خصلة بيضاء بشكل ضمني

تراجيكوميديا

12 من 28 · ص 93–102

ثمة تقاطع بين المأساة والسخرية دائماً، لكن الشيء الأكيد أن حكاية جميلة واحدة تكفي لإنقاذك من أي شَرَك تنصبه لكَ الحياة

إبراهيم نصر الله

«الحياة تراجيديا لمن يشعر، كوميديا لمن يفكر»1، قالها ثم صفّق ثلاثا قبل أن يُسدل الستار، عابرا من حياة الفكرة محاولا الانعطاف نحو حياة الشعور، خرج من ثياب الملك، وعاد إلى هيئته الواهية، إلى نظارته الطبية التي كانت أول ما يُضفي عليه، وعلى عكس كُثر، مشهد البلاهة.

  • أنت عنصر مركَّب على الحياة العامة.
  • مركب؟!
  • نعم، أنظر لنفسك، لست أكثر من شاب هزيل وأبله كما يبدو لي الآن، على الخشبة كنت الملك، مشهد مركب عليها بامتياز، ولكن ما كُنهك الآن يا «جلالتك»، افعل شيئاً، «تَلَحلح»

يقول لك زميلك المُولَع بالتحليل بعد انتهاء بروفة العرض، كاتب النصوص وراسم الأشكال ومُبتدِع الأخيلة، وتصدقه أنت، مُقلّبا ببالك عِدّة صور لك خلال حياتك الهزيلة، تراها هزيلة دائما كهيئتك ربما، تعود إلى «الكَندورة»، البياض المُمنهَج مع عائلة تعرف أنك تقوم بشيء هامشي جدا يسمى مسرح، ولكنك تكسب جيدا من وظيفتك الأخرى، وهو الأمر الذي يكفل لك كَفافهم عن ملاحظات في غير محلها دائما كما ترى، تحسست خدك، صفعة أمك الحارة يوم ضبطتك تضع أحمر الشفاه، لفترة طويلة بقيت لا تظهر عُدّة زينتها أمامك، كان جُلّ رعبها أن «أم…»، أم الأولاد قد أنجبت أخيرا صبياً بهيئة فتاة، خافت أن تصبح «مب ريال»، بقيت من حينها عنصرا مركبا على العائلة تلك، هذا هو الوصف المناسب، عنصر مركب، مصدر قلق نافر يتقبلونه مُجبَرين، لم يسألك أحدٌ لماذا وضعت أحمر الشفاه؟ كنت تريد أن تصبح أمك؟ بعد أن اكتشفت أمام المرآة في صباح نفس اليوم مرونة حبالك الصوتية.

البنطال وقميصه الفضفاضين يجعلك في سُحنتك الأقرب للسمرة من بياض البشرة، تشبه كثيراً أحد أولئك العمال الآسيويين الذين يملؤون شوارع المدينة، ويُفيضون على طرقاتها في مشهد لم يعد يثير حفيظة أحد، حتى أولئك الذين ما كانوا ينتمون للمدينة ذاتها، تبتسم لأنه في الحقيقة إن أحدا لم يستطع تمييزك عنهم يوم غبت عن مشهد «الكندورة» مدة خمسا من السنين، مُتنقّلا من سكن عمال إلى آخر، بعد أن أتممت دراستك الثانوية، وقلت لهم أنك ستصبح مُمثِّلا، أعدت لهم ذاكرة أحمر الشفاه من جديد، تشبثت هذه المرة بلونك إلى درجة التطرف، تركك أهلك لما عرفوا أنك حي على الأقل، في الشرق تكون العائلات مثل التراب الأخير الذي يعرف أنه سيُهال يوما على هذه الأجساد الضاجة العنيدة، يدرك أنه يحاول أن يُلطّف معنى كلمة مقبرة، المهم أنهم عود أخير، وكانوا يعرفون ذلك فتركوك، المثير للسخرية أن الأمر انتهى أخيرا بأن أولئك العمال الذين لم يستطع أحد تمييزه عنهم، الذين كانوا في كل مرة يكتشفون أمره ينبذونه من بينهم، «أبله» تقول لنفسك، ما الذي كنت ترمي إليه؟

قبلت لاحقا، وعلى مَضَض بوظيفة لا تطلب مؤهلا أكبر من الثانوية في أحد البنوك.

وضعت صورة ثالثة اليوم على «الانستغرام»، وتأمل هو كل صورة بما يزيد عن الثلاثين مرة، تفقّد جميع حسابات تواصلها الاجتماعي، اطمأن على حالتها النفسية، لم يتجاوز الأمر ذلك، إنه حتى لم يتخيل أنه في يوم قد، يعني.. قد… يَلمِسها، ضحك مرة أخرى وهو يفكر بمدى هامشيته فعلا، «يا جلالتك» يعود لك صوت الرفيق الذي تعمّد إحراجك بعد أن ضبطك تتأمل صورة لها اليوم، تفكر، تضحك لأنك تفكر.

