جرح وثلاث مشاجرات
حُبُّكِ
لَيْسَ سِوى جُرْحٍ
وَثَلاثِ مُشاجَراتٍ،
هذا كُلُّ شَيْءٍ
— نيكوس كافادياس، شاعر يوناني
- بلاد كهذه، وُلدت من المحيط، انبثقت كحورية بحر تكشف عن فتنتها بالتدريج منذ العصر الذي لم يُدوّن حتى اكتمال الزمان، من أين لها أن تموت؟ قل لي: هل تموت؟
لم ينتظر أن يسمع منه الإجابة، مَجَّ سيجارته بقوة أكبر وسعل سُعاله المتقطع ذاته، ثم ضحك قبل أن يمضي بخطوة ترك الزمان الذي ما فتئ ينتظر هو اكتماله كل ما يحتمل وما لا يُحتمل، وكشأنه في كل مرة، ترك لك مع رائحة النبيذ المتسلل بشك من ثيابه الرثّة، ذلك السؤال المعلق.. «هل تموت؟». لكنه التفت هذه المرة على غير عادته، كلما أقبل مضيه الصباحي نحو القُوت اليومي المجهول، وسأل بشك أكبر: «هل تموت؟»، وفي المساء ذاته جاءه الخبر: «مات وما ماتت».
أفرد له بعد شهر عبارة كتبها على عجالة: «أيها العجوز الرَّث كغبار الأزمنة الكثيفة، ماذا سيعرف عنك العالم؟». مسح جبينه المعروق أولاً قبل أن يحيي القبر، وضع الورقة، واعتذر منه لأنه لا يملك أن يبذر بعض البِنسات على ترف بحجم وردة جنائزية.
«هل ماتت؟»
سأله ولم ينتظر منه الإجابة، في داخله يرى ما يشبه سراب ذلك يتشكل كل يوم، منذ اليوم الأول الذي واجهته حقيقة أن القصائد لم تعد مجدية، تماماً كتعليمه الأكاديمي الذي لم يكفل له الإجابة اليومية «ماذا سنأكل اليوم؟»، بطاقات الصور المبهرجة التي سيرسلها غرباء لأحبائهم الغامضين مع عبارات يبيعها بحسرة، ماذا لها تساوي أمام خسارة هذه البلاد التي باغتها الزمان بأن لا اكتمال يحدث دون ثمن، وعليه فإن خسارته الآتية من كبرياء خفي لا تساوي شيئاً أمام هذه الفتنة المُباعة بثمن زهيد، كغرفة في فندق، تذكرة متحف، تمشية على الشاطئ الأسود، وكل ما أفردته هي للبيع في أزمنة الاستهلاك الشرس هذه.
أسئلة ماكرة تمر بباله، ساذجة وعنيدة، تربكه وتتداعى أمام خطوته التي يبدأها بإصرار يومياً وهو يتمركز في قلب الجزيرة العارم بالملامح الغريبة، والأجساد في ضجيجها العارم تتحرك، تتلاصق وتعبر لكأنها في حلبة رقص متواصل.
ماذا يعرف عنا العالم؟ أراد أن يصرخ مرة، ما الذي يعرفه أكثر من بضع عبارات رددها العجوز اللعين زُوربا، أو رقصته تلك، ماذا أكثر عن هوميروس وبضع أبيات مفبركة الترجمة، ماذا أبعد من تماثيل رخامية ميتة لتاريخ عجز على أن يؤمّن المستقبل المنطقي لأبنائه، وسلسلة جزر يكسرون أسماءها لتناسب لَكناتهم العرجاء، وبعض وقت ماتع يقضونه بنَزَق غير عابئين بثمن هذا المحيط الباهظ، ما الذي قد يدركونه – في حال اتسعت معرفتهم -، أشمل من عبارات يرددها مذيع النشرات الإخبارية الجافة عن بلاد مفلسة تعيش على إعانات الجوار الذي لا يفوت فرصة لكي يذكرها بذلك بنبرته المتعالية التي تدعمها المادة؟
خطوته تذوي مع الغروب، يختنق، وهم يتدافعون متجاهلين بطاقاته، مسرعين لالتقاط صورة أروع غروب مُوثّق على هذه الجزيرة، لكأنها هي المرة الأخيرة التي تندلق فيها الشمس في المحيط، يسُدّون بذلك تعطشهم للفرادة ولا يرتوي جوعه هو..
- أيها المرهف المتعب تكاد تجن، أفرد لكل لحظة حقها الكامل ولا تضيق عليها بالأسئلة.
تمسح على وجهه برقتها المخاتلة، تقبله بمكر وهي تترك له على المِنضدة الوحيدة في غرفته المتهالكة ما يعوض يوماً فشلت فيه البطاقات التي تحمل عبارات شاعر مغمور في تأمين ثمن عشائه، النقود التي تذكره يومياً بأن جسدها التالف لكثرة من مروا عليه لا زال قادراً على أن يؤمّن ما تعجز عنه كل مشاعره القابلة للبيع في قصائد، قرف.. يشعر بالقرف يسري كدَبيب جيش من النمل على كافة أطرافه، يبصق خلف خطوتها بعد أن أغلقت الباب الشهية التي كانت في عذوبة ابتسامتها كقديسة، أضحت…
رأسه والأسئلة ولوحة مقلدة لوجه «فان جوخ» الخال من أي تعبير يذكر تحدق معه بالفراغ الضبابي الهائل أمامه، من أين لخطوة قادمة أن تتشكل وكيف؟ هل هذا كل شيء؟ هل اكتشف سر الحياة الأكبر؟ لا شيء يحدث الآن، لا شيء سيحدث لاحقا..
- المحيطُ وحدهُ يدرك الخلاص.
قالها.. هو العجوز الهش المرتبك قبل أوانه في عامه الثلاثين، يعُبُّ من ملح المحيط حتى انتفخت رئتاه وجسده، وانفجر عقله.
سانتُوريني – الجزيرة – 2014
• تدفع البطالة سنوياً قرابة الخمس وأربعين ألف إنسان للانتحار على مستوى العالم – «عن دراسة سويسرية نشرتها مجلة (لانْسيت سايكاتْري)»