خصلة بيضاء بشكل ضمني

أنثى الحالة

5 من 28 · ص 35–44

في معظم الأحداث التاريخية كان المجهولُ امرأة.

فيرجينيا وولف

هذا مكان جيد للبَدْء، تقول لنفسها وهي تختار الزاويةَ المعاكسة للضوء في المقهى المكتظ، بخطوة خفيفة لكأنها لقط تجلس دون أن يلحظها أحد، تطلب قهوةً زائدة السكر وصحيفة.

تنتظر، تنقُر بأصابعها الشاحبة الطويلة على الطاولة، تتنهد، هذه الوجوه حولها راضيةٌ تماما، هذا الاكتظاظ ليس يائساً بالشكل الكافي، إنها لتشتمَّ اليأسَ قبل أن تلمحه غالباً، هو حالةٌ لا تُرى، يشبهها في خفته ومرارته اللاذعة، لا تنتبه له إلا بالتراكم، بالتكرار، بعد لهاث عبثي فاشل ناحية الضفة الأخرى التي يسمونها مجازاً «سعادة»، تبتسم بتهكم على سيرة السعادة الجائلة في خاطرها، ويساعدها الأمرُ في عدم محاولة تكلف ابتسامة أخرى للنادل الذي يأتي بقهوتها والصحيفة، تبحث عن اسمها، هذا العالم الذي يحفل بكافة أشكال اللامنطق لا يموت، إنه ينزِف بصخب، صخبُ المتشبث بالحياة، إنه يصرخ..

يهوي ولا يحدث أن يقع فيتهشَّم، هذا يفسد متعتها.

«اووووف»

صبيٌّ فرح يحمل في يده قلباً محشوا بالقطن، يجول صارخاً بحُبور في هشاشة السعادة المفترضة حوله، القلبُ القطني يجعلها تتحسس موضع قلبها، مكانه البارد والجاف.

«ستكون النهاية عندما يصل السم إلى القلب»

قالها سقراط وهو يحتضر، ومن قلب يموت جاءت هي، أخذت تحاول اكتشافَ ماهيتها التي تكونت منذ أول يأس وضع حدًّا للحياة المبعثرة في التاريخ، هل أتت بإرادتها المحضة؟ هل وُلدت من موت اختياري؟ لقد كانت المرة الأولى التي يعرف فيها شخصٌ ما لحظةَ فناءه بدقة، ليستسلم لها بشكل بائس، جاءت هي لأن سقراط لم يقاوم إعدامه، استسلم، ارتشف السمَّ، سقطت خطوتُه، ومن خطوة عرجاء لأخرى مستقيمة عرفت أن كل يأس متفاقم هو استمرار لها.. لشكلها، فأخذت تحاول أن تجعل لجدواها شكلاً أكثر ابتكارا.

يبكي الصغيرُ فجأة ويهرول بعيدا، تتابع ابتعاده قبل أن تحمل الصحفيةَ وتقلبها بملل، تتعثر باسم فيرجينيا وولف، يستذكرون يومَ مولدها اليوم، وتنتشي هي بلحظة موتها «آه»، لقد كانت فيرجينيا أحد أبدع أعمالها، تلك الطريقة التي قررت بها أن تحزم حقائقها وتمضي، معطفٌ مليء بالحجارة، ماء.. ماء، والكثير من الغرق، دمعة ثقيلةٌ من جسد فيرجينيا المغمور، أكسبتها توهجا من نوع آخر، إنها تختبر شكلًا جديدا للنضج، سقراط جاء بها مُكرَهًا، أما فيرجينيا فقد احتفت بها، قبلت بتسللها لأفكارها، انسجمت تماما مع الحالة.

  • غَرَق.. غرق.. غرق

تدندن الكلمةَ أو تحاول…

1963 تقف في ذلك المطبخ، تتمدد في الهواء مع أول أكسيد الكربون، تكبر فيها الرئةُ، وتتسع الابتسامة، وهي تمسك بأطراف سيلفيا بلاث الهامدة، تستذكرها مع مفردة غرق، هي التي

كتبت بعد رحيل فيرجينيا بكثير «أكثر من طريقة لائقة للغرق»، حسنًا، بلاث عملٌ عظيم، عمل درامي يلفت إليها الأنظارَ، لقد تضخمت في رأس سيلفيا حتى فتكت به، قادتها بدقة إلى نافذة الفرن الفاغرة، أقنعتها بأنهما ستختنقان معًا، ومضت إلى الآن دراميةُ الحدث تبقيه محطَّ الأقاويل، وتحفظ معه اسمَ سيلفيا.

