لا أحد ينظر إليك

    لا يرغب في قطفك.

    (29)

    أيتها السنونوة التي تمرين

    من ينتظرك؟

    وحيد من يراك تمرين

    ويجدد ثقته بالغد.

    (30)

    لديك مشط أسباني

    في شعرك البرتغالي

    وحين تلفك الشمس

    تكونين مثلما خلقك الله.

    (31)

    رجوتك مرتين

    وعرفت ذلك لمرتين.

    في النهاية أجبت

    عن الذي لم أسألك عنه.

    (32)

    لا أعرف بما تفكرين

    عندما تحكين بطمأنينة…

    ربما بهذه الإهانات

    التي تصنعينها بصمتك.

    (33)

    النوارس، أيضا وأيضا،

    تطير من النهر إلى البحر…

    تسحرين من دون أن تقصدي?

    إذ ليس ضروريا أن تطيري.

    (34)

    من جرة فخارية

    نشرب مياها أعذب.

    الحزين لا ينام.

    يسهر ليجد الفرح.

    (35)

    ثمة حقائق تقال

    وأخرى لا يقولها أحد.

    لدي شيء أقوله لك

    لكنني أضعته.

    (36)

    غيمة في السماء تشبه

    كل ما نحبه

    لو أنك، على الأقل، تعطيني

    ما لا يتعذر إعطاءه.

    (37)

    ترحل عاليا الغيمة التي تمر.

    عاليا يرحل فكري.

    إنها أسيرة رجائك

    كما الغيمة أسيرة الريح.

    (38)

    يا مريم، حين أناديك

    تعالي إلى هنا، يا مريم، قولي

    انك لا تستطيعين المجيء.

    هكذا أستطيع أن أراك.

    (39)

    أشعلت شمعة

    في هذا الهواء الذي أعطاك إياه الرب.

    لم يعد من ليل فوق القرية

    ولا في السماوات، أيضا.

    (40)

    عندي كتاب صغير أكتب

    فيه حين أنساك

    كتاب ذو غلاف أسود

    لم أخط فيه كلمة بعد.

    (41)

    الحياة هي أشياء قليلة أحيانا

    الحب، حياة نحملها،

    أنظري في الاتجاهين

    لا أحد يأتي ويكلمني.

    (42)

    بخفة يذهب الأثير، بخفة

    يتمرد كي ينام.

    باختصار يذهب الأثير، باختصار

    يعلمنا النسيان.

    (43)

    أيتها الغيمة، العالية، أيتها الغيمة

    لم تذهبين بعيدا جدا؟

    إن كنت تملكين الحب الذي ينقصني

    انزلي قليلا، قليلا بعد.

    (44)

    الغيمة التي تمر في السماء

    تسأل الذي لا يسأل شيئا

    إن كان من المفيد أن نقول لمن أعطى:

    “ما أعطيته، لن أعطيك لك”.

    (45)

    أيها الجدول الصغير، أيها الجدول الصغير

    من يركض بسهولة

    ستركض وحدك

    أيها الجدول الصغير، مثلي أنا.

    (46)

    في النهاية،

    كذب كل ما تقولينه

    لا يجعلني سعيدا

    ومع ذلك، سعادة أن تتكلمي.

    (47)

    ابتسمي لي ابتسامة الأحد

    لأتذكرها يوم الاثنين.

    تعرفين ذلك: أنا خلفك دائما،

    ليس ضروريا أن تذهبي.

    (48)

    أرتدي ثيابا جميلة

    أضع حذائي

    وأذهب بين الناس

    للبحث عمن لا أجده.

    (49)

    من خلف الجبال الخضر، يأتي

    الرعد الذي لا أسمعه

    صدى جميل يتوه

    وهو يحدثه.

    (50)

    قلبه صغير، المسكين

    ويعمل جاهدا!

    يبكي في النهار

    وينتحب في المساء.

    *

    ترجمة: إسكندر حبش

  • فرناندو بيسوا – لست أنا من يرسم. أنا القماش، يد خفية

    فرناندو بيسوا – لست أنا من يرسم. أنا القماش، يد خفية

    لست أنا من يرسم. أنا القماش، يد خفية

    تلون شخصا عليّ

    أطلقت روحي في دائرة الفقدان

    وبدايتي ازدهرت مثل النهاية

    .

    ما يهم الملل الذي يغدو جليدا من الداخل

    والخريف الخفيف، البهي والعاجي

    او انسجام الروح التي تسهر

    خلف أقمشة الساتان المشتهاة؟

    .

