جوني ميتشل: كيف نؤلف أغنية؟

ترجمة: علي زين

“”كيف نؤلف أغنية؟ إن الاستعداد…لمصادفة ما هو معجز …والاتصال به يلعب دورًا كبيرًا في ذلك

في سن الثامنة أُصيبت جوني ميتشل (المولودة في 07 نوفمبر, 1943) بعدوى شلل الأطفال خلال آخر فترة انتشار وبائي كبير له في شمال أمريكا وذلك قبل ابتكار لقاح شلل الأطفال، ظلت جوني طريحة الفراش لأسابيع حتى توقع الأطباء بأنها لن تتمكن من المشي ثانيةً، فلجأت إلى الغناء كأمل أخير خلال تلك الفترة الحزينة في إحدى المستشفيات التي تقع على بعد مئة ميل من منزلها، لكنها تمكنت من المشي ثانيةً، وبتلك الطريقة الاستثنائية للحياة تغلبت على مرض شلل الأطفال، وهزمت الفقر، والنقاد الخبثاء، لتصبح واحدة من أكثر الموسيقيين أصالةً وتأثيرًا في التاريخ الحديث، حاصلةً على ثماني جوائز غرامي، منها جائزة عن مجمل أعمالها، ومن خلال التعليق الموجز على أغلفة اسطوانات الألبوم المجمّع الذي أصدرته في عام 2004 باسم “أرض الأحلام” نجد وصفًا دقيقًا ورائعًا لروحها العنيدة وهياجها الإبداعي حيث كُتب: “كما لوحاتها، كما أغانيها، كما حياتها، لم تتقبل جوني ميتشل مطلقًا الإجابات السهلة، فهي تبحث دومًا عن إجابات للأسئلة الصعبة”.

عندما جازفت الموسيقية وصانعة الأفلام الوثائقية والصحافية الإذاعية “مالكا ماروم” لتدخل إلى أحد المقاهي المظلمة في إحدى ليالي شهر نوفمبر في عام 1966، كانت هذه الروح ـــــ روح حب الاستكشاف ـــــ هي ما شعرت به ينبعث من روح ميتشل التي كانت تبلغ من العمر حينها الثالثة والعشرين، شاهدتها هناك بهدوء وهي تقوم بدوزنة الجيتار على المسرح، لتعرف ماروم إنها في حضرة العبقرية، وعلى مدى العقود التي تلت تلك اللحظة قامت بإجراء ثلاث أحاديث صحفية مع ميتشل في ثلاث مناسبات منفصلة: في عام 1973 وعام 1979 وعام 2012، وتم جمع هذه المحادثات المميزة التي تتناول شتى الموضوعات في كتاب “جوني ميتشل: معبرةً عن نفسها (المكتبة العامة | سلسلة مكتبات إنديبوند)، وهي محاولة “لفك شفرة ذلك اللغز الغامض…ذات العملية الإبداعية بكل ما يحتويه ذلك من معنى” ذلك الدرب الذي سارت عليه ميتشل بقدرٍ متعادل من الاقتناع والضعف وهو تصارع تلك “الأسئلة الصعبة”.

