آيفي.. أندروميدا.. خولة
الوَطَنُ صُوَرٌ شَتَّى،
أَدْنَاهَا فِكْرَةٌ تُؤْمِنُ بِهَا،
أُغْنِيَةٌ تُدَنْدِنُهَا،
قَلْبٌ تَسْكُنُهُ
— أمل السهلاوي
أشرعت «آيْفي» الشرفةَ المطلة على الشارع البارد، ديسمبر في يومه الأخير، والأعياد تنتزع نفسها انتزاعًا من على ما تبقى من الأشياء، البياض الشاحب للثلج يتوحد مع غلالات الضباب الكثيف ويحجب الحياة عن الشارع، يسرق المارةَ والأحاديث، ويترك الصقيع.
في الوقت الذي غابت فيه الشمس تمامًا بعد أن ذهبت لتمارس سطوتها في مكان آخر، فكرت «آيفي» في أنه العيد الأخير لها هنا ربما، أو بالأحرى العيد الذي ستشعر معه بالانتماء الكامل لتفاصيل الفرح، قطبت حاجبيها في حيرة، لكنها عادت لتنفض الفكرة برميها خارجًا لتتدحرج على آثار ليلة لندنية مثلجة قبل أن تغلق الشرفة. كانت غرفتها مسالمة جدًا وعملية كصاحبتها، في شقة متوسطة الحجم، ذات جدران خضراء حيوية، وأخرى أقرب إلى لون السكر المحروق.
في الغرفة توزّع أثاث ضروري هنا وهناك، سرير ومنضدة ومرآة وكرسي، تناولت مصحفًا صغيرًا، وتحسسته برهبة حتى أنها شعرت ببريق زخرفته المذهبة ينعكس على وجهها المستدير؛ ليعمق من وهج بشرتها الحليبية وعينيها الزيتونيتين وشعر الكستناء الذي استقر ليتوّج ذلك الرأس الصغير الجميل على جسد ضئيل نوعًا ما، جسد يوحي لمن يراه بأنه قد تحرر للتو من قيد أو حبال ملتفة، منكفئ على نفسه نعم لكنه يشي بأنوثة حرة، تمامًا كما وصفها هو دائمًا، «أَنْدروميدا»، مجرته وفتاته التي تحررت من السلاسل وبقي أثرها الفاتن عليها، والتي تحررت من القيود وحررته معها، فتحت المصحف بأطراف متوجسة، وتحسست الكلمات التي لم تتعلم بعد أن تقرأها كما يجب، منذ أن أهداها هذا المصحف، واصفًا إياه بماء السماء «القرآن الكريم»، وتذكر أنها سألته عن وصف الكريم في حينها دون غيره من الأوصاف التي قد تكون أكثر قوة وهيبة، ليجيبها، لأنه لخص هذا العالمَ إنسانًا وروحًا ومكانًا، منذ البداية البكر لهذا الكون العظيم كان فائضًا بكل شيء، بالأكمل من كل لفظة، جزيلًا ومدهشًا، كان باختصار كريمًا بما يحوي ويحتوي، يخبر ويختبر، على كل هي لم تفهم كلامه لأنها لم تتعمق فيه بعد، قلبت الصفحات حتى وصلت لسورة مَرْيَم، وأربكها قليلًا أنها لا زالت تضع عند هذه السورة صورةً لمريم البكر مع السيد المسيح، أخرجت الصورة المُتخيَّلة وقربتها من أنفها، لا تزال تحافظ على رائحتها الأولى، رائحة أمها، وآيفي لم يحدث أن ارتبطت بأي علاقات اجتماعية قوية من بعد رحيلها، ظلت هكذا حتى مع أفراد أسرتها المقربين كانت تتعايش معهم كمرحلة لا أكثر، حتى تصل، لا تعلم بعد إن كان الأمر هروبًا أو تحررًا، تعرف أن مريم هنا في المصحف هي ذاتها مريم العذراء، أحد أضلاع الثالوث المقدس، قربت أنفها من اسم السورة، أرادت أن تشم الرائحة التي طُبِعت في ذاكرتها عن العذراء. لا شيء، لا رائحة، رائحة الورق العتيق فقط، فكرت..
