خصلة بيضاء بشكل ضمني

اكتظاظ

4 من 28 · ص 25–34

حتّى أنَّ الخروجَ من بابِ الأرضِ
كانَ من خلالِ هاويةْ

— حصة العامري

وجهه الغائم ينفلت أمامه، يمسحه، يعاود الظهور بشكل أكثر كثافة، لكأنها مأساته هي تلك التي تتجلى كلما عاود المسح؛ لينسل وجهٌ أكثر وضوحا، وجهها الصغير وهي تلمِس قلبه..

تتهادى.. تتعثر

يسرع يرفعها..

يحلق بها كطائر..

تضحك

يضحك..

  • بابا لماذا لا نراك دائما؟
  • أنا أعمل.
  • أين؟
  • مكان بعيد، للكبار
  • ماذا تعمل مع الكبار
  • نحن نغسِل السيارات، تعود وكأنها جديدة.
  • بابا لماذا ليس لدينا سيارة من تلك التي تعود

جديدة؟

  • ربما قريبا.
  • بابا أريد أن أذهب معك إلى بلاد الكبار البعيدة، وأغسِل السيارات لتعود جديدة.
  • لا!
  • لماذا؟
  • لأنكِ يجب أن تبقَي في المدرسة، غَسْلُ السيارات للأشقياء.
  • أبي هل أنتَ شقي؟

ما الذي تبقى ليقوله لها شقيٌّ أم محكومٌ عليه بالشقاء القسري، خبزٌ ناشف وأقدام متشققة، سُعال أبيه كان الإشارة الأولى، والده الذي عمل بمنجَم الفحم حتى اسودَّ كل ما فيه من الداخل والخارج، تهالك، سعل، نزَف ومات، فيما توقف هو أمام مفترق: الفحم أو الماء، بعيدًا اختار أن ينساب مع الماء، بعيدا حتى صار كالذي يطفو إلى الأبد، بعيدا يجوس بعينيه الضيقتين المرآبَ بحثاً عن ذرات الغبار، يهرول زاعقا..

«car wash?.. madam car wash?»

تتلقف هي الصوتَ، كانت تبحث عن أي مخرج ذهني من صوت والدتها، على الجانب الآخر من الخط، أرادت أن تفِرَّ مرة ثانية كما فرَّت مرة أولى منه، وأرادت أن تفر مرة ثالثة منهم، ومنها ومن كل شيء أرادت أن تعود بذات شعور الخفة، الذي داعبها يوم هُمس لها:

«فلان اختاركِ زوجة»

أجل.. car wash

أرادت الاغتسالَ فعلا، أرادت أن تفر من هذا الشعور المتفاقم بالثقل والوساخة، سيارتها المغبَّرة تبقى مركونةً بالأيام حتى يقرر هو.

حملقت في السحنة المَعْروقة أمامها ببلاهة، شعرت بأنها نسيت كيف تتفاعل مع الآخر بدون أي حاجز، لقد كان صوتُه الأول دائما، وبقي الأخير حتى اليوم، حتى قررت أن اليوم سيكون هو ذلك اليوم، فتشت في حقيبتها، أخرجت مئةَ درهم، ناولتها للواقف أمامها.

  • خلِّ الباقي عشانك.

أسرعت تلملم ارتباكَها، مضت للجانب الآخر من السيارة وأنزلت الصغير.

  • ماما أريد آيسكريم.
  • حسنا..
  • ألو، أين ذهبت؟

نبرةٌ خافتة خرجت، جعلتها تستذكر والدتها على الخط، تعيد هاتفَها إلى موضع السمع وهي تساعد صغيرَها على النزول، مختبرةً بذلك انفرادها الأول معه ومع العالم الخارجي بدون أن يكون هو سياجهما، عيناهما، وجههما، صوتهما، خطواتهما.

  • «بنيتي، أنتِ بنت حلال، ارجعي لبيتِج ولزوجِج الله يرضى عليج»، لن يترككما، سيبحث عنكما في كل مكان، وماذا إن طلقك.. أواه.
  • أمي، هل أنا بنت حلال؟

شعرت بأمها تجفل، قبل أن تستغفر وتحوقِل بنبرتها الباهتة البعيدة، ومضت هي تراجع عددَ المرات التي نعتها فيها بـ «بنت الحرام»، كررها

بعد كل صفعة، بعد كل صرخة، بعد كل أمر كانت تتأخر عن تلبيته على حسب وقته هو وقانونه هو، «بنت الحرام».. تسترجع الآن المرة الأولى، وهي تنهار على صدر والدتها باكيةً، يوم فاجأها ردُّ فعل أمها الخانع.

