ثم دنا فتدلى
﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ﴾1
ربّما حين يشتدّ اقتناعنا بالوَهم يتحوّل إلى حقيقة، ربّما نحنُ من يصنع الحقائق والأوهام دون أن ندرك!
مريم الساعدي
أنا الهالك لا محالة..
وجهي لا يزال متمترسا خلف ابتسامته.
المصائر المُعلَنة لأحدهم، قد تكون مصيرك الخاص في يوم ما. أتذكرنا متحلقين حول مائدة العيد، عيد الولائم والأضحيات، رجالاً منفردين كما هي العادة، عندما بُثَّ مشهد المشنقة، الموت الحي على الهواء مباشرة، محولاً إياهم لكائنات شاخصة في الوقت الذي لم يكن الأمر برمته ليعني شخصاً مثلي؛ لأن العالم هو الهامش، فيما وحدي كنت المتن.
أخذ جدي يصيح مستنكراً، لاعناً الغرب والغرباء، حزيناً على أعراقنا التي تُراق، والدي تأمل مشدوها محاولاً أن ينفذ إلى ما هو شاعرٌ به، عمي الأكبر كان يردد عبارات ساخرة عن غباء الذين صنعوا من الطاغية بطلاً قومياً، عمي الأصغر رأى في الأمر نهاية حتمية عادلة، انفلتت الآراء بعدها كأحجار دومينو في نسق يتفق أو يختلف مع الرجال الكبار، ثم راح المشهد كما تخيلت ينسخ نفسه موزعاً إياه على أماكن عديدة تمتد لمساحات شاسعة بين حسرة، حيرة، تَشَفٍّ، أو شماتة مبطنة، وحدي بقيت أراقب وجوههم، فيما أعُبُّ من طبقي دون اكتراث للشاشة، كنت مثلها في عرضها الحيادي، أتلقى بلا مبالاة، إلا عندما نهضت لألتفت إلى نهاية الحدث، حيث تلقيت المشهد الصفعة.
الحبل الثخين الملتف كأفعى ضخمة حول رأس غُطّي بخرقة سوداء، شعرت بأنني أعرفه، بأنني رأيته في مكان ما، سارعت يومها لألعن هؤلاء الذين يجعلوننا نرى أشياء كهذه في يوم عيد، صِحت بشكل باغتني شخصياً قبل أن ينتقل أثر المباغتة إليهم.
- من هؤلاء؟ بادر جدي بانتظار أن أطارحه انسجاماً مع رأيه العام.
- أجل من تعني؟ والدي كان ينتظر إجابة تعمق من تحليله الشارد للموقف.
- يعني «الأمريكان»؟ حاول أحدهم أن يجيِّر الدَّفّة لصالحه.
أشحت بوجهي مستنكرا الأسئلة، التي لم تكن إجاباتها لتهمني، ولم أكن لأملكها في حيرتي التي تفوق دهشتهم، رأيت هيئتي تنعكس على مرآة تشغل مكانا وسطياً في المجلس المحتقن، شعرت بأني أشاهد الحبل ذاته ملتفا على عنقي، ارتفعت عن المائدة هاربا، وكمن يطارده حتفه رحت أحاول التشبث بالهواء الحيوي المحيط، كنت أتخبط بداخلي في اختناق أربكني جعلني لا أنسى الحبل، رغم أني نسيت ككل ما ارتبط حوله عن «الرجل»، الطاغية.. الشهيد.. الديكتاتور.. الاجتياح.. التحرير.. الحرب على الإرهاب.. الولايات المتحدة.. العراق، فكل الأسماء بالنسبة لي كانت جزءا من التفاصيل غير الضرورية التي يتوجب أن أعبر حولها دون تلاحم، كنت أحتفظ بما يرتبط بالأحداث التي تخصني وحدي، كل ما حول الحدث راح يذوي، وبقي الحبل كمن يحدق بي منتظر أو متربصا، رجفة تمتد من العمق، إحساس لاذع بالاختناق، سكنني الأمر كحُمّى، الحبل والحبال وما حولها، لكأن في الأمر مكيدة ما، حتى أني قضيت وقتا طويلا أتقصى عن تواريخ المشانق، الموت المقيت المُعلَن، هكذا أصبحت أسميه بشكل أثار استغرابهم حولي عن أول موقف أكونه بحِدّة رغم عدم تماسّي الفوري معه، أنا المَرِن جدا في كل ما قد يحيط بالآخر من خرائب: ما صِلتي بتلك المشنقة؟
