خصلة بيضاء بشكل ضمني

رأس الشاعر يقابل رأس الطاغية

9 من 28 · ص 67–74

كل فقر في اللغة إنما هو فقر في الوجود وفي المعرفة، وفقر في العقل.

أليس هذا الإفقار بأشكاله الثلاثة في المجتمع صورة عليا لفقر الإنسان؟

أدونيس

كمن يشعر فجأة بأن العالم قد أطل على هوة، يقلب عينيه، يشعل انتباهه الحاد بثقل، بتوجس حذر، وبذاكرة يُعاد تكثفها الآن، يحاول أن يتمالك مستفهمًا ما يتحرر أمامه من تلك الظلال، التي انسلت لكأنها أرواح وحشية آخذة بالتهام عزلته.

منذ فترة ليست بقصيرة وهو يشعر بأن رأسه لم يعد يعمل كما كان، كل أفكاره العظيمة التي انبثقت عن تأملاته السابقة أُنهكت، استُنزفت حتى أضحت بمثل ضحالة ما هو آخذٌ بالعبور أمامه من تلك الظلال التي يحاول أن يفسرها بعينيه الحجريتين.

أفواج من تلك الأجساد تعبر يوميا، تحملُ وجوها كثيرة، وعيونا تحملق فيه بدهشة، بتمعن، بفراغ، بارتباك، بسخرية، بوجوم. قبل أن يرهبه الضوء الساطع الذي يرافقهم منبثقاً من تلك الصناديق السوداء الصغيرة التي يعلقونها حول رقابهم كميداليات شرف. يلتف الفوج حوله مستمعين بإنصات يماثل في خشوعه جموع المواعظ، إلى سيد ما تأنق يقف بمحاذاة أذنيه، أحياناً سيدة، ولكنه خلافاً لكلام المواعظ المعتاد عن الحدود والحواجز والمفترض الواجب، ينطلق السيد متحدثاً بسرعة عن سيرة رجل ما، عن كائن في حياته عاش مرهفاً ومحباً لعباد الشمس وللسلام، الشاعر المباغت كمعجزة، الطاهر كالملاك، كالذي لم يأتِ يوماً من سلالة التفاحة والخطيئة، سيرةٌ كانت تبدو مألوفة له، في بعض جوانبها، حتى أدرك بأنه المعني، أنها حياته هي التي ينصت لها هو يومياً مع هذه الجموع، لكنها أيضاً لم تكن كما هي بالمعنى الدقيق، شعر أنه يحتاج إلى أن يتحدث مصححاً متصدياً لذلك السيل الجارف من المبالغات التي لم يعهدها عن ذاته، يحاول يوماً، حاول مراراً وفشل، يخذله لسانه: هل قطعوه؟!

باردٌ هذا الرأس، باردٌ وثقيل، لكنه لا يشعرُ بارتجافة الجسد، يقلب عينيه مرات كثيرة محاولاً أن يستدرك موضع جسده، أو موضع قلبه الذي لطالما أنبأه بالحب والقصائد، تمنى لو أن له أن يعود لتأمل حقول عباد الشمس وهي تلاحق الضوء، الضوء الكوني الأخاذ، لا الآخر المربك الذي يفزعه. في هذه القاعة، القابع فيها قسراً بإرادة مشلولة.

خطواتٌ كثيرةٌ اليوم، مهرولة أكثر من المعتاد، مبكرةٌ على غير العادة، لكأنها تتعمد أن توقظه من سباته الزمني. صناديق سوداء كثيرة تأتي على رافعات هذه المرة، لكنها لا تصوب إليه، كلهم يولونه الظهر، منتظرين شيئاً ما في الجهة المقابلة.

  • إنه لنصر عظيم

صوت حاد يقاطع ضجيج الخطوات، صوت تعقبه خطوة رصينةٌ لا تخلو من لمحة تبجح مختالة، يرفع هو عينيه في استيضاح لمصدره، ويبصر وجهاً مألوفاً، هو الوجه إياه الذي رآه في أول وصول له إلى هنا، ولكأنه يتذكر الآن أنه قد سمع منه ذات العبارة، لماذا يتكرر كل شيء مرة أخرى؟

إنه يرى الآن شيئاً يشغل جهة الفراغ الآخر من المكان، الفراغ الذي لطالما صوب إليه عينيه في العتمة محاولاً أن يستفهم سبباً لوجوده هنا، ملاءة سوداء تتبدى له، تُزاح فجأة كاشفة عن رأس مهيب، تصفيق، «إنه لنصر عظيم». العبارة إياها من جديد.

رأسٌ جديدٌ يضاف للمجموعة، بوجه ممتلئ بلؤم وشارب كث، وعينين واسعتين كجحيم تحدقان بارتباك قلق، يشبه قلقه الذي قابل فيه الأفواج الغفيرة لأول مرة، ثم تلك السيدة التي تبدو كمن سيقدم موعظة، لكنها لا تفعل، تبدأ بعد ذلك السيرة، ولكنها خلافاً لسيرته، كانت حافلة بكم كبير من الرؤوس المقطوعة، والحروب المخاضة بهستيرية، وكيف أنها سُيرت بأوامر من ذلك الرأس العظيم المبجل، كلماتٌ كثيرةٌ لم يمر من خلالها ذِكر وردة واحدة، حقل، شمس أو قصيدة، شعر بالغثيان في مكانه وهو يرى النظرة المتقدة للرأس الجديد، لكن يظهر أن لا أحدٌ غيره قد اشمأز من كل ذلك، ثم وبذات العادة الرتيبة، انطلقت تلك الأضواء الساطعة من الصناديق السوداء الضخمة، والأخرى الأصغر المعلقة على صدور البعض، تلتها تلك الوجوه التي اقتربت لتحملق، وأخرى لتعبر بلا اهتمام؛ لكي لا يتبقى أخيرا إلا الفراغُ الثقيل، العتمة والصمت، والرأسان المتقابلان، لزمنين مختلفين وحياتين متناقضتين، وما يأتي لكي يبدو كنهاية واحدة في متحف الرؤوس.