خيري الحفناوي – يقول المتوحد في سره

Hirata Yodom

لا أحبّ أن يتدخّل الله في أمورِ الحبّ أيضًا .. فقد أفسد كلّ شيءٍ سبحانه ! .. بئس الأمر كلّه .. ماذا تريد منّي الفتاة الرماديّة ؟ .. أنا مثلها لا ألوان بحوزتي .. بل أكثر منها بأشواط .. حتّى شعوري تجاهها صار رصاصةً منتهية الصلاحيّة .. أظنّها استنفدت طاقة الهجر .. فعادت إليّ اللعينة كالعادة بمكر الضحيّة .. أغربي عنّي بحقّ السماوات .. لديّ من الهراء ما يكفي لألف حياة .. إنطردي الآن ! ..

لا بأس في البأس .. حسنًا .. كانت صاحبتي منيرفا مهووسةً بشأنها الشخصيّ الحميميّ .. تصغي كثيرًا لمطالب جسدها البضّ .. محاولةً إبقاءه هادئًا قدر الإمكان تحت قصف الحواسّ .. و حين تداهمها عاصفة الشهوة في الشارع .. تشغل نفسها آنذاك باستهجان القوانين الأخلاقية المعادية للرغبة .. باحثة داخلها هنا و هناك عن أيّة ثغرة .. تسمح لها في غرفتها بممارسة انتهاك منظّم أمام المرآة .. على هذا النحو .. تقضم من فلك المتعة ما شاءت دون أن تخالطها مرارة الإثم .. و في نفس الوقت .. يستثار جسمها بصفة أعنف عند التيقّن من فعل الشرّ .. تلك الخبيثة الشهيّة ! .. على كلّ حال .. بعدما ترضي نسبيّا نهمها المعربد اللانهائي .. تحدّق إلى السقف برهة ببلاهة ما بعد النشوة .. ثم تقول شكرًا ثلاث مرّات لأصابعها النحيلة .. إبتهجت بشكل طفيف لفكرة أنّها لا تنتظر العزاء من أحد .. فالبنصر و الوسطى كانا يفيان بالغرض إلى حدّ ما .. حينئذ أحسّت بموجة باردة تسري في عظامها .. بدأ وجدانها المنحلّ يعاني من عوزٍ غريب رهيب .. شبيه بالعطش الذي يكابده المحتضر .. شعرت أنّ حركاتها صارت مستهلكة .. و لذّتها غدت من دون إثارة .. إذ أنّ عواطفها التي إعتادت تهميشها عن عمد .. عادت تحبو صوبها من جديد .. تجمّعت و تكاتفت فجأة .. ثم تكّدست قسرًا فوق صدرها على هيأة جبل جليديّ .. وقتها شعرت بنفحة من النفور و الحرمان تدكّ قلبها دكّا .. عندئذ .. فهمت أنّ ملامح كيانها الأنثوي المنسيّ قد شرعت بالبروز شيئا فشيئا .. عادت تفكّر بانتحار يليق بها .. و عاد الإكتئاب جاثماً على كلّ ركن من أركانها .. و في داخلها كان يبدو أنّه ما من ذرّة ظلّت في موضعها .. الشأن الذي دفعها بقوّة إلى حافة النوبة .. و جعلها تصرخ بصوت مبحوح : ” سحقًا .. لم يعد الأمر مسلّيًا .. عليّ بالعودة إلى نقطة الصّفر ! ” .. ثمّ أردفت قائلة عندما إزداد حالها سوءًا : ” أووف .. أريد بعض الدفء .. من يستطيع أن يعانقني ؟ .. من يستطيع أن يقبّلني ؟ .. أريد بعض الدفء .. أووف ” .. و لكن هيهات .. فات الأوان ..