- هل للديانات روائحها المتباينة؟
ارتبكت من السؤال، لا تعلم لماذا ارتبكت، ربما لأنها كلما كانت تحفر عميقًا معه في الأسئلة، كان يرتبك، يحوقل، يتلعثم، ثم «استغفر الله» تلك التي كانت تخرج غاضبة فجّة ومترددة ومرتبكة معها في آن، لكأنه لم يعد ذات الكائن الذي اندفع معها نحو الأسئلة بشغف حتى تغير، وكان لزامًا أن تتغير أيضًا لتواكب المرحلة ككل المراحل، أن تدخل الدائرة الجديدة حتى تصل إلى الخيط الذي سيفكّكها أخيرًا إلى منحنيات توزع المصائر، «يحبها؟» لا زال يفعل وإن لم يعد يقولها، نفضت الأفكار، أسرعت نحو حقيبتها بجوار الباب، توقفت، ترددت، عادت نحو الدرج بجانب السرير، سحبت ثلاثَ أوراق قديمة، وقرأت في الأولى بريدًا إلكترونيًا يعود للثالث من يناير 2005.
«أندروميدا»..
آلِهتي التي أدرك، آيفي، كما يعتقدون، ويصرون، فيما نرفض نحن، أنت وأنا.
أنا الولد المُتعَب بشقاوته المكبوتة، قلتها لي بعد ثاني لقاء جمعنا أتذكرين؟ وأعيد بذات العبارة التي ربما حدث أنني أدركت نفسي من خلالها لأول مرة، المتعب بشقاوته المكبوتة، لقد رددتها كثيرًا، بيني وبين نفسي مرات ومرات، وأظنني أرددها الآن، وسأبقى أرددها حتى بعد أن يخفت لهيب الذاكرة التي اشتعلت للتو..
كيف عرفتني في حينها يا أندروميد، كيف انتزعتني من شتاتي لتقومي بوضعي في الموقع المواجه لذاتي تماما؛ لأرى ذلك الولد الوحيد المُنتهَك في الزاوية المظلمة من الغرفة، في الزاوية التي تقول لها الشمسُ أن لا مساس، في تلك المساحة المشبعة بالعطونة والخوف والزوايا الحادة، أمامي نافذة ومدى، أمامي اتساع «الفَرِيج» ورائحة البحر، وصوت الصبية، وصوت ارتطام ذلك الكائن الدائري بالأقدام والأرض والصدى، آه.. ذلك الصدى في روحي الذي يشبه الوقوع في هوة عميقة، صدى صوت والدي وهو يهزِم في الإرادة، يَحني ظهرها، ويُلجم صوتها، ثم يهوي عليها بتلك الضربة الكاسرة في منتصف الظهر، لماذا أحدثك عما تعرفين، عن عقدة الأب الذي ما فتئ يقزّم رجولتي منذ منعني من مخالطة «ديدان الحي» على حد وصفه، الديدان الذين كنت أتوق جدًا لخوض مباراة واحدة موحلة معهم.
أعود غدًا، أنتهي من تقاليد نمارسها كإذعان بالهزيمة، وأعود. لا زالوا ينادونني بالدكتور هنا، لا أعرف كيف سألفظها لهم أخيرًا، لأبي الخائف من الديدان، كيف أقول له بأنني أصبحت دودة، «هه» دودة حرة، لا تزال تبحث عن الفصل الأخير الذي سيخرجها من الشرنقة.
حبيبتي.. إيماني وصلاتي.
أقرأ رسائلك بشغف، بجنون، ارتشف ذاكرتك بلذة، أتقمص البلاد، أهذي معك في حماك».