إنه لأمر رتيب أن ترى الطريقة التي سترسُم مشهدك الأخير، الإدراك الدقيق لشكل موتك وموعده والمكان الذي سينقَضّ عليك منه، كلها تفاصيل تثير السأم لشدة ما تعمقت في المعرفة، أفكر وأنا أراقب أحد زملاء الألفة الداكنة هنا يدخِّن بشهوة المودِّع، سيكون التالي غداً، هل سيمكر بنا ذات الحبل؟ أم أن لكل عنق حبلها الخاص؟ فاحت مع الفكرة عَطونة غريبة لا تشبه العطونة التي اعتدناها، أتكون رائحة موتي القادم؟ لكنّها الحبال التي حاولت تجنبها، تتكثف وتتحول إلى حبل واحد ضخم كالأفعى اللزجة، برائحة ضحاياها، بأنفاسهم الأخيرة التي تكدست على جلدها.
أفكر أيضاً بأمي، تتراءى لي الآن حسرتها العظيمة، هي التي حاولت أن تدفعني دفعاً للالتحاق بالخدمة العسكرية عندما فُرضت كواجب إلزامي في وقت معين؛ لترى فينا اكتمال الرجولة التي بذرتها على امتداد سنوات أعمارنا، وكنت أرى في مضمون ذلك أن هناك حرباً ستلوح قريباً، الحرب تعني أن أقع في الأَسْر، الأسرى يُقتلون، يُشنقون، الحبل.. لا.. هربت.
استُثنيت ببعض الوساطات محاولاً التعامل مع خيبة أملها التي وزعتها على الآخرين في نِسَب متفاوتة، استخدمتهم كذريعة أخيرة لتحاول أن تثنيني عن القرار الذي خذلها، حاولت ملياً وقتها أن أفهم موقف الأمهات اللاتي يقمن بدفع أبنائهن للموت دفعاً، هناك مازوشيّة مبطنة في النِّسوة اللاتي يبدأن حيَوَاتهن من هاجس القربان العظيم، مبدأ التخلي، التضحية بأكبر الأشياء وأصغرها، لكأنهن لن يستحققن نسويتهن إلا بذلك، ولم أكن مستعدا لأكون أحد أوسمة التضحية، تأكد هذا الشعور لاحقا، يوم قضى أخي الأكبر في حادثة اشتباكات على الحدود القريبة، حسنا كيف أصف ذلك: أكاد أجزم بأنني لمحتها تشِعّ في أول ما ينال المنتصر من نشوة، قبل أن تنهار باكية في اشتعال مُدَوٍّ، وقبل أن تتمركز في وقار مفبرك كسرته تلك اللمعة التي تسللت لاحقا بشكل شبه واضح على هيئة ابتسامات مبهمة خلال أيام العزاء الثلاثة وسط الدمعات الطافحة بعذاب الفاجعة، وعبارات الترحم المريرة، كانت تبتسم، رأيتها تبتسم، لقد استحقت وسامها الفريد، حتى أنها عندما بقيت تبكي لخمسة سنوات لاحقة كلما أتى أحدهم على ذكر أخي، كنت أشعر بأنها تفعل ذلك لأجل أن تحافظ على ذاكرة الوسام الذي استحقته، بغض النظر عن مدى جدوى القضية، فهي أم الشهيد، ولادة الأبطال، الأم الثكلى الصابرة، وإلى آخر الأمر من نعوت ركيكة جاءت بها شعارات صَنَعت منهن ومنا، مجرد واجهات براقة لمحلات لا تبيع إلا الخردة.