  • مولييير أنا في عرضك.

يُقاطعه مهندس الإضاءة، في الواقع مهندس كلمة كبيرة، كانوا يسمونه هكذا لكي يُضفوا شيئا من الأهمية على هذه الفرقة التي تَضُمّ مجموعة أشخاص مركبين على المشاهد العامة، مثله مثلهم جميعا هنا، عموما أفضل النصوص المُهترِئة التي يأتي بها كاتبهم العظيم، لم تكن بحاجة إلى أكثر من مساحتين ضوئيتين، واحدة تعبر عن النهار، وأخرى لنقيضه، وهو ما كان سيبرع به أي شخص، أي شخص مثل «هيثم»..

استمع لثرثرة هيثم المعتادة، وهو يحاول أن يُفسّر بالتوازي مع ذلك معنى: «أنا في عرضك» التي يُردّدها هيثم باستمرار كلما جاء إليه في حاجة، بعد أن جرب أن يستفهم معناها من هيثم نفسه، الذي أجابه بأنهم معتادون عليها لا أكثر، انسحب في التفكير، لماذا نعتاد على أشياء لا نفهمها؟ كيف نتقبلها من الأساس؟ استكمل شُروده، وصل إلى وجهها، أراد أن يكمل.. توقف.

  • هاااا.. «قلت إيه يا موليييير.. هتساعدني»
  • «الله يغربلك يا هيثم».

تركته ومضيت، لعنت صوته الذي انتزعك من استلابك الخاص، انتبهت أيضا إلى أن هيثم كان يسخر منك بشكل مُبطّن كلما ناداك «موليير» ومطّها، أيها المريض بالوهم، تركته مُتعمّدا أن لا تكترث بإحدى حاجاته الكثيرة التي يظن أنك بشرط المواطنة تمتلك عصا تحقيقها السحرية، تفكر، تضحك مرة أخرى، وأنت تراك ممسكاً بعصاك السحرية، مستمتعاً بالتحليق على المكنسة الطائرة، «يقولون إنهم يطيرون فعمان»، تستذكر حكايات رددها كثر عن جيرانكم على الحدود، تفكر بمدى حقيقة الأمر بجدية، تضحك مرة أخرى لأنك تفكر، تحاول أن تهرب من الفكرة، تريد أن تشعر، بماذا تشعر الآن؟ ما هو الشيء الذي لو استخدمت كلمة شعور لعبّرت بكلمة أخرى بديهية كمرادف له؟ ماذا؟ ماااااذا؟

«بيييييييب»

صوت حاد يُشتّتك من جديد، مركبة وأضواء واسفلت مصقول وناعم، أنت في الشارع، كاد يدهسك، سِباب، الكثير منه، يبدو أنه لا يُميّزك عن أحد أولئك العمال الذين نبذوك مرة، تعود للرصيف، تعبر من أمامك مسيرة، مسيرة مثل غيرها الذي أصبح ينطلق لأي سبب. ما المعنى الاحتفائي الحقيقي في مجموعة شبان يخرجون منطلقين في مركباتهم بهستيريا، شبان، لماذا بدأ الأمر وكأنك تُقصي نفسك عنهم، وكأنك من فصيل آخر؟ ما أنت؟ تفكر.. وأنت تحاول أن تعبر إلى الضفة الأخرى حيث مركبتك، لا زلت تفكر، تريد أن تشعر، تريد أن تصل إلى التراجيديا التي عناها «موليير». يا ترى ما هو الصوت الذي قد يكون ملائما لتقاسيم وجهها المنمنمة؟ تأخذك فكرة أخرى وسؤال، تصل لمركبتك، أو إلى الموضع الذي يفترض أن مركبتك كانت تَشغله، تتلفت، لا أثر لها، تضع يدك على جبهتك وتَدعك رأسك لكأنك ترد أن تستدعي الذاكرة، تتنبّه لجيبك الفضفاض الخال من مفاتيح المركبة، تفكر في المفاتيح، هل لقلبك مفتاح، وإذا كان: فأين هو؟ هل هو عائق الشعور؟ لكن ماذا عن الذي يجعلك مُترصّدا لتلك الغريبة التي لا تدري إن كانت مجرد وهم؟ جميعهم على الشبكة، في عالم الافتراض يُشِعّون بمثالية مقززة، كأنهم في وهمهم مرضى أكثر منك، لكنها مختلفة: هل تملك هي المفتاح؟

يفكر، يضحك لأنه يفكر، بصوت هذه المرة، فيما هو ماض إلى مركز الشرطة القريب، ليسجل بلاغا حول سرقة مركبته التي نسي مفاتيحها بداخلها قبل ساعات؛ لأنه كان جِدّ منشغل بالفكرة.

  1. موليير: جان باتيست بوكلان، مسرحي فرنسي وصاحب العبارة المشار إليها في بداية النص. ↩︎