ياسين عاشور – المالينخولي السّعيد (8) – العالمُ عينُهُ الهاوية

“خسِستِ، يا أمّنا الدّنيا، فأفّ لنا، – بنو الخسيسة أوباشٌ، أخسّاءُ ! ” – أبو العلاء المعرّي

“تاريخ العالم هو تاريخ الشرّ، جرّب أن تستثني الكوارث من التطوّر البشري- ستكون كمن يتصوّر الطّبيعة من دون فُصول.” – إميل سيوران

“تتأرجحُ الحياةُ كرقّاص السّاعة بين الألم والضّجر.” – آرثر شوبنهاور

كثيرًا ما يتردّد على مسامع صاحبنَا أنّ العالم في هذه الأيّام يتّجه نحو الهاوية، وأننّا نُزامنُ حقبةً رديئةً وأنّ أيّامنا هي الأسوأ على الإطلاق. لكنّ ما يلفت الانتباه حقًّا هو تردّد هذه العبارات تقريبًا في العصور كلّها وعلى ألسنة الأمم جميعها، حتّى أنّ الشاعر الرّوماني “جوڤـِنال” (توفي ق2م) ذكر في إحدى هجائياته “أنّنا وصلنا إلى الدّرجة القصوى في الرّذيلة، وأنّ من يأتون بعدنا لن يستطيعوا أن يتفوّقوا فيها علينا”.  فهل يتّجهُ العالمُ  صوب الهاويّة حقًّا؟ وهل النّكباتُ التي تحلّ بنا خاصّةٌ بعصرنا دون بقيّة العصور؟

… للمالينخوليّ السّعيد رأي آخر، إنّ العالم عينُهُ الهاوية، ونحنُ نقطنُ في قعرها، تلك الحُفرة السّحيقة التي نُدفعُ إليهَا دفعًا بالقوّة لا بالفِعل، بقوّة الآلة الطّبيعيّة العمياء التي تشتغل وفقًا لدوافع لا نُدركُها، لأنّها تقعُ خارج حُدود التمثّل الإنساني، كلّ ما ندركهُ أنّنا موجودون في قعر هذه الهاوية، منخرطون في طرق اشتغالها، تائهون في ثناياها، نخبطُ خبط العشواء في اللّيلة الظلماء ونُشاركُ في صناعة آلامنا وتأبيد معاناتنا، نُمنّي أنفسنا بغدٍ أفضل ونرفض الإقرار بأنّ بُؤسنا لن ينقضي إلّا بانقضاء نوعنا.

إنّ العالمَ مصنعٌ كبيرٌ لتكرير المعاناة وتأبيدها في عود أبديّ رتيب، تتغيّر الأزمنة وتتنوّع الأعراق وتتمايز الظّروف التّاريخيّة والثقافيّة، قد تتعدّد صيغ البؤس وتتفرّع معادلات الألم لكنَّ المعاناةَ واحدةٌ، إنّ هذا العالم ليس مكانًا للّراحة ولا للطُّمأنينةِ، إنّما هو ساحةٌ لخلق الحاجات والرّغبات التي لا تنتهي ولا تُشبع أبدًا، لا يكتفي الإنسانُ بالمُتاح ولا يشعر بالرّضا  ولا يقرّ لمتطلّباته قرارٌ، بدءًا من أبسط احتياجاته وصولًا إلى أكثر رغباته ترفًا وفُحشًا، سيتألّمُ إنْ لم يُشبعها، وسيضجرُ سريعًا إذا قضى منها وَطَرًا، ليزداد من بعد ذلك تحرّقه إلى المزيد من مشتهيات نفسه ومآربها، لأنّ لحظة تحقيق الارتياح وملامسة اللّذّة تمرّ كلمح البرق . لقد أحسن شوبنهاور وصف هذا الوضع الوجوديّ حين قال:” تتأرجحُ الحياةُ كرقّاص السّاعة بين الألم والضجر. ”

