خصلة بيضاء بشكل ضمني

ظل الخائف

2 من 28 · ص 7–16

يُفَصِّلونَ ثِيابَكَ
وَرَبْطَةَ عُنُقِكَ، وَكوفِيَّتَكَ، و«غُتْرَتَكَ»
وَطَريقَةَ حِلاقَةِ ذَقْنِكَ
مِشْيَتَكَ.. حُزْنَكَ.. وَفِنْجانَ قَهْوَتِكَ
كُلَّ ما يُمْكِنُ أَنْ تَطالَهُ أَيْديهِم
أَنْتَ أَيُّها الطِّفْلُ.. عَلَيْكَ أَنْ تَعودَ سالِماً إِلَيْكَ حينَ
تَكْبُرُ
أَلّا تُصَدِّقَ صورَتَكَ القَديمَةَ
أَلّا تُصَدِّقَ ما عَلِقَ بِرَأْسِكَ.. و«النَّقْشَ في الحَجَرِ»
إِنَّها كِذْبَةٌ جاهِزَةٌ
مُعَدَّةٌ لِطابورٍ طَويلٍ لا يَنْتَهي
قُمْ، وَانْفُضْكَ جَيِّداً... عُدْ سالِماً إِلَيْكَ

— محمد خضر

مرحبا..

اسمي… أو ظل الخائف

طوال حياتي التي سبقت هذا اليوم، كنت متأكداً من شيئين؛ الأول هو أنني أحب اللون الأرجواني، والأرجواني هذا تحديدًا، هو اليوم تُهمتي الفاقعة، أما فيما يتعلق بالشيء الثاني فهو كَوني تلك الصورة المتجسدة لظل الكائن الخائف، كنت متأقلماً مع ذلك ومرتاحاً منذ اليوم الذي فُوجِئت فيه برفاق الجامعة، وهم يقذفونني بكعكة ضخمة تعلوها عبارةُ يوم ميلاد سعيد أيها الظل الخائف، حسنا؛ لأكون أكثر دقة، لم يكن لي رفاق أبداً، لقد كانت المجموعة الأكثر شعبية التي تحاول السخرية مني باستمرار، لكنها في خِضَمّ نشوتها الزائفة تلك قدَّمت لي ما كنت أحاول أن أجعله تعريفاً كاملاً لشخصي، شُذِبت العبارة فيما بعد لتصبح ظل الخائف، وتأقلمت مع كل اللَّمَزات والهمس البذيء الذي طالني بعدها حتى صار هذا لقبي

الذي شَكَّل هويتي.

أمامي الآن رجلٌ يصيح بي منذ ما يقارب الساعة بعبارات غير مفهومة بالنسبة لي، وبكلمات أخرى من نوع: الغبي.. المجنون.. الأبله، هو الذي يريد أن أجيب له عن سؤالين هامين بشكل مباشر وواضح.

الأول: هويتك تحديدا؟

الثاني: صلتك بما يُسمّى «الأرجوانيون الجدد»؟ وقد كنت أجيب بكل الوضوح والدقة الذين تطلبهما الأمرُ، (دقة وتحديد) من وجهة نظري.

  • أنا ظل الخائف يا سيدي، هذه هويتي الدقيقة التي يعرفني بها كل من يَحتكّ بي، إنهم يكادون ينسون اسمي الأول الذي يمثل واجهة الهوية لمعظم البشر ويتذكرون الظل يا سيدي.

عاد ليصيح بي من جديد، ويضرب بقبضته المتينة على الطاولة، لم يحاول حتى أن يستفهم معنى هذه الهوية، تمنيت أن يكون جَدّي لا يزال على قيد الحياة في تلك اللحظة التي أقوم فيها بالحديث

عن هويتي التي حاول تفنيدها طويلاً، صحيح أنني كنت سأنسِف كل أفكاره العظيمة التي نسجها حول عزلتي وانكفائي على عالم خاص، عالمي الخالي من أي شيء، فقد تأمَّل المسكين أن أكون فيلسوفاً، حدَّثني كثيراً عن الفارابي والانسلاخ عن النفس، وعن ابن باجَة والإنسان الروحي، وهو يَذُمّ لَهاث والدي المستمر خلف المادة الصِّرفة، أبي الذي كان يراني مجرد ولد بليد، في مقابل والدتي التي كانت تراني ولداً صالحاً يحرص على أن يبقى بعيداً عن المشاكل.

