نصف رأس ووردة
إنها لحقيقة أن العالم لا يتطهر من الحرب لا يُغسل من الدم لا يسلم من الكراهية «إنها لحقيقة». بيد أنها كذلك، في حد سواء، لحقيقة أن العنيفين ينعكسون في مرآة العالم، ووجههم ليس جميلا حتى في نظرهم أنفسهم. وما زلت أعتقد في إمكانية الحب، لدي يقين بأن التفاهم بين البشر سيتِمّ على الرغم من الآلام ومن الدم ومن الزجاج المهشم.
بابلو نيرودا
صداع..
أيكون هذا هو ما يسمونه الصداع، هذا الخَرير المتواصل، هذا الشعور المتفاقم باللُّزوجة الذي يسحبها للأرض بشدة كلما حاولت أن ترفع رأسها، هذه الأفرع الدَّبِقة التي تتضخم لكأنها ستتمدد بعروق دماغها حتى تنفجر.
تنفجر؟ لكنها تريد ذلك، لقد قضت حياتها في انتظار حثيث للحظة الانفجار تلك، يوم تُحلّق بزهو لتحقيق غرضها الأسمى، أن تنتشر لتُحلّق على امتداد الكون، تتذكر كيف أنها في المزرعة الفقيرة باللون التي وُلِدت فيها كانت تسمع الصغار يتحدثون عن معنى أن تكبر لتنفجر.
- إنه النضج..
يقول الكبار هذا ويضيفون: عليك ألا تشغلي رأسك بأفكار أكثر من اللازم حتى لا يرتبك رأسك قبل الأوان، كوني دائماً مطيعة ومتأهبة للحظة القَطف تلك، يوم تأخذك اليد النبيلة لتحملك إلى الجزء
الأكمل من النور، لا تشعلي رأسك قبل وقته كي لا يصيبك العَطَب، توقفي عن ممارسة أية فكرة.
- إنها الرغبة المتوقدة التي ستبعثرك شظايا.
تقول رفيقتها التي تتململ في الظلمة بنبرة عابثة، قبل أن تُرفِقها بما يشبه الخيبة «لكنني يجب أن أنتظر»، إنه انتظار يشبه الأبد، تفكر هي، الكثيرات منهن هنا في هذا الجُحْر المظلم يعرفن أنهن سينفجرن يوماً ما، لكنهن لا يدركن متى أو كيف، لكن ماذا بعد الانفجار؟ ما الذي يحدث؟ تخرج الفكرة بصوت هذه المرة توجهه للرفيقة العابثة التي تجيبها بعصبية «قلت لك إنها الرغبة المتوقدة التي ستبعثرك شظايا». كانت ترفع رأسها الثمين أحياناً بحذر؛ لتحاول أن تنفذ ببصرها إلى تلك النخلة العالية التي يبدو أنها تراقبهن من خلف النافذة، لو أنني نخلة، تفكر، كلانا ينتظر الأبد لكنها في النور بينما أستدير لأتدثَّر بالعتمة، «أنا لا أعرف وجه أمي»، صوتها فقط، هل شاهدت النخلة أمها؟ تخاف
من ثقل الفكرة، تتذكر الكبار «الأفكار تصيبك بالعطب».
- أنت جميلة، تقتربين من النضج، حارقة بشكل أخاذ، مبهرة إلى درجة البكاء، فيك ما يستفز الدمع بعمق.
منذ همس لها صوتٌ ما بذلك وهي تشعر بحزن مالح وثقيل، تريد أن تبكي، هل يشبه الانفجارُ البكاء؟ هل هذه هي الرغبة المتوقدة؟ هل لها أن تبكي الآن؟ أم أنه يتوجب عليها أن تنتظر تلك اليد النبيلة؟ ماذا بعد الانفجار؟ تعود لتتساءل. توقفت سريعاً بعد أن أحست بالثقل، تذكرت: «الأفكار تصيبك بالعطب».