منيرفا تعرف إغترابها .. أي أنّها ترى الواقع على أنّه إغتراب .. لكنّها تُطيل هذه المعرفة و تمطّطها بتصرّفات عبوديّة بحتة .. أو أنّها تمثّل دور الشخصيّة الذي ينتظره الآخرون منها .. أو أنّها تحاول الإنضمام إلى قيمةٍ داخليّة خاصّة بعالم الآخرين هذا .. و في الحالتين .. منيرفا ليست أبدًا أكثر من وضوحٍ مغترِب : ترى أنّها تتألّم .. بيد أنّها لا تتخيّل أيّ علاج لألمها سوى العلاج الطفيليّ : إنّها تعرف بأنّها شيء .. لكنّها لا تفكّر جدّيًا لنفسها بمنحى آخر سوى أن تؤثّث متحف الآخرين .. أي أنّها بالتالي كانت تقف مع العالم ضدّ ذاتها .. و على الرغم من بشاعة هذه الحبكة .. فإنّ شخصيّة كهذه لا تخلو من بعض الثراء الدراميّ : لا شكّ أنّ هذه الشخصيّة ليست مأساويّة .. لأنّ القدر الذي ينيخ على منيرفا هو قدر إجتماعيّ و ليس قدرًا ميتافيزيقيّا .. و لا هي كذلك هزليّة .. لأنّ تصرّف منيرفا سببه ظرفها و ليس ماهيّتها .. و لا هي بالطبع شخصيّة ثوريّة .. لأنّها لا تمارس أيّ نقدٍ إزاء إغترابها .. فعلامَ تقوم إذن ؟ .. منيرفا فتاةٌ رماديّة بامتياز .. حمقاء على نحوٍ مؤقّت بل و مقصود .. مجنونة تعي جنونها بدقّة بالقدر الذي لا يجعله ينفلت إلى الخارج .. إنّها بلا ريب ترسم معالم شخصيّة تراجيكوميديّة .. شخصيّة تحيا وسط تجربة الحدود القصوى .. تنتفي ضمنها المعايير الأخلاقيّة و الجماليّة في آن .. يكشف وضعها عن حزنٍ هزلي تعايشه يوميّا و لا تريد مقاومته .. عن رعب مضحك كامن فيها مع نزعة مازوخيّة تطلب المزيد .. حطام هويّة و تشظي و شتات لا فكاك من تبعاته .. مع وعي مفرط بذلك يتظافر مع عدم رغبة فعليّة في التغيير الجذريّ .. كوميديا قاسية منظّمة أنتجت واقعًا قائمًا بذاته .. واقع داخليّ مدرك لعبثيّة الوجود التي تتأرجح بين الوجود الخاطئ للعالم و بين العدم .. و التي ظلّت صاحبتي منيرفا تقف على أعتابه .. توليفة كهذه تنحسر تحت مسمىّ ” اللاأبديّ ” .. لكنّه مسمّى ينطوي على معنى خاصّ و ملغز و مستفزّ على حدّ سواء ..

اللاأبديّ موسيقى برزخيّة .. تنجم إثر الهجوم على تخوم المحايث و المعيش .. هو صوت القاع يضّاعف و يعلو .. صدى صرخة الكائن القابل للتلف في أيّ لحظة .. هو وخزة الإدراك النهائيّة .. أو تلك السوداويّة الفطريّة التي لا تحتاج إلى أيّة أسباب برّانيّة لتغذّي نشاطها .. ماذا يقول هذا الجحيم المألوف ؟ .. يقارب ربّما الإنسجام و هو في طور الحدوث فالإمّحاء .. أو يميط اللثام عن تطابقٍ إرتبك بغتة لمّا إمتلك وعيًا بما يجري .. وعيًا يكفّ في المنتهى عن أن يكون وعيًا بشيءٍ ما .. يقول هذا اللاأبديّ : أصرخ .. بأقصى ما استطعت من الهدوء .. تعذّب .. لكن تعلّم ضبط إيقاع ألمك الخاصّ حتّى يتخمّر .. ليصبح فيما بعدُ فكرةً عمياء لا تقول شيئًا لأيّ شيء .. انتحر بشتّى الطرق الممكنة .. لكن إيّاك أن يبدو موتك مملاّ للآخرين .. إيّاك .. فالعالم يريد أن يضحك لا أن يبكي .. لأنّ مظهر الكآبة جذّاب .. أمّا جوهر الكآبة منبوذ .. منبوذ .. منبوذ .. و هكذا .. منيرفا .. يا صاحبتي الشريدة .. سوف أقتلك .. أعدك ! ..

أعطني رأيك

إغلاق
إغلاق