خصلة بيضاء بشكل ضمني

حدث طارئ

8 من 28 · ص 59–66

نَحْنُ مَحْكُومُونَ بِالسُّقُوطِ دَاخِلَ ذَوَاتِنَا
وَالْبَقَاءِ يَائِسِينَ

— إميل سيوران

عينان داكنتان، كليل هذه البلاد، التي تحاول أن تدفع عن نفسها تُهمة وجودها الطارئ على الخارطة، عينان لا تحاولان أن تقولا ما هو أبعد عن لونهما، في حين أن نبرة الصوت التي غمرت المكان كانت تقول الكثير، تجاهلت الكلمات المركَّبة على تلك النبرة، وتمنت لو أنها لها أن تلمسها، تماما كما تمنت أن تتحسس بأصابعها هذه الملامح الحادة التي انسحبت من حِدّة اللون الداكن للعينين إلى كل تقاطيع الوجه، جبهة عنيدة، تحاول أن تضاهي الصوت في طرح شخصها الواثق، أنفٌ يتعالى في أجزاء من الثانية كاشفاً عن اعتداد متفرد، ووجنتان حادتان تجعلان من كل ابتسامة سهماً نافذا. لماذا ليس لها أن تلمس كل هذه التفاصيل الحاضرة بقوة أمامها، لماذا؟ هل كانت تخاف؟ في الحقيقة هي أرادت أن تخاف ولكن…

  • لماذا؟
  • ماذا؟
  • لماذا هذا الصمت اليوم؟ تبدين واجِمة أيضا
  • أحاول..
  • تحاولين؟
  • أن ألمس صوتك.

ضحك، ارتد برأسه إلى الوراء، والنبرة في صوته آخذة بالتكثُّف، حتى طالت كل ما يحيط بهما في المقهى، حتى أنها انسكبت في كوب القهوة الذي جاء به النادل إلى الطاولة، كانت تدرك أنه لم يفهم معنى ما تقول، لكن اعتداده الآخذ بالتعاظم بعد كل لقاء لن يسمح له بأن يظهر ما هو عكس ذلك، تمنّت الآن لو يكتفي بضحكته تلك، لكنه أعقبها بذلك السؤال الذي ليس لها أن تجيب عليه الآن..

  • أتخافين الفقد لهذه الدرجة؟

كانت تحاول أن تنسحب مع السؤال إلى الصوت فقط، وهي تتابع كفه التي ارتفعت بأصابعه الطويلة فيما يشبه أعواد قمح في حقل حرَّكته ريح خفيفة، اقترب بحقله من أصابعها، وتراجعت هي بكفها،

كما تراجعت عن إجابة السؤال المعلق على النبرة، ارتدت كفه كحقل أصابته عاصفة هذه المرة..

  • ألا تخافين من أن أغيب؟
  • لا!

أطلقتها بسرعة، ورأت كيف أن الليل بعينيه بدا لكأنه اندلق على كل تفاصيله الأخرى، حتى نبرته التي خرجت داكنة وهي تعيد تكرار تلك الـ «لا» التي جابهتها هي بالمزيد من الصمت، كانت تريد أن تشرح، أن تبرِّر، أن تحاول إعادة بلورة السؤال الذي طرحه، أرادت أن تقول إن «الأمر في الخوف ليس متعلقاً بك بشكل خاص، بذاتك التي تراها في كل مرة قبل أن تراني أنا»، لكنه لم يمنحها الوقت، انسحب بذاته العالية الحادة، وتركها تحاول أن تتذكر (هل كانت «الكَندورة» التي جاء بها سوداء أو بيضاء؟).

«ماما، أنا لا أخاف»، كانت تقولها لأمها دائماً، وهي تستمع إليها متحدثة عن الوحدة باستمرار، كانت مُفردة رُعبها، التي يبدو أنها قد استطاعت

أن تنطقها بشكل أكثر جودة من بقية الكلمات الركيكة التي انفلتت عن لسان لم تكن العربية لغته الأولى، «الوحدة» التي قد يتركهما لها والدها إذا ما قرر فجأة أن يعود لزوجته الأولى وأطفاله محملاً بمراكب ندمه، خافت من أن تكون نزوة، من تعلقها بذلك الجِذع المهزوز الذي قد ينكسر على رأسها هي، وهذه الصغيرة التي بقيت تحدق فيها دائماً بعينين خاليتين من أي تعبير، «يجب أن تخافي من الوحدة».

لم تكن ترى والدها كثيراً، تكاد لا تذكر عنه شيئا الآن، إلا السُّطوع الذي كان يحجبها عن تأمل ملامحه، كانت تشتمّ في وجوده رائحة الرمل بكثافة، وبشكل ضبابي تتذكر أيضاً أن ذلك الجذع الذي كانت تستند عليه والدتها، كان يخاف أيضا من أن يختفي ذلك الذهب الأسود فجأة، كما ظهر فجأة قبل أن ينجح في استثمار كل قطرة منه كما يجب، «يقولون أنه لن يكون دائماً، لفترة وينتهي، كل هذا الرخاء المباغت قد يزول، تخيلي، يجب أن

أعمل بقدر ما أستطيع، بكثافة كل الوقت»، بصوته المرتجف كان يردد ذلك على مسامع أمها الخائفة أصلا.

انتهى عمر والدها مع خوفه، ولم ينته ذلك الذهب الأسود، أمها التي خافت من الوحدة، انتهت مع عمر والدها المحدود، لم تصمد أكثر من سنة، وبقيت هي هكذا، مستندةً على عالمها القائم على وجودها الحر، تسمع بين الفَينة والأخرى أخباراً متقطعة عن إخوتها الآخرين، الذين كانت قد رأتهم كصور مبعثرة على فترات «اقتسام التَّرِكة». برتابة تمضي كل الأشياء فيما هو منكفئ على ذاته حولها، ما أن تغلق باب ذلك المنزل الكبير الذي ترافقها فيه الخادمة. «لم تتزوج»، لم تكن تريده كوالدها، وفي واقع الأمر كانت ترى في الوحدة كائناً جميلاً جداً، لم تفهم حتى الآن لماذا راوغته أمها بكل ذلك الجهد الذي استنزفها في نهاية الأمر؟ كانت تتسلى في عملها لكي تشتاق إليه، فالمادة لم تكن خوفها العميق كما أراد لها ذلك

الأب، هل يكون الأمر؟ أن للآخرين مخاوفهم، لكنها لم تحظ بواحد حتى الآن؟ وأن عليها أن تنتظر؟

توقفت بمَركبتها أمام باب منزلها، ليشدها أن البوابة مُشرَعة على غير ما اعتادت، مع أنها تغلق بالعادة تلقائياً بشكل إلكتروني منظَّم بعد عدة دقائق من فتحها، رأت جسد خادمتها الضئيل يأتي غائماً ثم بوضوح مقتربةً من المركبة، وبكلمات سريعة لاهثة أخبرتها عن عُطل كهربائي ترك البوابة هكذا منذ الصباح… نزلت من مركبتها بعد أن وسَّطتها باحة المنزل، وأخذت تتأمل مشدوهة تلك البوابة، وهي مشرعة على الآخرين، ببساطة أحست بأن كائن الوحدة الأثير قد غافلها في هذه الساعات التي غابتها، وانطلق مولياً أمام إغراء هذا الكون المنفتح على كافة الاحتمالات، ابتلعت ريقاً جافاً، بردٌ مبهم يباغت أطرافها، ارتعدت بشدة، لم تخف، شعرت بالرعب.