«وَإِنِّي لأَذْكُرُ حُلْماً —وَلَعَلَّهُ أَعْظَمُ حُلْمٍ زارَنِي عَلى الإِطْلاقِ— يُمَثِّلُ شَيْئاً مِنْ رِحْلَةِ الحَجِّ الرُّوحِيِّ الَّتِي قُمْتُ بِها: شاهَدْتُ فِي هَذا الحُلْمِ مَيْداناً واسِعاً تَكادُ لا تَحُدُّهُ الحُدُودُ، وَقَدْ نُصِبَتْ وَسَطَ هَذا المَيْدانِ مَوائِدُ خَشَبِيَّةٌ مُغَطّاةٌ بِأَفْخَمِ أَنْواعِ الطَّعامِ، وَأُحِيطَتْ هَذِهِ المَوائِدُ بِأَرائِكِ خَشَبِيَّةٍ مُسْتَطِيلَةٍ كَأَنَّما سَيُعْقَدُ بِهِ مَجْمَعٌ مَسْكُونِيٌّ. وَاقْتَرَبْتُ مِنَ المَوائِدِ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَجْلِسَ عَلى واحِدَةٍ مِنْ تِلْكَ الأَرائِكِ حَتَّى أُشارِكَ فِي شُؤُونِ المَجْمَعِ وَأَتَّصِلَ بِالآخَرِينَ الَّذِينَ أَوْشَكُوا عَلى المُمَناقَشَةِ، وَالَّذِينَ تَعَرَّفْتُ بَيْنَهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِنْ أَصْدِقائِي الأُرْثُوذُكْسِ، وَلَكِنْ كُنْتُ حَيْثُما حاوَلْتُ الجُلُوسَ يُخْبِرُونَنِي أَنَّنِي أَخْطَأْتُ المَكانَ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ لِي مَجْلِسٌ أَسْتَقِرُّ فِيهِ، فَأَخَذْتُ أَدُورُ حَوْلَ المَكانِ وَلَمَحْتُ فِي نِهايَةِ المَيْدانِ صَخْرَةً خَشَبِيَّةً جَرْداءَ. فَذَهَبْتُ إِلَيْها وَشَرَعْتُ أَتَسَلَّقُها، بَيْدَ أَنَّ مُحاوَلاتِي الأُولَى لِلْقِيامِ بِهَذا العَمَلِ أَظْهَرَتْنِي عَلى المَصاعِبِ الفَظِيعَةِ الَّتِي تَنْتَظِرُنِي فِي صُعُودِي، وَمَضَيْتُ فِي مُحاوَلَتِي رازِحاً تَحْتَ الإِجْهادِ وَالإِرْهاقِ، وَرَأَيْتُ يَدَيَّ وَقَدَمَيَّ غارِقَةً فِي الدِّماءِ. وَلَمّا بَلَغْتُ ارْتِفاعاً مُعَيَّناً تَلَفَّتُّ حَوْلِي، وَنَظَرْتُ إِلى جانِبِي وَإِلى أَسْفَلَ، فَلَمَحْتُ طَرِيقاً مُلْتَوِياً مُجْهِداً أَخَذَ يَصْعَدُ فِيهِ عَدَدٌ مِنَ النّاسِ. وَواصَلْتُ كِفاحِي باذِلاً جُهُوداً أَلِيمَةً لارْتِقاءِ الصَّخْرَةِ، وَفِي نِهايَةِ الأَمْرِ بَلَغْتُ القِمَّةَ، وَفَجْأةً شاهَدْتُ أَمامِي المَسِيحَ مَصْلُوباً وَقَدْ أُثْخِنَ جانِبُهُ بِالجِراحِ وَأَخَذَتِ الدِّماءُ تَسِيلُ مِنْها، فَارْتَمَيْتُ عِنْدَ قَدَمَيْهِ وَقَدْ هَدَّنِي الإِعْياءُ وَكِدْتُ أَفْقِدُ وَعْيِي»

Nikolai Berdyaevالحلم والواقع

صورة للمشاركة

اقتباسات أخرى لـNikolai Berdyaev

من المصدر نفسه · الحلم والواقع

في الموضوع نفسه: الرؤى والتجارب الإيمانية، كتب وروايات

اقتباسات أخرى

اقتباس تالٍ → · كل الاقتباسات