يكُونُ العالم بمقتضى قانون الحاجات والرّغبات مسرحًا يخوض فيه الجميع الحرب ضدّ الجميع، حرب الأفراد على الأفراد والفرد على نفسه والنوع الاجتماعي على نظيره والأمم على الأمم والطوائف على الطّوائف والطبقات على الطبقات والنوع الإنساني على بقيّة الأنواع الحيّة، يتصارع الجميع من أجل سدّ حاجاتهم الجسديّة وإشباع رغباتهم المتجدّدة وانتزاع النّفوذ والهيمنة والمكانة والتفوّق وضمان ديمومة المصالح وتحقيق الأمن النفسي، إلى غير ذلك من متطلّبات النوع الإنساني التي تتجاوز منطق الحاجات الأساسيّة البسيطة، ذلك أنّ للإنسان رغبات بالغة التركيب ، مُشِطّة التعقيد ، يتعالق فيها العجيبُ والغريبُ واللّامُتوقّعُ، مثل أن يجلس سفّاحٌ إلى ضحيّته، يُقطّع أوصالها بدمٍ باردٍ، أو أن يُضحّي ملكٌ بجيش يُعدّ بالآلاف كي يحقّق رغبته في احتلال مدينة مجاورة أو أن يتلذّذ أحدهم بإلحاق الأذى بمن هم أضعف منه حالًا أو أن يستحمّ شخصٌ فاحش الثراء في حوض من الحليب والعسل كلّ يوم في حين يموتُ جارهُ جُوعًا وفقرًا…

ستطول القائمة إذا تمادينا في ذكر رغبات الإنسان الفاحشة، ذلك أنّ أنّها ليست من قبيل الشواذ من الأمور، بل هي مُحرّك التّاريخ الإنساني الرّئيس، ذلك التّاريخ الذي تحكمه الرّغبات والأهواء والأحلام والأمنيات الشخصيّة والمُصادفات والغباء وسوء التقدير، ذلك التاريخ الذي يُكتبُ في مقصورات الجواري وفي مجالس اللّهو والطرب وفي صالات القُمار وفي طموحات الزعماء الجامحة وفي هوامات المُجاهدين الجنسيّة وفي رُؤى الأنبياء الهاذية وفي مآرب أرباب الأموال الجشعة…

يُدركُ المالينخوليّ السّعيد أنّهُ عالقٌ في قعر هذا العالم/الهاويّة، ويعلمُ جيّدًا أن لا سبيل إلى تغييره أو إصلاحه، لذلك فهو لا يتّبع خطواته، بل يقبعُ آمنًا مُطمئنًّا في جحره الوجوديّ لا يغادره، يستيقظ كلّ يوم دون وجهة ولا هدف ولا غاية ولا سبب يدعوه إلى الانخراط في الحياة العامة، لقد قرّر الاكتفاء بتسطير الهجائيات، مهنته الوحيدة هي هجاء العالم وتعداد رذائله والتبرّؤ منه، وفي الأثناء يُصادِقُ الموت ويُغازلهُ، ويجدُ العزاء والسلوى في فكرة الفناء الأبديّ والعودة إلى ظلمات العدم، ف”لا مطلوب أبلغ من الموت”  كما جاء على لسان ابن عربي.

إنّ هذا العالم سفينة سكرانة بلا ربّان، تتقاذفها أمواج الاحتياجات والرّغبات والأهواء والجُنون، وتُحاصرها شتّى العذابات والآلام، لا وجهة تنحو إليها ولا غاية تنشدُّ صوبها، لذلك فإنّ الانسحاب من الحياة العامة في هدوء لن يكلّفنا الكثير، بل إنّه المجد الوحيد الباقي، مجد الاستقالة من الوظائف الاجتماعيّة الباهتة، مجد الخروج من دوّامة الالتزامات التي لا تلزم، مجد الفرار من معركة نستبقُ خسارتها، مجد الحياة دون خوف ولا أمل ولا خيبات…

“نحنُ عبيدٌ ونبقى عبيدًا طالما لم نُشْفَ من عادة الأمل”… هكذا تحدّث الحكيم سيوران !

المصدر: الأوان

أعطني رأيك

إغلاق
إغلاق