مصير بارد
أَنَا لَنْ أَرَاهُ!
لَا كَأْسَ يُمْكِنُ أَنْ يَحْتَوِيَهُ
لَا سُنُونُوَ يُمْكِنُ أَنْ يَشْرَبَهُ
لَا صَقِيعَ ضِيَاءٍ يُطْفِئُ نَارَهُ
لَا أُغْنِيَةً لَا مَطَراً مِنَ اللَّيْلَكِ الْأَبْيَضِ
لَا زُجَاجَ يُغَطِّيهِ بِالْفِضَّةِ
لَا. أَنَا لَنْ أَرَاهُ
— لوركا
- برد
- لكنها فتيل، الكلمة فتيل أبدي اليقظة.
- برد
- الكلمة حطبي وناري.
- برد
- «في الْبَدْءِ كَانَتِ الْكَلِمَةُ»، وإليها المنتهى، يسوع، يا يسوع وجهك يتشظى، إليك أصير إليها أنتهي، أنت الكلمة وما أنا إلا أنتما، «أَنَا الْأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، الْأَوَّلُ وَالْآخِر».
- برد
- أكتب يا رب، أكتب مشتعلا، غاضباً، أكتب منفياً، أكتب منبوذا، أكتب وقد جف كل أمل، أكتب وقد مضت سنواتي من يباس إلى يباس، أكتب والصغير الذي كان يقذف الحجارة على عُتاة الحي من الصبية كَبِر ولا زال يقذف ذات الحجر، كبر ولا زال يركض لاهثاً، كبر والعتاة كبروا حتى سلبوه كل شيء، حتى ذلك الحجر، أكتب لأنهم
استضعفوها وتركوها بين يدي كخرقة بالية، يا رب امنحها كل صلابة العالم لتكون حجارتي، وامنحها قدرة اللافا الملتهبة على إشعال الحرائق.
- برد
- وكلما أحرقتني رغبت بالمزيد، أواه أواه، لغتي
يا محبوبتي ولَّعتني، اللسعات منك تعيدني إلى رُشدي، رشدي الذي صار جنوني، والعالم ينفلت عن المقاييس البدائية لكنه بقلب همجي أصيل يقلبنا كذرات رمل في ساعة قديمة، أنا الذرة الوحيدة التي آثرت أن تتأنى، أرادت أن تخرج من هذا الدوران اللعين، اشتهت أن تتذوق معنى أن تكون ذرة في هواء لا مبالي، أيحط على زهرة أو فوهة بندقية.
- برد
- لوركا، إنني أرى جسدك بوضوح أمامي،
جسدك الأثيري المحلق، سمعتك قبل قليل – رغم انهماكي بما تبقى لي من وقت لأكتب – لكنني سمعتك عندما وضعت يدك الساخنة وعصرت
قلبي قبل أن تهمس لي بأنك ستغنّي اسمي كترنيمة، هناك خلف التلة التي تبخرت حولها، لوركا لقد استهلك هذا الحزن البارد كل بهجتي الباسلة، لوركا تجسَّد بعد، تجسد أكثر كشعلة، هَبْ لجسدي معجزة أن لا يتفتت كندفة ثلج بائسة أراني أتحول إليها، لوركا.. التف حول أصابعي البيضاء وامنحني دفقة من دم القصائد الملتهب.
- برد
- جسدي يرتج، أنا البركان على رصيف أكثر
إنسانية من كل من دبت أقدامهم حوله، أشعر بي أغلي كأن طلقة في طريقها للخروج من أعماقي بدلا من أن تستقر بي، أنا أهتز، لست أرتجف بل أدور حول روحي كإعصار، إنني أتعرق رغم كل هذا البياض حولي، وأصعد بحبور، أتسلق لفحي الساخن وأنزوي كنجمة نارية في قلب هش لسماء لم تتمنع عني كما كانت في كل مرة أحدق فيها بعناد، لقد توحدنا معاً، قَبِلت بي عاشقا لا يملك من الحب إلا اللغة المنسابة، منحتني السماء في
هذه الليلة الأجنحة، ومنحتني الشمس التي لم تعد مرتابة قوس اللهب والأبد معا، لم يعد بوسعي أن أتذمر من ضيق الوقت لم يعد بإمكاني أن أتذمر من نفاذه، أنا عال، لكنني كباطن الأرض حارٌ جدا، كأنني لعنة ليس لها أن تفتر.
- دفء
في الصباح عُثر علي ميتاً، الغريب رسول الكلمة المشتعلة الذي تناقلت وسائل الإعلام خبر موته بحزن مفتعَل، وجدوني متخشبا ونبضي قد تجمد، كنت مزرقاً كأن عاصفة جليدية بعمر ألف عام قد قضت علي، إلا أن كل من قلَّبني بفضول أو باهتمام حتى آخر لحظات الدفن لم يسلم من لفح الجسد الساخن، جسدٌ أسَّس لاشتعال طويل، بعمر كلمة البَدْء الأزلية.
إلى روح محمد حسين بهنس الذي لم أعرف عنه إلا البرد