إرنست همنغواي

إرنست همنغواي – السيد إليوت وزوجته (قصة قصيرة)

السيد إليوت وزوجته (1925)

ترجمة: موسى الحالول

بذل السيد إليوت وزوجته قصارى جهدهما لإنجاب طفل. لقد حاولا على قدر ما لدى السيدة إليوت من طاقة على الاحتمال. حاولا في بوسطن بعد زواجهما، وحاولا وهما يركبان الباخرة. لم يحاولا كثيرا في الباخرة لأن السيدة إليوت كانت مريضة جدا. وعندما تمرض فهي تمرض كما تمرض النساء الجنوبيات. أقصد النساء من الشطر الجنوبي من الولايات المتحدة. وككل النساء الجنوبيات انهارت السيدة إليوت سريعا بسبب دوار البحر والسفر ليلا والاستيقاظ باكرا.

كان كثير من ركاب الباخرة يظنون أنها أم إليوت. أما الآخرون الذين كانوا يعرفون أنها زوجته، فكانوا يعتقدون أنها ستنجب طفلا. في الواقع كانت في الأربعين من عمرها. وتقدمت بها السنون فجأة عندما بدأت تسافر.
كانت تبدو أصغر بكثير، في الحقيقة بدت كأنها لا عمر لها، حين تزوجها إليوت بعد عدة أسابيع من معاشرتها، وكان قد عرفها ردحا من الزمن في محل الشاي الذي تديره قبل أن يقبلها ذات مساء.

كان هوبرت إليوت يتابع دراساته العليا في القانون في جامعة هارڤرد عندما تزوجها. كان شاعرا بوارد يناهز العشرة آلاف دولار في السنة. كان يكتب قصائد طويلة جدا بسرعة كبيرة جدا. كان في الخامسة والعشرين، ولم يعاشر امرأة قط قبل زواجه من السيدة إليوت. كان يريد أن يظل عفيفا لعله يستطيع أن يجلب لزوجته طهر الفكر والجسد الذي كان يؤمله منها.
كان بينه وبين نفسه يسمي ذلك «العيش باستقامة.» لقد وقع في غرام كثير من الفتيات قبل أن يقبل السيدة إليوت، وكان دوما يخبرهن، إن ّ عاجلا أو آجلا، بأنه يحيا حياة عفيفة. وكن جميعهن تقريبا ينفرن منه. كان يصعقه ويُرعبه سلوك الفتيات اللواتي يخضن في الأوحال أثناء خطوبتهن لرجال يُردن التزوج بهم لكن بعد معرفتهم. لقد حاول ذات مرة أن يحذر فتاة يعرفها من رجل كان لديه ضده شبه دليل بأنه كان فاسقا داعرا في الجامعة، فكانت النتيجة وبالا عليه.
كان اسم السيدة إليوت هو كورنيليا، لكنها علّمته أن يناديها باسم كالوتينا، وهو لقب عائلتها في الجنوب. بكت أمه عندما جلب كورنيليا معه إلى البيت بعد زواجهما، لكن أساريرها انفرجت عندما علمت أنهما سيعيشان خارج البلاد. عندما أخبر كورنيليا بأنه حافظ على عفته من أجلها، قالت له، «ما أحلاك وأغلاك، أيها الصبي،» وضمته إلى صدرها كما لم تضمه من قبل.

وكانت كورنيليا عفيفة أيضا، وقالت، «قبلني قبلة أخرى مثل تلك.»
قال هوبرت إنه تعلم طريقة التقبيل تلك من زميل سمعه مرة يروي قصة. لقد سرته تجربته أ ّيما سرور، فراحا يطوران هذه التجربة إلى أبعد الحدود. عندما يستغرقان في التقبيل أحيانا، كانت كورنيليا تطلب منه أن يعيد على مسامعها أنه حافظ على عفته من أجلها حقا. وكان هذا الإعلان يعيدها دائما إلى نقطة البداية.

في البداية لم يكن في نية هوبرت أن يتزوج كورنيليا. لم يفكر فيها بتلك الطريقة. كانت صديقته العزيزة، وفي يوم من الأيام كانا يرقصان على أنغام الغراموفون في الغرفة الصغيرة الخلفية للمحل، فتطلّعت في عينيه وقبلها. لم يعد يتذكر متى قررا الزواج، لكنهما تزوجا.
أمضيا ليلة زواجهما في أحد الفنادق في بوسطن. كلاهما خابت آماله، لكن كورنيليا استطاعت أن تنام أخيرا. أما هوبرت فلم يستطع النوم، فخرج عدة مرات ليقطع ممر الفندق جيئة وذهابا في بُرنسه الجديد الذي اشتراه خصيصا لرحلة زواجه. وبينما كان يتمشى، رأى أزواج الأحذية، الصغيرة والكبيرة، خارج غرف الفندق عند الأبواب، ما جعل قلبه يخفق، فهرع عائدا إلى غرفته، لكن كورنيليا كانت نائمة. لم يُرد أن يوقظها، وسرعان ما صارت الأمور على ما يرام، فنام هانئ البال.