صحيح أن هذا العمل لا يشبه خطوتها المدوية في 1945.. هو قرارٌ اتخذته بعد أن كرهت العالمَ بمرارة وقتها؛ لأنه لم ينتبه لبطولتها كما يجب، لقد كانت البطلة التي أطلقت الرصاصةَ الأخيرة في رأس النازية، تلبَّست هتلر وأنهته، لكن العالمَ بقي يهمشها إلى جانب رديفها وعدوها في آن، لذلك هي تغير من نمط اختيارها، تجترح للعالم المزيدَ من الندب محل الانتصارات:

  • أيها الأغبياء الانتحارُ يأتي كنتيجة، كمحصل حاصل ليحصد مجدَه الزائف، لكنني أنا، أنا التي أغزل الطقوسَ بصبر، أتلبس العقلَ والقلب قبل

أن يظفر هو بالجسد أخيرا، الجسد المسلَّم للموت على كل حال، أنا هنا الحالة الاستثنائية.

مع دوي الحَنَق المكتوم بداخلها، دبابةٌ تطل من الشاشة المعلقة في المقهى لخبر أضحى اعتياديا، تعيد إلى ذاكرتها شخص ما، كان أحدهم، أحد ابتكاراتها.. خالد، لا، خليل.. نعم «خليل حاوي»، يأسُ الحروب يبقيها مزدهرة دائما حيث الأسباب التي تقودك للموت بعيون جريئة، يطفو هنا يأس أرنست همجواني إلى السطح مع عينيه اللتين ثبَّتهما على الموت، عيناه الغارقتان فيما تراكم من خراب الحروب على الروح قبل الجسد، هل لها أن تضم اختيارَ العالم لحالة التأهب الدائم للحروب وانغماسه فيها إلى قائمة انتصاراتها، فقط لو أنه يموت أخيرا بشكل مؤكد، لترتاح هي من هذا البحث المستمر عن أسباب مبتكرة حتى تستمر.

«تعب»

تتنهد من جديد، يعود الفتى للصراخ والدوران بقلبه المحشو بالقطن، يستفزها، تتحسس موضع

قلبها مرة أخرى، هناك موضع خشن ومؤلم، سلفادور دالي.

  • العجوز المدهش اللعين.. تغمغم.

لقد بقيت تسير بشكل متوازٍ مع جميع مراحل حياته، كان لديها إيمانٌ ما بأن سوريالية دالي وأشباهه تخفي خلفها قنوطًا من نوع ما، رغبة بائسة ومعلقة بشعره، واحدة بالحياة وبخيوط ثخينة على الجهة المقابلة بالموت، يشبهها سلفادور في الرغبة والغرابة الخارجة عن الأزمنة وقوالبها، آمنت بأنها ستتمكن منه بشكل ما حين ينتهي إلى اللاشيء، لم تدرك أن إيمانها الهش ذاك كان بعضا من حب، الحبُّ الذي شعرت به للمرة الأولى والأخيرة قبل أن يتعثر دالي بغالا، تلك التي جعلت دالي يبتعد كثيرا عن قنوطه، يمضي إلى العالم متشبعاً فيه إلى الأقصى فالأقصى بدونها، وجهه المتغضِّن في 1989 كان أول وآخر ما بكت عليه أيضا، يوم رفض أن يسلمها عقله بعد قلبه الذي انتزعه موتُ غالا، أرادت له نهايةً مدوية

واستسلم هو لنهاية عادية، خَدْشُ دالي على قلبها واضحٌ، أضعفها، فباتت تتربص بأي لحظة يأس كانت حتى لا تتآكل فيها الجدوى.

2014

تنفلت حولها رائحةٌ ما تجعلها تتحفز، تلمحه، ذلك الوجه القادم، تعرف هذا الشرود، تدرك هذه الخطوات بعرجها الروحي الخفي، ترفع أنفها الرفيع لتكتمل حاسةُ الشم، تبتسم وهي تضيق حدقةَ عينيها، عيناها العميقتان كهُوّة، وكمثل كائنٍ يتربص بفريسته راحت تتأمل جلوسه والرجفة الحانقة في أطرافه، تجنُّبه لمواجهة عيني النادل كأنه يخشى أن يقرأ ما يقدم عليه، طريقته في إخفاء أن يلمح أي عابر ما يجلس هو لكتابته، غبار.. تلمحه على حافة الكرسي، إنه ركامها هي القديمة، تلمِسه بحنو، تمسحه ليعود فيتجانس معها، وتمضي نحو الشارد.

  • أعرف ما تكتب

تقول له وهي تقابله وجها لوجه، يجذلها جزعه،

تهمس له:

-لا تخف، سنحاول ابتداع طريقة غير مؤلمة تشبه هشاشتك، المهم هنا هو يأسك، أتم رسالتك، ثم اترك لي أمر الحالة.