السعيد عبدالغني – قصة قصيرة بعنوان “مأتم سريالي “


أنا وأمى لدينا جنون نادر ومتواصل مع بعض ، أحكى لها كل شىء وتحكى لى كل شىء ، كانت تحدثنى كيف كان يضاجعها أبى وما كان يفعله عندما يرى النساء فى السوق وتضحك بشدة لذلك فجاء الحديث عن مأتمها ودمعت عيناها لأنها مريضة جدا ، كيف سيكون أكثر الناس نفاقا وبذاءة وشرا هم المتصدرين ، كيف أن الجميع سيضحك وأنى فقط من أبكى والدموع ستنسدل للداخل ، ووالدى الذى سيفرح كثيرا ليتزوج من المرأة التى يحبها بعد أن أخذ كل شىء من أمى وأفنت حياتها فى خدمته ومراعاة حاجاته ، وأخذ الباقى الله ، كانت تضحك وهى تبكى وتقول ” لو كان الله غير موجود كل من مات سيأخذ خازوق طويل ولكنى أريده أن يكون موجودا لكى يعلق أباك من قضيبه ” ، اتفقنا على أن أدفنها وحدى فى مقبرة بعيدة عن مقابر القرية لأنها لا تريد أن تؤنس أحدا من أهل القرية فى أي شىء ولا تريد أن يلمسها أبى وهى ميتة ولا يراها وهى جثة ، أخوالى سرقوا حقها من أبيها وأمها وأبى سرق عمرها لهذا هى لا تحب أى أحد فى الوجود غيرى وأنا لا أحب أي أحد فى الوجود غيرها .
كنت فى المأتم ، أجلس وأضحك على هؤلاء القادمين لكى يعزوا والدى ،يجلسون ويبتسمون ويستمعون إلى القرآن الكريم ويتحدثوا عن ما حدث فى القرية وأخبارها ومن يأخذون الخاطر هم أكثر الناس سرقة وتفاهة وأكثرهم سلطة ونفوذ ، يخاف الناس منهم وهم يعرفون أنهم يكذبوا والناس تعرف أنهم يكذبوا والجميع يكب على بعضه ويمثلون ، كانت مسرحية هزلية ولم أكن أحتمل ذلك ، أن أفكر أن قضيب ابى انتصب فى المأتم لأنه جلس هائما يفكر فى زوجته المستقبلية بالتأكيد ، وظل يضحك ويبتسم مع الناس ويمزح معهم من كبار القرية ، كنت أعرف ذلك قبل أن أحضر وتوقعت كل شىء لهذا وضعت للشيخ حبة هلوسة فى الينسون الذى يشربه ، بعد الربع الأول وقفت سلمت على كل من أتى وتحسست اياديهم الخشنة للفلاحين والناعمة للاثرياء والممتلئة لأصحاب النفوذ والعيون التافهة ، ولا أحد يكترث إلى لذكرى أمى ولا بأنها ماتت وأنا أفتقدها ، يجلسون يضعون يدهم فى اليد الأخرى وحضر بعض الناس لا لشىء إلا لكى يتناولوا القهوة ويرحلوا فقط ، هناك مجموعة من الناس واقفين فى بداية المآتم يفردون أيديهم للقادم ويقولون تفضلوا ، كان هم من ليس لهم مكانة إجتماعية ويريدون النفاق .
أمى قبل أن تموت فى المشفى ، اتفقنا على كل شىء ، وعلى كل ما سيحدث ، أنى أخذها إلى مقابر فى قرية مجاورة بدون أن يعرف أحدا وأن أحضر المأتم كما العادة وأتماهى مع أبى .
بعد نهاية الربع الأول ، كان الغيظ يأكلنى من كل هذا النفاق والإدعاء فى أكثر الأمور حساسية وهو الموت ، وخصوصا هذا الشيخ الذى أخذ مالا كثيرا ليقرأ بعض القرآن وأتى به أبى لكى يتفاخر ولكى يكون له شأنا بين أهل القرية ، فالتفاخر فى هذا الأمر فى سعة المأتم والشيخ ، فغالبية أهل القرية فقراء ومساكين ولا يوجد معهم مالا وهو يحب أن يمجده الناس ويمدحوا فيه وفى كرمه ، من الطبيعى أن يتزوج فهذا هو كل شىء عن الرجل ، ما أثارنى هو أنى سمعت أحدا صديق أبى يقول لآخر ، أنه يريد أن يتزوج فلم يعاشرها ( أمى ) من سنتين وفقط متعبة وتأخذ الكثير من المال للعلاج ولا تفعل أي شىء سوى الشكوى والتألم وهو مل من ذلك وارتاح من أن أنها ماتت وتركته وحيدا يفعل ما يشاء فهو لم يكن يستطيع أن يتزوج وهى حية لأن الأمر سيكون عيبا فى القرية وهو لا يهتم بذلك بل بمركزه وسمعته بين الناس ، هذا كل ما يهمه فقط ، لكى لا تنظر له الناس نظرة سيئة فيها نوع من التقليل من الشأن ، وجوده فى المجتمع .
من كان صاحب الكهرباء فى المأتم فقلت له أن لا يخفض الصوت أبدا وودنى بذلك ، والشيخ طبعا سيسرد الكثير عن أهل القرية من الكبار والأثرياء وأصحاب النفوذ ، بدأ الشيخ بالهلوسة وقام انلاس ليبعدوه عن المايك ولكن لم أحد يقدر على ذلك وسرد الكثير عنهم من تخزين لاوعيه وسرد الكثير عن نفاقه وكيف أنه يأخذ مالا كثيرا جدا وأن جميع من حضر كذابين أتوا ليس للميت بل لكى يظهروا فى اجتماعيات القرية .
عندما ماتت أمى فى المشفى ، لم أكن أعلم ماذا أفعل ولكنى حدثت أبى بعد أن دفنتها ورحلت بالاسعاف وفى النعش جثة حمار ميت ، اتفقت مع صاحب الإسعاف وأعطيت له مالا كثيرا ولم يمانع فكل شىء يمكن شرائه بالمال حتى الموت والذكرى وأقصد بالذكرى أن ابى أعطى مالا لأناس لكى يذكروه بعد أن يموت فى القرية بالخير وما فعله فى وجوده ، وضعت النعش فى المسجد وكنت أبكى على هذا المجتمع وصلوا عليه وفى داخله حمار ميت ومشوا ورائه وهم يقولون الله أكبر ، الله يرحمها والطريق طويل ، لم يكتشفوا إلا وهم يفتحوا النعش لينزلوا الجثة للقبر ، عندها ابتعد الجميع وسقط النعش واختفيت أنا بعيدا ولم أعد ثانية إلى البيت .

أعطني رأيك

إغلاق
إغلاق