هذه الرسالة تميمتها الخاصة، إذ أنها كانت قد شُفِيت من الحمى في اليوم الذي أعقب بريده الإلكتروني ذاك، فكان أن حرصت على طباعتها لتضعها إلى جانب صورة العذراء، لم تعلم لماذا شعرت بأن لكل شخص منفرد طقوسَه الخاصة التي تعينه على مأساة الحياة، كان إيمانها واسعًا، لكنه كان مثخنًا بالأسئلة وثقيلًا كجثة منتفخة، شيء واحد فقط كان يجعل قلبها خفيفًا، «هو»، ولذلك تقبلت على مضض شغفه المباغت بالميثولوجيات في حينها ليتحرر من دراسته الأكاديمية، حتى أنه لقّبها «بأندروميدا» ولم تمانع، راقها جدًا أن تكون آلهةً ومجرة كونية وحبيبة وطريق وضوء ومنارة والكثير، كانت تظن أنها هي التي توجِّه في الوقت الذي كانت فيه تُوجَّه، توافقت مع رغبته لاحقًا باختبار التشرد كما فعل جورج أورويل في روايته «متشردًا في باريس ولندن»، وتنقلا في الأحياء اللندنية التي لا زالت تحافظ على بؤسها القديم، شعرت بنشوة أن تكون طعامَه الوحيد، ورفاهيته المفردة كما أصر، رغم أنها كانت تدرك جيدًا هناك في العمق الخفي أن شخصًا مثله لم يكن ليستغن عن مكرمات عائلته المستمرة، العائلة التي لطالما لقّبها بالهزيمة، كانت انتصارَه على الاستمرار على قيد الحياة.
تنهدت، في الأجواء الباردة لسعة مبهمة من الحسرة، لا يجب أن تشعر بها الآن، لا يهم إن كانت تشعر بها الآن، عادت لتقلب الرسائل، الثانية المكتوبة في مايو 2011..
«حريتي البعيدة..
ليتلك تستظلين معي بهذه الحرية الآسرة هنا، أنا سعيد بهذا القدر الكبير من الديدان الفخورة التي تحيط بي، ديدان مسحوقة مُعفَّرة لكنها يافعة، لا أعلم لماذا اندسست معهم طوال يناير، أنا الأبعد ما يكون عن واقعهم الملتبس، لكنني رأيتهم جميعًا، جميعهم بلا استثناء يصرخون في وجه أبي، للديدان زعيقها المسموع أيضًا، تخيلتهم، وتلذذت بذلك التخيل، لم أستطع ألا أكون هنا، لكنني لا أزال أسشعرني هناااااك في الغرفة المظلمة، لا بأس لا زلت أظنني قد أجد الإجابة الكبرى وانعتق أخيرًا قريبا.
يجب أن تأتي، لعلك تختبرين كل شيء معي دون وصفي الركيك، أريد أن يكون انعتاقي من القيد أمامك كاملًا، يومها سأكون لك بكليتي، وسأعود بِريسيوس المجيد، سأنبثق من النيل يوم يفيض. الحكايات هنا كثيرة والصور أكثر، أنا منتشٍ بالأمل حتى أقصاي، ولعلني أستمده من الوجوه الكالحة هنا، في بث حصري وصاف لا يكتفي بتلك الوجوه التي تتأنق لتطل عليكم في عالمكم الوادع هناك، يلزمك أن تستكشفي بنفسك، فالوصف في حال الصفاء المجرد مجرد عبث، ولعل الأسئلة التي راودتك أنت أيضًا تجد مفاتيحها.
حبيبتي.. حريتي وحيرتي
سأتوقف الآن عن الكتابة، وأنتظرك على الضفة.
أحبك»
تذكر صباح الاختفاء المباغت، لم تعرف أين وكيف، هل عاد للعائلة أخيرا؟ تاركًا إياها لمصير الثقل الأبدي، ما الذي ستفعله؟ ماذا عن البشارة الآخذة بالتكور، ماذا عن الصور التي رسمتها لوجهه لحظة اطلاعه على الخبر؟ في أول الشهر الثالث من الغياب، قررت أن تتخلص من التكور الذي ضاعف الثقل حتى استبد بكل ما حولها، لم تعد تشعر بأهمية هذا النمو المركب، لم تعد تشعر بشيء، حتى جاءت تلك الرسالة، الكف التي أتت من البعيد لتشد على قلبها، تربّت على هلعها المتفاقم، تحتفظ بها لأن هذه الرسالة شكّلت نجاتها، القارب الذي أعادها للطفو من جديد، ذات القارب الذي كان سيحملها إليه لتستظل بحريته التي ذكرها لولا أنه عاد، فيما يشبه الخيبة، وبما يتقاطع مع النكران أيضًا عاد إليها، لشروده، ولأسئلتها التي يتقاسمانها سويًا، ولارتجافاته المبللة كل ليلة، لا يزال عالقًا في الغرفة المظلمة، ولا تزال هي كالتي تقف على بابها تنشج معه.