من بين السمات التي تميز جوني ميتشل وتمثل ركيزة لنجاحها الفني هي تلك الرؤية الموحدة والثابتة: إنها البوصلة الإبداعية التي تشير دائمًا على ما يبدو ناحية الشمال الحقيقي لها وليس لأي شخص آخر، كانت ميتشل لا تهتم سوى بالمعايير الخاصة بها فقط، وكانت القيم التي تؤمن بها هي فقط التي سعت نحو تحقيقها، وعندما سألت الصحافية مارون ميتشل عن مصدر تلك الثقة بالنفس في تلك الأوقات التي لاقت خلالها الكثير من الرفض في بداية حياتها المهنية، تحدثت بكلمات جميلة مشابهة للفكرة التي تقول بأن أفضل فن يأتي من خلال السمو بالذات، الفن الذي قد يستهدف جمهورًا يتكون من شخص واحد فقط، تقول:
“لم أفكر في ذلك مطلقًا، ولكن أعتقد أن مصدري الوحيد لذلك هو أني شاهدت تطوري الإبداعي بنفسي، نعم، كنت أجد أن موسيقاي تتحسن، والكلمات تتحسن، إن إحساسي الذاتي فقط بتطوري الإبداعي هو سندي الوحيد على ما أعتقد”.
وتقول ميتشل إن التوافق مع ذلك الصوت الداخلي كان لا يقل أهمية في رحلتها عن تجاهل تلك الضوضاء الخارجية التي حاولت إغراق ذلك الصوت الداخلي، وهو أمر يشكل أهمية كبرى لا سيما للفنانين في يومنا هذا ولكن أكثر صعوبة أيضًا، فأعمال هؤلاء الفنانين متاحة باستمرار للنقد الخارجي على الإنترنت وغيرها، بالإضافة إلى ذلك العدد المتزايد باستمرار من قنوات النشر؛ وتكمل ميتشل لماروم:
“لقد كان تطوري بطيئًا، مثل اللحن المتصاعد تدريجيًا، وذلك لأني لم أكن راضية عن مشروعي السابق الذي كنت أرى أنه ضعيف، وليس ما كان يعتقده النقاد، لقد تغاضي النقاد عن الكثير من السمات التي كنت أرى أنها تمثل ركيزة تطوري الإبداعي وامتدحوا الكثير من السمات التي كنت أرى أنها عادية في أعمالي، كنت أختلف مع الكثيرين منهم، ما دفعني إلى الاتكال كثيرًا على آرائي الخاصة، ولكن ليس معنى ذلك أني لم أكن أطلب النصح باستمرار من هؤلاء النقاد وأفكر فيه مليًا، فلم أكن لأتغاضى عنه”.
وتعود ميتشل إلى فكرة الإبداع من موضع الحرية وليس من موضع القيود المعيارية المستقاة من المثل العليا والواجبات الخاصة بالآخرين, فتقول:
“إن الحرية تمثل لي رفاهية أن تكون قادرًا على اتباع ما يمليه علينا القلب حتى لا يضيع سحر الحياة، فالحرية ضرورية بالنسبة لي من أجل الإبداع، وإذا لم أتمكن من الإبداع فلن أشعر بالحياة.”
فهذا الإحساس تحديدًا بإعجاز الحياة وصدقها على السواء هو مصدر الإبداع لديها فتتسائل في حديثها مع الصحفية ماروم:
“كيف نؤلف أغنية؟ في رأيي أن الاستعداد لمصادفة الجانب المعجز من الحياة, والاتصال به بطريقةٍ ما, يلعب الدور الأعظم في صنع ذلك”.
ميتشل التي تخبرنا بأن ما نسميه “الإلهام” ليس في حقيقة الأمر إلا ما نقوم به بصدق من نشاط فعّال للعثور على الذات عن طريق الضياع:
“أؤمن إنه طالما كان لدى المرء أسئلة يطرحها، تلك الأسئلة الطفولية، فلابد أن مصدر الوحي لا يزال هناك، فأنت تلقي السؤال نحو مصدر الوحي ولربما تحصل على شيء في المقابل من ذلك المصدر”.
لكن تأملات ميتشل الأكثر بروزًا هي أيضًا أكثرها ضعفًا، فعندما تتذكر رحلتها من الفقر إلى الثراء، ومن استهزاء النقاد إلى الإطراء، تتحدث عن تلك العلاقة المتضاربة إلى حدٍ ما بين الكثير منا نحن ، وخاصةً الفنانين من كل صوب وحدب، وبين النجاح والتعبير الظاهري عنه، وهي علاقة متوترة تقوم على تلك الأسطورة المؤذية التي تقول إن النبل مرافق للفقر، وإن النجاح ينتقص بالضرورة من صدق العمل.
تقول مارون: “بمجرد أن تعرف شعور الفقر فأنه سيتعمق بداخلك مهما كان النجاح الذي حققته بعد ذلك”، وتتفق ميتشل معها وتقرّ بأنها “مرتابة من الثروة” لأنها جاءت من حياة العوز، وتتأمل ميتشل الصراع الداخلي للقيم وهي تتذكر نقطة التحول فيها من فنانة مكافحة إلى نجمه بأسلوب حياة الثراء الذي صاحب ذلك:
“وجدت صعوبة في مرحلةٍ ما في تقبل الثروة التي حصلت عليها والنجاح الذي حققته، بل إن التعبير عن ذلك الثراء والنجاح كان يبدو لي مقيتًا في مرحلة ما، تمامًا مثل قيادة سيارة فارهة على حين غرة، وكان عليّ أن أراجع نفسي كثيرًا، لقد شعرت أن حياة الأناقة والترف تدمر الإبداع، بل كنت أؤمن كذلك بذلك النوع من فلسفة مدارس الأحد الدينية بأن الرفاهية تأتي كضيف ثم تصبح كسيّد، كنت أومن بتلك الفلسفة، ولا تزال لدي تلك الفكرة النمطية بأن النجاح يعوق الإبداع، وأن الرفاهية تؤدي إلى الراحة والرضا عن النفس الزائدين وأن الموهبة سوف تتأثر بذلك.
لكن كان بإمكاني التعبير عن ذلك النجاح في أعمالي، حتى في الوقت الذي كان فيه ذلك النجاح مقيتًا لي…وكانت الطريقة الوحيدة التي تمكنت من خلالها من التوافق مع ذاتي وفني هي أن أقول: هذه هي حياتي الآن، إن حياتي تتغير؛ فأنا أذهب إلى الحفلات الموسيقية في سيارة ليموزين كبيرة، وهذه حقيقة واضحة في حياتي.
إنني متشددة عندما يتعلق الأمر بنمط الحياة، أحب أن أعيش حياةً بسيطة وبدائية في بعض الأحيان، على الأقل لفترات قصيرة من العام، حتى يتسنى لي الاتصال بشيء أساسي وجوهري أكثر من غيره، وبتلك الطريقة تمكنت من الاستمتاع بنجاحي واستخدامه كنوع من أنواع التعبيرعن الذات.
يقول المغني والشاعر الكندي الشهير ليونارد كوهين في إحدى أغانيه: “لا ترتدي لي هذه الخرق، فأنا أعرف أنك لست فقيرًا”، وعندما سمعت تلك الكلمات، قلت لنفسي أنني كنت أعيش حياة الإنكار، وهو نوع من النفاق، لقد كنت أعيش حياة الإنكار، تمامًا مثل هذه الكلمات في الأغنية، فكنت وكأنني انتقص من قيمة ثروتي.
فالكثيرون ممن يعملون في مجال موسيقى الروك آند رول يرتدون بناطيل جينز مرقعة، وسترات بأكمام طويلة، وهو زي مريح، ولكن السبب في ذلك أيضًا أنها طريقة للتوافق مع الجمهور، فلو حضرت إلى حفلة الروك آند رول على سبيل المثال مرتديًا بدلة “لاميه” ذهبية بينما الجمهور جميعهم يرتدون ملابس بسيطة ستشعر حينها بأنك لست واحدًا منهم”.