    أتبدد… والساعة تنغلق كمروحة

    روحي قوس البحر نهايته…

    الملل؟ الحزن؟ الحياة؟ الحلم؟ لقد تُركت وشأنها…

    والاجنحة المفتوحة فوق التجدد

    الظل الوحيد للطيران الذي بدأ

    لحظات في الحقل المهجور

    (1914)

    *

    ترجمة: نزار آغري

  • فرناندو بيسوا – أنا رسول ملك مجهول

    فرناندو بيسوا – أنا رسول ملك مجهول

    أنا رسول ملك مجهول،

    أنفذ تعليمات هشة من بعيد

    وفوق شفتي تتردد عبارات سريعة

    كما لو انها ذات معان اخرى، غريبة

    اجزئ نفسي، دون ان أعي،

    بين مهمة لوجودي، وبيني،

    ومجد مليكي يمكنني من ان أكدر صفو

    الكائنات البشرية التي أكدّ بينها

    لا أعرف ما اذا كان الملك الذي أرسلني حيا أم لا.

    مهمتي تكمن في نسيان ذلك،

    عزتي هي الصحراء التي أنا. ولكن آه!

    أتلمس تقاليد بارزة فيّ

    قبل الزمان والمكان والحياة والوجود…

    من قبل ان يتلألأ الله في احاسيسي…

    (1914)

    *

    ترجمة: نزار آغري

  • فرناندو بيسوا – يد مفاجئة لشبح ما خفي

    فرناندو بيسوا – يد مفاجئة لشبح ما خفي

    يد مفاجئة لشبح ما خفي

    بين طيات الليل ونومي

    يوقظني هزا، وفي خلاء الليل

    لا ألمح حركة او شكلا

    بل رعبا قديما، لم يدفن في قلبي،

    يهبط من عرشه

    ليؤكد نفسه سيدي ومالكي:

    دون أمر، دون ايماءة، دون اهانة.

    وأشعر فجأة بأن حياتي

    لفّها حبل الغفلة

    في يد ترشدني ليلاً

    أحس أني لست أكثر من ظل

    لشكل لا أقدر على رؤيته يراودني

    وأعيش في لا شيء مثل الظلام البارد

    (1917)

    *

    ترجمة: نزار آغري

  • فرناندو بيسوا – نزول عن العرش

    فرناندو بيسوا – نزول عن العرش

    نزول عن العرش

    خذني في ذراعيك، يا الليلة الابدية

    ودعيني ابنك. أنا ملك

    تخلى طوعا

    عن عرش التعب والأحلام

    سيفي، عبء ذراعين منهكتين،

    مستسلما ليدين هادئتين ورجوليتين

    وتاجي وصولجاني رميتهما

    في البهو، حطاما.

    معطفي من الزوائد المدرعة

    المهماز الحديدي العقيم

    تركتهما على الممر الكبير البارد

    نزعت الجلالة عن الجسد والروح

    أعود الآن الى الليل القديم والهادئ

    كصقيع في آخر النهار

    (1920 1921)

    *

    ترجمة: نزار آغري

  • فرناندو بيسوا – يوم سعيد لمن يساوي النهار

    فرناندو بيسوا – يوم سعيد لمن يساوي النهار

    يوم سعيد لمن يساوي النهار

    ويثق، ببساطة،

    بالخارج الازرق الذي يراه.

    زرقة السماء تحزنه

    الذي لا يستطيع في روحه ايضا

    ان يكون زرقة السماء

    لكي يعيش

    آه، لو ان الخضرة التي بها

    تكون الجبال هادئة

    تستقر في القلب

    وفي ألغازه

    ولكني الآن ارى

    ان ذاك الذي يساوي النهار

    جاهل وتعوزه الرغبة في الفرح

    آه، يا للسخرية

    لأنه يشعر بالارض والسماء فقط

    كالمعجزة

    ذاك الذي يشعر بأنه روح فقط ليملكها.

    (1921)

    *

    ترجمة: نزار آغري

  • فرناندو بيسوا – نم بينما أراقب

    فرناندو بيسوا – نم بينما أراقب

    نم بينما أراقب…

    دعني أحلم…

    لأضحك فيّ

    أريدك لأحلم

    لا لأحبك

    لحمك الهادئ

    بارد في شهوتي

    رغباتي منهكة

    لا أريد حلمي بوجودك

    في أحضاني

    نم، نم، نم

    طافيا في ابتساماتك

    أحلم بك بحذر كبير

    بأن الحلم خلاب

    وأحلم دون ان أحس.

    (1921)

    *

    ترجمة: نزار آغري

  • فرناندو بيسوا – ناي يدندن في الليل. ناي راع؟

    فرناندو بيسوا – ناي يدندن في الليل. ناي راع؟

    ناي يدندن في الليل. ناي راع؟

    ما يهم؟ سلسلة ضائعة

    من النوتات غامضة وعصية على الفهم

    مثل العيش

    النغمة المجنحة تتمايل

    من دون تماسك، ولا بداية او نهاية

    يا النغمة المسكينة، خارج الموسيقى والصوت،

    مليئة باللاشيء.

    لا رابط او خيط يسترجع

    تلك النغمة، حين تسكت

    وأكون مصغيا، أتوق إليها

    وأعاني من سكوتها.

    (1921)

    *

    ترجمة: نزار آغري