«بسم الله الرحمن الرحيم..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
خولة..
وصلت أخيرًا اليوم، الموافقة المباركة، لكن للأخوة هنا بضعة شروط سنطلعك عليها قريبًا، تذكرة السفر وتعليمات وصولك إليّ مدونة لتعملي على تنفيذها بمنتهى الدقة، سأكون بانتظارك، إلا أنني لن أستطيع أن أراك وجهًا لوجه حتى تُقام المراسيم كاملةً وفقًا للضوابط الشرعية»
رسالته الأخيرة قبل شهر نوفمبر 2014، تميمتها الثالثة، زواجهما المبارك، هي التي لم تتصور أن أفقها الواسع هي المجرة القديمة سيتضاءل إلى ذاك الحد، معاوية وخولة، والأسماء لم تعد مهمة ما دام الخلاص هناك، أرضهما الموعودة كما ردد، لم يعد يهمها من بعد تلك الرسالة استغرابها من التغيير الجديد، تحرُّجه من الأسئلة، كلامه المقتضب، وإصراره الغريب على أن يستقل بغرفة أخرى، هذا المصحف الذي جلبه له يوم قال ستصبحين «خولة»، كان يقرأ له منه بعذوبة تحولت شيئًا فشيئًا إلى جلف، فقسوة، حتى وصفه الساحر للكريم، أضحى سردًا مجردًا لتفاسير جامدة من وجهة نظرها، لا تُناقش ولا تُجادل كما أصر مستغفرًا للعظيم عن جهلها، تجاهلت الأخبار المروعة التي كانت تُبث، كذّبت تفاصيل الرؤوس المقطوعة والأجساد التي تُشوى حية، كانت ترى الثقلَ فقط، الجثة المنتفخة تنتفخ أكثر وتسحبها، لن تنتظر أكثر، قد يكون الفضاء هناك، لكنها ستأخذ معها كل شيء، كل ما يذكرها بهما بكل أشكالهما على كافة المراحل، بالروائح والأسئلة والنشوة، لن تترك تمائمها لأن لا تضيع، خافت من الحسرة التي عادت لتلتف حولها بغلالة رقيقة باردة، تساءلت لوهلة لكأنها تتقمص صوته «أيكون هذا حرام؟»، لكنها حسمت الأمر بأن دست الرسائل في المصحف عند السورة مع الصورة، مدت يدها الضئيلة إلى مقبض الباب، تنبهت لشعرها المنساب، عادت أدراجها لتذرّ عليه السواد المُسدَل الذي لم تستسغه بعد، ولكنها تحاول، تفقدت كل شيء، ألقت نظرة غائمة، وسؤال العودة يراودها قبل المضي، عندها فجرتها الرسالةُ المباغتة على هاتفها مع جسده الذي تناثر في شظاياه هناك، عالم غرفته المظلمة تفتّت على دوائر حمراء قانية، الدائرة التي أرادت أن تشعب ضاقت كدوامة تسير بشكل يعاكس اتساعها تضيق، ومع دمعتها المالحة أخذ كل شيء يقاوم ما بوسعه أن يتهشم، إلا أن انتفاخ الجثة يتمكن منها ويسحبها، يدخلها إلى الغرفة المظلمة الخاصة بها.
ديسمبر 2014
«إنني أهوي أندروميدا..
ولأنني أهوي، لن آخذكِ معي
إيماني بك، ولك، صلي لروحي، لروحينا».
أندروميدا: وفقًا للميثولوجيا الإغريقية، أندروميدا هي الآلهة المُسلسَلة التي يحررها بريسيوس، فيما فلكيًا هي مجرة تجاور مجرة درب التبانة.
بريسيوس: بطل إغريقي بقدرات خارقة ورد ذكره في الميثولوجيا الإغريقية.