مقالات علمية

يستطيع الذكاء الاصطناعي الآن التنبّؤ بالانتحار بدقّةٍ كبيرة – ترجمة: آية علي

robert motherwell

عندما ينتحر شخصٌ ما فإنه يخلّف وراءه السؤال المفجع الذي يقبع دون إجابة: ماذا لو كان باستطاعة أهله وأصدقاءه فعلُ شيءٍ مختلف لتجنّب وقوع ذلك؟

يأمل كولين والش، وهو عالم بيانات في المركز الطبّي لجامعة فاندربيلت في الولايات المتّحدة، في أن يتمكّن عمله المتمثّل في التنبؤ بمخاطر الانتحار من إتاحة الفرصة للنّاس في طرح سؤال: “ما الذي يمكنني فعله كي أساعدك؟” بينما لا تزال هناك فرصة للتدخّل.

تمكّن والش وزملاؤه من إنشاء خوارزميّات تعلّم الآلة (machine-learning algorithms) تستطيع التنبؤ باحتماليّة انتحار المريض بدقّةٍ ملحوظة. كانت نتائج التجارب دقيقة بنسبة 80-90% عند تنبّؤ ما إذا كان شخصٌ ما سيحاول الانتحار خلال العامين المقبلين، وبنسبة 92% عند تنبؤ ما إذا كان سيحاول الانتحار خلال الأسبوع المقبل. ويستند التنبّؤ على البيانات المتوفّرة على نطاق واسع في المستشفيات، بما في ذلك العمر والجنس والرموز البريديّة والادوية والتشخيصات السّابقة. وقد جمع والش وفريقه بيانات 5167 مريضا تم إدخالهم إلى مركز فاندربيلت الطبي التابع لجامعة فاندربيلت نتيجة وجود علامات على إيذائهم لأنفسهم، أو على التفكير الانتحاري. بعد ذلك، قرأوا كلّ حالةٍ من هذه الحالات لتحديد الـ3250 حالة من محاولات الانتحار. وقد استُخدِمت هذه المجموعة التي تضمّ ما يزيد على 5000 حالة لتدريب الآلة على تحديد هويّة الأشخاص المعرضين لخطر محاولة الانتحار، مقارنةً بأولئك الذين آذوا أنفسهم دون إبداء دليل على نوايا انتحاريّة.

بنى الباحثون كذلك خوارزميّات للتنبؤ بمحاولات الانتحار بين مجموعة من 12.695 مريضا تم اختيارهم عشوائيّا، دون وجود تاريخ موثّق لهم بأي محاولات للانتحار. وقد أثبتت النتائج دقّة أكبر في التنبؤ بمخاطر الانتحار ضمن هذا العدد الكبير من المرضى.

وتعدّ ورقة والش التي نُشرت في مجلّة العلوم النفسيّة السريريّة (Clinical Psychological Science) في أبريل مجرّد المرحلة الأولى من هذا العمل، فهو يعمل الآن على تحديد ما إذا كانت خوارزميّته فعّالة لدى تعاملها مع مجموعة مختلفة تماما من البيانات، مأخوذة من مستشفى آخر. ويأمل والش – بمجرّد تيقّنه من سلامة النموذج – في العمل مع فريقٍ أكبر لتأسيسِ طريقةٍ مناسبة للتدخّل. كما يتوقّع وجود برنامج للتدخّل يكون تحت التجربة خلال العامين المقبلين، ويضيف قائلًا: “أعتقد بأنّه سيكون سريعا إلى حدٍّ ما، لكنّ نطاق هذه السّرعة في الرعاية الصحّية يميل غالبا إلى أن يكون في حدود عدة أشهر”.

إنّ الانتحار فعلٌ شخصيٌّ للغاية، لذا فإن القيام بتنبؤات دقيقة كهذه بناء على مجموعة من البيانات الخام فقط يبدو من منظورٍ إنسانيّ أمرًا مستحيلا. يقول والش بان تساؤل الأطبّاء عن كيفيّة صنع هذه التنبّؤات هو أمرٌ طبيعيّ، لكنّ الخوارزميّات معقّدة للدرجة التي يستحيل معها عزو الأمر إلى عوامل خطرٍ فرديّة، ” فنحن نحصل على الإجابة نتيجة مزيج من هذه العوامل” كما يقول. ومع ذلك، فإن والش وفريقه قد تفاجئوا بأن تناول “الميلاتونين” بدا كعاملٍ مهمّ في حساب الخطر. ويعلّق والش قائلا: ” لا أعتقد بأن الميلاتونين يسبّب التفكير الانتحاري لدى الأشخاص، فليس هناك ما يقودنا فيسيولوجيّا إلى ذلك الاعتقاد. لكنّ الأمر الذي يلعب حقّا دورًا مهمّا في مخاطر الانتحار هو اضطرابات النوم”. حيث من الممكن ان تمثّل الوصفات الطبّية للميلاتونين خطر اضّطرابات النّوم، بالرغم من أن هذه فرضيّة لم تُثبَت بعد.