«هه» يربكها أمري الآن، ستخسرني في كل الأحوال بدون فوائد، كالتي جاء بها أخي، ولست إلا هزيمتها التي أنجبت.
لماذا لم تتعاطف أمي معي؟ هل كانت فعلا بحاجة إلى وسام آخر حرمتها منه؟ لماذا لم يتعاطف أيٌّ منهم معي، لم لم يصدق أحدٌ أنها كانت تحمل حبلها الملتف بغرض القتل المتعمد، وبين حياتين رأيت حياتي واضحة تحاول أن تفر بي من مشنقتها في الوقت الذي غابت صورتها الأليفة التي أحببت؟ لقد رأيته بوضوح، لم أكن أهذي ولست المصاب بجنون عابر، فغَيرتها التي حولتها من كائن يطلب الضمانات بشكل مستمر، من حب إلى تأكيد حب بالزواج إلى تأكيد لاستمرارية الزواج بالإنجاب، إلى محاولات محاصرتي الدائمة بالأسئلة المربكة؛ من أجل ضمانة أخرى أجهلها، كلها استحالت إلى حبل مجرد أخيراً، صراخها المحموم في الساعة الرابعة من فجر ذلك اليوم جعلها تتجرد من ماهيتها الوادعة، لا أدري كيف لم ألمح الحبل الذي كانت تخبئه، حتى اقتربت به مني، توجست فتراجعت، اقتربت هي، تعثرت أنا، سقط كلانا، التصقت بي وهي تواصل الصراخ الهستيري والسؤال عن الأخريات اللواتي أعود من عند إحداهن للتو، لم يوقفها، استيقاظ الصغار والخدم، شعرت بالحبل يقترب ليُطبِق علي، كانت تُعِدّ مشنقتها الصغيرة بسرعة، أطبقت بكفّي على عنقها قبل الحبل، باغتها، رأيت صدمتها الجلية، شعرت بأنني انتصرت، ولأنه لم يحدث أن اقتربت من الحبل إلى هذا الحد، لم أستطع أن أتوقف، لو كنت تراخيت لثانية، لأجزاء من الثانية، لكان الحبل هصرني أنا، تركتها هامدة والصدمة التي تبدت في أول الأمر قد استحالت إلى حيرة متجمدة أخيرة كانت لفظتها حين غابت، وتركتها تنتقل كعدوى لتطال الجميع، الصغار الذين تحجَّر صراخهم، وُجوم الخادمات اللاتي كن قد تكوَّمن بأجسادهن أمامهم كمن يحاول أن يسد عنهم رَوْع المشهد، الرجال الكبار لاحقا وهم يحاولون القيام بتبني تفسير أي تفسير فيما تخيلت أنه يشبه مواقفهم يوم البث المباشر للموت المتدلي قبل سنوات، لكن أحداً منهم لم يأتِ على ذكر الحبل، لم يروه، هكذا استمروا بالشهادة، لم يلتفت لوصفي لذلك الكائن المفزع الملتف أي كان، حتى محامي الذي حاول أن يلتف بدوره على شراسة المدعي العام الذي أراد لجزائي أن يكون متقاطعا مع الجرم المرتكَب، لم يستطع أن يساعدني على إثبات فكرة الجنون العابر، أمام الإصرار الذي قابلته به حول أنني لم أكن أتخيل، وأمام قَسَمي المتواصل بكوني كنت واعيا ومدركا في حينها، وبأنني رأيت الحبل، وقد كنت قد رأيته حقا، كيف تفتَّت ذلك الماكر كأنه لم يكن؟ فهمت لاحقا أنه كان يستدرجني إلى حتفي ببساطة، لقد انفلت من يدها متجها إلى المشنقة، جلس متدلياً ينتظر لحظة لقائنا الحاسمة، اللحظة الشهية التي سيلتف فيها على ذعري الهش.
أنا الهالك لا محالة..
وجهي لا يزال متمترسا خلف ابتسامته، فيما يتربص به يقين الحبل.
- القرآن الكريم.. (سورة النجم/9.8). ↩︎