«غرق»
أو
«ما لم يشعه الرواة حول سلامة وبناتها»
فالجراح كلُّها تنزف دماً واحداً، له رائحة واحدة، ولون واحد، وذاكرة واحدة. حقاً، من ذا الذي يستطيع اكتشاف الفرق بين الدموع في كيمياء الوجع؟ ومع ذلك فالوجع يتفنن في ارتداء الأقنعة، بل ربما كانت تلك الأقنعة هي التجليات الأكثر حقيقية لهويته الفعلية، حضوره الساحق هو الغياب الآثم لأسبابه، مُرادُه المشروع هو المستحيل، ومطمحه المطلَق، ولا أقل من ذلك.
عبد الله حبيب
«وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ»1
عَلَّمتهم المُطَوِّعة.. يومها انسلت تركض بمحاذاة الزُّرقة، كانت تشعر بأطرافها تكاد ترف.
«وجعلنا من الماء كل شيء حي…»
تهرول
الماء.. الحياة.. «السِّيف».. البحر.. أنا.
تركض
لكأنها تستعيد صوتها الآن أمام الأزرق الأبدي، سؤالها المُضني عن الما بعد والما وراء، والقاع..
السطح والضفة، ترد على جاسم الذي قال:
– أنا لهذا البحر، وأنت لليابسة.
كان يغيب في الغَمر، وكانت تخاف الملح، بقيت تركض على الساحل، وبقي يركض معها حتى نضجت أقدامهما، فتوارت خلف الأبواب، وتوارى مع الأزرق الشاسع يوم اكتمل نصاب سحنته السمراء، وجذعه المسفوع بشمس الساحل.
- لا شيء طريٌّ إلا البحر، قلبي يابس، وجهي خشن، حتى اللؤلؤُ يا سلامة.
قال لها من خلف الباب مرة، ثم عاد للغياب، وبقيت تحدق في ذاك الممتد، تتذكر يوم كانت تراهم ينسجون طقوسهم بمهابة، «حان الوقت» تتهامس بيوت «السيف»، الجذع خلف الجذع، يَحسِبهم «المجدمي» بخشوع، و«القَلّاف» يتفحص جسد «السَّمبوك» بصبر عاشق، «النَّهّام» يمرِّن فيه اللحن لكأنه يؤذن بَدْء الرحلة، ثم البحارة الآيبين بشغف. تبعتهم وهي طفلة، يومها ردها جاسم إلى يد والدتها.
- سَلامة تريد أن تذهب للغوص.
ضحكت الأم، ضحكوا جميعاً، ثم نسوا، لكنها لم تنس.. راقبت انهماك النسوة في أدوارهن بجدية.. بالحزن المترفع.. بحالة الاستلام المبتذل تجاه الغياب.. في كل طقوسهن.. منساقات خلف بطولاتهن الثانوية.. لن يأت أحدٌ على ذكر حالات تبتُّلهن النادرة.. قابلت هذا العالم الخانع بلا
مبالاة تتوثب لحظة العودة المجيدة.. عودة تأمل فيما بعدها أن تستكشف ذاك الغياب.. أن تكونه. روائح الحناء النفاذة.. الزينة على شفاه النساء لكأنهن يتأهبن لزفاف كبير آت.. الصبية الذين يكثفون ساعات مرانهم أمام الشاطئ، مستعجلين بلوغهم و«نجم سهيل» البارز، كلها رموز تشير إليهم.. حيث يعودون مع البرد.. و«الشَّمال» تمهد للشتاء بما يشبه المواء الخفيف.. تعود معهم الأجوبة، تتلقف سلامة أصواتهم من خلف الباب بلهفة، ماذا هناك؟ تقول لوالدها وهي تتحسس عمق الخليج الموسوم على وجنته.. تستعجل نبرته الآيبة بالإجابات التي تترقبها.. لكن النبرة لا تكشف إلا عن صوت معطوب يكتفي بأن يردد.. «هناك الخير»، وقد اكتسى بسكون العُباب الذي تريد هي أن تعبره.. تتركه وتتسلل خلسة إلى حيث تخفي والدتها «الفِطام» و«المِثقال».. «الديين» و«الخبط» وكل ما يذكرها بأسى الغياب حتى رحلة الغوص القادمة.. تتحسسهم هي بشغف.. تضع
الأول على أنفها وتعلق «الديين» كوسام ترتدي «الخبط» لكأنه جوهرة آسرة تأتي دوماً أكبر من كفها المنمنم.. تحاكي ظاهرياً فعل الغوص.. تسبر الأعماق.. تنحدر أكثر فترى.. تتجذر وتحب.. هل كانت تبحث عن اللؤلؤ؟ أم عن خدعة الخلود المتجسدة في زهرة جلجامش ؟ تشعر بالاختناق المباغت.. تغرق على اليابسة، التي لا تعلم متى تحين منها لحظة الفرار.
يوم تهالكت عينا والدها الغَوّاص «أبو البنات»، ثم بصره، وأخيراً الجسد، خرجت من وراء الباب، قالت:
- أنا جسدٌ يسد جسد، وأُذن محل أذن، وعينان
بسعة مغارة تسد كل العيون، أريد البحر كاملاً، مهيباً، متقبلاً إياي، لا يلفظني لليابس، أريد أن أكسر وحشة الملح.
هذه المرة لم يضحك أحد، ولم ينس أحدٌ أيضا. للمطوعة التي بسملت على رأسها قالت «وجعلنا من الماء كل شيء حي»، للهَمَزات قالت «وجعلنا
من الماء كل شيء حي»، للسخط قالت «وجعلنا من الماء كل شيء حي».
- زوجوها. قال المطوع
فكان أن زُفّت ابنة الغواص إلى غواص آخر، بقيت تتحسس فيه رائحة الملح، خشونة الجسد كانت تخدشها، اللؤلؤ بكل لمعانه يكسر فيها كل الرغبات، تتذكر جاسما: «لا شيء طريٌّ إلا البحر».
وهناك دائما كان البحر، حتى في عيني طفلتها الرضيعة، في صوت بكاءها الهادر كموج، في انتظارها للغواص زوجها الذي لم يعد حتى يرى هذه الطفلة التي وُلدت لتشبه قطرة الماء، يومها خرجت مرة أخرى، صرخت «وجعلنا من الماء كل شيء حي».
- زوجوها
رُدت عليها الصرخة..
وكان سفر ملح آخر، ثم آخر، ثم آخر، وكانت هناك طفلة أخرى، ثم ثالثة، ثم رابعة، كلهن تكاثفن كموجات صاخبة على قلب أمهن.
بعد أربعة من خيرة «الغَواويص» قالوا عنها مجرمة، قالوا عنها مسمومة أو ملعونة. يوم «طبعت» المراكب قالوا: سلامة نحَّست الساحل، يوم احترقت بيوت الساحل قالوا سلامة تقتل أهل الساحل، ساقوها لتتوب عن الماء، فعادت لتصيح «وجعلنا من الماء كل شيء حي».
- اقتلوها وبناتها، هذا نسلٌ باطل.
ردوا عليها الصيحة.
سكنت، ثم توارت في ليلة الصيحة تلك، لم يعد أحدٌ يرى سلامة ولا بناتها، لا خرير يُسمع من خلف بابها، لكنهم بعد أمد رأوها هناك، في القاع قرب مضيق هرمز، في الما وراء البعيد، منتصبة كجبل، حولها بناتها يدرن.. يضحكن.. ويلتهمن «الغواويص»، ثم يُغرقن المراكب.
- القرآن الكريم «سورة الأنبياء» 30 ↩︎