«وَالواقِعُ أَنَّ المُتَشَكِّكَ لا يَبْحَثُ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ، وَلا يَنْتَقِلُ مِنْ مَكانِهِ عَلى الإِطْلاقِ. وَالشَّكُّ المُطْلَقُ إِذا كانَ مُمْكِناً —وَهُوَ لا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ كَذلِكَ— هُوَ حَقّاً وَضْعُ الثَّباتِ التّامِّ… وَالمَوْتِ. وَالمُتَشَكِّكُ يُناقِضُ نَزْعَتَهُ الشَّكِّيَّةَ فِعْلاً فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَسْأَلُ سُؤالاً أَوْ يُعَبِّرُ عَنْ شَكِّهِ وَنُكْرانِهِ، وَبِمِثْلِ هَذا التَّناقُضِ لِنَزْعَتِهِ الشَّكِّيَّةِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعِيشَ وَأَنْ يُفَكِّرَ. وَالشَّكُّ المُتَطَرِّفُ هُوَ وَالقَطِيعَةُ الصّارِمَةُ شَيْءٌ واحِدٌ فِي نِهايَةِ التَّحْلِيلِ؛ إِذْ إنَّ كُلاًّ مِنْهُما يَتَشابَهُ فِي أَنَّهُ يُفْضِي إِلى انْعِدامِ الحَرَكَةِ، وَإِنْهاءِ كُلِّ حَياةٍ خَلاَّقَةٍ. وَمِنَ الخَطَأِ أَنْ نُفَكِّرَ فِي أَنَّ الشَّكَّ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَوْقِفاً عَقْلِيّاً خالِصاً؛ وَيَخْدَعُ الإِنْسانُ نَفْسَهُ حِينَمَا يَزْعُمُ أَنَّ شَكَّهُ لا يَرْجِعُ إِلى أَسْبابٍ عاطِفِيَّةٍ وَإِرادِيَّةٍ. وَالشَّكُّ الدّائِمُ الجامِدُ الصَّلْبُ —أَعْنِي الشَّكَّ الَّذِي اسْتَحالَ بَعْدَ تَجْرِبَةٍ عابِرَةٍ إِلى عِنادٍ— دَلِيلٌ عَلى افْتِقارٍ إِلى الشَّخْصِيَّةِ، وَعَلى عَجْزٍ عَنِ الِاخْتِيارِ الحُرِّ. وَعِنْدَما يُنْكِرُ النّاسُ مِنْ ناحِيَةٍ أُخْرى —مَثَلاً— وُجُودَ اللهِ عَلى أَساسِ عَدَمِ اتِّفاقِ هَذا الوُجُودِ مَعَ وُجُودِ الشَّرِّ وَالأَلَمِ فِي العالَمِ، فَإِنَّ هَذا الَّلَوْنَ مِنَ الشَّكِّ لا يَدُلُّ عَلى وِجْهَةِ نَظَرٍ عَقْلِيَّةٍ غَيْرِ مُتَحَيِّزَةٍ، بَلْ يَدُلُّ عَلى حالَةٍ مِنْ حالاتِ العَقْلِ، عَلى تَجْرِبَةٍ عاطِفِيَّةٍ تَسْتَحِقُّ عَطْفاً عَظِيماً»

Nikolai Berdyaevالحلم والواقع

صورة للمشاركة

اقتباسات أخرى لـNikolai Berdyaev

من المصدر نفسه · الحلم والواقع

في الموضوع نفسه: الشك والإيمان والإنسان، كتب وروايات

اقتباسات أخرى

اقتباس تالٍ → · كل الاقتباسات