وأنت تنزفين
أَعْتَقِدُ أَنَّنِي أَنْتَمِي إِلَى سُلَالَةٍ تَتَلَاشَى.
أُؤْمِنُ بِالْمَقَاهِي،
أُؤْمِنُ بِالْفَنِّ،
أُؤْمِنُ بِكَرَامَةِ الْفَرْدِ،
أُؤْمِنُ بِالْحُرِّيَّة
— أرنيستو ساباتو
وأنتِ تنزفين، يتبدل حال الوردة، هذا الاختناق الضخم يتشعب بقبضته المرنة إلى حنجرتك، يقيدك مَشدوهة، يُحجّر نظرتك.
في وقت كهذا أنت لست خائفة، في وقت لم يُخيّل لك أنك ستختبرينه بهذه الطريقة، بهذا القرب الصاخب، وبهذا الوجه اللَزِج، قالوا إنهم في حالة كهذه يرون شريطا سينمائيا مُبتذَلا، يمارسون فيه بطولة اللحظات المفقودة، لكنك لا تفكرين إلا في حال الورد الذي يَنهرِس تحت الأقدام مشدوها مثلك، وآه تتذكرين رائحة كوب القهوة الذي تركته على حالة حيرته اليومية في جَدَلية الفارغ والممتلئ، والقبلة السريعة التي عَلّقت شفتَي صغيرك بين البكاء والابتسام، دمعته التي توقفت تماما على منتصف خده لحظة اللمحة الأخيرة التي منحتها له قبل أن تُغلقي الباب.. تشبهك.
في الشارع يتبدل حال الجسد، جاثيا على ركبتيه كالمسافر في صلاة أخيرة، تودين لو أن شفتيك الآن في طَواعيتهما اليومية لابتسامة، كم ابتسامة يلزمك بعد؟ يحملك رفيقك كرُمح عال، كسؤال منتصب، كوَتِد لم يدرك بعد مآل الطين الأخير، لا يُسجّيك كحالة يأس كما يفعلون في الصور، يحملك ويركض بصلاة جسدك، بين ذراعيه أنت، لا تسقطين، لن تسقطي، هكذا آمن بك وأَمِن، وهكذا آمنت لوقت خُيِّل لك أنه الأبد، أبدك القصير على كل حال، هو الذي لا يعبأ بأن يُثبِت لك غير ذلك الآن، فاجأك بهذا الدم الكثيف، من كان يتصور أن ما كان يُثقِل صدرك على مدار اكتمالك، كان كل هذا الدم على قلبك، لقد بدأ الأمر كوَخزة دبوس بعد دَوِيّ الطلقة، ثم أخذ الثقل يخف.
في الصوت يتبدل حال النبرة، كل ما حولك فَحيح كنت تسمعينه بخوف قبل عام، لا لا أكثر، كان فحيحا مُركَّبا يلتصق بكل الأصوات العالية على الشاشات، أعلى المنابر، في عملك، بين الأزقّة، وفي الشوارع.. «ليس للعاجز أن يمنح، وليس لليائس أن يحب»، وكنت تصرخين «أمل».
في وجوه كل المُتراشقين أثناء عبورك المُضني، حتى أصابوك أخيرا «ليس لليائس أن يحب»، هذا ما يقوله الفحيح الآن، تسمعينه وتدركين، فيما لا تزالين تفكرين بالكوب، والوردة، والدمعة وشَبَح الابتسامة، والهتافات والأزمنة التي ذهبت، الأزمنة التي أتت، أول مرة سقطتِ طفلة وتعرفت على دمك بوضوح، الدم الآخر الذي كان يُغطّي صغيرك يوم الولادة، وهذا الدم الذي تشعرين الآن بطعمه اللاذع.. هل يشبهك دمك؟
في المكان البارد جميعهم فَزِعون إلا أنت، رجل يسأل رفاقك عن اسمك ليسجله على عَجَلة، تستغفرين من تجاهله لك في حين أنه لا أحد له أن يدرك اسمك كما تفعلين، «شيماء» العالية، بعيدا عن ذلك تختبرين الآن شعورا آخرا، يأخذ دهشتك ويُحجّمها، ما هذا الأنين المر الذي لا يعيره أحدٌ انتباهها؟ أنين باهت وغريب يصدر عن كل هذه الأجساد المُتكتّلة، في هذا البرد المزمن، يأخذك شعور الرجفة والغرابة، عليك أن تغادري، حسمت أمرك، كل مكان كنت لا تنتمين إليه تغادرينه فوراً، كل موقف لا يمثلك ترفضينه بشكل قاطع، وكلك بكل ما فعلته لا يزال معلقاً في أول 18 يوماً بعد الخامس والعشرون من يناير 2011، أنت تبقين عالقة في الأزمنة التي تحبين، ترفضين سنوات النار والغبار، وأنت لست لهذا البرد الكئيب، ولأنك لا تزالين خفيفة كما شعرت أمام دهشة الدم، تَنسلين بهدوء، تترنحين قبل انتصابك، لم تعتادي على خطوتك الخفيفة بعد، تلك التي تظنين أنها ترفعك عن الأرض بضع سنتميترات، غادرت ولم يستوقفك أحدٌ ليسأل: إلى أين؟ بدا وكأنهم لا يرونك في خِضَمّ ارتباكهم المُفرِط، أو تظاهروا بذلك.