في اليوم التالي زارا أمه وفي اليوم الذي يليه أبحرا إلى أوروبا. كان بإمكانهما أن يحاولا إنجاب طفل، لكن كورنيليا لم يكن باستطاعتها أن تحاول كثيرا، على الرغم من أنهما كانا يريدان طفلا أكثر من أي شيء في الدنيا.

نزلا في شيربورغ وجاءا إلى باريس. حاولا أن ينجبا طفلا في باريس. ثم قررا الذهاب إلى ديجون حيث توجد مدرسة صيفية، وكان عدد ممن عبروا الأطلسي معهم في الباخرة قد سبقوهم إلى هناك.

لم يجدا ما يفعلانه في ديجون. لكن هوبرت كان يكتب عددا هائلا من القصائد، وكانت كورنيليا تتولى طباعتها له. وكانت جميعها قصائد طويلة جدا. كان لا يتساهل معها بشأن الأخطاء المطبعية إطلاقا، فكان يجعلها تعيد طباعة صفحة كاملة لو ارتكبت غلطة واحدة. كانت تبكي كثيرا، وحاولا عدة مرات أن ينجبا طفلا قبل أن يغادرا ديجون.

جاءا إلى باريس وقد عاد معهم معظم أصدقائهم من الباخرة. لقد سئموا ديجون، فضلا عن أنهم يستطيعون أن يقولوا إنهم، بعد تركهم هارڤرد أو كولومبيا أو وبَش، درسوا في جامعة ديجون على الشاطئ الذهبي. كان كثير منهم يفضل أن يذهب إلى لانغدوك أو مونپلييه أو پيرپينان لو كانت فيها جامعات. لكنها كانت جميعها بعيدة جدا. أما ديجون فهي تبعد عن باريس أربع ساعات ونصف الساعة فقط، كما أن هناك مطعما في القطار.

وهكذا تحلق الجميع حول مقهى القبة بضعة أيام، وتفادوا الذهاب إلى الروتوند على الجهة الأخرى من الشارع لأنها دائما تعج بالأجانب. ثم استأجر السيد إليوت وزوجته قصرا في تورين من خلال إعلان قرآه في جريدة «هيرالد» الصادرة في نيويورك. صار لإليوت عدد من الأصدقاء وجميعهم معجبون بشعره واستطاعت زوجته أن تقنعه بأن يستقدم صديقتها التي كانت معها في محل الشاي في بوسطن.

ابتهجت السيدة إليوت كثيرا حين وصلت صديقتها وبكيا معا أكثر من مرة بكاء يُشفي. كانت هذه الصديقة تكبر كورنيليا بعدة سنوات وكانت تناديها «هني» وهي أيضا تتحدر من عائلة عريقة جدا.

ذهب الثلاثة مع عدد من أصدقاء إليوت الذين يلقبونه «هوبي» إلى القصر في تورين. وجدوا أن تورين عبارة عن ريف منبسط جدا وشديد الحرارة تماما مثل كانزس.

أصبح لدى إليوت الآن قصائد تكفي لكتاب تقريبا سينشره في بوسطن وقد أرسل مبلغا إلى الناشر الذي تعاقد معه. وسرعان ما راح الأصدقاء يعودون أدراجهم إلى باريس. لم تعد تورين كما بدت في البداية ولم يمض سوى وقت قصير حتى ذهب جميع الأصدقاء مع شاعرة شابة ثرية وغير متزوجة إلى منتجع بحري قرب تروڤيل. كان الجميع سعداء جدا.

بقي إليوت في قصره في تورين لأنه استأجره طوال الصيف. حاول هو وزوجته أن ينجبا طفلا وكان ذلك على السرير الكبير القاسي في غرفة النوم الكبيرة الحارة. كانت السيدة إليوت تتعلم نظام اللمس في الطباعة، بيد أنها وجدت أن هذه الطريقة على الرغم مما فيها من سرعة فإنها تزيد عدد الأغلاط. أصبحت صديقتها الآن هي التي تطبع جميع المخطوطات. كانت بارعة ومتقنة لعملها وتستمتع فيما يبدو بما تقوم به.

راح إليوت يتعاطى المشروب وكان يعيش بمفرده في غرفته الخاصة. كان يكتب كثيرا من الشعر طوال الليل، وكان الإرهاق باديا عليه في الصباح. وأصبحت الآن السيدة إليوت وصديقتها تنامان في السرير الكبير العائد إلى القرون الوسطى، وكانا يبكيان معا بكاء يُشفي. كانوا جميعا يجلسون مساء للعشاء في الحديقة تحت شجرة الدُلب وريح المساء تهب هبوبا حارا، وإليوت يتناول المشروب، بينما السيدة إليوت وصديقتها تتجاذبان أطراف الحديث، وكان الجميع سعداء على خير ما تكون السعادة.

الوسوم

أعطني رأيك

إغلاق