الصوت السادس
أَحْيَانًا..
أُصَدِّقُ أَنَّ لِلْحُزْنِ سَطْوَةً عَلَى الصَّوْتْ
فَأُدَارِي شَغَفِيَ الْمَكْبُوتْ
— قاسم حداد
خط أحمر نافر، يندلق فجأة بتعرجات عصبية.
- غبي
وكان لون الصوت أحمر، حار وموجع كطعنة تتكرر مع الكلمة ووقعها، أمام هذا الوجع كان يشعر بالعمى، إلى الآن يذكر كيف أنه وبشكل ضبابي لمح دمه على البياض متمازجاً والصوت، يوم تعرَّج ذلك الخط المُخضَّب في الغرفة الخالية إلا منهما. شجرة والثمار فيها عالية، هذا الصوت رطب وأخضر، يشعر بأنه من خلاله كعصفور يحط على الغصن الممتد، لا يستطيع أن يصور وصفاً أكثر جلالاً، أو أنه لا يجد الفكرة الأكبر التي قد تنجح في احتواء ما كان ينبعث مع النبرة التي كان صوتها يقول فيها.
- أنت الأجمل
الصوت الثالث، كان خشناً كمعطف قديم، إلا أنه وبشكل مريب أيضاً كان دافئاً جداً، كان لذيذاً ولاسعاً في آن، كلما اقترب أتى غائماً بشكل مبهم وكلما ابتعد لم يبد عليه أنه يذهب تماما، كمن يترك العتبة متجرداً إلا من رائحته التي تبقى ملتصقة بالأماكن خلفه كمسار، وهكذا يحدث أنه كان يرسمه دائماً كمعطف يجاور الباب.
الرابع كان صوتاً مخادعاً، ملتفاً ومرناً، إلا أنه حازم وغليظ، يذكره بالمعطف، لكنه كان لا يشبهه في شيء، تماماً كما يقابله في كل الأشياء في الوقت ذاته، تردد طويلاً أمام تدويره على الورق، رسمه أخيراً كخيط منفلت تعبث به الريح، يعتقد أنه قد انسل عن ذلك المعطف الخشن، فيما جاء الصوت الخامس وكأنه استدراك لجزع ما، مرتجفاً لكأن البرد يبدأ منه، احتاج وقتاً ليفهم ماهيته قبل أن يرسمه، إذ أنه لطالما اعتقد أنه محض خيال لولا وجهها الذي يغدو أمامه كلما اندفع له ذلك الصوت هامسا؛ لذلك حدث أن منحه شكلاً غرائبياً كوجوده في عالمه، عالجه كطيف فُطِم فجأة عن الجسد فتوجب عليه أن يختبر يومياً خطوة متذبذبة.
في الورقة الأخيرة التي بقيت فارغة وبيضاء كان يقبع ذلك الصوت الذي يرافقه كأبد، الصوت الذي أفزعه يوم تردد وقعه الغامض على مسامعه للمرة الأولى، أتى لكأنه يتردد من داخل سحيق ومفزع، يسحبه إلى هُوّته المجهولة، ليبقى هناك، جاء لكأنه النبرة وصداها في آن واحد، لطالما كان حاداً، إلى الدرجة التي كان يستغرب أن لا أحد قد صرخ به ليخرسه، أخيراً قرر أنه سيخنقه بفائض من الخواء حتى يصيبه بدُوار التيه فيضيع، باغته بكثافة اللاشيء.
هو اليوم يجلس متدثراً ببياضه ليقرأ خبراً هامشياً عن المعجزة، الفنان الأبكم الذي يرسم الأصوات المجردة، يحتفي بعامه العشرين، ومعرضه الأول، فوق الخبر تمركزت صور الأصوات الخمسة، المُربّية.. الأم.. الأب.. الأخ.. الأخت.. والفراغ الأبيض السادس الذي حمل عنوان «صوت الفنان»، تحسس حنجرته، الصوت الحاد يرتفع من جديد، لم يكن الخواء هو الإجابة الوحيدة، شعر بالبياض ينهال على رأسه، وخيط دخان غليظ ينبعث من فمه، تكوَّر حوله، عندها تجسَّد ذلك الصوت الحاد ليسمعه الجميع، هرعوا إليه، لم يجدوه، كانت الغرفة خالية إلا من الصرخة.