ويثير هذا البحث أسئلة أخلاقية أوسع حول دور الحواسيب في الرعاية الصحية، وكيف يمكن حقّا استخدام المعلومات الشخصية. يقول والش: ” إن خطر العواقب غير المقصودة يلوح في الأفق دائما. صحيحٌ أنّ نوايانا حسنة، وأنّنا نبني نظاما لمساعدة الآخرين، لكنّ هذا قد ينتج عنه بعض المشاكل”.

سيتعيّن على الباحثين أيضا تحديد حجم القرارات المعتمِدة على الحاسوب، والتي ستقرّر رعاية المرضى. وباعتباره طبيبّا ممارسا للرعاية الأوليّة، فإن تسليم والش بكونه قد يتّبع أوامر من آلة بشكلٍ فعّال هو أمر مُقلق بالنسبة له. يقول والش: “هل هناك مشكلة في حقيقة أنّني قد أتلقّى تنبّؤا بالخطر عندما لا يكون هناك ما يدلّ على ذلك في الصّورة السريريّة؟ هل عليّ تغيير الطّريقة التي أقدّم فيها الرّعاية بسبب شيءٍ يخبرني الكمبيوتر بأنّ عليّ فعله؟”.

تعتمد خوارزميّات تعلّم الآلة في الوقت الراهن على البيانات التي يكتبها المرضى عند دخولهم المستشفى، لكنّ والش يدرك بأن العديد من الأشخاص المعرّضين لخطر الانتحار لا يقضون وقتا في المستشفيات قبل ذلك. “إننا نفضي معظم حياتنا خارج أماكن الرعاية الصحيّة، لذا فإنّ اعتمادنا على البيانات الموجودة في أماكن الرعاية الصحيّة فقط للقيام بهذا العمل لن يمكّننا سوى من تحقيق جزءٍ منه”.

ماهي الأماكن الأخرى التي يمكن للباحثين الحصول على البيانات منها إذن؟ أحد الخياراتِ الواعدة هو الانترنت. يقول والش إنّنا نقضي الكثير من الوقت في استخدام فيسبوك وتويتر، للدرجة التي يمكن فيها وجود بيانات من وسائل التواصل الاجتماعي، بحيث نستطيع استخدامها للتنبّؤ بخطر الانتحار. “لكنّنا بحاجة إلى تجربة الأمر لمعرفة ما إذا كان صحيحا حقّا” على حدّ تعبيره.

وقد أعلن فيسبوك في وقتٍ سابقٍ من هذا العام بأنه كان يستخدم ذكاءه الاصطناعي لمراجعة المنشورات، وذلك من أجل التحقّق من علامات إيذاء النفس. وتشير التقارير بأن نتائج هذه العمليّة كانت أكثر دقّة من التقارير التي يتلقّاها فيسبوك نتيجة وصف الناس لأصدقائهم بأنّهم في خطر (flagged as at-risk).

إنّ تدريب الآلات على تحديد العلامات التحذيريّة للانتحار هو أمرٌ أبعد ما يكون عن الوضوح. ويعتقد والش بأن إزالة الوصمة المتعلّقة بالانتحار هو أمر ضروري لنجاح التنبّؤات والتدخّلات التي يتعيّن القيام بها. ويقول: “لن نتمكّن من مساعدة الآخرين ما لم نكن مستعدّين للحديث عنه بارتياح”. ولكن مع تسبّب الانتحار بـ 800.000 حالة وفاة سنويّا حول العالم، فإن هذه قضيّة صحّةٍ عامّة لا يمكن تجاهلها.

وبالنّظر إلى كون البشر، بما في ذلك الاطبّاء، سيّئون جدّا في تحديد خطر الانتحار، فإن تعليم الآلة قد يوفّر حلّا هامّا ومناسبا.

المصدر:

Artificial intelligence can now predict suicide with remarkable accuracy

الوسوم

مقالات ذات صلة

تفاعل

زر الذهاب إلى الأعلى
0:00
0:00
إغلاق