ذاكرتي تؤلمني…
تحاول أن تخوض بكل ما حدث بعد أن حملتها تلك اليد النبيلة بخشونة، لا، بألم مفجع، تلاه نورٌ ساطع أرعبَها، كانت مع مجموعة كبيرة من الرفيقات اللاتي ملأتهن الحماسةُ، سمعتهن يرددن «الرغبة المتوقدة التي ستبعثرك شظايا».
خافت وهي تُقاد بعيداً عن النخلة، لأول مرة ترى كم هي طويلة وفارعة لكأنها سلمٌ يقودُ للسماء، همست لها: ماذا تنتظرين؟
خائفةٌ بحزنها المالح، انتقلت من يد خشنة لأخرى، الأصوات الهامسة التي اعتادت عليها طوال حياتها تحولت لصراخ يكاد أن يفتت قلبها، أرادت أن تصرخ هي الأخرى لكنها خافت من أن تنفجر، لم تكن ترغب بذلك، لم ترد ذلك، تمنت أن تصيبها الفكرة الثقيلة بالعطب، أرعبتها كل تلك الوجوه التي أبصرتها لأول مرة، هل لأمها وجهٌ كهذا من بينها؟ اليد الخشنة قطعت فكرتها مع رأسها..
نور ودخان، صراخ، إنها تنفجر، لكنها لا تتبعثر، تشعر بالألم، بالحزن المالح ينزف منها، تريد أن تبكي لكنها تختنق بكل تلك الدموع المُستَفِزة بعمق، الدموع التي لم تكن دموعها. خرجت من الذاكرة بيد تسقط قربها، يدٌ سمراء ومعفرة، حركت هي رأسها لتتأمل الذراع الرفيعة ثم الوجه،
تلاه صوت لاهث:
- «حَجّة» أم باسم، أنت في الجريدة، صورتك..
صورتك، والقنابل والورد.
تلى هذا الصوت صوتٌ بعيد أخذ يقترب، ووجه ساهم بحزن عميق وعتيق في آن، وابتسامة تجعله يأتي مترفعاً عن ضحالة الحزن اليابس المعتاد، وجدت هي نفسها تفكر «هل هذا وجه أمي؟»، لكن اقتراب عذوبة الصوت ذهب بفكرتها.
- انتبه أيها الصغير، قم من سقطتك، الجارات
يحتفلن بهذا بالداخل، تعال، اقترب لدينا ما يكفي من الخبز.
ارتفعت اليد السمراء الرفيعة، لكنها عادت لتهبط فتحملها بحنو نبيل، «هل هذه هي اليد النبيلة؟»، عادت لتفكر.
- لا أريد خبزاً، أريد هذه القنبلة، بهذه الوردة
الشهية أعلى رأسها، سأعتني بالوردة، أعدك «حجة»، «والله»، وسأسقيها يومياً، يمكنك أن تبلغي أمي بوعدي هذا أرجوك!
من ارتفاعها ذاك رأت مشهداً علوياً أخاذاً للكثيرات من رفيقاتها بالورد يحل محل رؤوسهن الثقيلة، شعرت بالصداع يخف، وبالأفكار تنتشر وتعلو، حزنها المشوب بالملوحة تحول إلى إحساس فاخر بالأمومة، وطغى على كل تساؤلاتها سؤال كبير لم تخف أن يصيبها بالعطب: «هل يمكن للقنبلة أن تُنجب وردة؟».
نقلاً عن وكالات الأنباء العالمية: حوَّلت والدة الشهيد الفلسطيني «باسم أبو رحمة» فوارغ قنابل الغاز المسيل للدموع الإسرائيلية، التي كانت سبب استشهاد ابنها في وقت سابق إلى أوعية لزراعة الزهور، وذلك تكريماً لشهداء الاحتجاجات الشعبية الأسبوعية ضد جدار الفصل العنصري بقرية بِلْعين في الضفة الغربية.