ملائكة الألوان المائيّة – سوزان عليوان

سوزان عليوان

1

من رخام الخطوة

إلى مِدفأة فارعة المرآة،

جدران بلون صوف على صيف

سقف يعلو بعصافير بيضاء.

مصراعان موصدان على مدينة

صورة لأحضانك بوجوه صغار

والهواء ملاك فاغر جَناحيه

مروحة حول ملامحنا.

صفحتان من كتابِ نافذة،

نصف سطورنا نور نافذ عبر المسام.

ضحكات أشجار إلى عروقنا تتسلّل

في نسمة جسر ترتق الشوارع.

باريس عربة هدايا تضيء أعيننا.

حارس وردة وسط سرير

سهرنا الذي لا يأخذه يباس،

والحبّ طفل مجنون على عناقٍ عارٍ

علّق عنُقَه بوتر.

2

بأغلالٍ مضفورةٍ بظلالِ أغصان

تؤلمنا الجذور،

والشجر في غير أرضنا

أخضر يضحك

بعضه أزرار في أكمام نهر

كلّه زهر يضيء الشوارع.

أستيقظ كبلاد على رمادي

أستيقظ كرماد على بلادي.

بلادنا الحزينة،

بلاد العيون والأعمار العارية

بأبواب مسجّاة

على سطر طويل من حطب

في زاويةٍ، ملحمةٌ على نصل مدينة

طاولة من صحنين متلامسين

شمعة زجاجة ومقعدان خشبيّان

لغريبين بوجهينا

سواطيرُ تلوح

جزّارون بسَمْت ملائكة.

لون آخر للدم.

3

برميلانْ:

واحد للسُّلوانِ

آخر للضحك،

وسلالم خشب مخمور تطول وتـئنّ

كلّما هبط إلى قبو الحانة ملاك.

كيف يضيء كمان

كنجمة على كتف؟

ما الذي يُعْتِم دموعنا في الجيوب؟

وبغير حضنك حول كوكب

هل يُشفى من نفسه غريب؟

هواء واشٍ بوهَن أجفان

سَجّادة معتّقة بعقيق عابرين

ريش على مدينة من مرايا

عصافير زُقاق

تدرك ظلالها.

بين السقف الشاهق

وألواح زجاج بملامح زحام

وجه مضاء بك.

أوسكار وايلد الذي يشبه كلّ غمامة ونبع

عدا نفسه.

ذلك الذي مثلك

عاش عدوًّا لنفسه.

غمّازتك زهرة على خدّه.

بين شفتيه قطرة من نبيذك

تروي ما في صورة مصفرّة

تُخفيه تنهيدة من أبد.

4

نُدْفة ثلج على صيف.

زهرة لوز

.هكذا لوحدها

منديل يحدّث ملاكه عن حجر.

نورس نهر

جَنَحَ بعيدًا.

الفندق الصغير ذو السقف الزجاجيّ المطير،

بشبابيك بصُلبان خشبيّة بلا أنبياء

تصفِق مصاريعها في فِناء غائم

على أمل عصافير من إطاراتها تتطاير

بعيون متلصّصة على طاولتنا.

ركن متوارٍ بأعواد خيزُران

أريكة لزرقة عاشقين

أصيص من حصى،

صحن نُفرغه،

كؤوس تملؤنا.

كلّ قطرة على أجفان القرميد

حمامة متّشحة بكحل مدخنة:

وسادة بفضّة عيوننا

معطفك المتطاير في عاصفة عناق وسط مطار

قميصي وقد نقلتُ إلى أكمامه

قصيدة يديك الصامتة.

5

ليل، والقمر قُمريّة على قشّ قرميد

.نهر وملامحك منديل يلوّح بروحي.

ألف طفل في عينيك يضحك،

ووسط قلبي طفل في السابعة من نبضه

بطرف ظلّه يجسّ الطريق.

في محلّ الأزهار

أنت الورد.