وعاد الرجل صاحب القبضة المتينة ليسألني مرة أخرى عن المكان الذي كنت أقصده اليوم، وأنا أرتدي قميصاً أرجوانياً وحذاء أرجوانياً، وأحمل تلك الحقيبة الأرجوانية الضخمة، ثم عن السيدة التي كانت ترافقني: هل أعرفها؟

  • أنا يا سيدي أحب اللون الأرجواني، هذا هو كل ما في الأمر، وبشكل دقيق، أما المكان فهو مُدوّن أمامك في تذكرة السفر، وأما فيما يتعلق بالسيدة

التي ترافقني فإنني لا أعرفها.

  • لكنها تقول إنها زوجتك.
  • نعم هي زوجتي لكنني بشكل محدد ودقيق لا أعرفها، إن هذا الأمر يتطلب وقتا.

هذه المرة تأملني طويلاً وبصمت، انتظرت ضربة قبضته المتينة على الطاولة التي كادت تتحول لنمط صوتي متكرر بعد كل سؤال؛ ليرِنّ صوتها في غرفة التحقيق الكئيبة بضيقتها ولونها الرمادي، لكنه لم يفعل، حسنًا أنا لست أول شاب يتزوج من من لا يعرفها، مبرِّراً ذلك بمحاولة استكشافها بعد دخول القفص، أمي هي من يعرفها بشكل دقيق، ورأت فيها الفتاة الصالحة التي تناسب ابنها المطيع الذي تزوجها قبل يومين، ابنها الذي قال عنه جده ذات يوم إنه قد يصبح كاتباً عظيماً لأنه يملك ضميراً حياً جداً، جعله عاجزاً عن أذيّة أي كائن حي، وإن كان حشرة، بقي يردِّد أنني بضميري العظيم ذاك سآتي بعمل إبداعي مبهر يوماً ما، وكان يذكر مع ذلك شخصاً يُدعى كولن

ولسن، كان قد قال مرة «ضمير الكاتب يتجلى في عمله»، لكنني إن أردت أن أكون حقيقياً، كنت أخفي في داخلي أشد التصورات بشاعةً للأذية أو لرد الأذية، كنت أريد أن أكون حاذقاً مادياً أنانياً كوالدي، أو حتى ثرثاراً مبادراً نحو المجتمع المحيط كوالدتي، أن أكون الشخص الذي يقذف الكعكة، أو أن أكون رئيس أولئك الأرجوانيون الجدد – إن وجدوا -، لكن تلك الارتجافة الخانقة التي كانت تَشُلّ دمي دائماً، هي ما كان يمنعني، كان شيئاً أكبر من الخوف، أثقل من الخطوة الجبانة، لست فيلسوفاً ولن أصبح كاتباً، أنا الهَشّ بشكل دائم كجذع متآكل.

  • لماذا الأرجواني؟

عاد صاحب القبضة المتينة ليسأل، وافترضت أنه ينتظر مني إجابة أخرى أكثر تحديداً، وبصراحة كان الأرجواني هو الشيء الوحيد الذي بقيت متأكداً طوال حياتي، لا لسبب معين، أو لخطر معين، أو لفكرة معينة، أنا والأرجواني اندماج

مريح، ربما هو نَرْسيس الذي يحاول أن يُكفّر عن خطيئة إعجابه المتنامي لنفسه بأن يعود ليختبر شكله في أقل كائنات هذا العالم إثارةً للإعجاب، لكن: كيف لي أن أشرح لهذا السيد أمامي ما أعنيه، هو القابع أمامي بفكرة حادة هي حتمية انتمائي للأرجوانيين الجدد، وكما هو نمط كل مرة، عاد ليضرب بقبضته الطاولة، بشكل أقوى جعل الطاولة تَهتزّ، ومع هذا الاهتزاز المباغت انفلتت من يده تلك الساعة الداكنة الزرقاء التي كانت تمنح لقبضته ضخامةً أكبر من الواقع؛ لتسقط بجوار قدميه، لاحظت عندها أنه يرتدي حذاء يماثل في لونه تلك الساعة، وأن الحذاء والساعة يطابقان في لونهما ذلك القميص الخفيف الذي كان يرتديه، والذي ازدادت عتمته جرّاء تعرُّقه الناجم عن غضبه المتصاعد، وجدتني في حينها أخرج من ارتجافي الكثيف الدائم، الذي عشت معه طوال سنواتي الثمان والعشرون، والذي وصل لذروته في هذه الغرفة المميتة، لا أعرف كيف

أجدني الآن أنسلِخ عن ماهية الظل بداخلي لأبادر:

  • لماذا الأزرق؟