في البيت لا يزال الدفء على حاله، تعودين خفيفة إلا من الصوت «ليس لليائس أن يحب»، وأنت تحبين.. تحبين.. تحبين، تَدلفين على غير العادة، غير عابئة بالبحث عن المفاتيح في حقيبتك المليئة دائماً بكافة أشكال المتعلقات، تندفعين نحو الكوب، تكملين القهوة الباردة كوَحل، تبحثين عن الصغير، تتأكدين من أنك رأيت الدمعة حتى سقطت واضمحلت، وتشربت الابتسامة حتى اكتملت، يضحك الآن، الوحيد بينهم هو، ويمد أطرافه ليلمس وجهك، فيما يجلسون ليبكوكِ بذهول، تجلسين وتتأملين معهم المشهد، شعرك المعلق بين الطول والقصر، سُحنتك القمحية في لون متردد بين سمرة البشرة وبياضها، جسدك وهو يخذلك، تتأكدين من أن الملامح التي قد ترينها للمرة الأخيرة كاملة جدا، تتابعين نظراتهم، تخترقينها ولا يلاحظونك، تعيدين معهم تتبع الفيديو المسجل الذي يجعلك حديث العالم الآن، تترصدين مسار الرصاصة بجدية، تذكرينها وترغبين بالوصول إلى موضعها في ظهرك لتحسسها، لكن ما نفع ذلك، لقد منحتك الخفة وانتهى الأمر، ترفعين عوضا عن ذلك إصبعك مشيرة إلى تلك النظرة في عينيك، راجية منهم أن لا يفوتوها، النظرة التي توحي بأنك أدركت أخيرا، لو أن لك أن تشاركيهم هذا الأمر تحديدا كما اعتدت في كل ما يتعلق بك، لا يلتفون لأصبعك، يرتفع البكاء، تضجرين، أنتِ لست حزينة، هناك شعور ساحق أبعد من ذلك، لو أنهم يعيرونك انتباههم لبضع ثوان، تتركينهم، تتجهين لغرفتك، ترددين بتهكم:
- مسودة رواية
حياتك كانت تماما كمسودة رواية، وطنك يبدو كذلك أيضا، كيانٌ لا يعرف إن كان سيبصر الشمس يوما، فيما إذا كان سيتحلق حوله الذوّاقون، سيقرؤون، سيصفقون، سينتشون، سيحبون ويبكون، يبكون؟ لكنك لستِ حزينة، تشعرين برغبة عارمة بالدوران، تُفرِدين مع هذا الدوران ساعديك، تخفقين بقلب فارغ من الدم وخفيف، تضحكين بصوتك العال كاسمك، دون أن تفوتي مع ذلك استغراب أنهم لم يقطعوا بكاءهم، ويهرعوا إليك متقاسمين وإياك الضحكة والدوران، تدورين، وما الأمر إلا دائرة، تدورين لكأنك المحور الذي يرتكز عليه الكون، تدورين لكأنك على عكسه، هو المستمر بلا شعور يذكر، تتعبين، أنت متعبة على الرغم من الخفة، تستلقين، نائمةٌ أنتِ الآن لأول مرة بعمق كامل.
• للذين لم يعرفوا عن شيماء الصباغ.. ابحثوا عنها قليلا، أو كثيرا..