في دكّان العطر

وحدك الحواسّ.

وسط مكتبة عتيقة على شفا نهر

خطوتك شجرة من أشباح شكسبير،

بحَفنة تمثال من رماد كنيسة

رسّام رصيفٍ يسألني:

أليست الرحمة

أعظم من الحبّ؟

عصافير بحبرها،

أنت وأنا،

أنت أنا

وأنا أضحك،

نجوم غزيرة

وباريس بسروة إيفل

لوحة تعبَثُ بأقدارها

خيوط مطر.

6

بقطرات أشواقنا على سلالمَ خلفيّة

بأصداء عصفور من رذاذ

أصواتنا مفاتيح نهر

أكياس تكلّل أيدينا.

عريشة شمس على باب وجدران

على قطع أثاث قديم

وأقواس أعيننا.

البيت مروحة من نسيم ستائر

بوسع أغصان

خلف الزجاج غاربة.

قميص بنفسجيّ كرسالة وسط سريري.

على رفّ الموقد

زجاجة نابضة بعطرك،

في الشارع الملامس لملامحنا على نافذة

شجر كستناء يغلق شبابيكه

يمام قرميد إلى قشّه يأوي

والليل طفل ناعس سهران

في بيجامة منقّطة بنجوم من حرير،

لمسائنا معًا مسامرة سجينين

ألفة ناجيين من سفينة في الأعماق

دفء عنقود من حبّـتي كرز،

لفرط ما السعادة ابتسامة بروست بين كفّيَّ

قطعة من الجبنة بعود خشبيّ من حنانك

استكانة سمكة سلمون لعصرة من الليمون

وجهك الساهر على وسني بعينين منهكتين

مصباح أصابعنا المتشابكة في الممرّ المعتم الطويل،

العالم في مرآته لا يعرف من يكون

هذا العاشق الذي ملء حضنه

ضمّة ورد.

7

هذا وجهك

قلادة على مدينة غاربة،

وهذا عمري

كأس طلّ،

ألوان لأوّل مرّة تبصرنا،

وها هو الليل الذي لا يعرف سقفًا سوانا

عن الساعة يسألني

عن حانة يطول سهرها على الطريق.

سرب سروات حارسات لخطوة

خاتم جرس بين أصابع أغصان

وسادتي استدارة القمر في كتفك

حصّة هلال من زهرة آفلة.

في مقهى المرايا المائجة

خطر ببالي أن أسألك:

لماذا العابرون كربيعنا القاني على جسر

همُ الأجمل؟

لكنّ ألواح الخشب الشاحبِ

لوّحت بالتماعات فأس

بعصافير أصيرها حول حزمة من حطب.

العمر سائح يلتقط أنفاسه في ساحة ضحكتك

والدمعة ذاتها لا تذرف مرّتين.

8

عشّاق من ريش

بريشة ذلك العاشق

أكمام ساهية على أزقّة

باقات شمع حول منازل.

أسطح رماديّة تتلألأ

بتبر يتقاطر على مدينتنا

على شمس شوارعنا الخلفيّة

أُطِلُّ بنظّارةِ نافذة

من طابق أخير لمتجر

منه أوّل قمصاني.

لمعاطفه أَدين بخيط

لا يخطر ببال قدر

حضننا وسط مشاجب

كأغصان يجنّحها ثلج

حقيبة بعجلات متباطئة

طفلة تجرّها يدك

جوارب ملوّنة لدروب

تثقل دونك خطاها

نصف يوم معلّق

صيف أقصر من ظلالنا

كم على تلك الضحكة مضى

من أسوار أعمارنا؟

كم من الوردة تبقّى؟

كم الساعة في نَبْضِنا؟

من شرفة شاغال على مدًى

إلى موقف السيّارات السحيق

حيث دمية قبو تبتسم

لوقع أقدام على دموع.

أعطني رأيك

إغلاق
إغلاق