(ليونارد كوهين وجوني ميتشل في مهرجان نيوبورت الشعبي لعام 1967)

ورغم أن صعود جوني ميتشل جاء تدريجيًا ورغم رمزية الفكرة التي تقول بأن أسطورة النجاح السريع هي أسطورة بالفعل، تتذكر ميتشل ذلك الإحساس الفاجع بالعزلة عن جمهورها بسبب الثراء الفاحش، ورغم ذلك تجد راحة البال من منظور مدرسة “الزّن” التأملية بالأحرى، ذلك المنظور الذي يتقبل كل الموجودات كما هي، مما يتيح للخبرات أن تتكشف دون اختلاف الأحكام، وعند النظر إلى الفقر والثراء على هذا النحو، أي مثل اللقاء والفراق ومثل معظم المتناقضات الظاهرية في الحياة، سنجدهما وجهين لنفس العملة، أي بُعدين للخبرة البشرية الواحدة، تجيش بهما الكثير من الآلام ومصادر القلق ذاتها، (ويستعرض الكاتب الأمريكي هنري ميلر تلك الفكرة بامتياز في تأملاته عن المال في عام 1935 من خلال الحكاية الرمزية لورطة صاحب المصنع). تكمل ميتشل لماروم:
“ما زلت أبحث عن طبيعة المعنى والهدف ، إن الناس لديهم فكرة غريبة عن النجاح، وأن الرفاهية هي نهاية الطريق، إنها ليست النهاية على الإطلاق، بل إن العديد من المشكلات تبدأ من هناك، لكنها فقط مشكلات ذات طبيعة مختلفة.
لقد عانيت من الفقر، وكنت أنتمي للطبقة المتوسطة، والآن أجدني مترفةً في الثروة والرفاهية، وهذا يمثل صعوبة كذلك مثل صعوبة الفقر”.
وتضيف ميتشل مرددةً ما عبرت عنه الفنانة “جورجيا أوكيفي” من أفكار بخصوص الصلابة النفسية:
“أعيش في مكان جميل، وكأنه أرض الأحلام، وكثيرًا ما أتجول فيه ولكنني لا أشعر بشيء…فإذا أمكنني العيش بأقل من ذلك سيكون ذلك مُلائماً لي ، يمكنني العيش بأقل من تلك الممتلكات بكثير، بل إن طبيعتي تجعل من الصعوبة أن يكون لدي كل هذا القدر من الثروة، لأنني لا أجد شيئًا مطلقًا فيها، (تضحك) إنها مشكلة بسيطة وسخيفة ولكن لا حاجة لكل ذلك، إنه مصدر إزعاج شديد…فأنا أحب ترف حمامات السباحة، ولكن لو أمكنني بناء كوخ أو خيمة بالقرب من حمام السباحة فسأسعد بذلك كثيرًا، [تضحك]”.
معبرةً عن هذه الأفكار على نحوٍ ملائم ببلاغة وحس لا مثيل لهما في إحدى أغنياتها: “رقصة الغجر” من ألبومها لعام 1976 “حفيف مروج الصيف”:
تقرأ كتبًا حيث الرفاهية
رفاهية تأتيك كضيفًا مستَعبِدًا
كتبٌ يظهر فيها الفنانون في نبل الفقر
وينتهون من حياتهم كالعذارى
لا تخدعني برقة الشعور
لأني أعرف أنك فقط مجرد مغرور
ولا يمكنك ترك تلك الرقصة الغجرية الآن
حتى لو ساعدك حُسن الحظ
ومثل قسٍ يشاهد فيلمًا إباحيًا
ناظراً إليه بتوقٍ وبخبث
صحيح أن ذلك سيشوّش تماسكك
ولكن لا يمكنك إبعاد ناظريك عنه..

أعطني رأيك

إغلاق
إغلاق