  • الرجال عندما يغضبون لا يدركون ما يُقال، حافظي على بيتِك وتغاضي.
  • لكنه يسيء إليكِ وإلى أبي قبل أن يسيء إلي.
  • دعك من هذه التفاصيل الصغيرة وفكري بمستقبلِك، وبهذا الطفل الذي تحمله أحشاؤك.
  • أمي هل أنا بنت حرام؟!

تصرخ، ثم تغلق الهاتفَ، تربكها العيونُ التي بقيت تحدق بها، عيون غريبة، ملونة، داكنة، سحنات متنوعة: بيضاء، سمراء، وصفراء، أسرعت الخطوةَ، شعرت بالصغير يتعثر في خطوتها السريعة وهي تمسك يديه.

  • ماما.. «ليش ما رِحنا مع بابا ناخذ آيسكريم»؟
  • منذ اليوم لا «بابا»، أنا وأنتَ فقط.
  • والآيسكريم؟
  • أنا وأنت والآيسكريم.

تسلبها رائحةُ القهوة من خطوتها السريعة، تفكر بأنها لم تختر نكهتَها ولا مرة، تتأمل واجهةَ المقهى في المركز التجاري المكتظ، كطفل توقف أمام دكان حلوى، تتجاهل عبارةَ صغيرها وهو يهمس «والآيسكريم»، وتدلف، تجد نفسها مرة أخرى في مواجهة مع الآخر، ترتبك، تشعر بالخواء المرعب، كل ما حولها يصيح، «وماذا بعد؟».

  • التالي!

قالها بصوت مصطنَع الرصانة، وهو يضغط على زر تسجيل الطلبات في الشاشة أمامه بين كوب قهوة ذاهب، وآخر قادم، وما بينهما من طلبات أخرى، متأملاً مع ذلك تلك السيدة التي تكاد تبكي في آخر صف الطلب، انسحب عن صورة وجهها معيداً تأمل الشاشة مع الوجوه في المقهى، إنها آخر قطعة أثاث يقوم ببيعها، ثم:

  • وماذا بعد؟

كررها وهو يستذكر اللحظةَ التي استلم فيها تأشيرةَ الإقامة، بلد النفط والحظ، لم يأتها عربي إلا وأخرج منها وزنه ذهباً، هناك كل ما تلمسه يصبح قابلاً للاستهلاك، للصرف، إنها أموال طائلةٌ بلا حد والسكان قلائل، لا أحد يزاحم أحداً، كل المطلوب «شَطارة وفَهلوة».

  • التالي!

جرَّب الفهلوات كلها، وانتهى هنا، لذات السبب الذي قطع لأجله جذورَه عن أرضه، لم يرد أن تخذله شهادتُه لينتهي نادلاً، وماذا انتهى؟ يتلقى أوامرَهم نافِذة الصبر، ويقبض أموالاً لن يكون له منها إلا اليسير، يعود مختنقاً إلى مكانه الضيق متسائلاً في حياته، «ماذا بعد»، و…

  • التالي!

كانت هي الآن في المقدمة، وأمام سؤاله المباغت جفلت، لم يسبق لها أن كانت في المقدمة منذ أمد، منذ صف الطابور في مدرستها الثانوية، ومن بعدها كل ما كان هناك هو ظهره المربوع الذي

يتقدمها دائماً، ونظرتُه القادحة كلما جاورته بالخطوة، إنها تشعر بالخواء يتعاظم أمام السؤال، كان لها أن تختار الآن، لكن لطالما اختار هو، أين هو الآن، شعرت به في أعماقها، شمت رائحته، سمعت صوتَه في نبرة صغيرها الذي قال «لو أن بابا هنا لذهبنا للآيسكريم الآن»، شعرت بصفعته حارةً على وجهه، وأمام التالي تلك.. طفقت تبكي! «وماذا بعد؟»

وجد نفسه مقابلاً إياها يعيد ترديدَ عبارته بآلية مرتبكة، وهو يحاول استجماعَ ذعره أمام امرأة من هذا البلد تبكي أمامه، هو الذي لم يتواصل إنسانياً مع أي منهم طوال سنواته الخمس هنا، ماذا يقول؟